قف على شواطئ خليج ويمبري ودَعِ الطبيعة تشفيك. فهنا، على الساحل الجنوبي الغربي لإنجلترا، سيعمل التمايل اللطيف للأشجار أمام نسيم المحيط على خفض ضغط دمك، وصوت الموجات المتلاطمة سوف يبدِّد هرمونات التوتر من دمك، ورائحة الصنوبر سوف تنشِّط جهازك المناعي.

جرعة علاجية خضراء من الطبيعة.
جرعة علاجية خضراء من الطبيعة.

وبالفحص الدقيق، ستجد أن شيئًا ما ناقص في هذا المشهد: إنه المشهد بأكمله في الواقع؛ فهذا ليس بشاطئ، إنك في وحدة عناية مركزة في برمنجهام على بُعد ٣٢٥ كيلومترًا من الشاطئ، لكن الصورة الوهمية ستخدع جسمك لكي يشفي نفسه، وذلك وفق مزاعم صانعها.

عقود من الأبحاث بَنَتْ حُجَّة مقنعة مؤيدة لآثار الطبيعة الشافية، ولكن لأن الطب تجاهل هذا المجال إلى حد كبير كان من الصعب الكشف عن الأسباب المباشرة. وفي الوقت نفسه، بدأت مجموعة متزايدة من الأدلة تشير إلى أنه من الممكن استغلال هذه التأثيرات لتحفيز آليات الشفاء في الجسم دون مساحات خضراء فعلية. ويجري الآن تنفيذ عدد صغير من المشاريع لتطبيق النظرية الجديدة. ورغم أن العمل في مراحله الأولى، فإنه يمكن في يوم ما أن يساعد الجميع — بدءًا من طريحي الفراش إلى مَن يعملون طيلة الوقت على المكاتب — على تسخير قوى الطبيعة العلاجية.

إن قول: الطبيعة مفيدة لك، هو أقدم الأقوال المأثورة على الإطلاق، وتعود المزاعم بشأن آثارها العلاجية لما لا يقل عن ألفي سنة، عندما كان الطاويون يربطون بين سلامة الصحة والعناية بالصوب الزجاجية. وفي القرن العشرين، بدأ العلم أخيرًا في دراسة ذلك؛ ففي عام ١٩٨٤م، ربط عالم الأحياء إي أو ويلسون هذه الظاهرة بالتطور — وفقًا لفرضية «بيوفيليا»، تحدث فوائد الطبيعة العلاجية لأن مخاخنا تطورت جنبًا إلى جنب مع العالَم الطبيعي وداخله — وأشار إلى أن هذا الربط التطوري أعَدَّنا للاستجابة لاإراديًّا للإشارات البيئية. فعلى سبيل المثال، كانت الأشجار الخضراء والمياه الزرقاء علامات مؤكَّدة للموارد الطبيعية، ما يوضح تفضيلنا الفطري لهذه المناظر، ويقدم قرائن على السبب وراء أن هذه المناظر قد تحفِّز استجابات المخ العلاجية.

تبع ذلك عدد وافر من الدراسات النفسية التي وفرت مجموعة من الأدلة لإثبات أن الطبيعة تخفف مجموعة كبيرة من الأمراض. فعلى سبيل المثال، الأطفال الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة وقصور الانتباه، والذين يلعبون في أماكن طبيعية لمدة ٢٠ دقيقة، يتلقَّون دفعة قوية من التركيز الذهني تساوي الدفعة التي يسببها تناول جرعة واحدة من دواء اضطراب فرط الحركة وقصور الانتباه. وبعد عدة أيام قضاها المتطوعون في المشي في البرية، اكتُشف تحسُّنٌ في التفكير الإبداعي لديهم. وفي مراجعة للدراسات السابقة في عام ٢٠١١م، عبَّر باحثون اسكندنافيون عن أسفهم حيال «غياب الدراسات ذات الشواهد»، ولكنهم خلصوا إلى أن مزاعمَ وجود تأثير مفيدٍ للطبيعة مدعومةٌ من قِبلِ «قاعدة أدلة صغيرة، ولكن موثوق بها» (دورية اسكاندينفيان جورنال أوف بابليك هيلث، المجلد ٣٩، صفحة ٣٧١).

الأكثر من ذلك هو أن آثار البيوفيليا يبدو أنها تتجاوز نطاق علم النفس؛ فاكتشف باحثون يابانيون مجموعة من الفوائد بعد مراقبة أشخاص يمارسون «شينرين يوكو» أو «الاستحمام في الغابات»؛ أي ببساطة الذهاب للنزهة في الغابة. فقد تباطأ معدل ضربات القلب، وانخفضت مستويات هرمون التوتر «الكورتيزول»، وكان معدل ضغط الدم أقل بكثير مما كان عليه عندما قيس في المدينة، لكن ذلك لم يكن كل شيء؛ إذ كشفت مجموعة من اختبارات القلب والتوتر عن أن الجهاز العصبي اللاإرادي والمركزي، وكذلك الغدد الصماء والجهاز المناعي تأثروا جميعًا إيجابيًّا (دورية يوروبيان جورنال أوف أبلايد فسيولوجي، المجلد ١١١، صفحة ٢٨٤٥). واكتشفت مجموعة أخرى في اليابان أن ممارسة «شينرين يوكو» تحفِّز الجهاز المناعي عن طريق زيادة إنتاج الخلايا القاتلة الطبيعية؛ وهي نوع من خلايا الدم البيضاء التي تقاوم الفيروسات والأورام.

ولكن هل كانت الآثار مقصورة فقط على «البيوفيليا»، أم كان الناس يستفيدون فحسب من التمرين البدني الذي يستلزمه حتمًا الخروج إلى الطبيعة؟ كيف يمكن لتجربة أن تفصل آثار التعرض للطبيعة فحسب عن فوائد التمارين الموثقة التي لا حصر لها؟

أوضحت إحدى الدراسات طريقة لذلك؛ ففي عام ١٩٨٤م، نشر روجر أولريش — الذي كان أستاذًا في جامعة ديلاوير حينذاك — تحليلًا لأشخاص يتعافون من جراحة المرارة في مستشفى بضواحي بنسلفانيا في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، عندما كانت غرف المرضى في المستشفى تطل على حديقة. اكتشف أولريش أن المرضى احتاجوا مسكنات ألم أقل مما احتاج المرضى أصحاب الغرف المطلة على جدار من الطوب. ورغم أن معظم المرضى تعافوا في غضون أسبوع، فإن أصحاب الغرف المطلة على حديقة تعافوا أسرع بيوم واحد، في المتوسط​​، كذلك فإنهم عانوا من مضاعفات أقل بعد الجراحة (مجلة ساينس، المجلد ٢٢٤، صفحة ٤٢٠). ونظرًا لأنهم كانوا طريحي الفراش، يمكن استبعاد التمارين كسبب للتحسن. وأثارت الدراسة تساؤلات مهمة حول مقدار «الطبيعة» ​​الضروري لتحفيز استجابة الشفاء.

أطلقت أبحاث أولريش فيضًا من التغييرات المعمارية في المستشفيات لإدماج المزيد من مناظر الطبيعة والحدائق. والآن، يأمل روبرت ستون — عالم نفس ومهندس في جامعة برمنجهام — أن يخطو بنتائج أولريش خطوة أخرى؛ فأنشأ ستون نسخة افتراضية طبق الأصل من منطقة خليج ويمبري في مستشفى الملكة إليزابيث ببرمنجهام؛ لدراسة ما إذا كانت الطبيعة الاصطناعية لها أي آثار شافية على عدد صغير من المتطوعين.

العلاج الأخضر

قضى ستون تسع سنوات في المجال العسكري، وأصبح مهتمًّا بهذا النوع من العلاج الأخضر بعد رؤية مباشرة لإمكانيات الواقع الافتراضي الواقعية للغاية في التخفيف من أعراض اضطراب إجهاد ما بعد الصدمة لدى الجنود العائدين من مناطق القتال، وعندما اكتشف مجموعة الأدلة الكبيرة الدالة على القوى العلاجية للطبيعة، أدرك أنه يمكنه إعادة خلق الكثير من البيئات الطبيعية للمرضى طريحي الفراش في العناية المركزة، بما في ذلك الأشخاص الذين يتعافون من حالات البتر وغيرهم من المرضى الذين حالت ظروفهم دون وجود نوافذ مطلَّة على مناظر طبيعية، والتي لا توجد في وحدات العناية المركزة غالبًا.

بدأ ستون للتوِّ اختبار آثار نظامه الحالي في دراسة على الألم، وقد زوَّد المتطوعين بمجموعة من أجهزة استشعار لاسلكية يمكن ارتداؤها، من بينها شاشات تعرض معدل ضربات القلب وموجات المخ والاستجابة الجلدية الجلفانية؛ لقياس ردود أفعالهم.

تستخدم المحاكاة شاشات بلازما كبيرة مسطحة موضوعة حول سرير المستشفى. وباستخدام عصا تحكُّم يمكن للمتطوعين التنقل في أنحاء رقعة تبلغ مساحتها ٥ كيلومترات أُعيد تشكيلها بدقة لتحاكي خليج ويمبري، مُجمَّعة أجزاؤها من خرائط طوبوغرافية ثلاثية الأبعاد. وكل شجرة ونبات ومرج وصخرة وجدول تمثل إعادة صنع مطابقة للشيء الحقيقي. إن تنفيذ المشهد واقعي على نحو متقن؛ فقد اشترى الفريق كود رسومات الأشجار من مواقع تصميم ألعاب الكمبيوتر. وإمعانًا في الواقعية، تتميز بيئات ستون بمحاكاة تسلل أشعة الشمس من بين أوراق الأشجار، والتمايل اللطيف للأشجار والنباتات أمام رياح افتراضية، وانعكاسات متغيرة في المياه الافتراضية، مع توافق الضوء مع الفصل من السنة.

تأثر التصميم بعدد من الدراسات التي تشير إلى أن التعرض لطبيعة اصطناعية يمكن أن يمنح بعضًا من فوائد الطبيعة البدنية الأخرى؛ ففي عام ٢٠٠٣م، راقب أولريش المتبرعين بالدم في غرفة الانتظار، واكتشف أن معدلات ضغط الدم وضربات القلب كانت أقل في الأيام التي تعرض فيها الشاشة المثبتة على الحائط مقطع فيديو للطبيعة، مقارنة بالأيام التي تُعرض فيها البرامج التليفزيونية النهارية. وفي عام ٢٠١٠م، اكتشف باحثون سويديون أنه عندما تُعرَض على الأشخاص الذين يعانون من الأمراض المرتبطة بالإجهاد — مثل الإنهاك — صورٌ حقيقية للطبيعة، وكذلك صورٌ وهمية؛ فإن لكلا النوعين آثارًا علاجية مشابهة؛ إذ تخفض معدلات ضربات القلب وضغط الدم (دورية جورنال أوف إنفيرومنتال سيكولوجي، المجلد ٣٠، صفحة ٤٦٤).

فائدة طبيعية

ولكن هل كانت الطبيعة على وجه التحديد هي التي ولَّدت هذه الفوائد، أم أن أي مشهد بديع يفعل ذلك؟ تناولت ريتا برتو — من جامعة بادوا في إيطاليا — هذا السؤال بالدراسة في عام ٢٠٠٥م، حيث قارنت الآثار المعرفية لمشاهدة المناظر الطبيعية ومناظر المدينة، ووجدت أن صور الطبيعة حسَّنت من أداء المتطوعين في اختبار القدرة على الانتباه، ولكن النظر إلى مطبوعات تجريدية جذابة أو مشاهد من المدينة حافلة بالتفاصيل لم تؤدِّ إلى التحسن نفسه. على ما يبدو، كانت مشاهد الطبيعة أساسية لإحداث الفوائد (دورية جورنال أوف إنفيرومنتال سيكولوجي، المجلد ٢٥، صفحة ٢٤٩).

ربما يكون التحفيز البصري البحت كافيًا لتقديم الفوائد الصحية، ولكن العديد من الدراسات السابقة تقترح على ستون أن الصوت بالغ الأهمية أيضًا؛ فقد أظهرت التجارب كيف يمكن للأصوات من الأماكن الطبيعية أن تشتت انتباه الأشخاص عن الألم وتُهدِّئهم بينما يكونون موصولين بجهاز التنفس الصناعي على سبيل المثال. واكتشفت دراسة أخرى تحسُّن الحالة العدوانية المتعلقة بمرض ألزهايمر عن طريق التعرض لصور المشاهد الطبيعية المصحوبة بأصوات الطبيعة مثل أصوات العصافير. في العام الماضي، اكتشف ستون — في دراسة تجريبية صغيرة على خليج ويمبري الافتراضي هذا — أن إضافة أصوات مثل صوت الأمواج والرياح والطيور تزيد آثار الاسترخاء التي اختبرها المتطوعون الأصحاء عندما «تنزَّهوا» خلال المحاكاة؛ لذا يشتمل نظامه الحالي على أصوات حقيقية من نزهة في ويمبري متزامنة مع الإشارات البصرية.

وماذا عن الرائحة؟ في الدراسة التجريبية نفسها، أطلق ستون عدة روائح طبيعية اصطناعية على المشاركين؛ ولم يجد فعليًّا أي فروق في معدلات النبض أو مستويات التوتر مقارنة مع المجموعة الضابطة التي لم تتعرض لأي روائح خاصة. ومع ذلك، أظهرت أبحاث أخرى أن بعض الروائح لها بالفعل آثار جسدية. افترض الباحثون في ممارسة «شينرين يوكو» أن التعزيز المناعي الذي رصدوه كان يرجع جزئيًّا إلى المركبات العضوية الطيَّارة التي يُطلق عليها «فيتونسيدات»، والتي تطلقها أشجار الصنوبر. وتشمل هذه المواد على تيربينات، وهي جزيئات طويلة تقي من الميكروبات والفطريات.

مُلهَمًا بهذه الأفكار، أطلق تشينج لي — من كلية طب نيبون في طوكيو باليابان — زيوت صنوبر عطرية في غرف بفندق في طوكيو، حيث نام فيها اثنا عشر رجلًا لمدة ثلاث ليالٍ. كشفت اختبارات البول والدم اللاحقة زيادة في الخلايا الطبيعية القاتلة للميكروبات والفطريات. وأظهرت دراسته أنه من الممكن فصل الروائح الطبيعية عن الطبيعة. يعتقد ستون أن هذا سيكون إضافة واعدة لاستكمال نظامه، بمجرد أن يجد الروائح المناسبة لاستخدامها.

لدى ستون نظامان آخران تحت التطوير، يأمل أن يُظهرا آثار الطبيعة الاصطناعية على مختلف الحالات النفسية والبدنية، بدءًا من العته إلى الألم، وحتى تسريع التعافي بعد عمليات البتر.

لم يتخذ أولريش — الذي يعمل الآن في جامعة تشالمرز للتكنولوجيا في جوتنبرج بالسويد — قراره حيال الطبيعة الافتراضية، فيقول عن ذلك: «الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أنه ليس من الممكن في كثير من المواقف توفير الطبيعة الحقيقية.» مع ذلك، يشعر بالقلق من أن يجعل الاعتماد المفرط على الواقع الافتراضي المستشفيات أقل ميلًا لتضمين عناصر الطبيعة مثل الحدائق في تصميماتها، وهو ما يراه أمرًا خاطئًا. فعلى سبيل المثال، لا يمكن للواقع الافتراضي أن يوفر أشعة الشمس، مثلًا، وهو أمر مهم للمساعدة في درء الاكتئاب، وذلك من بين أشياء أخرى.

بينما يوافق ستون على أن لا شيء يتفوق على الطبيعة الحقيقية، يأمل رغم ذلك أن يتخطى عمله المستشفيات. فرغم كل شيء، فإن الجانب الآخر من البيوفيليا هو أن غياب الاتصال مع الطبيعة يمكن أن يكون ضارًّا بالصحة. وقد رُبط تعطيل هذا الاتصال باضطرابات تتراوح من السمنة إلى انفصام الشخصية. ويأمل ستون أن أنظمة الطبيعة الاصطناعية مثل نظامه يمكن أن يجري استخدامها وقائيًّا يومًا ما في كثير من الأماكن، ويشير قائلًا: «يمكن أن تزوِّد البيئات الافتراضية مدارسنا بالخبرات الحسية الغنية.» ويعتقد أنها يمكن أن تعطي حتى الأطفال القدرةَ على المشاركة في الرحلات الميدانية الافتراضية، كما يرى أيضًا إمكانية تطبيق محاكاة الطبيعة في المؤسسات الأخرى، لا سيما دور الرعاية والسجون، وكذلك في أماكن العمل.

سوف يساعدنا اصطناع الطبيعة في التركيز تحديدًا على الطريقة التي ربما يعزز بها الشيء الحقيقي الشفاء، ولكن الأهم من ذلك أنه قد يساعد على تحقيق فوائد الطبيعة لأولئك المحاصرين في أماكن لا يمكن فيها التواصل مع الطبيعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.