لمسة ميداس: استُخدِمَت النظرية النسبية في تفسير اللون الأصفر الفريد للذهب.
لمسة ميداس: استُخدِمَت النظرية النسبية في تفسير اللون الأصفر الفريد للذهب.

هل تراءى لك يومًا أن تتساءل هل كيانات مثل الإلكترونات أو الثقوب السوداء أو جسيمات هيجز ذات وجود حقيقي؟ بصفتي كيميائيًّا، أنشغل بما هو حقيقي وجدير بالثقة في مجالي. فهل تكون «الكيانات» أو «النظريات» الكيميائية والميكانيكية الكمية هي التي تفسِّر الجدول الدوري في أغلب الأحيان؟ وتهمني تلك الأمور أيضًا لأنها كلها يتصدّرها نقاش قديم مهم — ومعلَّق — بصدد كيفية النظر إلى الاكتشافات العلمية.

ثمة معسكران أساسيان في إطار هذا النقاش: الواقعية العلمية واللاواقعية. فتذهب الواقعية العلمية إلى أنه إذا كان العلم قد أحرز تقدمًا هائلًا مستعينًا بكيانات مثل الإلكترون، فحري بنا أن نأخذ الخطوة التالية بقبول أنها ذات وجود حقيقي، وأن العالم الذي يصفه العِلم هو العالم «الحقيقي». فنظرياتنا الحالية أنجح من أن تكون قد تكوّنت عن طريق الصدفة؛ فقد تكشَّف لنا بصورة أو بأخرى مخطط الكون.

ولا يروق هذا الرأي للجميع. فاللاواقعيون يقبلون التقدم الذي أحرزه العلم ولكنهم لا يبلغون حد الإيمان المطلق بأن يعتقدوا في مادية أشياء لا يمكنهم رؤيتها فعليًّا. ويقدِّم اللاواقعي النموذجي حجة مضادة على الأساس الآتي: إن نظريات ماضية وكيانات منظَّرة عديدة حلّت ثم رحلت (أتذكرون الأثير أو اللاهوب؟)، فلمَ ينبغي أن نعتبر أيًّا منها «حقيقيًّا»؟ يصعب تحديد عدد العلماء المنتمين إلى كل فريق، هذا إلى جانب أنك قد تكون واقعيًّا بصدد بعض النظريات ولكن غير واقعي بصدد نظريات مجرّدة أكثر مثل ميكانيكا الكم.

يذهب اللاواقعيون أيضًا إلى أن نهجهم يضعهم في موقع أفضل يمكِّنهم من التكيف مع التغيير متى فقد كيانٌ محدد أو نظرية بعينها أهميتها. فهم يدّعون أن عدم اعتناق نظرية بعينها ييسِّر انتقالهم إلى نظريات أخرى.

ويرد الواقعيون بأن مثل ذلك النهج يتسم بالإهمال بل الخطورة؛ فالعلم يتقدم عن طريق التوصل إلى حقائق العالم تدريجيًّا؛ فإذا كانت النظريات المتعاقبة ستكتفي بأن يحل بعضها محل بعض، فسيكون إحراز ذلك التقدم بمنزلة معجزة حقيقية. ويكمن القلق في أنَّ اللاواقعية قد تفرز منظورًا يرى جميع النظريات نسبية، ومن ثم تهدد فكرة التقدم العلمي في حد ذاتها. وقد تظنون أن ذلك جدال يخصّ فلاسفة العلم فحسب، ولكنه ذو أهمية محورية فيما يتعلق بكيفية تقديم العلماء لأنفسهم وكيفية رؤية الآخرين لمكانة العلوم.

أليس من سبيل للخروج من ذلك الطريق المسدود؟ في عام ١٩٨٩، نشر جون وُرال — فيلسوف العلم بكلية لندن للاقتصاد — ورقة بحثية بعنوان «الواقعية البنيوية: أفضل العالمين؟» في مجلة «ديالكتيكا». ورسم في تلك الورقة ملامح مذهب الواقعية البنيوية، وهو نهج أَرجعه إلى عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاريه، وآخرين. فوفقًا لوُرال، ما يبقى عند تبدُّل النظريات العلمية ليس المحتوى (الكيانات) وإنما البنية الرياضية التي ترتكز عليها (الهيئة). واستخدم وُرال أمثلة من نظريات البصريات التي وُضِعت خلال القرن التاسع عشر لتعضيد وجهة نظره. على سبيل المثال: في عام ١٨١٢ وضع المهندس الفرنسي أوجستان جان فرينل نظرية تتعلق بطبيعة الضوء، نشأت عنها نبوءات ناجحة. فقد كان فرينل يعتقد أن الموجات الضوئية اضطراب في الوسط الميكانيكي الشامل. إلا أن تلك النظرية غلبتها نظرية الإشعاع الكهرومغناطيسي المنسوبة إلى جيمس كلارك ماكسويل، التي اعتُبر الضوء فيها اضطرابًا في مجال كهرومغناطيسي.

وعلى الرغم من تلك الهزيمة، فإن وُرال وآخرين غيره يذهبون إلى أن فيرنل توصّل إلى البنية السليمة للضوء وإن لم يتوصل إلى كيانه الصحيح، إذ إن بعض المعادلات التي صاغها نُقِلَت بنجاح إلى نظرية ماكسويل، ويتبع سلوك الضوء في إطار نظرية ماكسويل قوانين مشابهة لتلك التي انطوت عليها نظرية فرينل.

ويلقى وُرال دعمًا من جيمس ليديمان — فيلسوف بجامعة بريستول — وفلاسفة فيزيائيين كستيفن فرينش بجامعة ليدز وسايمون سوندرز بجامعة أكسفورد، الذين وسَّعوا فيما بينهم نطاق الواقعية البنيوية لتشمل التحول من الميكانيكا الكلاسيكية إلى النسبية، ومن الميكانيكا الكلاسيكية إلى ميكانيكا الكم. وفكرة أن الجسيمات ليست هي الكيان الأولي ليست جديدة تمامًا، ولكن بعض النقاد أشاروا إلى أن وضع نظريات تتعلق بالأوتار الكمية ضمن نظرية الأوتار ليس سوى استعاضة عن كيان بآخر. وتتخطى الواقعية البنيوية تلك النقطة، بالتخلص من الاهتمام بأي نوع من الكيانات.

وفي عام ٢٠٠٧، نشر ليديمان وآخرون معه كتابًا مستفزًّا بعنوان «الخلاص من كل شيء». وفيه دعوا إلى التخلي عن الوجودية العلمية المستندة إلى «أشياء» مثل الجسيمات، وإلى قَصْر التركيز على البنية الرياضية الأساسية.

ولدواعي الإنصاف أقول إن توفير الواقعية البنيوية سبيلًا حقيقيًّا للمضي قدمًا، يستتبع عملها لمصلحة مجالات علمية أخرى أيضًا. لذا اجتهدت في تطبيقها على الجدول الدوري. وجدول العناصر نظام تصنيف لسلوك كل العناصر الكيميائية — وفي بعض الحالات — مركّباتها. فبترتيبها وفقًا لتصاعد العدد الذري (عدد البروتونات)، تبدي خصائص العناصر تكرارًا تقريبيًّا على فترات منتظمة وإن كانت متفاوتة (٢، ٨، ٨، ١٨، ٣٢، ٣٢، وهكذا).

في عام ١٨٦٩، عندما نشر ديمتري مندليف جدوله الدوري، لم يكن أحد يعرف بأساس الذرة أو أنها تحتوي على بروتونات وإلكترونات ونيوترونات. بل جاءت تلك المعرفة — التي تساعد على تفسير سبب سير الجدول الدوري على ذلك المنوال — من خلال نظرية الكم التي وضعها إبان عشرينيات القرن العشرين نيلز بور وفولفجانج باولي وفيرنر هايزنبرج وإرفين شرودنجر.

بصفة عامة، تنشأ الإلكترونات داخل أغلفة كمية. ويتحكم عدد إلكترونات الغلاف الخارجي في الطبيعة الكيميائية للعنصر، ويحدد عمود الجدول الدوري الذي يندرج تحته. في البداية، لم يكن لنظرية النسبية الخاصة التي وضعها ألبرت أينشتاين تأثير كبير على مجال الكيمياء، ولكنها الآن تكاد تكون لا غنى عنها لدى الكيميائيين، لا سيما في الحسابات النظرية المتعلقة بجميع خصائص الذرات والجزيئات. فعلى سبيل المثال، استُخدِمت النظرية النسبية لتفسير سبب تمتع الذهب بلونه الأصفر الفريد، دون جميع العناصر المحيطة به. وبتطبيق النظرية النسبية إضافةً إلى ميكانيكا الكم على مجال الكيمياء، أمكن التنبؤ بمركَّبات جديدة، منها جزيء الفوليرين الجديد WAu12، الذي يحتوي على التنجستين.

فما استمر ويُرجَّح أن يظل مستمرًّا هو العلاقة بين العناصر التي جسّدها الجدول الدوري. ويمثِّل ذلك حرفيًّا بنية علم الكيمياء — أو المبدأ المنظِّم له — لا محتواه. ولكن هل هي بنية رياضية؟ لم يتَّضِح ذلك بأي شكل من الأشكال، ويحاول الأكاديميون التوصل إلى ذلك من خلال دراسة الناحية الرياضية للجدول الدوري باستخدام نظرية الزُّمَر. وأظن الأمر سيئول إلى ذلك، وسنرى.

انتقالًا إلى علم الأحياء الحديث، هل تضطلع الواقعية البنيوية بدور ما في هذا العلم؟ فقد سلكت، بصورة أو بأخرى، مسارًا مشابهًا للكيمياء. فعندما نشر تشارلز داروين نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي عام ١٨٥٩، كانت تفتقر إلى الآلية المادية التي يجري الانتقاء بواسطتها، والتي قدّمها في النهاية اكتشاف الحمض النووي، الذي لعب في علم الأحياء دورًا مشابهًا للذي لعبه الإلكترون في الكيمياء.

إلا أن الحمض النووي لا يتخطى هذه النقطة؛ فإذا أردنا أن نتعمّق أكثر من ذلك فلا بد لنا أن نسلك اتجاهًا رياضيًّا. فالحمض النووي يحدد الشفرة الجينية بناءً على تسلسل قواعد الأدينين والثايمين والجوانين والسايتوسين. فيتحوَّل الأمر إلى مسألة توليفات رياضية، وضروب القضايا الحسابية التي طُرِحَت خلال مشروع الجينوم البشري إبان تسعينيات القرن العشرين، وحاليًّا في إطار علم الجينوم.

فواقعية وُرال البنيوية تسير في المسار الصحيح؛ ليس للفيزياء فحسب، بل للكيمياء والأحياء أيضًا. وإن كنت على صواب، فهو وزملاؤه جديرون بالثناء حقًّا لتقديمهم مخرجًا من تلك المسألة الجوهرية للغاية، طويلة الأمد، والمتنازع عليها بشدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.