السراويل الجينز سلعة عالمية بالغة الأهمية، وهي قطعة من الثياب مصنوعة من نوع القماش الذي يُطلَق عليه الدنيم؛ وهو أحد السلع الأكثر تداولًا على نطاق واسع في العالم. ولكونها المنتج القطني الأكثر شيوعًا، تجسِّد هذه السراويل أفضل مثال على الاقتصاد العالمي المترابط الخاص بأواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. ويُعَدُّ القطن الخام والخيوط المغزولة والمنسوجات القطنية من أثمن السلع في جميع أنحاء العالم. فالقطن هو المادة المستخدمة في صنع الملابس والمفروشات، ولا يزال هو النسيج الأكثر شعبيةً لصنع الملابس التي نرتديها على نحوٍ يوميٍّ، على الرغم من النجاح الذي حقَّقته الألياف الاصطناعية في القرن العشرين.

سجادة مطبوعة بطريقة القوالب تصوِّر طقوسًا احتفالية مع مشهد صيد، صُنِعت في ولاية جوجرات من أجل السوق الإندونيسية قرابة عام ١٧٠٠، وتوجد في المتحف البريطاني.
سجادة مطبوعة بطريقة القوالب تصوِّر طقوسًا احتفالية مع مشهد صيد، صُنِعت في ولاية جوجرات من أجل السوق الإندونيسية قرابة عام ١٧٠٠، وتوجد في المتحف البريطاني.

مع ذلك، فقصة المنسوجات القطنية ليست قصةً جديدة، وفي الواقع — وبعيدًا عن كونها منتجًا متوافرًا في الأسواق في الوقت الراهن، وأنها تمثِّل استجابةً لرغبات المستهلكين عالميًّا — فإن المنسوجات القطنية خلال الألفية الماضية كانت ضمن مجموعة صغيرة من السلع المنتشرة دوليًّا، التي تشمل الحرير — منافس القطن — وكذلك التوابل والفضة. ولكن في حين أن تاريخ الحرير والفضة والتوابل معروف جيدًا على نحو نسبي، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على القطن، الذي غالبًا ما يُنظَر إليه على أنه منتج من منتجات الثورة الصناعية الإنجليزية؛ أيْ سلعة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ النمو الاقتصادي الأوروبي منذ القرن الثامن عشر.

مع ذلك، فالصلة بين القطن ومصانع لانكشير للنسيج ليست سوى جزء من التاريخ المعقَّد لهذه الألياف والأنسجة؛ فقبل الثورة الصناعية كان إنتاج المنسوجات القطنية جزءًا رئيسيًّا من الاقتصاد الهندي، وفي عام ١٤٠٠ لم تكن زراعته وصناعة الغزل والنسيج شائعة فقط في جنوب آسيا، ولكن أيضًا في الصين والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وغرب أفريقيا، وكانت أوروبا هي الجزء الوحيد في العالم الذي يُهمَل فيه القطن؛ إذ كان من المستحيل تقريبًا زراعته في الظروف المناخية القاسية نسبيًّا للقارة. وخلال العصور الوسطى، استورد التجار الإيطاليون منسوجات قطنية من بلاد الشام، وأنتجوا أيضًا بعض الأقمشة المختلطة من القطن والكتان الخاصة بهم (أُطلِق عليها «الفستيان») في مدن مثل ميلانو وفيرونا، وأخيرًا في أولم في جنوب ألمانيا.

وقبل عام ١٥٠٠، كان نجاح القطن في أوروبا محدودًا، وتغيَّرَتِ الأمور كثيرًا عندما شقَّ الأوروبيون طرقَ تجارةٍ مباشرة مع آسيا في نهاية القرن الخامس عشر، فعندما وصل التجار الأوروبيون الهندَ، دُهشوا من تنوُّع وجودة المنسوجات القطنية المعروضة للبيع. وتتباهى الهند بوجود مناطق عدة لتصنيع القطن؛ حيث تنسج قرًى بأكملها أنواعًا مختلفة من الأقمشة، بدءًا من نسيج المُوسْلِين الناعم وصولًا إلى أنسجة الكاليكو القطنية الملونة. وهيمنت ثلاث مناطق على وجه الخصوص على إنتاج المنسوجات القطنية التي تباع في جميع أنحاء آسيا وخارجها، وهي جوجرات في شمال غرب الهند، وساحِلَا كُروماندل ومالابار في جنوب الهند، والبنغال الموجودة الآن في شرق الهند وبنجلاديش.

وفيما يلي، يقدِّم لنا الرحَّالة والتاجر الهولندي يان هايخن فان لينشخوتن مشهدًا من رحلته إلى جزر الهند الشرقية (١٥٩٨) لعملية إنتاج القطن في الهند في نهاية القرن السادس عشر، فكتب ملاحظاته:

هناك ثياب ممتازة من القطن — مصنَّعة في نيجاباتان وسانت توماس وماسوليبتان بكل الألوان، ومنسوجة باستخدام أنواع مختلفة من الأنوال والأشكال، ومزخرفة بروعة ومهارة شديدتين — تُرتَدَى كثيرًا في الهند، وهي مُفضَّلة عن الحرير؛ ولذلك فهي أغلى ثمنًا منه بسبب جودة صناعتها ومهارة صانِعِيها.

كانت هناك أسواق دولية في مجال القطن في عصر فان لينشخوتن، كما يمكن أن يُرى من خلال ظهور الملابس القطنية المتطابقة تقريبًا في أماكن بعيدة؛ مثل مصر وجزر سولاويسي في جنوب شرق آسيا. ويعود تاريخ هذه العينات إلى القرن الرابع عشر، وكانت تُنتَج في ولاية جوجرات؛ حيث كانت تُزخرَف بما يُطلَق عليه نمط «الإوزة»، وتُتَداوَل بين التجَّار من شاطئَيِ المحيط الهندي. وأَظْهَرت منسوجات الإوزة كيف شكَّلت صناعة الأقطان المنتجَة في جنوب آسيا أساسًا للتجارة الواسعة النطاق التي انتشرت عن طريق البر والبحر لمسافات بعيدة؛ مثل إندونيسيا واليابان في الشرق، والمملكة العربية السعودية وإثيوبيا ومصر في الغرب. وجَرَتْ مقايضة المنسوجات القطنية مقابل مجموعة متنوعة من السلع، بدءًا من التوابل إلى المواد الغذائية حتى السلع الترفيهية، واكتسَبَ القطن أهميةً بين المنتجات المتداولة بين المحيط الهندي وشرق أفريقيا في القرن الرابع عشر، جنبًا إلى جنب مع غيره من الملابس الجميلة والخرز والنحاس والفَخَّار الإسلامي والزجاج والخزف الصيني. وكانت الأقطان الهندية في ملقا تُقايَض بالفلفل والكافور والتوابل وخشب الصندل والخزف الصيني والحرير والمعادن، وكانت المنسوجات في سريلانكا وجزر المالديف السلعةَ الرئيسيةَ التي تُقايَض بالقرفة والفلفل والصدف (كان يستخدم بدلًا من النقود في بعض أرجاء آسيا وأفريقيا) وبذور الفوفل (نوع من النخيل).

شكَّلَتِ التجارةُ بين الهند وجنوب شرق آسيا جوهرَ التجارة الآسيوية الداخلية، مع كون المنسوجات عملةً بديلةً للتجارة بين البلدان البعيدة. وربطَتْ مجموعةٌ متنوعةٌ من المجتمعات التجارية — بدءًا من تجَّار جوجرات حتى التجَّار اليهود والمسلمين والأرمنيين — مناطقَ الإنتاج في أجزاء مختلفة من الهند مع الأسواق المزدهرة في جنوب شرق آسيا، وكذلك مع شرق أفريقيا والخليج؛ فاستغلوا الطلب على الأقمشة القطنية، لا سيما في المناطق التي لا يُنتَج فيها القطن محليًّا. وفي مناطق أخرى من الجنوب الشرقي وشرق آسيا، كانت أنواع أغلى من الأقمشة تُضاف إلى استهلاك المنسوجات المحلية وتُستخدَم في المناسبات الخاصة؛ مثل الاحتفالات الشعائرية، أو تُورث من جيل إلى جيل كمتاع موروث. وكانت أنسجةُ الشيت والكاليكو الهندية تُستخدَم في اليابان على نطاق واسع، حتى إنها دُمِجَتْ مع الكيمونو التقليدي. وعندما وصل البرتغاليون اليابانَ في منتصف القرن السادس عشر، كان يُنظَر إليهم على أنهم برابرة، مع ذلك كانت ملابسهم — الملابس الغريبة الشكل ذات الطراز الأوروبي، المنتجَة في الهند باستخدام الأقمشة المحلية — محلَّ إعجابٍ، وقلَّدَها اليابانيون.

زاد وصول الأوروبيين إلى المحيط الهندي على الأقل من جاذبية المنسوجات القطنية الهندية؛ إذ كان التجَّار الأوروبيون مهتمِّين بتجارة الأقمشة المنسوجة (في أوروبا وكذلك في آسيا) أكثر من اهتمامهم بالخيوط المغزولة أو القطن الخام، اللذين كانا من السلع ذات الحجم الكبير التي تدرُّ أرباحًا أقل. وتجادَلَ المؤرخون حول الأهمية التي اكتسَبَها التجَّار الأوروبيون في التجارة الآسيوية الداخلية (المعروفة باسم «التجارة الأهلية») في مجال المنسوجات، وحول حصتهم من التجارة الكلية للمنسوجات الهندية. وأصبحت تجارة القطن عالميةً حقًّا عندما بدأت الرغبة في الأقطان الآسيوية تنتشر، ليس فقط في آسيا ولكن أيضًا في أوروبا وأفريقيا والأمريكتين.

في ذروة نشاط شركة قاهيرا دا إنديا (الشركة البرتغالية الحكومية التي كانت تتاجر مع آسيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر)، لم تكن المنسوجات محورَ التجارة الأوروبية؛ بل كانت وسيلة يمكن من خلالها الحصول على التوابل — الفلفل والكافور وجوز الطيب — التي كانت مطلوبةً وتُبَاع بأسعار مرتفعة في أسواق لشبونة والمدن الأوروبية الأخرى. واستُخدِمَت المنسوجات الهندية لدفع ثمن التوابل التي يشتريها التجَّار الأوروبيون من الجزر النائية في جنوب شرق آسيا أو في أسواق مثل ملقا. ومع ذلك، خلال القرن السادس عشر، أصبحت الأقمشة القطنية الهندية سلعةً خاضعةً للتجارة في حدِّ ذاتها، وبدأ التجَّار في جلبها إلى أوروبا؛ فأصبح البرتغاليون مُولَعِين بالأغطية القطنية والمنسوجات التي تُعلَّق على الجدران.

على مدى القرنين اللاحقين، وخصوصًا بعد منتصف القرن السابع عشر، أصبح لشركة داتش إيست إنديا ﻛﻮﻣﺒﺎﻧﻲ (الهند الشرقية الهولندية) ونظيرتها البريطانية دورٌ في تجارة المنسوجات الآسيوية؛ فقد سمَحَ التراجُعُ النسبيُّ لشركة قاهيرا البرتغالية لقوى شمال الأطلنطي بالسيطرة على الموانئ الآسيوية التي تتمُّ التجارة من خلالها، فكانت هذه هي «المصانع»؛ أي الموانئ التجارية التي تُجمع فيها السلع من مختلف الأنواع، فتُجلَب إلى أوروبا أو تُرسَل إلى أجزاء أخرى من آسيا. أُخِذت بعضُ هذه المصانع بالقوة، والبعض الآخَر من خلال مفاوضات ماهرة مع الحكَّام المحليين، وبحلول ستينيات القرن السابع عشر، كانت شركة داتش إيست إنديا ﻛﻮﻣﺒﺎﻧﻲ قد اخترقت السوق الإندونيسية؛ إذ حصل الهولنديون على الحقوق الحصرية للتجارة في ميناء ماكاسار في سولاويسي، وبالتالي استُبعِدَ تجَّار ملايو والهند من أسواقهم التقليدية.

زادت قوة وضع الشركات التجارية الأوروبية في المحيط الهندي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأوضحت الأرباحُ العالية من التجارة الداخلية الآسيوية للمنسوجات القطنية (إلى جانب تراجُعِ أهمية التوابل) أسبابَ استثمارِ التجَّار الأوروبيين بكثافةٍ فيها؛ فبحلول سبعينيات القرن الثامن عشر، سيطَرَ التجار الأوروبيون على نحو نصف جميع شحنات البضائع من باتافيا إلى الهند. وكانت باتافيا مركزًا لتجارة مختلف الأقطان الهندية؛ مثل قماش غينيا وسالمبوري، وكان يُتداوَل أكثر من ٥٠ ألفَ ثوبٍ من قماش غينيا (وهو منتَج موجَّه إلى الأسواق الأفريقية) والسالمبوري من كُروماندل، والبافتا والنيكوانياس من سورات في جوجرات، كلَّ عامٍ ليتوجَّه معظمها إلى جاوة وبالي وشرق إندونيسيا وأجزاء أخرى من الأرخبيل.

لم تكن أقمشة الفستيان التي أُنتِجَتْ في أوروبا في القرون الوسطى بالجودة نفسها ولا بغنى الألوان اللتين تمتعت بهما المنسوجات الهندية، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت شركات الهند الشرقية الأوروبية ناجحةً للغاية في تداوُلِ الأقطان الهندية في أسواق أوروبا. وبالفعل كانت تُستورَد ملايين الأثواب من الأقمشة القطنية — كلٌّ منها بطول ٢٠ ياردة تقريبًا — من الهند كلَّ عامٍ خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكانت تمثِّل ربعَ كلِّ ما تتاجِر فيه شركة داتش إيست إنديا ﻛﻮﻣﺒﺎﻧﻲ، وشكَّلَتْ على نحوٍ مذهلٍ ثلثَيْ شحنات شركة بريتش إيست إنديا ﻛﻮﻣﺒﺎﻧﻲ.

استُخدِمَتْ هذه المنسوجات في البداية لتزيين الغُرَف؛ ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر أصبحت المنسوجاتُ الواسعةُ النطاق — التي تُعلَّق على الجدران والمصنوعة من قماش الشيت الهندي — شائعةَ الاستخدام لتبطين جدران غُرَف النوم بوجه خاص، وصوَّرَتْ هذه «المفارش» مشاهِدَ للطيور والنباتات أو شجرة الحياة الشهيرة، وكلها أفكار صُمِّمَتْ خصوصًا للمستهلكين الأوروبيين. وفي وقتٍ ما في النصف الثاني من القرن السابع عشر، بدأ استخدام الأقطان الهندية في الملابس، وأوضح المؤلِّف المجهول لكتاب «إحياء التجارة الإنجليزية» (١٦٨٢) أن المستهلكين يريدون «قماش البنغال المجلوب من الهند من أجل تبطين المعاطف والتنورات أيضًا». وفي مسرحية موليير «البرجوازي النبيل» (١٦٧٠)، يقرِّر مسيو جوردان ارتداء رداء غير رسمي (بنيان) مصنوع من الكاليكو، وعن ذلك يقول بثقة: «فُصِّلَ لي هذا الثوب القطني المطبوع، وقال خياطي إن النبلاء يلبسونه في الصباح.» وبعد سنوات قليلة، ينظر دانيال ديفو باشمئزازٍ «للنبلاء الذين يرتدون سجَّادًا هنديًّا.»

قُوبِلت الأهمية المتزايدة للمنسوجات الآسيوية بمشاعر مختلطة في جميع أنحاء أوروبا؛ فأولئك الذين يعارِضون استيرادَها أعربوا عن امتعاضهم من آن لآخر، بهدف إقناع العامة والبرلمان أن مصالح عمَّال الصوف والحرير الإنجليز لا بد من حمايتها، وقالوا إن المنسوجات المستوردة تضرُّ بعمل الفقراء والعمَّال (الصناع)، الذين لم يعودوا قادرين على العثور على فُرَصِ عملٍ كافية في الغزل والنسيج. وكذلك استخدموا لغةً تجاريةً بحتةً للمجادَلةِ في أن «ثروة الأمة» تتقلص من خلال «إذابة العملات» من أجل صنع سبائك الذهب لدفع ثمن استيراد الكماليات الآسيوية. وغطت هذه الحجج على الموقف الضعيف للمصنوعات الأوروبية، التي لم تكن قادرةً — في كثير من الأحيان — على منافَسةِ جودة القماش الهندي المستورَد، وكانت «أرخص في الهند بنسبة سبعين بالمائة من ثمن شرائها هنا»؛ كما اعترف أحد المصادر.

مرَّرَ البرلمان عددًا من القوانين في الفترة من ١٦٩٠ إلى ١٧٢١ تحظر استيراد أقمشة مثل الكاليكو والشيت (وأُلغِيت القوانين في عام ١٧٧٤، وهو الوقت الذي أنهى فيه التقدُّم التكنولوجي البريطاني — مثل دولاب الغزل وإطار الغزل المائي والمغزل الآلي — المنافَسةَ فعليًّا مع الشركات المصنِّعة في آسيا)، وكان تمرير القوانين حلقةً في المعركة بين أصحاب النفوذ التجاري من جهة (وخاصة أصحاب النفوذ في شركات الهند الشرقية)، وأصحاب النفوذ في مجال التصنيع من جهة أخرى. وفي نهاية المطاف فازت المجموعةُ الثانية، ما أصابَ التجَّار والمستهلكين على حدٍّ سواء بخيبة الأمل. وابتهج النسَّاجون البريطانيون بخبر حظر استيراد المنسوجات الهندية؛ فكان أحد عناوين مقالات الصحف «انتصار النسَّاجين»، الذي احتلَّ صفحةً كاملةً، جاء فيه أنه «سوف يحيي آلافُ الفقراء ذكرى هذا اليوم السعيد، وسيوجِّهون الشكرَ بالإجماع للملك والبرلمان على إنقاذ صنعتهم المتضررة.» وفي يونيو ١٧٢٠، في عشية فرض الحظر على أقمشة الكاليكو الهندية المستوردة إلى بريطانيا، وقع اعتداء من قِبَل النسَّاجين على امرأة تُدعَى دوروثي أورويل في ريد ليون فيلدس في هوكستون بشرق لندن؛ بسبب ارتدائها لقماش الكاليكو، حيث «مزَّقوا وقطَّعوا، ونزعوا عنها فستانها وتنورتها بالقوة، وهدَّدوها بعبارات شائنة وتركوها عاريةً» في الميدان. وفي حالات أخرى، كان يُلقَى على ملابس النساء المصنوعة من أقمشة الكاليكو ماء نار، وهو عمل قاسٍ يذكِّرنا بالاعتداءات التي وقعت في نهاية القرن العشرين على النساء اللاتي كنَّ يرتدين الفراء.

تطوَّرَ الهجوم على الأقطان بصورة أسرع في أجزاء أخرى من أوروبا؛ إذ فُرِضت سلسلةٌ من قوانين الحظر على استيراد وارتداء الأقطان الهندية في العديد من البلدان، بدءًا من فرنسا في ١٦٨٦. وتلا ذلك اتخاذ إجراءات مماثلة في إسبانيا وبروسيا، وكانت النتيجة أن جميع الدول الأوروبية — باستثناء الجمهورية الهولندية — حظرت استيراد وارتداء المنسوجات الهندية. ومع ذلك، بغضِّ النظر عن نوايا المشرعين، فإنه يبدو أيضًا أن الحظر كان غيرَ فعَّال للغاية في منع المستهلكين من شراء أقمشة الكاليكو والشيت الهندية؛ ففي إنجلترا، كما هو الحال في فرنسا وأماكن أخرى، واصَلَ الناسُ ارتداءَ الأقمشةِ المحظورة، مخاطرين بتوقيع الغرامات عليهم أو السجن أو حتى الامتهان. وسجَّلت زوجةُ عضوٍ في مجلس مدينة رين الفرنسية دهشتها لوجود أشخاص «في الحادية عشرة ظهرًا بالقرب من أسوار المدينة يرتدون ملابس من أقمشة الكاليكو».

كان بيع واستهلاك القماش الهندي وتقليده الأوروبي مع مرور الوقت تجارة كبيرة ليس فقط في أوروبا، ولكن أيضًا عبر المحيط الأطلنطي؛ فبفضل التجَّار الأوروبيين، كانت المنسوجات القطنية تُتداوَل أيضًا عبر المحيط الأطلنطي، ما أعاد تشكيل عادات المستهلكين، فضلًا عن النظم الاقتصادية والمجتمعات في أوروبا وأفريقيا والأمريكتين. وكانت السوق الأفريقية منفذًا مهمًّا؛ حيث كان الطلب على الأقطان المستوردة من الهند والمنتجة في أوروبا مرتفعًا. وبالفعل — في القرن السادس عشر — بينما كان التجار البرتغاليون في طريق عودتهم إلى لشبونة من آسيا، أدركوا أن القماش الهندي سيحقِّق مبيعات جيدة في ساحل غرب أفريقيا. وعلى الرغم من أن معظم التمثيلات الأوروبية للأفارقة أظهرتهم بأنهم «همج عراة»، فإنهم كانوا يرتدون الملابس ولهم أذواق أنيقة في انتقائها؛ إذ كان لديهم أفكار محدَّدة حول أنواع القماش التي أرادوها، والأسعار التي كانوا على استعدادٍ لدفعها. وفي عام ١٧٦٠، كتب التاجر الهولندي لودفيج فرديناند رومر موضِّحًا:

السود … يفضِّلون أن تكون جميع مشترياتهم من المنسوجات؛ مثل الأقمشة القطنية وأقمشة الجنجهام وسالمبوري وكالافاب وما شابهها. ويعلم قبطان السفينة الحكيم أيٌّ من بضاعته مطلوب في أي مكان يتواجَد فيه على الساحل، لكنه لا يعرف البضائع التي سيقع عليها الطلب عندما يبتعد خمسين ميلًا على طول الساحل.

ارتدى المستهلكون من غرب أفريقيا الأقطان الهندية منذ زمن بعيد، التي وصَلَتْ لهم عبر الطرق الصحراوية، وسرعان ما أدرك التجار الأوروبيون أن أقمشة الكاليكو المصبوغة لم تكن هي المطلوبة في غرب أفريقيا، بل الأقمشة ذات الأنماط الهندسية الأبسط، المخطَّطة والمربَّعَة النقش. ويقدَّر أنه بحلول منتصف القرن السابع عشر، كان ساحل الذهب الأفريقي يشتري أكثر من ٢٠ ألف متر من الأقمشة القطنية الهندية والأوروبية سنويًّا. وفي أواخر ستينيات القرن السابع عشر وأوائل سبعينيات القرن نفسه، صدَّرت مدينة روان الفرنسية إلى أفريقيا من الأقمشة القطنية البسيطة المربَّعَة النقش ما يُعادِل ثمنه ٦٠٠ ألف جنيه (٤٠ ألف جنيه استرليني). وكان القماش يُبَاع مقابِل العبيد الذين كانوا يُنقَلون إلى الأمريكتين؛ حيث يزرعون القطن — من بين منتجات زراعية أخرى — من أجل قطاع صناعة القطن الأوروبي الجديد، وبالتالي يربط بين حركة السلع والعمالة المستعبدة والتوسُّع في الإنتاج الصناعي. وفي التماس عام ١٧٠٤، ادَّعَى التجار البريطانيون أنه في جامايكا «التي تقع في مناخ حارٍّ، تُصنع الكثير من ملابس السكان من أقمشة الكاليكو الملوَّنَة، التي تسهم إلى حدٍّ كبير في الحفاظ على نظافتهم وصحتهم لكونها خفيفةً ورخيصةً وقابلةً للغسل المتكرر».

شهدت قارة أمريكا اللاتينية أيضًا استيرادَ المنسوجات القطنية بكميات كبيرة، سواء عبر المحيط الأطلنطي أو المحيط الهادي، واستخدامها على نطاق واسع عن طريق أشخاص مستقلين، لا سيما في المكسيك والبرازيل. وبالفعل، في أوائل القرن السابع عشر، أُعجِب المسافرون إلى المكسيك بمجموعة الملابس المتنوعة التي ترتديها الجماعات العرقية المختلفة، وكذلك الرخاء الواسع النطاق على نحوٍ نسبيٍّ في مجتمعات المستعمرات. فذكر الإسباني أرتيميو ديه فاي-أريزبي أنه في القرن الثامن عشر في مكسيكو سيتي: «تُرتدَى التنورة المصنوعة من الحرير أو الكاليكو المنقوش، وتُزيَّن بشرائط ذهبية وفضية وأحزمة زاهية ألوانها؛ ذات زخارف ذهبية عند الحواف». وتصوِّر «لوحات كاستا» (التي تمثِّل المزيج العرقي لسكان أمريكا الجنوبية) الرجالَ والنساءَ والأطفالَ في أمريكا اللاتينية يرتدون أقمشةَ الشيت والكاليكو الهندية ذات الألوان الزاهية العالية الجودة. كما استُخدِمَ القطن الهندي عمومًا في صنع ملابس الرجال، وهو ما أكَّدَتْه اللوحات وغيرها من الوثائق. فعلى سبيل المثال، تذكر قائمةُ سلعِ مانويل دي ميراندا فراجا (١٧٤٦) مجموعةً متنوعةً من المنسوجات الكتانية والصوفية والحريرية وكذلك القطنية. وتضمَّنَتِ الأقمشةُ القطنيةُ منسوجاتٍ منتَجةً محليًّا (في الغالب أقل جودة) بالإضافة إلى قماش الكانيكن (من الهند) والأصناف المستوردة الأخرى.

وكما كانت الحال في أمريكا اللاتينية، بدءًا من القرن السابع عشر فصاعدًا، سعى المستعمرون — الذين تزايَدَ ازدهارهم في أمريكا الشمالية بنشاط — للحصول على المزيد من المنتجات الأفضل والأغلى سعرًا. وبالفعل، في أربعينيات القرن السابع عشر، تضمَّنَتِ الأقمشة التي وصلت إلى بوسطن منسوجات من القطن والفستيان والكاليكو؛ مما أشار إلى أن الأصناف الآسيوية والأوروبية المتنوعة يمكن شراؤها على حدٍّ سواء. وسرعان ما أصبحت المنسوجات القطنية المستوردة جزءًا من ثياب المستهلكين الأميركيين. وبالفعل، في عام ١٧٠٠، تمَّ تزويدُ المستعمرات في أمريكا الشمالية بأقمشة الكاليكو المصدَّرة من لندن إلى أماكن مثل نيويورك وبنسلفانيا وفيرجينيا، واشتملت المراسلات بين التجار البريطانيين ونظرائهم في نيويورك في القرن الثامن عشر على عينات لأنواع الأقطان المطلوبة في المستعمرات الأمريكية، وأوضحت وجودَ الأقمشة القطنية الهندية (المستورَدَة عن طريق شركة إيست إنديا أو المهرَّبَة بطرق مختلفة) والأقمشة الإنجليزية والأوروبية الأخرى المقلِّدة لها.

كانت مستعمرات أمريكا الشمالية سوقًا كبيرة ممتدة، وعلى النقيض مما حدث في أوروبا، فإن استهلاك القطن فيها لم يكن محظورًا. كان استهلاك المنسوجات القطنية منتشرًا بوجهٍ عامٍّ، وليس فقط بين المستعمرين الإنجليز؛ فتوضِّح قوائم السلع المخزَّنة في كيبيك في الفترة من ١٦٦٦ حتى ١٧٥٦ كيف استُخدِمَتِ الأقطان في صناعة قطع مختلفة من الملابس؛ مثل طواقي النوم والمحارم وأوشحة العنق، وكذلك التنورات التحتية والمآزر والعباءات. وبدءًا من ستينيات وسبعينيات القرن الثامن عشر، لم يحصل المستهلكون في أمريكا الشمالية على أقمشة المُخْمَل والستان والدِّمَقْس والتفتة فحسب، بل — أيضًا — على مجموعة متنوعة من الأقطان المطبوعة والمرسومة المستخدَمة في صناعة الملابس، ومفارش الأَسِرَّة والكراسي والأرائك، والفساطين والأَسِرَّة المغطَّاة، فضلًا عن الستائر.

استمرَّ الشغف بالمنسوجات القطنية، وفي نهاية القرن الثامن عشر استوردت الولايات المتحدة المستقلة حديثًا كمياتٍ كبيرةً من المُوسْلِين من الهند، وخلال العقدين الأوَّلَيْنِ من القرن اللاحق، كانت المناديل القطنية والحريرية الكبيرة المزركشة أهمَّ منتَجٍ مستورَد من الهند في الولايات المتحدة؛ فاستوردت خمسة ملايين ثوب قماش في العقد الأول من هذا القرن — واحدًا لكلِّ مواطن فعليًّا — مما جعلها الجزء الأكثر شيوعًا من الملابس في أمريكا؛ فتعوَّدْنا رؤيتها حول أعناق رعاة البقر في أفلام هوليوود.

تبيِّن القصة العالمية للقطن على مرِّ القرون التفاعُلَ المعقَّدَ بين المنتجين والتجار والمستهلكين الذين يعيشون في بعض الأحيان بعضُهم بعيدٌ عن بعضٍ آلافَ الأميال. ولقد توسَّعَ العالم الذي كان يرتدي القطن الهندي أيضًا على نحوٍ كبيرٍ خلال الفترة المسمَّاة تقليديًّا ﺑ «عصر العولمة الأول»، ليشمل أيضًا الأمريكتين بجانب أفريقيا وأوراسيا. وأعادت المنسوجات القطنية تشكيلَ العلاقات عبر القارات، وأعطت قوةً دافعةً لمزارع العبيد، وخلقت نظامًا جديدًا للتصنيع في أوروبا؛ فأصبح القطن السلعةَ الأولى عالميًّا قبل المطاط والقهوة والكوكايين؛ فهو النسيج الذي صنع العالم الحديث أكثر من أي شيء آخَر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.