أطلق عليه آلان تورينج اسم «أوراكل»، لكنه لم يَخُض أكثر من ذلك، في رسالة الدكتوراه التي قدَّمها عام ١٩٣٨، في وصف الهيئة التي سيكون عليها. لا بأس بذلك؛ فعالِم الرياضيات البريطاني — ذاك الذي لم يكن قد تجاوز ٢٦ عامًا من العمر — كان قد أشعل فتيل الثورة بالفعل؛ فالتصميم الذي وضعه لآلة حوسبة شاملة — والذي نُشِر قبل عامين من رسالته للدكتوراه — حدَّد المواصفات التي سارت عليها أجهزة الكمبيوتر كافة فيما بعدُ، بدءًا من أبسط آلة حاسبة للجيب وصولًا إلى أقوى أجهزة الكمبيوتر الفائقة، مرورًا بالكمبيوتر المحمول والهواتف الذكية وكلِّ ما بينهما.

كمبيوتر يجيب عن جميع التساؤلات.
كمبيوتر يجيب عن جميع التساؤلات.

وقد انغمسنا تمامًا في استكشاف ذلك التراث الثري والمتنوع، وفي تبديل ملامح عالمنا باستخدام الأجهزة والتطبيقات القائمة عليها، حتى إننا أغفلنا الأوراكل إلى حدٍّ كبير. وقد أثبت تورينج بآلته الشاملة أن أي جهاز كمبيوتر عادي مكبَّل بقيود لا فكاك منها، وأثبت أنه باستخدام الأوراكل يمكننا كسر تلك القيود.

ولم يحاول تورينج قط — خلال حياته القصيرة — أن يُحوِّل الأوراكل إلى حقيقة. وربما كان ذلك لسبب وجيه؛ فمعظم علماء الكمبيوتر يعتقدون أن أي شيء يقترب من آلة أوراكل سرعان ما سيقع تحت طائلة القيود الجوهرية التي تحكم كيفية تدفُّق المعلومات والطاقة في كوننا. فالواقع أنك لن تستطيع أن تصنع آلة أوراكل أبدًا.

في مختبر في سبرينجفيلد بميزوري، ثمة باحثان عاكفان الآن على إثبات خطأ المتشكِّكين. فبناءً على التطورات النظرية والتجريبية التي حدثت طيلة العقدين الماضيين، يظن إيميت رِد وستيفن يانجر — من جامعة ميزوري الحكومية — أن كمبيوتر «تورينج الفائق» يكاد أن يصبح في متناول أيدينا، ويأملان أن تصحبه معلومات كاشفة، ليس بخصوص حدود العمليات الحسابية في الكون فحسب، وإنما تصل إلى أكثر أجهزة الكمبيوتر إثارةً للاهتمام والفضول في الكون لفرط قوتها؛ ألا وهو: المخ البشري.

إن أجهزة الكمبيوتر التي نعرفها تمثِّل في جوهرها نموذجًا عالي القدرة والدقة والكفاءة لما يمكن أن نكون عليه — نحن البشر — في حالة تلقِّينا تعليمات محددة، وارتفاع مستوى تحمُّلنا للملل، وامتلاكنا مخزونًا لا ينضب من الأوراق والأقلام؛ فتلك الأجهزة متفوقة في عمليات من قبيل الجمع المتتالي والضرب والقرارات المنطقية، والمسائل من نوع: إذا كان «س» كذا، إذن ﻓ «ص» كذا. والواقع أن «أجهزة الكمبيوتر» الأولى كانت مُجسَّدة في باحثِين شباب وظَّفهم علماء الفلك للقيام بالمهام المُمِلَّة التي تستغرق وقتًا طويلًا؛ من قبيل تحديد مدارات المذنَّبات، أو حساب دورات سطوع النجوم المتغيرة.

وآلة الحوسبة الشاملة — التي يُطلَق عليها في الغالب آلة تورينج — تفعل الأشياء عينها، لكن دون كلل أو ملل. وكما كتب تورينج نفسه في دليل المبرمجين لكمبيوتر جامعة مانشستر، مارك ٢، عام ١٩٥٠: «الهدف من أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية هو تنفيذ أي عملية محدَّدة متعارف عليها يستطيع أن يؤديها عامل من البشر منضبط في عمله، وإن كان يفتقر إلى الذكاء.»

إذن هناك أشياء تقف أمام الكمبيوتر وتستعصي عليه مثلنا تمامًا. فمهما كانت درجة تعليمنا وتدريبنا وصبرنا، فثمة مسائل تتحدى منطقنا. فما مدى صحة العبارة: «هذه العبارة خاطئة»؟ يمكنك أن تمضي عمرًا في سعي حثيث وراء إجابة، مثلما فعل فلاسفة كُثُر. وفي عام ١٩٣١، أثبت عالم الرياضيات، كورت جودل، أن تلك مشكلة عامة، بمُبرهنات عدم الاكتمال الشائنة التي وضعها، والتي يتبيَّن منها أن أي منظومة من البديهيات المنطقية دائمًا ما تتضمَّن عبارات لا يمكن إثباتها.

وبالمِثل — كما أثبت تورينج — فإن أي جهاز كمبيوتر شامل قائم على أساس المنطق وحده دائمًا ما يواجه مسائل «غير قابلة للحسم» لا تتولَّد عنها إجابات مباشرة أبدًا، مهما زِدنا قوة المعالِج في الجهاز. ومن الأمثلة على ذلك: مشكلة التعطُّل؛ فالكمبيوتر لا يمكنه أبدًا أن يعرف إذا ما كان أي برنامج سيعمل حتى النهاية، أم سيعْلَق في حلقة مفرغة ما أو في تعليمة ما، دون تجربة البرنامج أولًا، وقد يتعثَّر الكمبيوتر آنذاك. و«شاشة الموت الزرقاء» التي يخشاها كثير من مستخدمي أجهزة الكمبيوتر الشخصية ليست أكثر من نتيجة واحدة لتلك الحالة الجوهرية من عدم قابلية الحسم.

والأوراكل كما تصوَّره تورينج كان بالأساس صندوقًا أسود يمكن لمحتوياته غير المحدَّدة أن تحلَّ مشكلات غير قابلة للحسم. وقد افترض أن «آلة الأوراكل» ستستغلُّ محتويات ذلك الصندوق الأسود — أيًّا كانت — لتتجاوز حدود المنطق البشري التقليدي؛ ومن ثم تتجاوز قدرات أي جهاز كمبيوتر صُنِع من قبلُ.

كان ذلك آخر ما توصل إليه في عام ١٩٣٨. ويقول يانجر: «أدرك تورينج أنه ربما يُتوصَّل لنماذج آلات حوسبة أكثر قوة، لكنه لم يقدِّم أي نماذج حاسوبية فائقة من النوع الذي طرحه.»

منذ عَقدَيْن من الزمان، توصَّلت هافا سيجِلمان إلى نموذج من ذلك النوع بطريق المصادفة؛ ففي أوائل التسعينيات من القرن العشرين، كانت بصدد تحضير رسالة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر في جامعة روتجرز في بيسكاتاواي بنيو جيرسي، على بُعد ٤٠ دقيقة بالسيارة من برينستون، حيث قدَّم تورينج رسالته. كان موضوع رسالتها هو الشبكات العصبية، وهي الدوائر المُصَمَّمة لمحاكاة المخ البشري والخلايا العصبية التي تفوق الحصر المتصلة فيما بينها بمشابك تنتج قدرته الحسابية المنقطعة النظير. وفي الشبكة العصبية كثيرٌ من المُعالِجات البسيطة تتصل معًا بحيث تصير مخرجات إحداها مدخلات أخرى. تلك المدخلات تُضبَط لزيادة تأثيرها أو خفضه. والفكرة هنا هي أن الشبكة «تتحدَّث» إلى نفسها؛ إذ تستخدم مخرجاتها لتعديل قِيَم مدخلاتها حتى تصل بأداء مهمتها إلى الصورة المُثلَى؛ وفي الواقع تتعلَّم أثناء عملها، مثلما يفعل المخ تمامًا. وقد أحرزت الشبكات العصبية نجاحات ملحوظة في أداء المهام التي لا يمكن اختزالها بسهولة في مجموعة من التعليمات المباشرة، بدءًا من قراءة صور الأشعة الطبية، وتشخيص الأمراض، وصولًا إلى قيادة السيارات.

كانت سيجِلمان تهدف في البداية إلى تقديم إثبات نظري لقصور الشبكات العصبية؛ بأن تثبت أنها رغم كل مرونتها، فإنها لا يمكن أبدًا أن تمتلك القدرات المنطقية الكاملة التي تمتلكها آلة تورينج القياسية؛ فباءت محاولاتها بالفشل مرة بعد أخرى. وفي النهاية، أثبتت العكس؛ فمن السمات المميِّزة لآلة تورينج عدم قدرتها على إحداث حالة من العشوائية الحقيقية. ومن خلال ضبط الشبكة بعددٍ لا نهائي من العمليات الحسابية المتتالية غير المتكرِّرة لأعداد لا كسرية مثل «ط»، أثبتت سيجلمان أنه يمكن — من الناحية النظرية — تحويل الشبكة إلى آلة تورينج فائقة، بل إنها أوضحت في عام ١٩٩٣ كيف يمكن لمثل تلك الشبكة حلُّ مشكلة التعطُّل.

وقد قوبِلت فكرتها بين زملائها في أوساط علوم الكمبيوتر بالفتور، والعداء السافر في بعض الحالات؛ فقد كانت أفكار شتَّى قد تردَّدت أصداؤها بشأن «أجهزة كمبيوتر خارقة» يمكن أن تستغل الفيزياء الغريبة للتحول إلى آلات تورينج فائقة، ولكن تلك الأفكار طالما تراوحت فيما يبدو بين المُسْتَبعَد والهزلي (انظر الجزء بعنوان «إلى اللانهائية وما بعدها»). وأخيرًا نشرت سيجِلمان برهانها في عام ١٩٩٥ (مجلة ساينس، المجلد ٢٦٨، صفحة ٥٤٥)، ولكنها سرعان ما فقدت الاهتمام هي الأخرى. وهي تقول في ذلك: «كنت أعتقد أن المسألة لا تتجاوز حدود الرياضيات، في حين أنني كنت أريد أن أقدِّم شيئًا عمليًّا. ورفضْتُ إجراء أي أحاديث أخرى بشأن موضوع حوسبة تورينج الفائقة، وأخبرتُ الجميع أنني تركتُ ذلك المجال.»

كان رِد ويانجر على دراية بعمل سيجلمان طيلة عقد من الزمان، قبل أن يدركا أن بحثهما في سبيله إلى أن يسلك الاتجاه ذاته؛ ففي عام ٢٠١٠، كانا عاكفَيْن على إنشاء شبكات عصبية باستخدام مدخلات تناظرية يمكنها — خلافًا للشفرة الرقمية المعتادة التي تتكوَّن من الصفر (سريان التيار) والواحد (انقطاع التيار) — أن تتسع لمجموعة كبيرة من القِيَم فيما بين السريان التام والانقطاع التام. وقد ظهرت لمسة سيجِلمان واضحة هنا في الأعداد اللاكسرية التي لا حصر لها. ويقول رِد: «ثمة عددٌ لا نهائي من الأرقام بين الصفر والواحد.»

الفوضى سيدة الموقف

في عام ٢٠١١، اتَّصلَا بسيجِلمان — التي كانت آنذاك مديرة مختبر الأجهزة العصبية والديناميكية المستوحاة من البيولوجيا بجامعة ماساتشوستس في أميرست — لِيَرَيَا إذا ما كانت مهتمةً بالتعاون معهما. وقد قَبِلت. فالحقيقة أنها كانت قد بدأت تفكِّر قبل ذلك بقليل في تلك المسألة من جديد، وبدأت ترى أن قِيَم الأعداد اللاكسرية لم تكن الخيار الوحيد المتاح؛ فأي شيء يوفر عنصرًا مشابهًا من العشوائية أو عدم القدرة على التنبؤ به يمكن أن يفي بالغرض أيضًا، وتقول في ذلك: «إن الأعداد اللاكسرية هي مجرد سبيل واحد للوصول إلى قوة آلة تورينج الفائقة.»

وكان الطريق الذي اختاره الثلاثة هو الفوضى. والمنظومة الفوضوية هي المنظومة ذات الاستجابة الشديدة الحساسية للتغيرات الطفيفة في ظروفها الأصلية. فإذا اتصلت شبكة عصبية تناظرية على نحو سليم، يمكن استخدام التدرُّجات البسيطة في مخرجاتها لإحداث تغييرات أكبر في المدخلات، التي ينتج عنها بدورها تغيرات أكبر أو أصغر، وهكذا دواليك. وعمليًّا تصير المنظومة مدفوعةً بضوضاء لا يمكن التنبؤ بها، ومتغيرةً لأبعد حد.

يعمل فريق البحث على آلتَيْن فوضويَّتَين أوَّليَّتين صغيرتين، على أمل أن ينتهوا من تشغيلهما بحلول نهاية العام: إحداهما شبكة عصبية قائمة على أساس المُكوِّنات الإلكترونية القياسية، وتحتوي على ٣ «خلايا عصبية» على هيئة شرائح الدوائر المتكاملة، و١١ اتصالًا مشبكيًّا على لوحة دوائر أكبر قليلًا من كتابٍ ذي غلاف مُقَوًّى، والأخرى مكوَّنة من ١١ خلية عصبية وقرابة ٣٦٠٠ مشبك، وتَستخدم أشعة الليزر ومرايا وعدسات ومجسَّات الفوتون لتشفير معلوماتها في هيئة ضوء.

ويرى الفريق أنه حتى لو كان عمله على نطاق صغير؛ فهو كافٍ لتجاوز حدود حوسبة تورينج. وذاك زعم يثير الشكوك. ويُعرِب سكوت آرونسون — من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — عن تخوُّفه من أن النماذج الرياضياتية التي تتضمَّن أي شكل من أشكال اللانهائية دائمًا ما تواجه مشكلات عند اضطرارها إلى النزول إلى أرض الواقع، ويقول: «إن الناس يغفلون حقيقة أن المنظومة المادية لا يمكن أن تنفِّذ الفكرة بدقة تامة.» وجيريمي كابيسا — من جامعة لوزان في سويسرا، وعمِل فيما مضى مع سيجِلمان — يشاركه شكوكه بشأن إمكانية تطبيق آلات تورينج الفائقة عمليًّا، ويقول: «لا أرى أنه يمكن إنشاء هذه الآلات في الوقت الراهن.» ويؤكد تارة أخرى أن الأمر لا يتعلَّق بقصور الرياضيات، وإنما هو الجدل بشأن إذا ما كانت العشوائية الحقيقية شيئًا نستطيع التحكم فيه، أو إذا ما كانت موجودة من الأساس، ويضيف: «هل يتحقَّق للطبيعة بعض العشوائية الفطرية؟ إذا كان ذلك صحيحًا، فربما كانت الطبيعة تتمتع فعلًا ببعض قدرات آلات تورينج الفائقة.»

كان من الواضح أن تورينج انشغل بتلك المسألة؛ فكثيرًا ما كان يُخمِّن وجود صلة بين العشوائية الفطرية وأصل الذكاء المُبدِع. وفي عام ١٩٤٧، بلغ به الأمر أن اقترح على رؤسائه في مختبر الفيزياء القومي البريطاني — بالقرب من لندن — وسط ذهولهم، أن يضعوا عنصر الراديوم المُشِعِّ في محرِّك الحوسبة الآلية الذي كان قد ابتكره؛ أملًا في أن يُضفي الانحلال — الذي يبدو عشوائيًّا لدى ذلك العنصر — صبغةَ عدم قابلية التنبؤ المطلوبة على مدخلات الجهاز. وتقول سيجِلمان: «لا أظنه كان ينتوي إنشاء آلة الأوراكل؛ فقد كان ما يفكر فيه هو إنشاء شيء أشبه بالمخ البشري.»

ومنذ ذلك الحين، صار إنشاء كمبيوتر ذي خواص شبيهة بخواص المخ غايةً دائمةً؛ حيث كان آخر المبادرات الواسعة النطاق في ذلك الشأن جزءًا من «مشروع المخ البشري» المتمركز في مدرسة الفنون التطبيقية (بوليتكنيك) الاتحادية بلوزان، بسويسرا، إلا أن تلك المساعي لا تزيد على كونها محاولات لإنشاء نُسَخ طبق الأصل من الخلايا العصبية باستخدام التكنولوجيا الرقمية المعتادة لآلة تورينج. وإن يانجر على قناعة بأن نهج الشبكات العصبية الفوضوية — الأكثر مرونة — الذي يتبعه هو وزميله لديه فرصة كبرى في النجاح، ويقول: «إن تطبيق ذلك النهج قد يفضي بنا إلى الذكاء الشبيه بذكاء المخ.»

الجلبة حول أجهزة الكمبيوتر الخارقة

يدرك يانجر ورِد أنهما يسعيان وراء غاية بعيدة المنال؛ فحتى إذا عملتْ آلتُهما على نحو مخالف بوضوح لأجهزة الكمبيوتر القياسية، فسيكون من الصعوبة بمكان أن يثبتا أن ذلك يُعزَى إلى حوسبة تورينج الفائقة. وحاليًّا تتمثَّل أفضل فكرة لديهما في إجراء مقارنة متوازية بين مخرجات آلتهما ومخرجات الكمبيوتر القياسي، مع استخدام المدخلات ذاتها. فمن الناحية النظرية، يمكن لآلة تورينج الفائقة أن تنتج مخرجات مطابقة لمخرجات المنظومات الفوضوية، ولكن آلة تورينج القياسية دائمًا ما تشرع في تقريبها.

كما أنهما يأملان في أن يتمكنا من الاستعانة بمَن يساعدهما على اختبار أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهما، عندما يَعرضان فكرتهما في مؤتمرٍ للحوسبة غير التقليدية بجامعة ويسترن أونتاريو في كندا هذا الأسبوع، ويقول رِد: «سنُعلن أننا لا نعرف كيف نفعل ذلك، وربما يبدأ الناس في التفكير في الأمر.»

تلك عبارةٌ أبسط من أن تصف ما يمكن أن يُمثِّل بدايةَ أول انتعاشة حقيقية في عالم الحوسبة، ولكن الحقيقة أنه دائمًا ما كانت هناك جلبة ودعاية كبيرة بشأن ما يمكن لأجهزة الكمبيوتر الخارقة أن تفعله إذا ما تسنَّى لها يومًا أن ترى النور؛ فعلى سبيل المثال: إنَّ تجاوز حدود الحوسبة التقليدية يمكن أن يتيح لنا فهمًا جديدًا لأمور أخرى مستعصية على المنطق البشري في الوقت الحالي، مثل النظرية الكمية.

إنَّ معظمنا سيرضى بأن يضع الأوراكل حدًّا لشاشة الموت الزرقاء وما يعادلها. وفي حين أن رِد لا يَعِدُ بخروج شيء محدَّد من المحاولات الأولى؛ فإنه متفائل بالمحصِّلة النهائية ويقول: «في الواقع، أنا شبه واثق من أننا سنرى شيئًا ذا أهمية.»

إلى اللانهائية وما بعدها

إننا نعيش في كون ينطوي على احتمالات تكاد تكون لا نهائية. وعلى مرِّ الأعوام، سُخِّر بعضها ضمن السعي وراء إنشاء أجهزة كمبيوتر فائقة القوة تتخطَّى الحدود التي وضعها آلان تورينج منذ ٧٥ عامًا.

يتمثَّل أحد تلك الاحتمالات في صنع آلة تعجِّل أداء عملياتها؛ بحيث تنفِّذ كلًّا من التعليمات المتتابعة في نصف الزمن الذي استغرقه تنفيذ سابقتها. وبإجراء عدد لا نهائي من التكرارات، تنفِّذ تلك الآلة عددًا لا محدودًا من العمليات في وقت محدود. وكان أحد الاقتراحات الصادرة بغير اكتراث عام ٢٠٠١ هو أن ذلك يمكن تحقيقه باستخدام الانحناء اللانهائي للفضاء في مركز ثقب أسود.

وحتى قبل ذلك، اقترح مايك ستانيت — من جامعة شيفيلد بالمملكة المتحدة — شيئًا مشابهًا، استنادًا إلى حقيقة أن الإلكترون الموجود على ذَرَّة الهيدروجين يمكنه — من حيث المبدأ — أن يُوجَد في عدد لا نهائي من حالات الطاقة في الوقت ذاته. وهذا يختلف عن الحوسبة الكميَّة، التي تستغل «تراكب» بعض الحالات الكمية في الوقت ذاته. والكمبيوتر الكمِّي لا يمكنه أن يأتي بأكثر مما تأتي به آلة تورينج القياسية، وإن كان أسرع بكثير.

إنَّ أجهزة الكمبيوتر التي تُسخِّر عمليات الكون الجوهرية بغرض التحوُّل إلى آلات تورينج الفائقة عادةً ما تُسَمَّى أجهزة الكمبيوتر الخارقة. وسكوت آرونسون — من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — لديه قناعة قوية بأنها ليست احتمالًا واقعيًّا، ويشير إلى أنَّ الخُطط التي تتضمَّن أشياء مثل الاقتراب أكثر فأكثر من أفق الحدث لثقب أسود تثير ردود أفعال تَحُول دون مُضِيِّك فيها، ويقول: «إنها فكرة لطيفة، ولكن بحساب الطاقة اللازمة لتحقيقها، ستجدها كبيرة إلى حدِّ أنها ستلوي الأبعاد الهندسية للزمكان عوضًا عن أن تحقِّق مرادك.» والأخطر من ذلك أن القواعد الشاذة للنظرية النسبية تعني أنك قد تستخدم جهاز الكمبيوتر في إجراء قدرٍ غير محدود من الحسابات، في إطار وقت محدود من وجهة نظر شخص آخر. وهو أمرٌ غير مُجدٍ بدرجة كبيرة.

وبالنسبة إلى هافا سيجِلمان — من جامعة ماساتشوستس في أميرست — فإنَّ أجهزة الكمبيوتر الخارقة هذه «مثيرة للاهتمام من الناحية الفلسفية»، لكن لا يمكن مقارنتها بمشروعها الحالي الذي يهدف إلى تنفيذ كمبيوتر تورينج الفائق؛ فهي تقول: «إن ما نفعله لا يشبه ذلك من قريب أو بعيد؛ فتصميمنا قائم على أساس آلة تورينج، إضافة إلى تفكير شديد التأني والتفصيل بشأن كيفية تنفيذه. وأنا تعجبني نظريات الحوسبة الخارقة كلُعْبة، ولكني لن أنظر إليها أبدًا على أنها حوسبة حقيقية.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.