أوحت إحدى القضايا المثيرة للجدل في اقتراع كاليفورنيا عام ٢٠٠٨ بابتكار إلكتروني بسيط: موقع ويب بعنوان إيتمابس Eightmaps.com. أشار الرقم المذكور في اسم الموقع إلى «المقترح ٨»، الذي دعا إلى تعديل دستور الولاية لمنع زواج المِثْليين. بموجب قوانين تمويل الحملات في كاليفورنيا، كانت كافة التبرعات التي تزيد عن ١٠٠ دولار — سواء للمجموعات التي تؤيد المقترح ٨ أو تلك التي تُندِّد به — تُسجَّل في قاعدة بيانات متاحة للجميع. أخذ شخصٌ ما (لا يزال غير معروف بعد) كافة البيانات عن مؤيدي المقترح: أسماءهم ورموزهم البريدية وجهات عملهم — في بعض الحالات — ووضعها على خريطة من خرائط جوجل.

بعدما وجد العديد من المؤيدين لمقترح منع زواج المثليين أنفسهم مُسجَّلين على هذه الخريطة، ذكروا أنهم تعرَّضوا للمضايقات أو لمقاطعة أعمالهم، بل أزعج هذا بعض المعارضين للمقترح ٨؛ فقطعًا لن يمر وقت طويل — كما أوردوا — حتى يُنشئ الأصوليون الدينيون على سبيل المثال أداة مماثلة للإفصاح عن أسماء مؤيدي حقوق زواج المثليين. طالبت اللجنة التي ساندت «المقترح ٨» أحد القضاة الاتحاديين بإلغاء قانون الإفصاح أو رفع الحد الأدنى لتسجيل أسماء المتبرعين فوق ١٠٠ دولار؛ ومن ثَمَّ يتسنَّى للمزيد من الأشخاص التبرع دون الكشف عن هويتهم، لكنه رفض مُتعلِّلًا بأن إجراءات الاقتراع تحتاج «الشفافية» التي يُوفِّرها الإفصاح عن التبرعات. وجاء حكمه متوافقًا مع فكرة أنه ينبغي الكشف عن أكبر قدر ممكن من البيانات المتعلقة بالعملية السياسية.

يُساور يفجيني موروزوف القلق من أننا كثيرًا ما نقوم بهذا التنازل — اختيار نشر المزيد من المعلومات — بغية زيادة الشفافية حتى إن كان ذلك يقوِّض مبادئ مثل الخصوصية أو مشاركة المواطنين. وفي كتابه الجديد الصريح «كي تحفظ كل شيء، انقر هنا»، يستخدم موروزوف — الكاتب في مجلتَي «سليت» و«ذا نيو ريبابليك» — حادثة إيتمابس كي يؤيد ادِّعاءه بأن «مركزية الإنترنت» تصرف نظرنا عن الأشياء المهمة بالفعل.

يشير موروزوف إلى أن صعود الشفافية على حساب قيم أخرى يرجع في المقام الأول إلى سهولة وانخفاض تكلفة استخدام الإنترنت في نشر البيانات التي قد تصبح مفيدة يومًا ما. ولأننا كثيرًا ما نسمع أن الإنترنت قد حررنا من القيود التي كان حراس البوابات الإلكترونية يفرضونها على المعلومات؛ فإن إعادة التفكير في إتاحة المعلومات تبدو فكرة رجعية، بل ويزداد الميل نحو الانفتاح قوةً (لاحظ أن موقع فيسبوك يقول إن مهمته هي «جعْل العالم أكثر انفتاحًا وشفافية»).

وليس موروزوف وحده هو من يخشى الإفراط في الشفافية؛ فقد وصف أستاذ جامعة هارفرد — لورانس لسيج — في بلاغةٍ سبب أن توافر المزيد من البيانات عن رجال السياسة يؤدي، على الأرجح، إلى تضليل الأفراد ودفعهم إلى تبنِّي نزعة تشاؤمية ساخرة بدلًا من تحسين السياسة. لكن أذعن لسيج، على ما يبدو، لحتمية مثل هذه المشاريع المختصة بتجميع البيانات في عصر الإنترنت. وهو يرى أن الحل هو تمويل الانتخابات بشكل معلَن؛ من ثَمَّ لن يكون هناك دافع قوي للأشخاص للنظر إلى دوافع مُشرِّعيهم على نحوٍ تشاؤمي.

يثير هذا سخط موروزوف؛ لأنه يرى أن لسيج يؤيد — فحسب — اعتقادًا خاطئًا بأن الإنترنت يشبه ضربًا من ضروب قوى الطبيعة أكثر منه شيئًا من صنع الإنسان حتى إنه لا طائل من المقاومة. لكن العكس صحيح، فالمقاومة لازمة كما يقول موروزوف. لم يكن رد فعله تجاه المشكلة التي أثارها موقع إيتمابس هو أن يقبل ببساطة أن مزيدًا من المعلومات سيسهل البحث عنه وعلينا أن نُغيِّر القانون وفقًا لذلك، إنما يجدر بنا أن نطالب بأن تحترم أنظمتنا الإلكترونية القيم التي تتخطَّى مجرد الشفافية. على سبيل المثال، يمكن تصميم قواعد بيانات التبرع للحملات بحيث لا يمكن كشفها دفعة واحدة؛ فبالتأكيد سيَحُول هذا دون الكشف عن البيانات بسهولة، لكن يمكن أن يعزز هذا الديمقراطية على المدى الطويل، من خلال جعْل الأفراد يشعرون بالمزيد من الحرية في دعم القضايا التي قد تكون غير مُحبَّذة في منطقتهم أو وظائفهم.

سعى موروزوف في كتابه الأول «وهم الشبكة: الجانب المظلم من حرية الإنترنت» إلى تفنيد الخرافة القائلة بأن وسائط الإعلام الاجتماعية هي سلاح قوي ضد الدكتاتورية، لكنه يقول إن العكس صحيح تمامًا؛ فالأنظمة المحنكة تستخدم الشبكة العنكبوتية في مراقبة المعارضة. بالطبع يبدو أن هذا ما يحدث في كلٍّ من الصين وسوريا وإيران. ويحاول موروزوف في كتابه الجديد أن يُفنِّد فكرة أخرى أكثر هلامية: «الحلولية»، وهي الكلمة التي استخدمها للتعبير عن المعتقد الذي مفاده أنه بتوافر البيانات الكافية عن العديد من أوجه الحياة المعقدة — التي لا تشمل السياسة فحسب، وإنما أيضًا الجريمة والمرور والصحة — يمكننا إصلاح مشكلات انعدام الكفاءة. على سبيل المثال، تحلل البرامج التنبُّئية الآن إحصاءات الجرائم، وتساعد الشرطة في تقرير الأماكن التي ينبغي تشديد الحراسة فيها. وتتعقَّب الخوارزميات عدد مرات النقر فوق المواقع الإلكترونية، وتنصح الصحفيين بنوعية المقالات التي ينبغي لهم كتابتها. يرى موروزوف أن هذا ممكن أن يفشل فشلًا ذريعًا بطرق عدة. يتمثل أحد أسباب هذا في أن الكفاءة القصوى ليست بالضرورة قيمة تستحق النضال من أجلها؛ فكثيرًا ما تتمخض عدم الكفاءة عن فوائد اجتماعية. فمن المحتمل أن عدم المعرفة الدقيقة لعدد قُرَّاء كل مقال حدا بالصحف إلى تغطية أخبار حكومة الولاية تغطية شاملة.

عجرفة تكنولوجية

إن أخطر مشكلة في سبيلها إلى مواجهتنا تتمثل في أن البيانات التي نستخدمها في إرشاد أنفسنا يمكن أن تكون ناقصة أو مختزلة على نحو مفرط؛ فكثير من الجرائم لا يُبلَّغ عنه؛ الأمر الذي يمكن أن يضلل البرامج التنبُّئية الخاصة بحفظ الأمن والنظام العام إلى الاعتقاد بأن منطقة ما آمنة. غير أن ضباط الشرطة في ميدان العمل قد يستطيعون اكتشاف وجود خلل ما ويراقبون المكان. يخشى موروزوف من مستقبلٍ تحل فيه الخوارزميات — التي لا يمكنها أن تعمل إلا بتوافر بيانات مؤكدة، ولا يمكنها بالطبع أن تضع في اعتبارها البيانات غير المتوافرة — محل مثل هذه «المعرفة الحدْسية» المتعلقة بكيفية توزيع الموارد. بالمثل، قد تبدو السِّجلَّات الإلكترونية لتبرعات أحد الأفراد لإحدى الحملات مفصلة؛ ومن ثَمَّ غنية بالمعلومات المفيدة، لكنها ستقدِّم دائمًا في أحسن الأحوال وصفًا جزئيًّا لمعتقدات هذا الفرد أو دوره في العملية السياسية.

ربما تكون الفكرة التالية هي أقوى حجة لدى موروزوف: مهما كانت البيانات تتَّسمُ بالموضوعية، فإن تفسيرها ذاتي، وبالمثل اختيارنا فيما يتعلق بالبيانات التي ينبغي تسجيلها في المقام الأول. وفي حين قد يبدو واضحًا أن البيانات — مهما كانت «ضخمة» — لا يمكنها أن تصف الحياة بكافة تعقيداتها وصفًا مثاليًّا، إلا أن تكنولوجيا المعلومات تنتج معلومات شديدة الغزارة بحيث يسهل نسيان الكمِّ المفقود منها.

وهذه ليست بالمشكلة الجديدة؛ فقد عانى مستخدمو الحوسبة الأوائل المتمرسون من التضليل أو حجب الحقائق الذي تتسم به البيانات الغزيرة. إبان حرب فيتنام، أراد الجيش الأمريكي منع فيتنام الشمالية من استخدام «طريق هو تشي مِنه»، وهو عبارة عن شبكة من الممرات وسط الغابات تمر عبر لاوس يمكن من خلالها إرسال المؤن إلى المتمردين الشيوعيين في الجنوب. فعل وزير الدفاع روبرت ماكنامارا — الذي عوَّل على طرق الإدارة الكميَّة إبان إدارته لشركة فورد لصناعة السيارات — الشيء المتوقع منه تمامًا في موقف كهذا؛ حيث سعى للحصول على المزيد من البيانات عما كان يحدث في الطريق، وهكذا بدأت «عملية الكوخ الجليدي الأبيض». بدءًا من عام ١٩٦٧ وحتى عام ١٩٧٢، حلَّقت الطائرات الأمريكية فوق الطريق وأسقطت ٢٠ ألف جهاز استشعار يعمل بالبطاريات، ويشبه في شكله النباتات أو فروع الشجر، لكن يمكنه رصد الأصوات البشرية وغيرها من الأصوات وحرارة الجسم والبول، والاضطرابات الاهتزازية التي تنجم عن عربات النقل. وأرسلت هذه الأجهزة إشارات إلى الطائرات الأمريكية التي أعادت بث البيانات إلى مرفق القيادة والتحكم التابع للولايات المتحدة في تايلاند؛ حيث يمكن للفنيين الجالسين أمام شاشات المراقبة رؤية خرائط لطريق «هو تشي مِنه». عندما كانت أجهزة الاستشعار ترصد شيئًا ما، كان هذا الجزء من الطريق يضيء مثل دودة بيضاء، وكانت أجهزة الكمبيوتر «آي بي إم ٣٦٠/٦٥» بالمركز تحسب مدى السرعة التي كانت تتحرك بها هذه الدودة، وتُرسل هذه المعلومة لاسلكيًّا إلى قاذفات القنابل التابعة للولايات المتحدة لتقوم بقصف المنطقة المعنية.

لربما بدت عملية «الكوخ الجليدي الأبيض» عملية ناجحة للغاية من وجهة نظر مركز التحكم؛ فالديدان تظهر على الشاشة ثم تختفي إثر عمليات القصف، وأشارت البيانات في ظاهرها إلى أن الأمريكيين نسفوا آلاف الشاحنات وقطعوا الطرق التي تُزوِّد الفيتناميين بكميات كبيرة من المؤن. وكانت القوات المسلحة الأمريكية تنفق عن طِيب خاطر مليار دولار سنويًّا على هذا البرنامج، لكن في آخر المطاف ألقى محققو الكونجرس بظلال الشك على ادِّعاءات البنتاجون بشأن عدد الشاحنات التي قُصفت؛ فأولًا وأخيرًا لم يرتدع الشيوعيون عن نقل المؤن إلى الجنوب؛ بل نقلوا أيضًا دبابات استخدموها في هجمة هائلة في الجنوب عام ١٩٧٢. وقد اتَّضح أن الأمريكيين لم يدركوا إلى أي مدًى كانوا هم وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم يعتمدون على بيانات ناقصة ولا يُعوَّل عليها. يرجع أحد أسباب هذا إلى أنهم لم يستطيعوا تغطية الطريق بأكمله بأجهزة الاستشعار، علاوةً على أن الفيتناميين اكتشفوا كيف يضللون النظام باستخدام حقائب من البول وشرائط مسجلة لأصوات شاحنات تسير.

لعلنا نميل إلى أن ننبذ هذه الحادثة باعتبارها خطأً فادحًا سخيفًا آخر في حربٍ ما أكثرَ أخطاءها الفادحة، لكن هذا سيجعلنا نتجاهل نقطة في غاية الأهمية؛ لم تكن العبرة في أن تكنولوجيا تجميع البيانات التي استُخدمت في عملية «الكوخ الجليدي الأبيض» كانت تكنولوجيا محدودة — مع أنها كانت كذلك — وإنما في أن مستخدمي البيانات لم يدركوا محدوديتها. يصف المؤرخ بول إن إدواردز في كتابه «العالم المغلق»، الصادر عام ١٩٩٦، عملية «الكوخ الجليدي الأبيض» بأنها مثال على العجرفة التكنولوجية. لقد ظن المخططون العسكريون أن أجهزة الكمبيوتر ووسائل اتصال الوقت الفعلي ستُمكِّنهم من إنشاء «مظلة من المراقبة التكنولوجية العالمية»، تمدُّهم ببيانات أكثر تأكيدًا حول ما يحدث في العالم. لكن أشياء كثيرة لا يمكن حصرها ببساطة تحت هذه المظلة؛ فالحياة معقدة، ولا يمكن اختزال كل شيء في صورة بيانات تستطيع أجهزة الكمبيوتر التصرف بموجبها.

تبدو البيانات مختلفة هذه الأيام، لكن إيماننا بقيمتها — والباعث على إنشاء مراكز لجمع المعلومات ومراقبتها — ما زال موجودًا حتى الآن. تقول شركة جوجل إنها تهدف إلى «تنظيم معلومات العالم، وجعْلها متاحة ونافعة على مستوى العالم». ولموروزوف كل الحق في أن يتشكك فيما إذا كان هذا الهدف ذا قيمة أم لا. فمن يعلم أي مشاريع تحليل البيانات التي تجرى اليوم ستبدو في غضون أربعين عامًا قاصرة النظر كما تبدو عملية «الكوخ الجليدي الأبيض» اليوم؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.