ربما سيشعر أولئك الذين يخططون للسفر إلى أبيا عاصمة ساموا للاحتفال برأس السنة بالحيرة والارتباك؛ إذ لن يكون في ساموا يومٌ ثامن وعشرون في ديسمبر عام ٢٠١١، فالجزيرة الصغيرة الواقعة في المحيط الهادي شرعت في إلغاء القرار الذي صدر عام ١٨٩٢، لتضبط ساعاتها وفقًا للجانب الغربي أو «الأمريكي» من خط التاريخ الدولي، وحذف يوم من تقويمها لكي تصبح أقرب إلى شركائها التجاريين الأكثر أهمية حاليًّا؛ نيوزيلاندا وأستراليا. فبدلًا من أن يسبق توقيتها توقيت سيدني ﺑ ٢١ ساعة، سيسبقها بثلاث ساعات فقط؛ ففقدان يوم ليس سوى ثمن زهيد مقابل علاقات تجارية أفضل.

الساعة العشرية الفرنسية من عهد الثورة الفرنسية.
الساعة العشرية الفرنسية من عهد الثورة الفرنسية.

بالمثل، ربما يشعر زوار فولكستون — في مقاطعة كِنت — هذا الصيف بالحيرة إذا ما نظروا إلى إحدى الساعات العامة، سواء ساعة مبنى البلدية أو حتى ساعة إحدى سيارات الأجرة المحلية؛ فاليوم فيها مقسمٌ إلى عشر ساعات، وكل ساعة مقسمة إلى مائة دقيقة، والدقيقة مقسمة إلى مائة ثانية. فقد بدلت الفنانة روث إيوان الأقراص المدرجة على وجه الساعات — في مهمة فُوضت بأدائها من أجل معرض فولكستون الذي يقام كل ثلاث سنوات — وكذلك غيَّرت تقنيات عملها لإحياء نظام الزمن العشري الذي أُدخِل للمرة الأولى في عام ١٧٩٣ خلال الثورة الفرنسية، كجزء من إصلاح التقويم. فإيوان تُعنى بطرق نشر الأفكار الثورية، وربما يُعتبر إصلاح الوقت — وهو أكثر سمات الحياة اليومية بداهةً بالتأكيد — أكثر الأفكار ثوريةً على الإطلاق.

إن لقياس الوقت وتحديده تاريخًا طويلًا من المناحي السياسية والثقافية والتجارية، وخصوصًا الدينية؛ بالنظر إلى أن السنوات الشمسية والقمرية ذات صلة وثيقة بالديانات الكبرى في العالم. وفي أوروبا، أدت الإصلاحات التي أجراها البابا جريجوريوس الثالث عشر في التقويم اليولياني عام ١٥٨٢ إلى إبراز الانقسامات الطائفية في القارة بنحو مؤقت، حيث تقدَّم تدريجيًّا توقيت البلدان الكاثوليكية مثل فرنسا — عقدًا بعد عقد — عن توقيت ألمانيا وإنجلترا البروتستانتيتين. وقد تسببت الضغوط التجارية والدبلوماسية في تبني بريطانيا للتقويم الميلادي في عام ١٧٥٢؛ مما أفقدها أحد عشر يومًا خلال هذه العملية (وقد أثار فقدان هذه الأيام الأحد عشر أعمال شغب فيما زُعم)، ولحقتها السويد في عام ١٧٥٣. وظلت روسيا ملتزمة بالتقويم اليولياني، الذي أدخله بطرس الأكبر عام ١٧٠٠، ولم تتبع روسيا التقويم الميلادي سوى في عام ١٩١٨ كرمز للحداثة البلشفية.

ومن بين كل هذه الإصلاحات، يظل التقويم الجمهوري الفرنسي هو التعبير الأجرأ عن بداية سياسية جديدة؛ فعقب اجتماع الجمعية الوطنية في عام ١٧٨٩، بدأ الكتاب السياسيون — وحتى عناوين الصحف — يشيرون إلى «العام الأول من الحرية». وفي الثاني والعشرين من سبتمبر من عام ١٧٩٢، أصبحت فرنسا جمهورية في غنًى عن السنوات الملكية، وكانت الأحداث تؤرخ ﺑ «السنة الأولى للجمهورية». وبعد عام، اقترحت لجنة ترأَّسها تشارلز جيلبرت روم (١٧٥٠–١٧٩٥) تقويمًا جديدًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعمل لجنة التوجيهات العامة على وضع مقاييس وقياسات عشرية جديدة. ومنذ ذلك الوقت، بدأت السنوات تؤرخ من إعلان الجمهورية، وكان كل عام يبدأ بمراقبة الاعتدال الخريفي، ويتزامن ذلك مع الذكرى السنوية لإعلان الجمهورية في الثاني والعشرين من سبتمبر، وبذلك فهما حدثان رمزيان كبيران. وقد تخلى التقويم عن الأسبوع التقليدي المكون من سبعة أيام، لتحل محله فترة زمنية من عشرة أيام، وساوى بين الأشهر الاثني عشر بحيث يشتمل كلٌّ منها على ٣٠ يومًا. أما باقي الأيام التي تتكون منها السنة الشمسية فقد جُمِعَت في سلسلة من المهرجانات في نهاية العام للاحتفاء بأفكار على غرار «لم الشمل» و«الدولة». أيضًا تحول اليوم — كما سيكتشف المقيمون في فولكستون — إلى النظام العشري، وأُتيحت الفرصة أمام صناع الساعات لبيع ساعات جديدة بفضل نظام الساعات والدقائق والثواني المستحدث.

وقد ضمت اللجنة الكاتب المسرحي فابر ديجلانتين (١٧٥٠–١٧٩٤)، الذي طرح مجموعة من الأسماء للأشهر الجديدة استنادًا إلى السنة الزراعية. وفي حين أن نظام التقويم كان يتسم بالمنطق الفاتر، إلا أن واضعي نظام الأسماء الجديدة كانوا ينشدون فيها الجاذبية الشعرية، فقدموا للعالم شهر «تيرميدور»؛ أي شهر الحرارة، و«جرمينال»؛ أي شهر الإنبات. ويرجع الفضل إلى هذه الألفاظ المستحدثة في تسمية مسرحيات وروايات وأفلام (بل ووصفات لأطباق القشريات). إلا أن أقدمية هذا الجانب من التقويم الجمهوري الفرنسي إنما تعكس المثل العليا التي تحاول تجسيدها؛ أي ذلك الاعتقاد المثالي، بل والرومانسي، في احتمالية البدء من جديد وبناء العالم تارة أخرى. وقد سعت أجيال من الثوار إلى الانتساب إلى هذا التراث، حيث تبنوا التقويم الجديد خلال كومونة باريس، على سبيل المثال، وكذلك في اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية، من خلال استحداث تقويم سوفييتي بدءًا من ١٩٢٣ وحتى ١٩٤٠، بحيث يتكون الأسبوع من خمسة أيام فقط. وقد استطاع الشيوعيون والثوريون إثبات مؤهلاتهم الجمهورية أو الثورية باستخدام النظام في تأريخ مطبوعاتهم، بل وحتى صناعة ساعاتهم العشرية الخاصة. أما أشهر فضائح فكرة البدء من جديد، فكانت في أثناء الثورة الكمبودية، عندما نودي بالبدء من «السنة صفر».

لكن المثل العليا يجب أن تصطدم بأرض الواقع. وكما يتضح من القرار التجاري الذي اتخذته ساموا؛ فإن تأثير متطلبات التجارة الحديثة على وضع التوقيت أكبر من تأثير الأجندات السياسية. ولا يكمن التراث الحقيقي للتقويم الجمهوري في دعوته إلى التغيير المتفائل فحسب، وإنما في الأسس التجارية والعلمية التي أرساها للتقويمات الحديثة. ولقد غفل كل من روم وفابر ديجلانتين عن أهمية الإصلاح الصناعي، لكنهما كانا يؤمنان بأن ارتباط التقويم بالزراعة لن يعطيَ الناس خلفية عن عالم الطبيعة فحسب، وإنما سيساعد أيضًا في تعزيز أفضل الممارسات الزراعية. وعندما أُلغي هذا التقويم في عام ١٨٠٥، كان ذلك لأسباب تجارية وعلمية، وليس محاولة من نابليون لإبعاد نفسه عن الثورة.

إن سلسلة المعاهدات والمواثيق العالمية التي أُبرِمَت في القرن التاسع عشر — وتمخض عنها خط التاريخ الدولي الذي التفت ساموا حوله — قد انبثقت عن زخم التغيير الذي ساقه الإصلاح التكنولوجي، مثل: التلغراف، والجداول الزمنية للسكك الحديدية، والتجارة الدولية. من ثم، فتقويماتنا الحديثة تُعد شاهدًا ليس على المثل العليا العالمية للحرية — كما تصور روم — وإنما على التطبيقات والمقتضيات العملية للتجارة العالمية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.