كيف يؤثر التحيز على الأحكام القضائية؟

إذا ما وجدت نفسك يومًا ما بين يدي أحد القضاة ناظرًا في أمرك، فحري بك أن تتمنى أن يكون قد تناول الطعام لتوه. فبعد فحص نتائج أكثر من ١٠٠٠ طلب إطلاق سراح مشروط، توصل جوناثان ليفاف، الأستاذ بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، وزملاؤه، إلى أن القضاة يصدرون في الغالب أحكامًا في مصلحة المتهمين في بداية اليوم أو بعد الغداء مباشرةً. وفكرة أن يحدد مثل هذا التصرف المحايد تمامًا هل سيحصل المرء على حريته أم يظل خلف القضبان مزعجة للغاية. فعلى مر القرون وضع البشر نظمًا قانونية تقوم على مبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون وحقهم في الحصول على محاكمة عادلة لا يشوبها أي تحيز. بيد أن الإجراءات كافة تقوم في الغالب على عقلانية العقل البشري الذي من الممكن أن يحيد بسهولة عن الطريق القويم.

ولعل السبب وراء ظاهرة الغداء السابق ذكرها بسيط. تتسم القرارات التي تُتخَذ بشأن طلبات إطلاق السراح المشروط بصعوبتها نظرًا لإمكانية إسفارها عن عواقب وخيمة في حال الإفراج عن مجرم خطير. وعندما يكون القضاة متعبين أو جائعين، قد يفتقرون للطاقة اللازمة لتقييم الحُجج المختلفة، فيخطئون في أحكامهم من باب توخي الحذر ويرفضون إطلاق السراح المشروط (بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز، مجلد ١٠٨، صفحة ٦٨٨٩).

ربما أكثر ما يثير القلق هو قابلية الذاكرة البشرية للوقوع في الخطأ. منذ نحو ثلاثين عامًا بدأت دراسات علماء النفس والأعصاب توضح سرعة تأثر الذاكرة البشرية. الأمر الذي يشير ضمنًا إلى أن الاستجواب بطرح أسئلة استدراجية يمكن أن يرسخ في أذهان شهود العيان تفاصيل خاطئة، أو حتى أحداثًا وهمية تمامًا. ومن ثم فإن الكثير من أجهزة الشرطة الآن لديها توجيهات صارمة بشأن كيفية استجواب المحققين للشهود.

ومنذ ذلك الحين كشفت دراسات، كتلك التي أجراها ليفاف، عن الكثير من الخصائص المعرفية الأخرى التي قد تهدد سير العدالة. وفي هذه المقالات سنتناول بالدراسة بعضًا من أكثر الأخطاء إثارةً للقلق، وكيف يمكن تداركها.

أخطاء التعرف على المشتبه بهم

ألم يحن الوقت لإجراء تعديلات بسيطة؟
ألم يحن الوقت لإجراء تعديلات بسيطة؟

في صيف عام ١٩٨١ اختطف رجل مسلح سيدة من موقف للسيارات، وأوسعها ضربًا واغتصبها قبل أن يتركها عاريةً مكبلةً. وبعد بضعة أيام ظنت تلك السيدة أنها قد وجدت المعتدي عليها عندما رأت مصادفةً سيارتها المسروقة في مجمع سكني آخر. ومع أن قائد السيارة، ويُدعَى روبرت كلارك، لم تتطابق ملامحه مع الوصف الأولي للمجني عليه تطابقًا تامًّا، فقد تعرفت عليه فيما بعد من بين مجموعة من الصور وأحد طوابير العرض. وفي النهاية أُدين روبرت بالاغتصاب والاختطاف والسرقة تحت تهديد السلاح.

ظل كلارك مُصرًّا على براءته، مدعيًا أنه قد حصل على السيارة من رجل آخر قبل بضعة أيام. وتأكدت صحة ادعائه في عام ٢٠٠٥، عندما فحصت الشرطة أخيرًا دليلًا مهبليًّا أُخِذ من السيدة بعد وقوع الجريمة، وبُرئت ساحته بعد أن قضى ٢٣ عامًا في السجن.

تعكس مثل هذه القضايا ثغرات طوابير عرض المشتبه بهم. في الواقع، ووفقًا لمجموعة الضغط المعروفة باسم «مشروع البراءة»، يعود نحو ثلاثة أرباع حالات الإدانة، التي تُبطَل فيما بعد بأدلة الحمض النووي (دي إن إيه)، إلى أخطاء شهود العيان في التعرف على المجرمين. والسؤال الآن هو كيف يحدث ذلك؟ نظريًّا يبدو المنطق وراء هذا الأمر سليمًا تمامًا؛ فتقديم طوابير العرض لأحد شهود العيان مشتبهًا به بين حوالي ثمانية أشخاص آخرين يشبهونه، ويكون ذلك إما برؤيتهم شخصيًّا أو عن طريق صور ومقاطع فيديو. وما لم يكن الشاهد يتذكر المشتبه به جيدًا، فمن المحتمل أن يختار واحدًا من المشابهين له، وفي هذه الحالة يمكن للشرطة صرف النظر عن حكم الشاهد. وفي حال التعرف على المشتبه به فعلًا، سيُضاف ذلك إلى أدلة إدانته.

لكن مجال الوقوع في الخطأ كبير. على سبيل المثال: عند عرض المشتبه بهم في آن واحد يبدأ الشاهد في المقارنة بينهم، مُستخدِمًا أحكامًا نسبية، ليختار أفضل خيار فيهم، بدلًا من الاعتماد على خصائص موضوعية قاطعة تتماشى مع ما يتذكره بالفعل. تقول أمينة ميمون، عالمة النفس بكلية رويال هولواي في جامعة لندن: «يشعر الناس عادةً بالاضطرار لاختيار شخص ما عند وقوعهم تحت ضغط شديد.» وإذا تصادف أن هذا الشخص هو المشتبه به، يمكن أن يكون لهذا القرار أهمية كبيرة في المحكمة، حتى وإن كان هذا الشخص غير مذنب بالفعل.

ولتفادي ذلك يقترح علماء النفس عرض الأفراد واحدًا بعد الآخر، الأمر الذي قد يحول دون إصدار حكم نسبي؛ حيث يقارن الشاهد كل شخص بما يتذكره عن الحدث. وثمة أدلة قوية على فعالية هذا الأسلوب. ففي العام الماضي حللت نانسي ستيبلاي، الأستاذة بكلية أوكسبورك في مينيابولس بولاية مينيسوتا، نتائج ٧٢ دراسة منفصلة، وعقدت مقارنة بين كلا الاتجاهين لتتوصل في النهاية إلى أن طوابير العرض المتتالي تؤدي إلى تراجع احتمالية الوقوع في الخطأ بنسبة ٢٠ بالمائة تقريبًا (سايكولوجي، بابليك بوليسي آند لو، مجلد ١٧، صفحة ٩٩).

لا تزال طوابير العرض المتزامن شائعة في الكثير من المناطق بالولايات المتحدة، وفيها يقارن الشهود غالبًا بين صور عدة أفراد مختلفين في محاولة لتحديد المجرم. على النقيض من ذلك، يوجد توجه متزايد لدى الشرطة في المملكة المتحدة لتفضيل طوابير العرض بالفيديو، التي تعرض المشتبه بهم بالتعاقب. لكن قد يحتاج ذلك أيضًا لبعض التطوير. فينص القانون البريطاني على أن طابور العرض بالفيديو لا بد أن يعرض كل وجه مرتين قبل أن يتخذ الشاهد قرارًا. ومع أن هذا الإجراء يمكن أن يوفر مزيدًا من الوقت لاتخاذ القرار، فقد يسمح أيضًا للأحكام النسبية بأن تجد طريقها لعقل الشاهد.

تقول أمينة ميمون، التي تعمل مع الشرطة في تقييم كيفية إجراء طوابير العرض وتحسينها: «في بعض الأحيان تُعرَض الصور، فيقول الشاهد على الفور: «مهلًا! ها هو.» بيد أن القانون يلزم الضابط بعرض مجموعة الصور كاملةً مرتين قبل أن يطلب من الشاهد النطق بقراره.»

ثمة مجال آخر لتغيير هذه الطوابير، ألا وهو إجراء تعديل بسيط على مظهر أفراد طابور العرض. هب أن شاهدًا أبلغ الشرطة بأنه رأى شخصًا ما على وجنته علامة يهرب من مسرح الجريمة. إذا ألقت الشرطة بعد ذلك القبض على رجل على وجهه علامة مماثلة لما وصفه الشاهد، فسيختاره الشاهد على الأرجح من بين طابور من الرجال لا يحملون هذه العلامة، سواء أكان هو من شوهد في مسرح الجريمة أم لا. وفي محاولة منها للحيلولة دون حدوث ذلك، تحاول الشرطة غالبًا إخفاء العلامة في طابور العرض. ويمكن التوصل إلى نتائج أفضل عند استخدام الاستراتيجية البديلة، وإن كانت أقل شيوعًا حاليًّا، التي تتمثل في وضع العلامة ذاتها على كلٍّ من الأفراد المشابهين، وذلك وفقًا لبحث أجرته ثيودورا زاركادي، التي تعمل الآن في جامعة بيدفوردشير، وفريق كيمبرلي ويد بجامعة وارويك في المملكة المتحدة (سايكولوجي ساينس، مجلد ٢٠، صفحة ١٤٤٨).

التحقيق مع المشتبه بهم

أساليب الاستجواب.
أساليب الاستجواب.

في حال عدم توفر أدلة قاطعة من الطب الشرعي، يتوقف نجاح التحقيق على المعلومات التي تُجمَع في اللقاءات التي تُجرى وجهًا لوجه مع المشتبه به الرئيسي. كيف يمكن إذن إقناع الجاني بالاعتراف؟

يجب ألا تكون أبدًا إجابة هذا السؤال هي العنف في الاستجواب. فقد أوضحت الكثير من الدراسات أن العنف في الاستجواب يزيد كثيرًا من احتمالية اعتراف المشتبه به بجريمة لم يرتكبها. وتقول ميمون: «إذا ما مارست الضغط على أحدهم، فسوف يعترف لمجرد اعتقاده بأنه عند فعل ذلك سيتمكن من العودة إلى المنزل». والادعاء بامتلاك أدلة إدانة، أملًا في رضوخ المتهم، خطأ بالمثل. تشير التجارب المعملية، التي تضمنت أفرادًا متهمين بارتكاب جنحة بسيطة، إلى أن مثل هذا التحايل يؤدي غالبًا إلى اعتراف لا أساس له من الصحة؛ ربما يرجع ذلك إلى ثقتهم خطأ بأن الحقيقة ستظهر بمرور الوقت (لو آند هيومن بيهافير، مجلد ٣٥، صفحة ٣٢٧). وفي بعض الأحيان يصل بهم تشوش الفكر إلى درجة تجعلهم يصدقون الاتهام الموجه إليهم (آبلايد كوجنيتيف سايكولوجي، مجلد ١٨، صفحة ٥٦٧). ويمكن للآثار المترتبة على الاعترافات الخاطئة أن تكون بعيدة المدى. فهي لا تؤثر تأثيرًا كبيرًا فحسب في القضايا، بل إن التوقعات التي تثيرها يمكن أن تحجب أدلة أخرى تُقدَّم في المحاكمة. وتشير تحليلات القضايا، التي بُرِّئت فيها لاحقًا ساحة المتهمين بفضل أدلة الحمض النووي، إلى أن وجود اعتراف ما يؤثر في كل شيء بدءًا من تحليل الطب الشرعي وصولًا لشهادات شهود العيان (سايكولوجيكال ساينس، مجلد ٢٣، صفحة ٤١).

منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دُرِّبت الشرطة في المملكة المتحدة على تجنب الممارسات التي قد تزيد من خطر الاعترافات الخاطئة، في حين لا تزال هذه الممارسات سائدة في أماكن أخرى. ففي الولايات المتحدة — على سبيل المثال — يستخدم الضباط بانتظام وسيلة ريد، المثيرة للجدل، للاستجواب والتي تشجع على ممارسة الضغط الشديد أثناء الاستجواب، فضلًا عن التحايل بأدلة زائفة في مواقف معينة.

في الوقت نفسه، تشتهر شرطة الخيالة الكندية بتنظيمها لعمليات سرية متقنة بهدف نزع الاعترافات من المشتبه بهم. فتقوم الوسيلة المعروفة باسم «مستر بيج» — أو «زعيم العصابة» — على تنظيم عصابة إجرامية غير حقيقية مؤلفة من ضباط شرطة متخفين. ويُستدرَج الشخص المشتبه في ارتكابه جريمة ما إلى داخل العصابة، ويُشجَّع على ارتكاب مخالفات بسيطة في مقابل مكافأة ما. وبعد فترة من الوقت يلتقي المشتبه به ﺑ «زعيم العصابة» — وهو ضابط آخر متخفٍ يتظاهر بأنه الزعيم — للحصول على مهمة أكبر وأكثر ربحًا. يشجع زعيم العصابة المشتبه به ليعترف بالجريمة ويصف كيفية ارتكابها، مع التظاهر بأن السبب وراء ذلك هو جمع «معلومات إجرامية» كنوع من الضمان إذا ساءت الأمور، أو الوعد باستخدام نفوذه للقضاء على مشكلات المشتبه به. وإن اعترف المشتبه به — وهو ما يحدث في ثلاثة أرباع الحالات — ينتهي الأمر، ويُقْبَض عليه.

إن كلًّا من الخداع والوعد بمكافأة كبيرة يعنيان أن تلك الوسيلة تهيئ تربة خصبة للإدلاء باعترافات خاطئة، وهذا ما قاله ستيفن سميث وزملاؤه بجامعة سانت ماري في هاليفاكس بمقاطعة نوفا سكوشا في كندا، الذين استعرضوا مخاوفهم في بحث حديث (سايكولوجي، بابليك بوليسي آند لو، مجلد ١٥، صفحة ١٦٨).

يصعب كذلك تحديد مدى تأثير هذه الأساليب، مع أن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن استبعادها يقلل كثيرًا من احتمالات إساءة تطبيق أحكام العدالة. وفقًا ﻟ «مشروع البراءة»، يعود نحو ربع عدد القضايا التي يلغى فيها الحكم إلى الاعترافات الخاطئة.

وحتى أساليب الاستجواب الأكثر اعتدالًا تطرح بعض المشكلات أيضًا. فيعتمد المحققون عادةً على إشارات سلوكية، مثل التململ أو تجنب التقاء الأعين، لتبين من يقول الحق. لكن هذه الإشارات من الممكن أن تكون مضللة؛ فالأبرياء أيضًا يتصرفون غالبًا على هذا النحو عند تعرضهم للضغط. هذا ما أوضحه راي بول، وهو عالم نفس شرعي بجامعة ليستر في المملكة المتحدة. واقترح راي بدلًا من ذلك التركيز على ما ينطق به المشتبه به من كلمات؛ فيقول: «غالبًا ما يناقض الكاذبون أنفسهم.»

في عام ٢٠٠٤ انضم راي بول إلى كلٍّ من ألديرت فريه وسامنتا مان بجامعة بورتسموث في المملكة المتحدة لتدارس هذا الأمر. طلبت تلك المجموعة — باستخدام تسجيلات حقيقية للقاءات مع مشتبه بهم — من ٩٩ ضابط شرطة تحديد أي من المشتبه بهم كاذب وأيهم صادق. ويقول بول: «جاءت أفضل الإجابات من الذين اعتمدوا على الإشارات المتعلقة بالمحتوى.» أما من اعتمدوا على الإشارات السلوكية المراوغة، فلم تأت نتائجهم صحيحة إلا بالمصادفة (جورنال أوف أبلايد سايكولوجي، مجلد ٨٩، صفحة ١٣٧).

التحيز يعمي البصيرة

اختيار هيئة محلفين غير متحيزة عنصر محوري لإجراء محاكمة عادلة.
اختيار هيئة محلفين غير متحيزة عنصر محوري لإجراء محاكمة عادلة.

أمام الكثير من قاعات المحاكم في جميع أنحاء العالم، يقف تمثال مهيب يُعرف باسم «سيدة العدالة»، تحمل ميزانًا في إحدى يديها، وتكون في الغالب معصوبة العينين. هذا التمثال هو رمز عدم التحيز في المحاكم التي من المفترض أن توازن بين وقائع القضايا بصرف النظر عن هوية الأفراد.

لكن تحقيق ذلك صعب للغاية، وآثاره أخطر مما يمكن تخيله. ولعل أكثر الموضوعات خضوعًا للدراسة في هذا الشأن هو التحيز العرقي. فقد أوضحت العديد من الدراسات أن كلًّا من القاضي وهيئة المحلفين يمكن أن يضمروا تحيزات خفية من شأنها التأثير في الإدانة والحكم (كارانت ديركشينز إن سايكولوجيكال ساينس، مجلد ٢٠، صفحة ٥٨). في إحدى الدراسات الشاملة نظر ديفيد موسترد، الأستاذ بجامعة جورجيا في أثينا، في أكثر من ٧٧٠٠٠ قضية تعود إلى تسعينيات القرن العشرين. وعندما وضع في الاعتبار أيضًا جميع العوامل الأقل تأثيرًا، كالثروة والتعليم وصحيفة الحالة الجنائية السابقة، كان العرق السبب وراء ١٠ بالمائة من الاختلافات في مدة الحكم (ذا جورنال أوف لو آند إيكونوميكس، مجلد ٤٤، صفحة ٢٨٥).

يمكن أن يمتد تأثير التحيز إلى جميع جوانب أي محاكمة. على سبيل المثال: يمكن ألا يكون التحيز ضد المدعى عليه، بل أحد شهود العيان. عندما أعدت لارا فرُمكين، الأستاذة آنذاك في جامعة ميريلاند في بالتيمور، محاكمات صورية باستخدام شهادات مسجلة على شرائط فيديو لشهود عيان، اعتبرت هيئة المحلفين الشخص نفسه أقل مصداقية عند تحدثه بلهجة أجنبية (سايكولوجي، كرايم آند لو، مجلد ١٣، صفحة ٣١٧).

انظر الشكل.

المصدر: دورية «لو آند إيكونوميكس» مجلد ٤٦ (أبريل ٢٠٠١).
المصدر: دورية «لو آند إيكونوميكس» مجلد ٤٦ (أبريل ٢٠٠١).

ما الحل إذن؟ يقترح البعض إجراء مزيد من الاختبارات المكثفة لأعضاء هيئات المحلفين المحتملين من أجل الكشف عن التحيزات الخفية، وإن كان لا يزال هذا الخيار محل جدل. ولعل من الحلول المثيرة للدهشة تبسيط لغة المحكمة. في بعض الولايات الأمريكية — على سبيل المثال — عند إعطاء رأي من جانب هيئة المحلفين فيما يتصل بإصدار حكم بالإعدام، تكون التعليمات الموجهة لأعضاء الهيئة — التي من المفترض أن توجههم خلال النظر في القرار المناسب — صعبة لدرجة تحول دون فهم الشخص العادي لها. وفي ظل بلبلتهم يعتمد المحلفون غالبًا على حدسهم في الاختيارات، الأمر الذي يفسح مجالًا أكبر أمام التحيز. وقد أدت إعادة صياغة التعليمات بلغة أبسط إلى الحد من هذا الأمر في عدد من المحاكمات الصورية، فتساوت احتمالية إصدار أعضاء الهيئة للحكم نفسه على مجرم أسود أو أبيض (بيهافيورال ساينسز آند ذا لو، مجلد ٢٦، صفحة ٦٠٣).

ومع ذلك لا يزال الشك يساور بعض علماء النفس فيما يتعلق بإمكانية التخلص يومًا ما من آثار التحيز كافة. تقول جرين: «تؤثر دائمًا خبراتنا ومواقفنا ومعتقداتنا على كيفية تفسيرنا للأمور.»

لنتجاهل العواقب

قد يكون من الصعب تجنب التحيز الناتج عن إدراك عواقب الفعل.
قد يكون من الصعب تجنب التحيز الناتج عن إدراك عواقب الفعل.

تخيل أنك تنظر في أمر شخص ما متهم بالقيادة الخطرة. ينص قانون الولايات المتحدة على أن المدعى عليهم في هذا النوع من قضايا المسئولية القانونية من المفترض أن يُحكَم عليهم على أساس فعلهم، بصرف النظر عن عواقب هذا الفعل. ولا تنظر المحكمة إلى العواقب إلا عند اتخاذ قرارات بشأن التعويضات اللازم دفعها. لكن من السهل رؤية كيف يمكن لحكمك أن يتأثر إذا علمت أن السيارة المسرعة تسببت في جعل أحد المشاة قعيدًا.

وهذا الموقف، الذي يُعرَف بالتحيز الناتج عن إدراك عواقب الفعل، من الصعب للغاية تجنبه. فأوضحت العديد من الدراسات أن أعضاء هيئات المحلفين لا يمكنهم التركيز على فعل الشخص فحسب، وغض الطرف عن المعلومات غير ذات الصلة. وقد يفيد في هذه الحالة تحذير المحلفين من التفكير في العواقب، وإن كان هذا النوع من التحيز يصعب للغاية التغلب عليه بالتفكير الواعي (نيو ساينتيست، ١٢ نوفمبر ٢٠١١، صفحة ٣٨).

كبديل عن ذلك تقترح إيدي جرين، وهي عالمة نفس بجامعة كولورادو في مدينة كولورادو سبرينجز، تقسيم القضية إلى محاكمتين منفصلتين، إحداهما للمسئولية القانونية والأخرى للتعويضات. وبذلك، لا تحصل هيئة المحلفين إلا على الحقائق ذات الصلة، وهي العملية التي تُعرَف باسم التشعب. ومن خلال إعادة تمثيل بعض القضايا الحقيقية، توصلت إيدي إلى أن التشعب مكّن هيئة المحلفين من التركيز على نحو أفضل على المعلومات الصحيحة، فتمكنوا من التوصل إلى حكم أكثر إنصافًا بوجه عام. على الجانب الآخر، كان إخبار المحلفين فحسب بعدم النظر إلى المعلومات غير ذات الصلة، غير مجدٍ إلى حد بعيد (لو آند هيومان بيهافيور، مجلد ٢٩، صفحة ٥٠٥). تُجرَى المحاكمات المنفصلة بالفعل في المملكة المتحدة؛ فيقف قائد السيارة الخَطِر أمام محكمة جنايات تنظر فيما إذا كان فعله جُرمًا أم لا، ومحكمة مدنية يمكن فيها للشخص المصاب أن يقيم دعوى فيما يتعلق بالتعويضات على نحو منفصل. وهذه الوسيلة معمول بها أيضًا في بعض الولايات الأمريكية، بيد أن النتائج التي توصلت إليها جرين تشير إلى أن استخدامها يجب أن يكون أكثر شيوعًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.