يجتاح جنون البناء مدن أوروبا. فالمباني الموجودة في لندن مثل برج شارد، وبرج توينتي فينتشرش ستريت (برج ووكي توكي)، ومقر جوجل الجديد في كينجز كروس تغير وجه العاصمة البريطانية، متحدية تحذيرات الغطرسة التي يعود تاريخها إلى برج بابل. وبالمثل، في باريس — التي كان يعتقد فيما مضى أن سماءها حكرٌ على برج إيفل وحده — يجري التخطيط لبناء عشرات من ناطحات السحاب، بما في ذلك البرج الشاهق مخروطي الشكل «تور تريانجل» والبرج الزاوي «تور دو». مع ذلك، بينما يلعب ارتفاع أسعار الأراضي وتزايد عدد السكان بلا شك دورهما في قيادة هذا السباق نحو السماء، فإن موجة مشاريع التصميمات الجديدة التي تجتاح أوروبا تعد أيضًا مظهرًا من مظاهر الجهد الواعي لإعادة تشكيل هوية بعض المدن الكبرى في العالم. فالمهندسون المعماريون والمخططون يوجهون أنظارهم نحو المستقبل ويسترشدون بمجموعة كبيرة من المعايير الدولية الجديدة، وهم بذلك لا يسعون لبناء مبان محايدة الكربون وتحافظ على المياه وتكون اقتصادية ونظيفة وتحافظ على البيئة فحسب، ولكنهم أيضًا يعيدون تطوير مساحات حضرية بأكملها لتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد الطبيعية المحدودة وللحد من تأثيرنا على البيئة وتحسين رفاهية سكان المدن. إن حلم المدن المستدامة اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، والأهم بيئيًّا يتحقق هنا.

برج شارد في لندن، تحت الإنشاء في عام ٢٠١٠.
برج شارد في لندن، تحت الإنشاء في عام ٢٠١٠.

في حين أن هذا كله يبدو مستقبليًّا جدًّا ومثيرًا، فإن الفكرة المثالية المتمثلة في بناء مراكز حضرية مستدامة هي مجرد الجزء الأحدث من عملية تطور تاريخي أطول بكثير. ففكرة أن المدن يجب أن تتشكل على نسق الأفكار العالقة في الذهن حول كيفية عمل المجتمع تعود إلى آلاف السنين. وكما توضح ستة من الأمثلة الأبرز في بناء المدن من الماضي، يجب أن يفخر مخططو المدن اليوم بالوصول إلى عنان السماء على نطاق واسع حقًّا، وربما ينبغي أن يحثوا الخطى للأمام أكثر في السعي لتحقيق مستقبل أنظف بيئيًّا.

مدينة الشمس

كان الفرعون المصري أخناتون (حكم في الفترة ١٣٥٣ / ١٣٥١–١٣٣٦ / ١٣٣٤ قبل الميلاد) متمردًا. فخالف المعتقدات القديمة بالإيمان بعدة آلهة في مصر، وكان مصممًا على تحويل مملكته إلى عبادة إله الشمس آتون. وفي جوهر سعيه كان متمردًا بالقدر نفسه في نهجه لتخطيط المدن. فبدلًا من السكنى في العاصمة التقليدية ممفيس (قرب القاهرة الحديثة)، نقل بلاطه بأكمله ٢٠٠ ميل تقريبًا إلى الجنوب وبنى مدينة جديدة تمامًا من البداية في وسط الصحراء. ولما كانت أخيتاتون (الموقع الأثري تل العمارنة في الوقت الراهن) مكرسة كليًّا للشمس، فقد صُممت لخدمة احتياجات الدين الجديد، ولكن ربما كان الهدف أيضًا تحسين مستويات المعيشة الأساسية. كانت المدينة رائعة في تنظيمها، فكانت تغطي مساحة قدرها ثمانية أميال مربعة، واصطفت المعابد والقصور الشاسعة الجديدة على جانبي شوارعها الواسعة المفتوحة، وتخللتها مجموعة كبيرة من البيوت الفسيحة الفاخرة. وبالرغم من جرأة خيال مؤسسها، لم يُكتب لتل العمارنة البقاء طويلًا. فإيمان أخناتون بإله واحد — الذي دمر ثروة ونفوذ طبقة الكهنة القوية في مصر — لم يحظ بشعبية على نحو مروع، وبعد وفاته في عمر صغير، أُلغيت إصلاحاته بسرعة. وفي غضون بضع سنوات تُركت تل العمارنة لرمال الصحراء. ولم يبق في الذاكرة إلا التصاميم الكبرى للفرعون.

مدينة الرخام والإنسان

لم تكن روما القرن الأول المدينة التي يسعد أي شخص بالعيش فيها. فبعد سنوات من الحرب الأهلية التي دمرتها، وبعد تعرضها لخطر الفيضانات والحرائق، كانت روما مجموعة من المباني غير الصحية الواهية الآيلة للسقوط، والطرق رديئة التعبيد. ومع ذلك، بفضل الإمبراطور أغسطس (حكم في الفترة من عام ٢٧ قبل الميلاد حتى ١٤ ميلادية)، تحولت روما إلى العاصمة المتلألئة التي استحقت عن جدارة أن يُطلق عليها «عاصمة العالم» الحقَّة. وكان لمقولته على فراش الموت إنه «تسلم المدينة مبنية من الطوب وتركها مكسوة بالرخام» ما يبررها. ولما كان أغسطس عازمًا على جعل نفسه جديرًا بعرش الإمبراطورية ولعلمه بضرورة تحسين مستويات معيشة رعاياه، قاد برنامجًا ضخمًا لتجديد المناطق الحضرية كان من شأنه أن غيَّر وجه روما تمامًا. ومن بين المباني التي أمر أغسطس ببنائها مذبح السلام وحمامات أجريبا وقوس أغسطس ومعبد قيصر ومنتدى أغسطس، إضافة إلى مجموعة من المصارف والقنوات المائية. وإذا كان حجم البرنامج قد اكتسب شكله من خلال فخره الإمبراطوري، فقد تأثر تصميم المدينة المعاد بناؤها بفهم واضح للعلاقة بين التخطيط الحضري والبيئة. وكما أوضح فيتروفيوس في كتابه «الهندسة المعمارية» (الذي انتهى من كتابته حوالي عام ٢٧ قبل الميلاد)، فإن كل مبنى يجب بناؤه بنيانًا قويًّا، ويتوافر فيه الجمال مع أدائه وظيفته. بما أن الهندسة المعمارية كانت محاكاة للطبيعة كما أشار فيتروفيوس، تألف الجمال من محاكاة النسب التي يمكن ملاحظتها في الطبيعة. وبما أن أجمل هذه النسب لا بد أنه موجود في الإنسان نفسه، فإنه يترتب على ذلك أن كل مبنى لا بد من تصميمه ليحاكي خصائص الجسم البشري. في حين أن أغسطس ترك روما مدينة من الرخام، فإن روما الجديدة في عهد أغسطس كانت أيضًا إلى حد كبير مدينة الإنسان.

المدينة المثالية

رغم الظلام الذي غرق فيه التخطيط العمراني خلال العصور الوسطى، فإن الاهتمام القديم بتخطيط المدن بدأ يحظى بفرصة جديدة للحياة في عصر النهضة الأوروبية. ففي منتصف القرن الرابع عشر بدأ الإمبراطور الروماني المقدس تشارلز الرابع تحويل براج إلى «روما الجديدة» في ذلك الوقت المبكر، لتكون عاصمة تليق بمملكة بوهيميا والإمبراطورية نفسها. فتحت رعايته — يرجع جانب كبير من الفضل إلى العمل الرائد للمهندس بيتر بارلر (١٣٣٠–١٣٩٩) — أعيد بناء قلعة براج التي لا تزال الأكبر من نوعها في العالم، وكاتدرائية القديس فيتوس من البداية. وبُني جسر جديد مهيب على نهر فلتافا ضمَّ أبراج حراسة، وأُسست جامعة جديدة، وأُضيف ميدان جديد واسع إلى وسط المدينة. ولكن بينما كان هذا كله مثيرًا للإعجاب، فقد حدثت الطفرة الحقيقية في التخطيط العمراني في شمال ووسط إيطاليا في القرن التالي. ولما كانت الجمهوريات — المدن الناشئة متأثرة بالمبادئ الكلاسيكية في التصميم، لم تكن مصممة فحسب لإنشاء مدن تحاكي روما القديمة، ولكنها في الواقع كانت تجسد أيضًا المثل الكلاسيكية بأكملها. وبعد اكتشاف بودجو براتشوليني للنص الكامل لكتاب «الهندسة المعمارية» في ١٤١٥، تدفقت الأموال الخاصة والعامة على إعادة بناء المدن في إيطاليا. فمع تشييد القصور والكاتدرائيات والمباني الحكومية والأروقة الواسعة ذات الأعمدة، أصبح تقليد الطبيعة والعصور الكلاسيكية القديمة جزءًا لا يتجزأ من فخر كل دولة. على سبيل المثال، في مطلع القرن الخامس عشر، جُلب ليوناردو بروني من أجل كتابة «في مدح مدينة فلورنسا» (١٤٠٣-١٤٠٤)، الذي تساءل فيه عما إن كان أي شيء في العالم كله يمكن أن يكون «رائعًا وبديعًا» مثل فنها المعماري، في حين لم يستطع كولوتشو سالوتاتي أن يصدق أن أي مدينة أخرى ربما يمكن أن تكون «أكثر فخرًا بمبانيها أو أكثر تزينًا بالكنائس أو أكثر جمالًا في فنها المعماري أو أكثر فخامة في بواباتها أو أكثر ثراء بالميادين أو أكثر سعادة بشوارعها الواسعة.» وبعد ذلك، كان البابا نيقولا الخامس (تولى البابوية في الفترة ١٤٤٧–١٤٥٥) يشير إلى تجميل روما بوصفه ضروريًّا من أجل ازدهار البابوية ورسوخ الإيمان الكاثوليكي، ومن ثم أشعل نوبة قوية من جنون البناء لدرجة أنه لم يكن يمكن التعرف على المدينة في بداية القرن السادس عشر. كانت المشكلة الوحيدة هي النقود. وكان هوس ليو العاشر (حكم في الفترة ١٥١٣–١٥٢١) بإعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس السبب الرئيس في إفلاس الكنيسة، ومن ثم أصدر قراره ببيع صكوك الغفران لجمع الأموال اللازمة، وهو ما ساعد في إطلاق شرارة الإصلاح البروتستانتي.

المدينة الأكثر تجريدية وتخطيطًا على وجه الأرض

ربما كان القيصر بطرس الأكبر (حكم في الفترة ١٦٧٢–١٧٢٥) راعي التخطيط الحضري الأكثر طموحًا في التاريخ؛ متفوقًا على أخناتون نفسه. ولأن بطرس سافر في أنحاء أوروبا الغربية، فقد تأثر بشدة بمذهب العقلانية الذي أتى به عصر التنوير وأعجب على نحو خاص ببعض المشاريع المعمارية التي رآها في جرينتش ومانشستر ودرسدن وفيينا. ولما كان إيمانه في «التقدم» إيمانًا راسخًا، رأى أن النهج العقلاني في تخطيط المدن لا يمكن أن يحسن حياة الناس المادية والفكرية وحسب، ولكن يمكن أيضًا أن يسهم إسهامًا كبيرًا في ازدهار الأمة وقوتها. ولما كان بطرس رجلًا يكره أنصاف الأمور، فقد قرر تطبيق كل الأشياء التي تعلمها على نطاق واسع حال عودته إلى روسيا. وكان مصممًا على بناء عاصمة جديدة تمامًا بسبب اشمئزازه من موسكو القبيحة الفوضوية وعزمه على تحديث إمبراطوريته بأية تكلفة. وقرر إقامة مدينته الجديدة بعد أن استولى على قلعة نينسكانس السويدية على ساحل بحر البلطيق في هذا المكان. وكانت مهمة ضخمة؛ إذ كانت المنطقة مستنقعًا مليئًا بالبعوض، ولكن لم يكن شيء ليردع بطرس. فوجَّه كل موارد الدولة نحو مساعي تأسيس المدينة التي ستصبح معروفة باسم سانت بطرسبرج يوم ٢٧ مايو ١٧٠٣.

جيء بالمهندسين المعماريين من الغرب وفُرضت ضرائب جديدة وانخرط حشد ضخم من العمال في العمل. بل فرض بطرس قيودًا صارمة على استخدام الأحجار في أي مكان آخر؛ لأنه كان غير مستعد لتحمل أي تأخيرات. وأخيرًا، كان إنجازًا هائلًا يمثل ذروة انتصار التنوير على الطبيعة في عام ١٧١٢ عندما تم الانتهاء من إنشاء المدينة لتتقلد مكانتها باعتبارها المدينة الأولى في روسيا. واستحقت عن جدارة وصف دوستويفسكي في وقت لاحق لها بأنها «المدينة الأكثر تجريدية وتخطيطًا على وجه الأرض.»

مدينة التعلم

في حين أن الإمبراطور تشارلز الرابع أدرك أن المدينة المخطط لها على نحو مثالي ينبغي أن تضع في اعتبارها توفير التعليم، فإن الأمير ألبرت (١٨١٩–١٨٦١) — زوج الملكة فيكتوريا — هو من آمن بضرورة أن يكون التعليم في جوهر التصميم الحضري. وإيمانًا من ألبرت بأن العلم والتكنولوجيا والتعليم أمور أساسية لتحقيق حلم الإمبراطورية البريطانية، كان له دور فعال في ضمان استخدام أرباح المعرض العظيم لعام ١٨٥١ لشراء مساحات شاسعة من الأراضي في جنوب كنسينجتون في لندن كموقع لمجمع مباني من شأنها أن تمثل نُصبًا تذكاريًّا دائمًا للنهوض بالتعليم. وشارك ألبرت عن كثب في عملية التصميم حتى وفاته المفاجئة في سن ٤٢ عامًا، وكانت رؤية ألبرت مثيرة للإعجاب وأُطلق على المنطقة كلها اسم «ألبرتوبوليس». بدأ ألبرت سلسلة من مشاريع البناء — بمساعدة من مفوضين مثل هنري كول ومهندسين معماريين مثل جوتفريد سمبر — من شأنها أن تؤدي إلى استكمال جمعية البساتين الملكية ومتحف التاريخ الطبيعي وقاعة ألبرت الملكية ومتحف فيكتوريا وألبرت ومجموعة كبيرة من المباني الأخرى، التي لا تزال غالبيتها تشكل جوهر الحياة الثقافية في لندن.

قبلة العالم

لم تكن باريس دائمًا جذابة جدًّا كما تبدو في بعض الأحيان الآن. فخلال أوائل القرن التاسع عشر كانت شوارعها مظلمة وضيقة ومتعرجة وكانت مبانيها (مع وجود استثناءات قليلة للغاية) مشيدة على نحو سيئ وضيقة ومكتظة بالسكان، وكان نظام الصرف الصحي مروِّعًا. وتفشت الأمراض داخل حدود المدينة؛ ففي عام ١٨٣٢ وحده توفي ٢٠ ألفًا من سكان المدينة جراء الكوليرا. كانت باختصار وصمة عار، وبينما فكر نابليون بونابرت في إعادة بناء المدينة وفق تصوره، فإنه لم تُبذل جهود حقيقية لتحسينها.

لم تبدأ الأمور في التغير إلا في عهد نابليون الثالث (١٨٥٢–١٨٧١). وتمشيًّا مع الاعتقاد السائد آنذاك بأن المجتمع يمكن تغييره للأفضل باستخدام موارد الدولة لبدء برنامج أوسع من الاستثمار الخاص في الاقتصاد الحضري، عهد نابليون إلى جورج يوجين أوسمان بمهمة تغيير وجه عاصمته. وبعد شراء مساحات شاسعة من الأراضي، تفوق أوسمان على كل سابقيه في تنفيذ خطة رئيسية شاملة المدينة بأسرها أعطت الأولوية للمساحات الواسعة المفتوحة، والاتساق الهندسي، وتدوير الهواء (الذي كان يُعتقد أنه ضروري للصحة الجيدة)، وتفضيل الصرف الصحي وتفضيل الفعالية على الجانب المعماري في المباني الفردية. وفي أقل من ٢٠ عامًا، امتدت شبكة ضخمة من الشوارع المشجَّرة الواسعة المتصلة بميادين كبيرة (مثل ميدان الجمهورية وميدان النجمة) في التقاطعات. وشُقَّت مجموعة واسعة من القنوات لجلب إمدادات جديدة من المياه العذبة، وافتتحت الحدائق، وبنيت مجموعة من محطات السكك الحديدية الجديدة (بما في ذلك محطتَا جار دي ليون وجار دو نور) لتحسين سبل الاتصال، وحتى الثقافة دُمجت في التصميم، متمثلة في أوبرا جارنييه.

وكما لاحظ النقاد سريعًا، لم يحدث ذلك دون تكلفة؛ إذ أُجبر آلاف الأشخاص على ترك منازلهم نتيجة لعمليات الشراء والهدم الإجبارية. ووضعت النفقات الضخمة — التي وصل مجموعها إلى حوالي ٢٫٥ مليار فرنك — ضغوطًا لا تطاق على ميزانية الدولة. حتى إن البعض يرون أن أوسمان وسَّع فعليًّا الفجوة بين الأغنياء والفقراء. ومع هذا ليس هناك شك في أنه على المدى الطويل تغيرت باريس إلى الأفضل. فتحسنت معايير الصحة والنقل والمعيشة جميعها. والأكثر من ذلك هو أن باريس أوسمان أصبحت حقًّا قبلة العالم. والآن بينما يشرع المهندسون المعماريون الباريسيون في تغيير أفق مدينتهم مرة أخرى، ربما يجدر بهم تقليد أوسمان والتفكير بطموح كبير للغاية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    amr ·٢٣ يونيو ٢٠١٤، ٢٢:١٤ م

    It's a very nice work