عيون يطاردها النعاس.
عيون يطاردها النعاس.

«لا زلت حيًّا!» تلك كانت الكلمات الوحيدة المدونة في مذكراتي بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٤. عُدت للصفحة السابقة فوجدت وصفًا حيًّا لحالة من الشلل تشبه الموت استحوذت علي في الليلة السابقة، وجاء في هذا الوصف: «كان عقلي مستيقظًا لكن جسدي كان لا يزال نائمًا. شعرت بأني مشلول الحركة، وكأني عالق بين عالمين، شعورًا يشبه — كما تخيلت — شعور غريق يستنشق أول نفس تملؤه المياه إثر غرقه.»

كان هذا أحد أول المؤشرات الواضحة على إصابتي بمرضِ النوم القهري، وإن لم أدرك شيئًا من ذلك وقتها. إذا كنتَ قد سمعت عن هذه الحالة المرضية — كما سمع بها الكثيرون بفضل فيض الأفلام الوثائقية التليفزيونية التي تسترق النظر على حياة الناس — فستعرف على الأرجح أن أحد أعراضها هو الاحتياج المتكررٌ للنوم على نحو لا يمكن مقاومته. لكن المصابين بهذا المرض يعانون في الغالب أيضًا الشلل التالي للنوم — العجز عن الحركة عند الاستيقاظ — والهلوسة التي تسبق النوم، وحالة شلل اليقظة، التي تؤدي إلى فقدان التحكم في العضلات أثناء الضحك، فينهار المريض ساقطًا على الأرض مثلما يهوي أوبي وان كنوبي إلى الأرض مع تلويح دارث فيدر بسيفه الليزري.

في عام ١٩٩٤، لم يكن يُعرف عن هذا الاضطراب سوى معلومات قليلة وثمينة، لذا استغرقت وقتًا طويلًا كي أعثر على طبيب ينظر إلى أعراضي المرضية بجدية. لحسن الحظ توافرت عقاقير لعلاج تلك الأعراض — مع أن أسباب المرض كانت لا تزال لغزًا وقتها — وهي ما ساعدتني في مقاومة الشعور بالنعاس ووضعت حدًّا للأعراض الأخرى. ربما كانت المساعدة التي قدمتها لي الأدوية سببًا في أني لم أمعن النظر قط في الأحداث العجيبة الدائرة بعقلي، مع أني أصبحت فيما بعد كاتبًا علميًّا. غير أن كم ما اكتشفه العلماء عن مرض النوم القهري في السنوات القليلة الماضية جعلني أدرك أن الوقت قد حان لبحث هذا الموضوع، وكان من أكثر ما اكتشفته إثارة للدهشة أنه عما قريب سيستطيع الملايين من الأشخاص إحداث أعراض النوم القهري عمدًا في أنفسهم والحصول على استفادة عظيمة من ذلك.

بَدأتُ رحلة البحث بركوب القطار المتجه إلى مدينة كامبريدج حيث الاجتماع السنوي لرابطة مرضى النوم القهري في المملكة المتحدة، وهي جمعية خيرية تجمع المصابين بالمرض بهدف رفع مستوى الوعي بتلك الحالة المرضية. ملحق بقاعة الاجتماع «غرفة مخصصة للغفوات القصيرة»، كذلك لاحظت سقوط العديد من الموفدين في شرك النعاس أثناء المحاضرة التي جئت لسماعها، وهو الأمر الذي لم يزعج إيمانويل ميجنوت مدير مركز طب وبحوث النوم التابع لجامعة ستانفورد في كاليفورنيا، الذي كرس الخمسة عشر عامًا الماضية من عمره في محاولة فهم مرض النوم القهري؛ لذا فالتحدث لأفراد يعانون نعاسًا مرضيًّا ليس بالأمر الجديد عليه.

لاكتشاف أصل المرض لدى الإنسان، بدأ ميجنوت بدراسة حيوان تجارب غير معتاد إلى حد بعيد وهو كلب من نوع دوبرمان. ففي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، درس ويليام ديمنت — مؤسس مركز طب وبحوث النوم التابع لجامعة ستانفورد — نمط وراثة مرض النوم القهري في هذه الكلاب وتوصل إلى وجود جين واحد مسئول عن تلك الحالة المرضية. وعندما انضم ميجنوت إلى معمل ديمنت عام ١٩٨٦، سرعان ما وضع نصب عينيه اقتفاء أثر ذلك الجين فيقول: «فكرت أني في حال تمكني من تحديد الجين المسئول عن مرض النوم القهري لهذه الكلاب، فسيقودني ذلك إلى معرفة سبب المرض لدى البشر.»

كان على ميجنوت تخطي قدر كبير من العقبات مثل تكوين مجموعة من كلاب الدوبرمان المصابة بمرض النوم القهري كما فعل ديمنت من قبله، وهي مهمة أصعب بكثير مما تبدو عليه بما أن الكلاب المصابة بهذا المرض تنزع للسقوط أرضًا أثناء التزاوج؛ إذ تصاب بنوبة شللٍ وقتي. أيضًا كان ضروريًّا العثور على عشرات المتطوعين لتسكين الجراء التي ولدت بمعدل سريع أثناء برنامج البحث. ثم بعد ذلك كانت أمامه مهمة شديدة الصعوبة وهي تحديد مكان جين لا تتوافر عنه أية معلومات في جينوم لم يكن معروفًا عنه أي معلومات وقتها. يقول ميجنوت: «وصفني معظم الناس وقتها بالجنون.»

في يناير عام ١٩٩٨، وفي الوقت الذي أوشك فيه فريق ميجنوت على تضييق الخناق على ذلك الجين؛ نشر فريقٌ آخر ورقة علمية تصف هرمونين في أمخاخ الجرذان والفئران لم يكتشفا من قبل، وأطلقوا عليهما اسم الهيبوكريتين. وبعدها ببضع أسابيع وصفت مجموعة أخرى منفصلة نفس الهرمونين وأطلقوا عليهما اسم هرموني الأوريكسين بدلاً من هيبوكريتين وكذلك حددوا بنية المستقبلات التي تكشف وجودهما. وخمنت كلتا المجموعتين ارتباط هذين الهرمونين بفتح الشهية. إلا أن فريق ميجنوت استنتج أمرًا مختلفًا من النتائج؛ فقد تمكنوا من حصر مكان الطفرة المسئولة عن مرض النوم القهري لدى الكلاب في منطقة صغيرة بالكروموسوم رقم ٦، وهي المنطقة التي تحتوي أيضًا على أحد المستقبلات التي اكتُشفت أثناء دراسة الأوريكسين. واشتبهت لنج لين — إحدى أعضاء الفريق — في احتمال وجود الطفرة في مستقبل هرمون الأوريكسين، وتأكدت صحة حدسها في النهاية.

إذن فهرمونا الأوريكسين هما المسئولان عن بقاء الإنسان مستيقظًا، وإن كان لهما تأثيرات أخرى أيضًا. تطلق بعض خلايا المخ هذين الهرمونين غالبًا أثناء النهار، وتتعرف عليهما خلايا المخ الأخرى عبر مستقبل هرمون الأوريكسين. وتحول مستقبلات الأوريكسين المعيبة لدى الدوبرمان دون نشر هرموني الأوريكسين لتأثيرهما التنبيهي في جميع أجزاء المخ، مما يؤدي إلى النوم القهري.

أهذا كل ما في الأمر إذن؟ ألا تختلف حالتي عن حالة كلب دوبرمان مصاب بالنوم القهري؟ هل أملك ذات الطفرة في مستقبلات الأوريكسين لدي؟ يتضح من العديد من الأدلة أن إجابة هذا السؤال لا بد أن تكون ﺑ «لا». فأنا — مثلي مثل معظم المصابين بالنوم القهري — لم أعانِ تلك الحالة المرضية طوال عمري، بل سيطر النوم على حياتي في أوائل عقدي الثاني فحسب. كذلك تندر إصابة توءمين متطابقين بالنوم القهري معًا، على الرغم من تطابق التركيب الجيني لكليهما. وعلاوة على ذلك، تُعَدُّ شفرة التتابع الجيني الخاصة بمستقبلات الأوريكسين طبيعية للغاية لدى الغالبية العظمى من مرضى النوم القهري. ففي حالة البشر لا شيء يعيب المستقبلات، إنما يتعلق الأمر بفقدان الهرمونات التي تُبقي الإنسان يقظًا.

كيف حدث ذلك إذن؟ لقد كنت طبيعيًّا تمامًا في عامي العشرين، وكنت أملك نحو ٧٠ ألف خلية عصبية متخصصة في منطقة ما تحت المهاد تضخ الأوريكسين بنجاح تام. وبعد أكثر من عام بقليل تلاشت تلك الخلايا تاركةً مخي يعاني اختفاء هذه الهرمونات الصغيرة الساحرة.

يكمن أحد مفاتيح ذلك اللغز في العلاقة القوية بين النوم القهري وبين شكل معين من أشكال بروتين يلعب دورًا في اتخاذ الجهاز المناعي قرارًا بوجود خطر من عدمه. يوجد لديَّ هذا الشكل من البروتين والمعروف باسم DQB1*0602، ولكنه يوجد أيضًا لدى الكثير من الأفراد، في الواقع يوجد هذا البروتين لدى واحد من كل ثلاثة أفراد. غير أن فردًا واحدًا فقط من كل ٣ آلاف يصاب بالنوم القهري. إذن ليس ذلك العامل الوحيد المسبب للمرض. ويبدو أن تعرض الأفراد الحاملين لشكل البروتين هذا لأحد المثيرات البيئية يستحث أحيانًا استجابة مناعية تدمر الخلايا العصبية المنتجة للأوريكسين في منطقة ما تحت المهاد.

توجد حاليًّا أدلة مقنعة تدعم كون النوم القهري أحد اضطرابات المناعة الذاتية؛ إذ يراهن الكثير على كونه نتيجة لسوء تعامل الجهاز المناعي مع عدوى في الجهاز التنفسي. لقد أسفرت الأبحاث حول ذلك المرض في الصين إلى تكوين قاعدة بيانات ضخمة تشير إلى نزوع الأفراد غالبًا للإصابة بالنوم القهري في فصل الربيع أكثر من فصل الصيف، وهو ما حدث معي بالفعل؛ ففي شهر أبريل عام ١٩٩٤ تسببت نوبة من الضحك الهستيري في إصابتي بشلل مفاجئ سقطت على إثره منبطحًا على الأرض في غرفة نوم أحد الأصدقاء.

يشير هذا النمط الموسمي إلى إمكانية تسبب عدوى بمجرى التنفس العلوي — مثل الأنفلونزا — أثناء فصل الشتاء في الإصابة بمرض النوم القهري. بالصدفة قَدَّم وباء أنفلونزا الخنازير عام ٢٠٠٩ دعمًا قويًّا لهذه الفرضية؛ ففي فصل الربيع التالي لبداية انتشار هذا الفيروس ازدادت الإصابات الجديدة بالنوم القهري في بكين لثلاثة أضعاف المعدل المعتاد. لا أتذكر هل أُصبت بالأنفلونزا في شتاء ١٩٩٣-١٩٩٤ أم لا، ولكني أعتقد ذلك.

الإصابة بمرض النوم القهري بسبب العدوى: توحي التغيرات الموسمية المرتبطة ببداية الإصابة بمرض النوم القهري بأن النوم القهري قد ينتج عن أنواع من عدوى الجهاز التنفسي.
الإصابة بمرض النوم القهري بسبب العدوى: توحي التغيرات الموسمية المرتبطة ببداية الإصابة بمرض النوم القهري بأن النوم القهري قد ينتج عن أنواع من عدوى الجهاز التنفسي.

تزيدنا كل تلك النتائج قربًا من تتابع الأحداث التي تقع على مستوى الجزيئات والتي ينتج عنها مرض النوم القهري. فإذا تمكنا من استيعاب السبب الدفين وراء هذا المرض، فربما نصل إلى سبل لمنع حدوثه، وهذا ما ذهب إليه ميجنوت. أما فيما يتعلق بالمصابين بالفعل بالنوم القهري — كما في حالتي — فقد يؤدي هذا الفهم الجديد للمرض إلى التوصل إلى علاجات أفضل.

أتناول حاليًّا أقراصًا تشبه الأمفيتامين للسيطرة على نوبات النعاس الموهنة التي تنتابني، غير أن أنماط نومي لا زالت أبعد ما تكون عن الوضع الطبيعي. وأنا على أتم الاستعداد للتخلص من تلك العقاقير في أقل من ثانية في حال وجود وسيلة ما تمنح عقلي جرعة من الأوريكسين.

مع قرب نهاية المحاضرة، قدم ميجنوت تلميحًا حول ماهية تلك الوسيلة؛ فإذا كان السبب وراء النوم القهري هو خلل في مستقبل الأوريكسين — كما هو الحال لدى الكلاب — فسيصبح من الصعب للغاية معالجة الجين المعيب. لكن نظرًا لأن مستقبلات الأوريكسين لدي تعمل بكفاءة تامة، فكل ما أحتاج إليه هو بديل للأوريكسين. وفي هذا يقول ميجنوت: «من المرجح للغاية أن يتوافر ذلك العقار في غضون السنوات الخمس القادمة.»

لم أكد أستوعب تلك الأخبار المثيرة حتى صدمت بخبر وقع عليَّ كالصاعقة لما يحمله من سخرية. بالطبع أثار اكتشاف مسار الأوريكسين في الجسم حماسًا واسع النطاق لدى شركات الأدوية، كما يخبرنا ميجنوت، إلا أنهم سَخَّروا كل جهودهم لإيجاد وسيلة لتثبيط مستقبلات الأوريكسين بدلاً من تنشيطها. استغرق مخي الذي يعاني نقص الأوريكسين بضع ثوانٍ لاستيعاب ذلك التحول المفاجئ. فما السبب المنطقي الذي يمكن أن يكون وراء الحاجة إلى عقار ينجح في إحداث مرض النوم القهري بدلاً من علاجه؟

الإجابة هي قطعًا لعلاج الأرق. وبصفتي مصابًا بالنوم القهري، فإن هذه الحالة المرضية لم تشغلني كثيرًا، بل في الواقع قد شعرت بحسدٍ دفين لهؤلاء الذين يعانون الأرق، هؤلاء الذين لا يزعجهم النوم باستمرار.

قررت البحث عن مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، وما إن رجعت لندن بعد نهاية الاجتماع حتى اتصلت بشركة أكتيليون — وهي شركة سويسرية من أوائل الشركات التي أدركت إمكانيات العقاقير المثبطة لمستقبلات الأوريكسين. وبينما كنت أتحدث مع جيد بلاك — مستشار الشركة الذي يعالج حالات الأفراد المصابين باضطرابات النوم ودراستها في مركز طب وبحوث النوم — أدركت سريعًا أن الأرق ليس بمرض أقل وطأة من النوم القهري، بل قد يكون أسوأ بكثير؛ إذ تمتد حالات الأرق طويلة الأمد طوال الأسبوع كما يوضح بلاك: «قد يصبح الأرق أمرًا مروعًا بالفعل.»

تحفيز الجسم على النوم

في الوقت الحالي، تعمل العقاقير المستخدمة لعلاج الأرق إما عبر تثبيط عمل الناقلات العصبية المحفزة أو تحفيز الناقلات العصبية المثبطة. وعلى الرغم من فاعلية تلك العقاقير فإنها قد لا تنجح في تحفيز النوم في صورته الطبيعية، بل يصاحبها كل أنواع الآثار الجانبية، مثل الإدمان. لكن يشير بلاك إلى احتمال كون معظم حالات الأرق ناتجة عن زيادة نشاط منظومة الأوريكسين في الجسم، وفي تلك الحالة قد يتيح تثبيط مستقبلات الأوريكسين علاجًا أكثر فعالية تقل آثاره الجانبية بكثير عن العلاجات الأخرى. ويقول بلاك في هذا الصدد: «نظريًّا، قد يشعر الفرد أنه يحصل على نوم طبيعي لا نوم ناتج عن تعاطي العقاقير.»

تغلبت شركة ميرك على أكتيليون في سباق تطوير مثبطات الأوريكسين؛ فعبر البحث الدقيق عن الجزيئات الصغيرة التي ترتبط بمستقبلات الأوريكسين اكتشف الباحثون بشركة ميرك مركبًا يطلق عليه حاليًّا اسم سوفوريكسانت. ومع ضمان نجاح تجارب المرحلة الثالثة لهذا المركب، تتوقع الشركة أن تتقدم بطلب للتصديق عليه في الولايات المتحدة في وقتٍ لاحق من هذا العام.

يقول داريل شويب، وهو من كبار علماء الأعصاب بشركة ميرك، والذي تابع التقدم السريع لعقار سوفوريكسانت عبر مراحل تطوره: «كان ذلك من أروع وأجمل المنتجات العلمية التي شاركت في إنتاجها.» تتلخص سمات العقار المثالي لعلاج الأرق — وفقًا لشويب — في كونه آمنًا عند الاستخدام لفترات طويلة، ويساعد الناس على الدخول في النوم، والاستغراق فيه، لكن لا يعوقهم عن ممارسة حياتهم على نحوٍ طبيعي في اليوم التالي. ويزعم شويب أيضًا أن «سوفوريكسانت قد نجح بالفعل في تقديم هذه المميزات».

سنعرف قريبًا هل الهيئات المنظمة تتفق مع تقييم شويب لهذا العقار، فإذا تمكنت مثبطات الأوريكسين بالفعل من تحقيق فوائدها المنتظرة فلن يعود ذلك بالنفع على ملايين الأشخاص الذين يعانون الأرق فحسب، بل كذلك يُقَدِّر البعض أن هذا العقار قد يساعد في علاج حالات مرضية أخرى مثل الفصام، والاكتئاب، والإدمان. يقول شويب: «لا يزال الأمر مبكرًا على ذلك»، إلا أنه يضيف «إن وجود جزيء مفيد مثل سوفوريكسانت يتيح لنا فرصة البدء في اكتشاف سبل تحقيق هذا الاحتمال.»

لكن إلى أين يقودني كل هذا في رحلتي للتنقيب عن بديلٍ للأوريكسين؟ لماذا لا يحضر العلماء وصفة سريعة تحوي بعض الأوريكسين في المعمل؟ لقد أخبرني ميجنوت أثناء تناول طعام الغداء في الكافيتريا بعد إلقائه محاضرة أن تحضير ذلك العقار أمر سهل ومضمون، بل في الواقع يستخدم الأوريكسين التخليقيُّ بالفعل كعلاج مؤقت للفئران التي تعاني النوم القهري نتيجة لنقص هرموني الأوريكسين لديها، لكن هذا العلاج تطلب إدخال أنبوب داخل أدمغتهم لتوصيل الهرمون إلى منطقة ما تحت المهاد. تتلخص المشكلة في كبر حجم جزيئات الأوريكسين وعدم قدرتها على الوصول للدماغ عند بلعها أو حتى عند حقنها في مجرى الدم. وقد حقق الدواء مفعولًا أكبر عند تعاطيه عبر الأنف، لكن ليس لدرجة معالجة الناس بهذه الطريقة.

قد يأتي اليوم الذي يتمكن فيه العلماء من إنتاج خلايا تحل محل خلاياي العصبية المنتجة للأوريكسين المفقودة منذ زمنٍ بعيد، لكن تظل هناك فرصة معقولة أن تلقى تلك الخلايا نفس مصير الخلايا التي ولدتُ بها من جراء مشكلة المناعة الذاتية التي أعانيها. لذا فإن أفضل وسيلة لتعويض هرمونَي الأوريكسين لدي هي اكتشاف جزيء صغير يحاكي تأثيرهما، كما اقترح ميجنوت.

أكدت لي كل من شركتي أكتيليون وميرك على أن الأبحاث في هذا المجال دخلت طور التنفيذ، لكنها لن تكون مهمةً سهلة. فطريقة عمل الهرمون ومستقبله تماثل طريقة عمل المفتاح والقفل؛ فلتثبيط المستقبل يجب العثور على جزيء صغير يستطيع تسكين نفسه في جزء من المستقبل وإيقاف تدفق الهرمون إلى الداخل، مثل حشر علكة في قفل لمنع دخول المفتاح فيه.

ومن جانبٍ آخر يتطلب تنشيط المستقبل إيجاد جزيء صغير يتلاءم تمامًا مع المستقبل، أي إيجاد المفتاح المناسب الذي يستطيع فتح القفل، وهو ما يشكل صعوبة أكبر. يقول شويب: «يوجد سبب وراء الكبر الزائد في حجم جزيئات الأوريكسين»، فخصوصيته نابعة من حجمه.

لكن ماذا عن تنبؤ ميجنوت بتوافر بديل للأوريكسين بالأسواق في غضون خمس سنوات؟ هذا ما سألت عنه عندما اتصلت به هاتفيًّا في ستانفورد، فأكد لي أنه «سيحدث لا محالة»، لكنه كان يشعر بالإحباط من عزوف شركات الأدوية عن بذل مزيد من الجهد والموارد في سبيل الوصول لهذا العقار المهم. فعلى حد قوله: «الأمر بالطبع صعب التنفيذ، هم يدَّعون أنهم يحاولون لكنهم لا يبذلون جهدًا كبيرًا في المحاولة. إنهم يضيعون على أنفسهم فرصة عظيمة، فنحن في حاجة ماسة إلى منشطات آمنة بدلًا من المنومات.»

أعرف أني في حاجة لذلك لكن في إمكاني الانتظار؛ ففي مقابل كل مريض بالنوم القهري مثلي يوجد على الأقل ١٥٠ مصابًا بالأرق عاجزين عن ممارسة حياتهم، وقد فاجأني حماسي الصادق لاحتمال تمكنهم عما قريب من الاستمتاع بقدر كاف من الراحة. لقد أدركت فجأة أن تلك الرحلة التي عرفتني على خبايا عقلي عالجتني من حسدي — الناتج عن عدم الاطلاع بصورة كافية — لمرضى الأرق. فأنا أدرك الآن تمامًا أن المصابين بالأرق والنوم القهري كلاهما يخوضان على الأرجح معركة ضد عدو مشترك — منظومة الأوريكسين المعيبة لديهم. وهذا الإحساس الجديد بالتضامن رسم ابتسامة على وجهي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Nadji Rebech ·٣٠ سبتمبر ٢٠١٥، ٢٣:١١ م

    انه امر مقلق لاني اعاني منه ................

    • photo avatar
      Nimat Essam Haleem ·١٨ يناير ٢٠١٧، ٢٠:٦ م

      وكيف وضعك حالياً قابلت طبيب؟ وهل تعاني من كل الاعراض؟