في أحد الفصح الموافق ٢٦ مارس عام ١٤٧٥ عُثر على جثة طفل صغير يدعى سايمون طافية في مصرف بمدينة ترينتو (التي تقع حاليًّا في إيطاليا). كان سايمون مفقودًا منذ عدة أيام وانتشرت شائعات تُورِّط الجاليةَ اليهودية المحلية في واقعة اختفائه. وعليه فتش قاضي التحقيق الرئيسي جيوفاني دي ساليس منزل صامويل رئيس الجالية اليهودية الصغيرة. وفي المجرى المائي القذر المارِّ بقبو منزله عثروا أخيرًا على جثة الطفل المشوهة. وعلى الفور اعتُقل ستة يهود بسبب ملاحظة أن الجثة نزفت في حضورهم وهي علامة أكيدة على كونهم مذنبين، وفقًا لتقاليد ذلك العصر. فحص طبيبان تابعان للأمير-الأسقف المحلي الجثةَ في المستشفى التابعة لكنيسة سانت بيتر، وصرح أحدهما — الذي سرعان ما أرسل تقريرًا عن القضية إلى مسقط رأسه بمدينة بريشا عبر الحدود داخل إمبراطورية فينيسيا — أن الصبي لقيَ مصرعه منذ جمعة الآلام وأن غياب الماء عن جثته يدل على كونه لم يمت غريقًا. ومما زاد موقف اليهود سوءًا تطوع شاهد بتقديم تقرير يفيد بسماعه صراخ سايمون صادرًا من منزل صامويل، بينما ادَّعت شاهدة أخرى أنه عُثر على ابنها مجروحًا في سقيفة صامويل منذ ١٤ عامًا.

القتل الشعائري للطفل سايمون من مدينة ترينتو في رسم خشبي للفنان ميكائيل فوليجموت، من كتاب «تاريخ نورمبيرج» الصادر عام ١٤٩٣.
القتل الشعائري للطفل سايمون من مدينة ترينتو في رسم خشبي للفنان ميكائيل فوليجموت، من كتاب «تاريخ نورمبيرج» الصادر عام ١٤٩٣.

ومع تواصل الاستجواب تحت تأثير التعذيب في قلعة الأمير-الأسقف، ساعد قاضي التحقيق في توجيه السجناء نحو اعترافات بارتكاب جريمة القتل الشعائري للطفل؛ بهدف الحصول على دم مسيحي لاستخدامه في طقوس عيد الفصح اليهودي. ففي سلسلة من جلسات التحقيق المكثفة علَّق القاضي الرجال المتهمين بحبال تتدلَّى من السقف، وهددهم مرارًا وتكرارًا بخلع أطرافهم. وبهذه الطريقة استخلص تفاصيل ساعات سايمون الأخيرة؛ أي اللعنات والإيماءات الشعائرية اليهودية التي صاحبت تعذيب الطفل بالإبر والكلاليب، وأخيرًا تجميع الدماء واستخدامها. من قتل يقتل؛ وبناءً على هذا أُعدم صامويل في ٢١ يونيو بتمزيق لحم جسده بكلاليب ساخنة ثم حرقه خارج جدران المدينة. لقي يهوديان آخران نفس المصير وتحوَّل اثنان آخران إلى المسيحية، وعليه ضُرب عنقهما قبل حرقهما، بينما انتحر أحد اليهود المتهمين. أما الجالية اليهودية في ترينتو فقد دُمرت أو شُتِّتَت، وأصبحت «تهمة الدم» من جديد مصدرًا للأخبار المثيرة في جميع أنحاء أوروبا.

كانت حادثة ترينتو واحدة من حوادث عديدة مماثلة وقعت في أوروبا أثناء العصور الوسطى، والتي تكشف على نحو قاسٍ بعض المشكلات التي واجهها اليهود كفئة هامشية معرضة لنزوات التعصُّب والاضطهاد. خلال القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر عاشت الجاليات اليهودية ضمن المجتمع المسيحي، وكان مفهومًا كونها خارجة عن المعتقد المسيحي، فكان أعضاؤها يُنظر إليهم باعتبارهم شهداء على الحقيقة المسيحية، والذين سيشير تحولهم النهائي إلى المسيحية إلى قرب المجيء الثاني للمسيح. لكن كان يُنظر إليهم إجمالًا على أنهم قتلة المسيح وغالبًا ما يعتبرون خطرًا على الأفراد المسيحيين. وعلاوة على ذلك، في هذا العصر ارتبط تعريف سمات الإنسان الحق ارتباطًا وثيقًا بالمعتقد المسيحي وممارسته، وبالتالي شكل طريقة النظر إلى اليهود وأسلوب معاملتهم. وهكذا ظهرت المقارنات بين المسيحي الذي تتجلى حصافته واليهودي غير العقلاني، بل الهمجي، الذي يدفعه عناده إلى رفض التسليم بالحقيقة البينة في الكتاب المقدس. فاليهود — كما يقول المسيحيون — يتمسكون دون تبصر بشرائعهم وطقوسهم رغم كونها انحرافات اخترعها أحبارهم ويحتمل كونها شيطانية.

تلقي حادثة تورونتو كذلك الضوء بوضوح على الدور الذي لعبه الإنسانيون في نَظْم القصص حول خطر اليهود المزعوم. فحقيقة أن تلك التفاصيل الدموية حول مصرع سايمون تدفقت من أقلام الإنسانيين قد تبدو غريبة بعض الشيء في نظر بعض القراء الأكثر إلمامًا بالحركة «الإنسانية» الحديثة. في الواقع كان الرجال والنساء خلال عصر النهضة يضفون طابعًا مثاليًّا على فكرة السعي وراء الأفكار باهتمام ينصبُّ حول تحسين مكانتهم الاجتماعية، على قدر الاهتمام بإشباع الفضول الفكري الخالص. كذلك كافح العديد من الإنسانيين للتوفيق بين العيوب البشرية والإغراءات الدنيوية واتباع الفضيلة لاكتساب حكمة أسمى. وامتلأت المقالات حول نبل وكرامة الإنسان الحقة؛ (الإنسان الذي يحمل بصمة الله الخالق) عن آخرها بحكايات تسرد الصعوبة التي يلاقيها المرء لشق طريقه في هذا العالم الفاسد المنحط. وعرض الإنسانيون مجموعة من الحلول لمشكلة اكتساب الحكمة في هذ العالم، واستندت تلك الحلول غالبًا على الفلسفة الرومانية أو اليونانية بالاشتراك مع المسيحية، لكنها لجأت كذلك إلى نماذج عبرية مثل النبي موسى.

قد يقبل الإنسانيون بالاتفاق مع الفكر الرواقي والتشاؤمي أن قلة قليلة من الرجال (وعدد أقل من النساء)، هم القادرون على استخدام عقولهم في هذا العالم، وقد يستفيدون من المفاهيم المسيحية حول الخطيئة البشرية لتدعيم موقفهم. وعلى صعيد أكثر تفاؤلًا تصوَّر الإنسانيون المنتمون للمذهب الأفلاطوني المحدَّث أن العقل البشري يتَّحد مع الله بعد الموت، بينما اعتبر أتباع مذهب أرسطو — في سياق أكثر عملية — أن نوعًا من التوفيق بين هذا العالم والعقل والعاطفة الإنسانية يعد أمرًا ممكنًا في حياة الفرد، رغم كونه قاصرًا على من يقبعون على قمة الهرم الاجتماعي ويأمنون نوائب الحياة. بُنيت جميع تلك المواقف على افتراض كون الإنسان مخلوقًا من جسد وروح وأن نزعة استخدام العقل الكامنة في روحه هي ما تميزه عن الحيوانات.

لم يكن هدف الإنسانيين الذين كتبوا عن قضية سايمون — مثلهم مثل الطبيب الذي فحص الجثة — من الوصف المفصل لمعاناته لفتَ انتباه القارئ إلى لاعقلانية اليهودية ووحشيتها وهمجيتها فحسب، بل إلقاء الضوء كذلك على طبيعة سايمون المماثلة لطبيعة المسيح، وبالتالي الإعلاء من شأن إنسانية المسيحيين الحقة. فقد كان التأمل في عذابات المسيح سمة رئيسية من سمات التقوى في أواخر العصور الوسطى وانعكس كثيرًا في الفن والأدب. على سبيل المثال، آمن الكثير بأن الهدف الرئيسي من هجمات اليهود هو جسد المسيح الدامي في شكل خبز القربان المقدس. وبالتالي من المفترض أن يهود ترينتو طعنوا جسد سايمون وصفَّوا دمه لاستهلاكه في أغراض شعائرية. وعبر الإسهاب في وصف اللعنات والإيماءات التي أداها اليهود في الطقس المزعوم لا بد أن كُتاب تلك الحكايات سعَوا — سواء عن وعي أو دون وعي — إلى دفع الشك في مثل تلك التفاصيل المرعبة وغير المنطقية في كثير من النواحي وإقناع القراء بصحة الحادثة.

من المهم أيضًا ملاحظة أن في الوقت الذي استند فيه الإنسانيون في رواياتهم على الكتاب المقدس وحكايات القرون الوسطى حول تدنيس اليهود لخبز القربان المقدس وقتلهم للأطفال، قد طبقوا كذلك الأوزان الشعرية التقليدية ووظفوا الصور المجازية والأسلوب الأدبي لزيادة التأثير الدرامي. فكان وصفهم ﻟ «المؤامرة» اليهودية لتعذيب الطفل المسيحي وتصفية دمائه يشبه وصف المؤرخ الروماني سالست للمتآمرين بينما يتعهدون لقائدهم كاتلين عبر غمس أيديهم في وعاء من الدم والنبيذ. قارن كذلك الإنسانيون في سردهم للحادث بين سكينة الليل والأحداث المؤلمة التي وقعت في ساعات سايمون الأخيرة على نحو يذكرنا بمشهد رئيسي في قصة ديدو وإينيس التي رواها الشاعر الروماني القديم فرجيل. إن توظيف أسلوب الأعمال الكلاسيكية الأدبي لسرد الأحداث الرهيبة في حادثة الطفل ساعد على دعم مصداقية تلك الحكايات ورفعها فوق مستوى سجلات المحكمة المكتوبة باللغة العامية والتي اعتمدت عليها، وكان تأثيرها مدروسًا بعناية بحيث يروق لنخبة عصر النهضة الإيطالية المتعلمة ممن جسدت اللغة اللاتينية الكلاسيكية في أعينهم الفضائل الرومانية التي كانوا يطمحون إلى محاكاتها.

وبعيدًا عن تفاصيل حادثة ترينتو نجد أن الإنسانيين لطالما تملقوا دافعي رواتبهم بالمديح، وكان بعضهم بطبعه طيعًا ومستعدًا لتقديم خدماته لدعم الحركات والتشريعات التمييزية. بينما اتسمت كتابات البعض الآخر بعداء مسيحي صادق تجاه اليهود. وقلة قليلة هم من أبدَوا إدراكًا أو تقديرًا للديانة والثقافة اليهودية المعاصرة، وسعوا لإتقان اللغة العبرية لا لسبب سوى لفهم المعني الصحيح للنصوص المقدسة، وتفنيد المراجع التلموديَّة التي تنكر الإشارات الدالة على المجيء الثاني للمسيح المفترض وجودها ضمن تلك النصوص.

دعم الإنسانيون الأرستقراطيون الأتقياء في عصر إمبراطورية فينيسيا نشر الأعمال التي تهاجم اليهود أو سعَوا بهمَّة لاضطهاد اليهود، وكتابة ما يهاجمهم في أنحاء فينيسيا وإمبراطوريتها الواسعة. على سبيل المثال كتب لودوفيكو فوسكاريني (١٤٠٩–١٤٨٠) في إطار شخصي أن اليهود قتلوا الرسل والقديسين وأنهم يعيشون في العتمة ولا يسمحون بدخول أي ضوء، فقد كانوا شعبًا في يوم ما لكنهم الآن كلاب. وقال كذلك: إن اليهود دعوا إلى صلب المسيح، وزعم أنهم صلبوا في منطقة بنطس — التي تقع حاليًّا في تركيا — عبدًا مسيحيًّا ابتاعوه من القراصنة واستجاروا بالأتراك لحمايتهم من حكم القضاء. وفي جزيرة كريت التابعة لإمبراطورية فينيسيا نزع فوسكاريني بنفسه ملكية كنيسة يونانية أرثوذكسية من مشترييها اليهود، ثم حوِّلت تلك الكنيسة إلى كنيسة كاثوليكية. ويضيف متأملًا: إن ممارسة الصبر يعدُّ بالأحرى ضربًا من الجنون بين أولئك الذين قد يسمحون ببناء كنيس يهودي حيث يُهان الرب وتحتشد الشياطين. كذلك كان ممكنًا رؤية وسماع احتفالات وموسيقى اليهود في المدن المسيحية خلال أسبوع عيد الفصح، وقد زعم فوسكاريني أنه طرد اليهود من مدينة ماروستيكا — بموافقة السيناتور الفينيسي — لأن كنيسهم كان مشيدًا بالقرب من الميدان العام وكانت «لعناتهم» مسموعة بمنتهى الوضوح.

من الجلي أن اهتمامات الإنسانيين كانت منسجمة مع الزخم الروحاني الكاثوليكي السائد خلال القرن الخامس عشر، وكان بعضهم مستعدًّا لبذل جهود عمليَّة لتحويل اليهود للمسيحية عبر المناظرات العامة والخاصة من النمط الذي كان الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان من رواده أثناء القرن الثالث عشر. أبدى القسيس والفيلسوف الفلورنسي مارسيليو فيسينو (١٤٣٣–١٤٩٩) تقديرًا لمرجعية موسى في كتابه «الدين المسيحي» (١٤٧٤)، لكنه استحثَّ القراء على طرح غشاوة التراث التلمودي المُشوهة والجمع بين الحكمة القديمة والدين. وفي نفس الوقت قدم ابن عم وسكرتير فيسينو سيبستيانو سالفيني ترجمة عامية لعمل آخر رئيسي من تراث العصور الوسطى المُعادي لليهود. قد نحسن فهم هذين العملين إذا درسناهما معًا ككتابين إرشاديين للتحول الديني. بالطبع شهد فيسينو الجدال الذي دار بين اليهود والمسيحيين حول تعاليم الأنبياء العبرانيين في منزل جيوفاني بيكو بفلورنسا حوالي عام ١٤٨٥، إذ كتب إلى صديق له ذاكرًا هذا الحدث: «هم يجادلون بأن الكلمات الربانية للرسل لا تنطبق بأي حال من الأحوال على المسيح، بل كان يقصد بها معنى آخر.» وكان رده أولًا أن كَتب مقتبسًا كلمات أفلاطون في حوار طيمايوس والتي تزعم أن أولئك الذين يتنبئون لا يدركون دومًا ما يتنبئون به، ثم أورد حكم القديس بولس — الذي يتفق فيسينو معه — القائل بأن قيافا رئيس كهنة اليهود عندما تنبأ قائلًا: «من الأفضل أن يموت رجل واحد من أجل الناس من أن تهلك أمة بأكملها»؛ فإن كلماته كانت نبوءات بموت المسيح افتداءً للبشر، وتختلف تمامًا في معناها عما قصده قيافا. اقتبس فيسينو كذلك نظرة القديس بولس للعهد القديم كله باعتباره «يقبع تحت غيمة وغشاوة وأن كل ما حدث لهؤلاء الرسل يتنبأ مقدمًا بما سيحدث» حتى لو لم يكونوا هم أنفسهم على وعي بهذا.

علاوة على ذلك، حاول فيسينو أن يبرهن في حاشية أن كلًّا من المرجعية الأفلاطونية المحدثة ومرجعية ملافنة الكنيسة يتفقان في الرأي القائل بأن الفهم الحق للنبوءة يتطلب الحكمة، ومن الجلي أن اليهود تنقصهم الحكمة اللازمة لإدراك حقيقة النبوءات العبرانية في العصور القديمة أو في عصره على حدٍّ سواء. يختم فيسينو خطابه بعد الدعم الذي استقاه من آراء القديس بولس ومرجعية أفلاطون بتأكيد ظافر على أن «الخديعة اليهودية قد سُحقت والحقيقية المسيحية أُثبتت.»

كما فعل فيسينو، حاول جيوفاني بيكو كذلك التوفيق بين الحكمة والدين، لكن على عكس صديقه؛ فقد ميز بين المصادر اليهودية الباطنيَّة والتلمودية، وأكد على أن المصادر الباطنية — القبالة — مفيدة للمسيحيين. وعلاوة على ذلك دعا المسيحيين إلى استخدام جميع الأسلحة الممكنة من أجل تحويل اليهود إلى الدين المسيحي:

إذا اتفق العبرانيون معنا في أي موضع، فسوف نأمرهم بالالتزام بتقاليد آبائهم القدماء، وإذا اختلفوا معنا في أي موضع فسوف نهاجمهم بحشودنا الكاثوليكية. باختصار أيًّا ما نكتشف كونه غريبًا عن حقيقة الأناجيل سوف نفنده بأقصى قوانا، وأما ما هو مقدس وحقيقي فسوف ننزعه من الكنيس — كما تُنزع الملكية من المالك غير الشرعي — وننسبه لأنفسنا نحن بني إسرائيل الشرعيين.

ويبدو أن بيكو كان يدعم ماديًّا ما كان يؤمن به؛ إذ لاحظ لورنزو دي ميديتشي حاكم جمهورية فلورنسا في عام ١٤٨٨ أنه حوَّل «شابًّا يهوديًّا مثقفًا إلى حدٍّ ما» إلى المسيحية، وهو من ساعده في أعمال الترجمة بمنزله. فيقول بيكو في الخطبة الشهيرة التي استهلَّ بها كتابه المثير للجدل «الاستنتاجات» (الصادر عام ١٤٨٧):

لا يوجد تقريبًا أيُّ خلاف بيننا وبين العبرانيين حول هذا الموضوع [عقيدة الثالوث المسيحية وغيرها من المعتقدات] فقد دحضوا وفندوا فيه لأبعد حد بأدلة من كتب علماء القبالة حتى لم يتبقَّ لهم مكان للجدال … [ثم إن] داكتيلوس العبراني المتبحر في هذا العلم [أُجبر] على الاعتراف بذات المعتقد المسيحي حول الثالوث.

إحدى وسائل التحويل الموصى بها للرهبان المعتمدين على الصدقات هي إتقان اللغة. فرغم مكانة اللغة العبرية الهامة في الكتاب المقدس فإن تطور دراستها اتَّسم بالبطء الشديد وعدم الاستقرار في المدارس الأوروبية بالعصور الوسطى، ولم تلقَ اهتمامًا علميًّا جديًّا إلا مع إحياء الإنسانيين لمرجعية القديس جيروم الذي ترجم الكتاب المقدس من اللغة العبرية. اكتسب جيروم خبرته في اللغة العبرية بمجهود جبار كما كتب قائلًا:

فبعدما خبرت براعة كوينتيليان وفصاحة شيشرون وعظمة فرونتو وطلاوة بليني العذبة … أجلست نفسي لتعلم أبجدية غريبة وجاهدت لنطق كلمات حلقية لها صوت الهسيس. يا له من جهد! يا لها من صعوبات وجب عليَّ قهرها! كثيرًا ما يئست وكثيرًا ما استسلمت لكني كنت أقسم مجددًا معاندًا على تعلم هذه اللغة.

وهكذا يمكننا — من خلال ما سبق — فهم سبب صعوبة تبرير دراسة اللغة العبرية تبريرًا كاملًا وسط كتابات الإنسانيين المماثلة والداعمة لتعلم الأعمال الكلاسيكية واللغات الوثنية. قاوم الإنسانيون اللغة العبرية باعتبارها لغة مهجورة تقريبًا تُقرأ بطريقة مشئومة (من اليمين إلى اليسار)، وتناولوا مشكلة التوفيق بين ظاهرها الفظِّ وما قد تعبِّر عنه من حكمة كما آمن كثيرون. فمن ناحية، آمن أمبروجيو ترافيرساري أن دراسة اللغة العبرية قد توفر أساسًا ثابتًا للمسائل اللاهوتية. وعلى العكس من ذلك زعم ليوناردو بروني أن ترجمة جيروم لا تحتاج أية إضافات، ووفقًا لرأي صديقه بوجيو براتشوليني قد تساهم اللغة العبرية في الدراسات الإنسانية فحسب لكنها لا تساهم في الحكمة. استخفَّ براتشوليني بالمعلم الذي علمه اللغة العبرية — متحول يهودي إلى المسيحية — في خطاب إلى نيكولو نيكولي عام ١٤١٦. فيشير إلى خطابه الأخير له قائلًا:

لقد تحدثت كثيرًا عن اللغة العبرية التي كنت أدرسها، وصنعت مزيدًا من النكات المستهزئة بمعلمي بما أنه يملك عقلية المتحول التقليدي من اليهودية إلى المسيحية. إنه رجل تافه لا يتمتع بأية روح للدعابة أو أي اتزان، وقد سخرت من قدرته الأدبية ومن تعليمه لما يتَّسِما به من فجاجة وفظاظة وسذاجة. لكني أخشى أن ذلك الخطاب لم يصلك، وكذلك الخطاب الآخر الذي كتبته إلى ليوناردوس، فبالتأكيد وبالنظر إلى العناية الفائقة التي تكرسها لكتابة الخطابات كان يجب أن يصلني ردٌّ منك على الفور أو على الأقل تهنئة بدراستي الجديدة لمادة لطالما شجعتني على إتقانها. رغم أني لا أرى لها أية فائدة فيما يتعلق بزيادة حكمتنا، فهي تضيف بعض الشيء إلى دراستنا للعلوم الإنسانية، وهو ما دفعني خصيصًا لتعلم منهج جيروم في الترجمة.

كذلك كان لخلافات الإنسانيين حول مواضيع الترجمة والفصاحة اتصالًا وثيقًا بانشغالهم باليهود والمصادر العبرية. فوفقًا للورينزو فالا وإيرمولاو باربارو في فينيسيا (خلافًا لجيوفاني بيكو) يجب أن تكتب الفلسفة بالفصاحة اللازمة لإيصال الحكمة وتطويرها، وبالتالي فإن تفوق المراجع العبرية على المعارف الوثنية لا يرتكز على فصاحة تلك المراجع وجمالها أكثر مما يرتكز على محتواها اللاهوتي. وقد زعم بيكو نفسه في شرحه العميق لجزء من سفر التكوين تحت عنوان «هيبتابلس» أو «مقالة حول أيام الخلق الستة» (الصادر عام ١٤٨٩) أن أسفار موسى لا يجب ازدراؤها ولا الاستخفاف بها باعتبارها «متوسطة الجودة وتافهة». بالطبع ساعدتها صعوبتها على أن تنأى بنفسها عن العامة وأن تحافظ على أسرارها الإلهية، واستشهد بيكو في هذا السياق بتراث الأسرار الإلهية والحقائق العليا الخفية عن عامة الناس. وفي محاولة لضم الحكمة الموسوية لهذا التراث الخاص أورد أمثلة كفيثاغورس الذي لم يدون مذهبه وأفلاطون الذي اتبع تقنية سرية والمسيح الذي تحدث مستخدمًا الحكايات الرمزية.

ربما وجدت هذه النقاشات دعمًا مع محاولات إعادة تقييم التاريخ اليهودي. فعلى سبيل المثال تحدث جانوتسو مانيتي إيجابيًّا عن العبرانيين القدماء عبر تسليط الضوء على مكانتهم في تاريخ الدين لا سيما فيما يتعلق بعبادة الأصنام التي سبقت تلقيهم للتوراة. لكن رغم ذلك زعم مانيتي أن بعد فيلون جودايوس ويوسيفوس فلافيوس اللذين عاشا في القرن الأول بعد الميلاد لم يفهم اليونانية واللاتينية سوى قلة قليلة من العبرانيين، وأعلن أن دراساتهم للعهد القديم محدودة وأن معرفتهم بالعلوم الإنسانية الأخرى منقوصة، مما يدل على جهلهم. غير أن المؤرخين — مثل مارك أنطونيو سابيليكو — قرءوا بعناية أعمال يوسيفوس والتي ظهرت في عدة طبعات أنيقة جديدة أو موضحة وعرضوا تاريخ العبرانيين المرتبط ضمنيًّا بتاريخ اليونان أو الرومان. وعلاوة على ذلك أقر بوليدور فرجيل (على خُطا يوسابيوس) في كتابه «تاريخ الاختراعات» (صدر عام ١٤٩٩ تقريبًا) أن موسى والعبرانيين هم مصدر الفلسفة وهم من قدموا مجموعة متنوعة ومذهلة من المساهمات الحضارية الأخرى مثل الشعر والتاريخ ونشر الكتب وأدخلوا كذلك ورق الرق وآلة البوق. وبالنسبة للبابوية وأتباعها المدافعين عن الدين المسيحي، قدمت أعمال فيلون وغيره — بالإضافة إلى الكتاب المقدس والتاريخ — أمثلة على شخصيات عظيمة، مثل: سليمان وداود وموسى، ممن جمعوا بين مهامهم الكهنوتية وأدوار قيادية وقدموا قدوة لبابوية عصر النهضة، كما تشهد اللوحات الجصية على جدران كنيسة سيستين في روما. إذن ظل العبرانيون القدماء يخدمون غرضًا جدليًّا، ويساعدون كذلك على لفت الانتباه إلى افتقار اليهود المعاصرين المزعوم إلى التحضر. بل إن الإنسانيين استغلوا تقدير التراث التاريخي للتعددية لزعم وجود تركيب متسق من الحكمة يكشف عن الحقائق المسيحية ويدعمها. إن توفيق فيسينو بين الشخصيات العبرانية والوثنية القديمة وبعض الأفكار في «اللاهوت القديم» (فكرة اشتراك جميع الأديان في لاهوت واحد) كان مسعًى لتوضيح كيفية انتقال الحكمة من مصدرها القديم إلى زمنه الحالي وربما يشكل أساسًا لدين متجدد، بينما من منظور الإنسانيين اللاحقين — مثل إييديو الفيتيربي (على اسم مدينة فيتيربو) في روما أو فرانشيسكو زورزي — يخلق تعلم العبرية أساسًا لعالم مسيحي متناغم وموحد ومتجدد.

بالتأكيد تزايد الفضول حول الممارسات والعادات اليهودية خلال القرن السادس عشر وانعكس ذلك في كتابات الرحالة. ففي مواجهة النقد الموجه للحج سواء كان على أسس دينية أو أخلاقية طور الإنسانيون في الأراضي الألمانية والإيطالية مبررات أكثر تفصيلًا للسفر. فقد ارتحل الباحثون في فترة ما بين الجامعات الأوروبية متبعين الأساتذة، وكذلك أدرك ورثتهم الإنسانيون الحاجة إلى التوسع في السفر من أجل الروح والعقل. وبالتالي كان للفضول قيمة جديدة أكثر إيجابية في أوائل الحقبة الحديثة، وكان يعتبر محفزًا مساعدًا على البحث النقدي. وكان المطلوب من سجلات الرحلات في عصر النهضة بحثًا دقيقًا وبلاغةً راقية وتنظيمًا منهجيًّا يزيد عما كان الحال عليه في العصور السابقة. فقد كان يُنصحُ الرحالة كثيرًا بتسجيل الوقائع الاستثنائية، وكانوا يوصون بتعليق أحكامهم الخاصة والانفتاح على كل ما هو فريد وعجيب — فضلًا عن كل ما هو مغاير — ويوجَّهون إلى زيارة الكنائس وغيرها من المباني الرئيسية التي من ضمنها معابد اليهود؛ لجمع المخطوطات والأغراض الغريبة وتدوين تلك الحقائق في مذكرات. وفي القرن السادس عشر وضع الباحث السويسري تيودور تسفنجر مجموعة قواعد فعَّالة ساعدت على توجيه الرحالة نحو الأسئلة الصحيحة والمنهج السليم لتدوين الملاحظات. ويتضح الارتباط المسيحي باليهودية عبر أعمال يوهانز بوكستورف صديق تسفنجر الذي اتَّبع في كتابه عن اليهود نصيحة تسفنجر إلى الباحثين الشباب حول الأبواب التي يجب أن يتناولها المسافر عند بحث المصادر والطقوس التي يقابلها في المدن الجديدة: وصف الميلاد والتعليم والصلوات والأعياد الدينية والطبخ وذبح الماشية والمرض والدفن.

يدين إنسانيو عصر النهضة بقدر كبير إلى أسلافهم بالعصور الوسطى على نحو يفوق ما سمح به البعض عادةً. إذ كانت هناك إرهاصات سابقة ساعدتهم في محاولتهم لمواءمة تحيزات وأولويات تراث العصور الوسطى المعادي لليهود ليتناسب مع نظامهم اللاهوتي وحكمتهم. قطعًا لم تقدم كتابات لودوفيكو فوسكاريني، ومارسيليو فيسينو، وجيوفاني بيكو، وبوليدور فرجيل مصدرًا للنقد العلماني للمسيحية الذي ميز نشوء حداثة متنورة أكثر تجانسًا بحيث تسمح بالتسامح الديني حيال اليهود. ومن هذا المنظور فإن هؤلاء الإنسانيين ليسوا قطعًا رواد الحركة الإنسانية الحديثة. لكن مع ذلك أسست نصوص الإنسانيين ونقاشاتهم ومحاوراتهم ومعاركهم روابط ومساحة مشتركة بين الإنسانيين واليهود في عصر النهضة. وأدت استعادة النصوص والتقاليد العبرية ونقدها والاهتمام المتزايد بعادات وتقاليد سير الإنسانيين الذاتية وتاريخهم إلى فتح آفاق أوسع للتأمل حتى لو لم يكن الانتقال من المنهج الهجومي إلى المنهج القياسي في علم دراسة الأعراق البشرية سلسًا أو مكتملًا قط؛ إذ لم يصدر المرسوم البابوي بنزع صفة «القديس» عن سايمون إلا في عام ١٩٦٥.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Aħmēđ Mǒkhťár ·١٢ مارس ٢٠١٤، ٢١:٣ م

    مقال رائع