تنظم مدينة روما حاليًّا معرِضين لإحياء ذكرى مرور ألفَيْ عام على وفاة الإمبراطور أغسطس عام ١٤ ميلادية. يتمحور كلا المعرضين حول نفس الحدث الرئيسي؛ معركة أكتيوم عام ٣١ قبل الميلاد، التي انتصر فيها أغسطس على ماركوس أنطونيوس والملكة المصرية كليوباترا.

تمثال أغسطس الذي اكتُشِفَ في ضاحية بريما بورتا، ويرجع تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد.
تمثال أغسطس الذي اكتُشِفَ في ضاحية بريما بورتا، ويرجع تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد.

أغسطس (أو أوكتافيوس كما نطلق عليه عادةً) هو ابن يوليوس قيصر بالتبنِّي، خاضَ عام ٣١ قبل الميلاد صراعًا مصيريًّا مع صهره ماركوس أنطونيوس. كان أغسطس وهو في صباه، يعاني من المرض في أغلب الأحيان، ولديه أمٌّ ذات شخصية متسلِّطة، وكان يتمتع بقدرة على تكوين صداقات قوية مع أقرانه من الذكور. تميَّزَ كذلك بالثقة بالنفس، ومع أنه لم يكن محارِبًا، كان لديه قدرة فائقة على الإقناع.

وبالمقارنة بأنطونيوس صاحب الكاريزما والظهور الطاغي، يبدو أن قيصر الشاب كان في أفضل أحواله وهو خلف الكواليس؛ حيث استطاع تقوية عائلته وتعزيز تحالفاته، فضلًا عن خلق صورة ذاتية له تُظهِره بمظهر المواطِن المحافِظ الوَرِع الوَقُور والمتمسِّك بالتقاليد، وهي صورة نالت شعبيةً كبيرة لدى الأوساط البرجوازية الإيطالية.

المرة الأخيرة التي شهدت فيها مدينة روما احتفالًا مماثلًا بأغسطس، كانت في الفترة بين عامَيْ ١٩٣٧ و١٩٣٨، وكان الاحتفال بمناسبة مرور ٢٠٠٠ عام على ميلاده، وحمل الاحتفال رسالةً مباشِرة وواضحة؛ إذ كان معرض «أغسطس الروماني» يعقِد مقارناتٍ واضحةً بين موسوليني وأغسطس، وبالرغم من أنه لا يجب الاستخفاف بالجانب العلمي في الاحتفال، فإنه كان احتفالًا بعناصر النظام الهرمي في العصر الروماني، بقدر ما كان احتفالًا بإنجازات هذا العصر من الطرق الطويلة الممهَّدَة و«تقنيات النظافة» التي استخدموها في الحمامات والصرف الصحي. كان أغسطس محورَ التاريخ الروماني بأكمله، وظهرت صورةُ تمثاله المكتشَف في ضاحية بريما بورتا على طوابع البريد وفي الصحف والمجلات، ووُضِعت نسخةٌ برونزية طبق الأصل من التمثال في شارع فيا دي فور إمبيريالي.

إن وجهة النظر التي ترى أغسطس باعتباره شخصيةً صارمة لكن لا غنى عنها — حيث أعادت إلى روما النظام والتوازن الأخلاقي مما سمح بانتشار القِيَم المتحضرة — لم تجد دعمًا من الفاشيين فحسب، بل كانت أيضًا موضوعًا رئيسيًّا للعديد من الدراسات المحايدة. فالسلام الذي ساد إيطاليا في عهد أغسطس لم يكن وهمًا. وعلاوة على ذلك، ساعَدَ ارتفاعُ مستويات الرخاء وبرامج الإنشاءات داخل روما وخارجها على توفير وظائف وساحات ترفيهية، وكل هذه الأمور مجتمِعةً أسهمَتْ في خلق ظروف تتناسب مع الازدهار الفني؛ فقد أصبحت روما مدينة جميلة وعظيمة وجُدِّدَتْ معابدها، وتغنَّى الشعراء بمجد روما. ليس من المنطقي أن نعتبر كلَّ هذا المدح نوعًا متواصِلًا ومستترًا من النقد والتذمُّر، بل هو يعبِّر عن حقيقة لا ريب فيها، وهي أن روما كانت في أوج مجدها. لكن هذا الازدهار كان له ثمنه بالطبع.

أحد الكتب التي تروي قصة أغسطس هو كتاب «الثورة الرومانية» (١٩٣٩) لمؤلِّفه رونالد سايمي. هذا الكتاب يُعَدُّ علامةً بارزة في الدراسات البحثية، ويعرض كيف أسَّسَ الإمبراطور بِخُطًى ثابتة حزبَه وهيَّأ الرأي العام. إنه كتاب يحفِّز الذهن، لكنه مخيف في الوقت نفسه؛ إذ اعتبر سايمي عهد أغسطس انتصارًا للثبات وطول فترة الحكم، كما اعتبره انتصارًا لنظام جديد. كان حكم أغسطس ملكيًّا واستمر لفترة طويلة، لكنه كان حكمًا كارثيًّا بالنسبة للنبلاء القدامى، وكذلك فيما يتعلق بالقِيَم القديمة للجمهورية. لم ينجُ سوى أولئك الذين تأقْلَمُوا على الحكم الجديد، ولم يَعُدْ هناك مجال لترف التنافس والحرية الذي أدَّى — على حدِّ زعم البعض — إلى اختفاء طبقة النبلاء هذه. فلم يَعُدْ بوسع الأرستقراطيين ورجال العهد الجديد التسابُق والتقاتُل لضمان أعلى مراتب الشرف؛ لأن هذه المراتب كانت محصورةً بالفعل في رجلٍ واحدٍ؛ أَلَا وهو الإمبراطور.

لكن هذا لم يتحقَّق بفعل السياسة أو القوة الغاشمة فحسب؛ إذ يطرح أندرو والاس-هادرل في كتابه «ثورة روما الثقافية» (٢٠٠٨) روايةً أخرى لنفس القصة. يعتمد الكتاب على تجميع مطرد للمعلومات الأثرية لإتاحة نظرة جديدة على طبيعة التغيير الذي أبرزه سايمي، وللتركيز على الوسائل التي أسهَمَ بها الفن والترف والأزياء السائدة وصولًا إلى النظام الاجتماعي، في تكوين إجماع أتاحَ لباقي العالم خارج روما إلى تبنِّي قِيَم النظام الروماني المستقر ومناصرتها. لم يكن ذلك إنجاز أغسطس وحده، بل بدأ قبل صعوده إلى السلطة واستمرَّ فيما بعدُ، وهو ما ينعكس في المزارات التي أُقِيمت تقديسًا للإمبراطور في مفارِق الطرق بأيدي رجال روما المعتوقين، الذين ينتمون لثقافات متنوعة في مدن جبل فيزوف على ساحل نابولي، وفي النقوش والتماثيل التي أقامتها النخب المحلية في بلاد الغال لإظهار قُرْبها من إمبراطور بعيد بجسده، لكنه موجود في كل مكان عبر كل ما يمثِّله.

كان ذلك إلى حدٍّ بعيد هو الموضوع الرئيسي لمعرض «أغسطس» الذي أُقِيم في مدينة روما؛ فعبر قاعات المعرض الفنية التي عرضت تماثيل نصفية، ومنحوتات تضفي مثالية على شخصيات ذاك العصر، بالإضافة إلى المجوهرات ذات النقوش البارزة؛ يتجلى ميلاد طراز ملحوظ خاص بعائلة أغسطس، يتميَّز ببساطته وتأثيره الهائل، وينعكس عبر التصفيف المميز لشعر ليفيا — زوجة الإمبراطور — وملامح أغسطس الدائمة الشباب، والرسومات التي تصوِّر الآلهةَ السائدة آنذاك، وتصوير عصرٍ استُخدِمَتْ فيه الثقافة والطراز الإغريقي لتعزيز صورة عهدٍ من الرخاء يسوده السِّلْم. ولا يتجلى الحزن سوى لدى شخصياتٍ خرقت قواعد اللعبة، مثل نيوبي التي تفاخرت بأن ذريتها أكثر عددًا من ذرية ليتو — أم أبوللو وأرتميس — ومن ثَمَّ عُوقِبت بمشاهدة أبنائها يُصعَقون.

لكن الانتقال من هذا الاستحضار المبهِر لثورة أغسطس الثقافية، إلى معرض «كليوباترا» ومصر في ذاك العصر، يجعلنا نتأرجح بين تنوُّعِ الإمبراطورية الرومانية من ناحية، وصمود التقاليد البديلة وحيويتها من ناحية أخرى. تهيمن صورة كليوباترا — عشيقة يوليوس قيصر وزوجة أنطونيوس التي كادت أن تصبح ملكة روما — على المعرض. يتميز الطراز المصري بكونه منبعثًا من ثقافة تسلب الألباب بقِدَمها وغرابتها، وهذه الثقافة تتجلَّى في كل مكان على الرغم من طابعها العجيب (أو ربما بسبب هذا الطابع نفسه)، بل إن أغسطس نفسه يظهر كشخصية مصرية على عملاتٍ بجانب رسومات لتماسيح ولتماثيل أبي الهول. مع ذلك، فإن الطراز المصري الذي تعكسه الديكورات والمجوهرات يطابِق تمامًا طراز البيوت في بومباي وهركولانيوم اللتين تُعَدَّان المصدر الأصلي لأدوات المائدة الرومانية. ربما عُقِدت مقارنات بين روما ومصر باعتبارهما طرفين مختلفين في الدعاية التي صاحبت معركة أكتيوم، بينما حُوِّل نظام الإمبراطور أغسطس في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين إلى نموذج يوضِّح كيفية حماية الإيطاليين من التأثيرات الأجنبية. إلا أن الإمبراطورية الرومانية لم تكن بتلك البساطة، وهو ما برهَنَ عليه جريج وولف ببراعة في كتابه «روما: قصة إمبراطورية» (٢٠١٢).

وفي نهاية معرض «أغسطس» نشهد أعظم مفاجآته؛ ألا وهي أفاريز مدينة سالم الرخامية التي جُمِعت معًا لأول مرة بعدما ظلَّتْ متناثرةً ومختفية لزمن طويل. ربما يرجع مصدر تلك القِطَع الفنية إلى مكان قريب من نولا حيث وُلِد أغسطس، وهي تصوِّر معركة أكتيوم، وفرحة النصر، وربما موكبًا نُظِّمَ بعد وفاة أغسطس الذي يظهر كإلهٍ مثله مثل أحد الفراعنة أو البطالمة.

وبالنظر إلى تلك الأفاريز جنبًا إلى جنب مع معرض كليوباترا، نجد أنها تروي المزيد عن قصة الصراع حول كيفية توحُّدِ الثقافات المختلفة داخل الإمبراطورية الرومانية. إذا نظرنا إلى أغسطس — كما كان يُنظَر إليه عام ١٩٣٧ — بوصفه رجلًا سعى لجعل العالم كله رومانيًّا، فلا بد أنه سيُرَى باعتباره فاشلًا، لكن عوضًا عن ذلك، ينبغي أن ننظر إليه كجزء من مسار تاريخي استثنائي أصبحت روما بموجبه منفتحة باختيارها على مفهوم الإمبراطورية ورمزًا له، عبر عملية طويلة من التوسُّع والتمكين في بعض الأحيان، وإن كان ذلك من خلال احتلال مدمر في أغلب الأحيان، وهي عملية ستظل تبهرنا للأبد.

تستمر فعاليات معرض «أغسطس» في قاعات قصر كيرينالي بروما حتى ٩ فبراير ٢٠١٤، ثم يتنقل المعرض إلى القصر الكبير بباريس من ١٩ مارس حتى ١٣ يوليو ٢٠١٤.

تستمر فاعليات معرض «كليوباترا: روما وسحر مصر» في كيسترو ديل برامانتي بروما حتى ٢ فبراير ٢٠١٤.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.