ظلت هذه الفكرة مثيرة لكن صعبة المنال بالنسبة إلى العلماء طوال عقود: علاج أمراض السرطان وغيرها من الاضطرابات التي تسببها نسخة مَعيبة من أحد الجينات عبر منح المرضى نسخة سليمة من هذا الجين. وقد كافح الباحثون لجعْل العلاج الجيني آمنًا وفعالًا، غير أن التجارب الفاشلة والمميتة هددت بالقضاء على هذه التكنولوجيا.

رسوم: أدريان جونسون.
رسوم: أدريان جونسون.

لكن يبدو — أخيرًا — أن العلاج الجيني يحرز تقدمًا مهمًّا. وعلى الرغم من قلة الحكومات التي صرحت ببيع علاجات جينية ولم تكن الولايات المتحدة من بينها، فإن ذلك المشهد قد يتغير في السنوات القادمة؛ إذ بلغ العديد من العلاجات الجينية — من ضمنها علاجات لسرطان الجلد النقيلي وسرطان البروستاتا — مرحلة متقدمة من التجارب.

وقد شهد العام الماضي تقدمًا كبيرًا عندما مَنحتْ الوكالةُ الأوروبية للأدوية شركةً هولندية ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية تُدعى يونيكيور ترخيصًا ببيع علاجها لاضطراب نقص ليباز البروتين الشحمي، وهو مرض قد يكون مميتًا في بعض الحالات. وكانت هذه الموافقة بمثابة انفراجةٍ لكثيرٍ من العاملين في هذا المجال ممن ظلوا في انتظار حدث يبدد الغيوم التي تحاصر هذه التكنولوجيا منذ تسعينيات القرن الماضي.

تتطلب العلاجات بصفةٍ عامة فيروسًا معدلًا لنقل نسخ سليمة من الجينات إلى أجسام المرضى، وقد فشلت بعض التجارب المبكرة بسبب ما أثارته من استجابة مناعية. غير أنه في السنوات الأخيرة توصَّل الباحثون إلى طريقة لمنع تلك الاستجابة المناعية أو الحد منها.

وتُعلق كاثرين هاي — الباحثة بمستشفى فيلادلفيا للأطفال، والتي تشرف على تجربة أوشكت أن تبلغ المرحلة النهائية لعلاجٍ جينيٍّ لنوعٍ متوارَثٍ من العمى — قائلة: «إنه تطوُّر مثير للاهتمام في مجال العلاج الجيني. إننا نشهد انتعاشة فيما يتعلق بالمستثمرين، وفي حقيقة الأمر قد وُجدت حلول لعدد من المشكلات.»

مع ذلك، من المرجح ألا يُصرَّح بأي علاج جيني في الولايات المتحدة قبل بضع سنوات. وعلى الرغم من حصول شركة يونيكيور على موافقة أوروبية، فإنها — على حد تصريحها — لم تقدم بعدُ طلبًا لإدارة الأغذية والعقاقير الأمريكية.

يقدم العلاج الذي توفره شركة يونيكيور جينًا يحتاجه الجسم لتفتيت الدهون، ودونه قد يصاب المرضى بالتهاب مؤلم بل ومميت في البنكرياس. ولنقل هذا الجين، تستخدم يونيكيور نسخة معدلة من فيروس يحمله معظم الناس بالفعل. ويعتمد اختيار الفيروس المستخدَم لنقل العلاج الجيني جزئيًّا على المكان الذي يستهدفه العلاج في الجسم، وعلى ما إذا كان الهدف من الفيروسات أن تتضاعف أم لا؛ فبعض الفيروسات — على سبيل المثال — تُصمَّم كي تنتشر عبر أنحاء الجسم لتقتل الخلايا السرطانية.

وفي التجربة التي تُشرف عليها كاثرين هاي في فيلادلفيا، يعاني المرضى من خللٍ يسبب العمى في سنٍّ مبكرة. ويقتضي العلاج من الأطباء حقن جينات يحملها فيروس خلف شبكية المريض مباشرة، وبالفعل تلقَّى المرضى في هذه المرحلة من التجربة العلاج في عينٍ واحدة، والآن سوف تُختبر العين الأخرى. أسفرت الجولة الأولى من العلاج عن نتائج واعدة؛ إذ تحسنت الرؤية لدى بعض المرضى حتى إنهم لم يعودوا فاقدين للبصر وفقًا للمعايير التي يضعها القانون، كذلك ظلت حالة بعض المرضى مستقرة لفترة تناهز ست السنوات. ومن المقرر أن تنتهيَ التجربة في أبريل ٢٠١٥ وفقًا لجدولها الزمني.

وثَمَّةَ بارقة أمل أخرى تأتي من شركة بلوبيرد بايو — التي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس — والتي نشرت نتائج لمرضى على ما يبدو أنهم عولجوا من مرضٍ جينيٍّ بالدم. والشركة على وشك البدء في اختبار منهجها على اضطراب عصبي وراثي كثيرًا ما يتسبب في وفاة الصبية الصغار.

وفي إطارٍ مختلف، قد يصبح العلاج الجيني كذلك أحد الخيارات المطروحة لعلاج السرطان؛ إذ أعلنت شركة أمجين — خلال اجتماعٍ في صيف هذا العام — عن تحقيقها لهدفها المتمثل في إجراء اختبارٍ متقدمٍ لعلاجٍ جينيٍّ لسرطان الجلد الذي انتشر من الجلد إلى أجزاء أخرى من الجسم. ويتبع علاج شركة أمجين — الذي يعتمد في تصميمه على فيروس يتسبب عادةً في الإصابة بالقُرح الباردة — منهجًا مزدوجًا في مكافحة السرطان؛ إذ يعدي الفيروس الخلايا السرطانية تحديدًا، حيث يظل يتضاعف إلى أن تنفجر الخلية. وبينما ينمو الفيروس داخل الخلية، فإنه ينتج كذلك بروتينًا يثير الجهاز المناعي. وعندما تنفلق الخلية مفتوحة تنجذب الخلايا المناعية إلى موقع الورم لتحارب المرض.

وفي اختبارٍ على أشخاصٍ في مرحلةٍ متأخرةٍ من الإصابة بسرطان الجلد الذي انتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم، اختفى المرض تمامًا في ١١٪ من المرضى. بل إنه في بعض الحالات اختفت الأورام التي لم تتلقَّ حقنًا بالعلاج أيضًا؛ مما يعد علامة مبشرة على مدى كفاءة انتشار الفيروسات المدمرة للسرطان داخل الجسم. كذلك تقلصت الأورام القائمة بذاتها بمعدل النصف على الأقل في نسبة إضافية من المرضى بلغت ١٥٪، ومن المتوقع أن تصدر النتائج الكاملة في النصف الأول من عام ٢٠١٤.

لا يضمن إتمام تلك التجارب السريرية أن تصبح هذه التكنولوجيا مستخدَمة على نطاق واسع. ورغم ذلك، بدأت بعض الشركات والمستشفيات في بناء مصانع قادرة على إنتاج كميات ضخمة من العلاجات القائمة على فيروسات. فعلى سبيل المثال، تبني شركة يونيكيور مصنعًا على مساحة ٥٥ ألف قدم مربع في ماساتشوستس لتصنيع منتجاتٍ تجاريةٍ من العلاج الجيني، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج في أوائل عام ٢٠١٥.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Omrane Labiod ·١٠ يوليو ٢٠١٤، ١٧:٥٠ م

    مشكورون