الحفاظ على التوازن فوق الجليد أمر لا يخلو من التحدي.
الحفاظ على التوازن فوق الجليد أمر لا يخلو من التحدي.

ربما يبدو أن حياة الشتاء في الشمال تتلخص في أجراس عربات الجليد والخدود الوردية والشوارب المكسوة بالصقيع، لكن الحقيقة أن التكيف مع المناخ البارد قد يكون معاناة. فعشرات الآلاف من الأشخاص يدخلون المستشفيات كل عام جراء الإصابات المرتبطة بالجليد والصقيع، وبسبب السقوط في أغلب الأحوال. ولكن مَن يعرف أفضل موانع الانزلاق التي يمكن تثبيتها بالحذاء عندما تكون الأرض زلقة؟ أو هل ينبغي تركيب أطراف فولاذية في أجهزة المساعدة على المشي قبل المشي على الممرات الجليدية؟ أو ما أفضل قفاز يحمي أصابعك من آلام البرد؟

بفضل مختبر «وينترلاب» — وهو منشأة بحثية جديدة في جامعة تورونتو بكندا — ربما نحصل قريبًا على إجابات لمثل هذه الأسئلة. ومختبر «وينترلاب» هو المحاكي الأفضل للطقس البارد، ويحتوي على سطوح مغطاة بالجليد، وآلة لصنع الثلج، ومروحة رياح قوية. وإحدى نقاط التركيز المهمة هي الطريقة التي نفقد بها توازننا في الشتاء؛ فالسطوح داخل المختبر يمكن إمالتها بزوايا معينة، ويمكن وضعها بالكامل فوق قاعدة هيدروليكية وإمالتها أو هزها في أي اتجاه. وطوال الوقت، يمكن للعلماء تتبع انزلاقات أحد الأشخاص في الداخل باستخدام نظام فيديو لالتقاط الحركة، ثم تُحلَّل البيانات لمعرفة ما يحدث حقًّا. بعبارة أخرى، يجعلون الأشخاص يسقطون أمام الكاميرا؛ كل ذلك باسم العلم.

كان يومًا حارًّا من شهر أغسطس عندما ذهبت لرؤية إحدى تجارب المختبر الافتتاحية: ما الذي يحدث عند وضع طفل يستخدم عكازين على الجليد؟ كان المشاركون في التجربة جميعهم أطفالًا استخدموا العكازات حديثًا أرسلتهم مستشفى الأطفال في تورونتو. أخبرتني سيدني سافيدرا البالغة من العمر ١٥ عامًا أنها كانت تقطع الطريق دون انتظار إشارة المرور عندما صدمتها سيارة في نهاية شهر يونيو، وأنها قضت الشهر التالي وإحدى قدميها مرفوعة عن الأرض. إنها الآن على وشك اكتشاف مدى بشاعة السير على العكازين في الشتاء.

يشبه مختبر «وينترلاب» — الذي افتُتح عام ٢٠١١ — مكعب ثلج أزرق باهتًا قابعًا في حظيرة طائرات. من الخارج، يبلغ عرض المختبر نحو ٦ أمتار، وهو مزين برسومات رائعة لأجزاء جليدية طافية وجبال مغطاة بالثلوج. مكتوب على اللافتة الموجودة على الباب: «رجاءً، ممنوع ارتداء الأحذية عالية الكعب على الأسطح الشبكية.»

بالفعل هناك في الداخل أرضية شبكية، ولكنها مغطاة بطبقة من الجليد، وفوقها ثلاثة ممرات متجاورة: أحدها مستوٍ وبارد وصلب، والثاني مستوٍ جليدي، والثالث منحدر جليدي. الجو بارد هنا بالفعل، ولكن على ما يبدو أنه غير بارد تمامًا؛ فباب غرفة التجميد لا يزال مفتوحًا. يقول يو لي المسئول عن تطوير الأدوات التكنولوجية في المختبر: «زارنا كثير من الأشخاص أمس.»

تختبر تجربة اليوم ما إذا كانت إضافة مسامير معدنية عند قاعدة العكاز ستجعل الشخص أقل عرضة للانزلاق على الأسطح الجليدية أم لا. ستقارن سيدني بين المشي باستخدام العكازين على الأسطح الثلاثة مرةً باستخدام موانع الانزلاق المثبَّتة بالحذاء ومرةً من دونها. قد يبدو هذا أمرًا سهلًا، لكن الانزلاق واستجابة الجسم له هما الشغل الشاغل لبعض ألمع العقول في مجال العلم.

انتبه لخطواتك

ترتدي سيدني الملابس الشتوية، وأفراد أسرتها جميعًا يشاهدونها. وُزنت فردة الحذاء طويل الرقبة التي سترتديها في قدمها «السليمة»، وصُوِّرت، وثُبتت على سطحها لاقطات حركة كروية الشكل. هناك أيضًا لاقطات حركة على العكازين وعلى الضمادة الجبسية الزائفة التي تضعها سيدني على قدمها الأخرى. سوف تسجَّل كل حركة رقميًّا من أجل تحليلها.

أخيرًا تثبِّت سيدني عدة الأمان حولها، وتدخل حجرة التجميد. يشاهد بقيتنا حركتها على الشاشات وهي تعرج جيئة وذهابًا، وعدة الأمان تصدر رنينًا وصريرًا خلفها مثل سلاسل السجناء في القرون الوسطى.

إن مختبر «وينترلاب» واحد من وحدات عديدة تشكِّل «مختبر تقييم البيئة الصعبة»، وهو منشأة ضخمة تحت الأرض في «مركز أبحاث التأهيل» الجديد الذي تكلَّف ٣٦ مليون دولار. ووحدات المختبرات الأخرى مصممة لإجراء الدراسات على السلالم، وشوارع المدن، وأدوات العناية بالمنزل. عندما يتطلب الأمر مزيدًا من ظروف الاختبار، يمكن رفع هذه الوحدات المستقلة ووضعها فوق منصة هيدروليكية ضخمة — على غرار المسلسل التليفزيوني البريطاني «طيور الرعد» — حيث تؤرجَح. وفي تلك الحالة، هناك جسر عالي التقنية قابل للطيِّ ليُمكِّن الباحثين من الوصول للوحدة. ويأمل المختبر في تأجير الوحدات في المستقبل.

يدير مختبر «وينترلاب» أيضًا مشروع دراجة بخارية آلية، من أجل اكتشاف أفضل تصميم يناسب الثلوج والجليد، وتحديدًا معرفة ما إذا كان يمكن لها تفادي المنحدرات الزلقة دون تعثر. إحدى الدراسات التي تُجرى على الأشخاص الذين أصبحوا حساسين بدرجة غير طبيعية للبرد بعد الإصابة بجروح في اليد، سوف تدرس قريبًا النوع الأفضل من القفازات وأدوات تدفئة اليدين لمقاومة الألم الناجم عن البرد. وفي الدور العلوي في «مختبر الأداء المناخي المحكوم» — إحدى الهيئات الشقيقة لمختبر «وينترلاب» — تُجرى دراسة حول موانع الانزلاق المثبَّتة بالأحذية. يرغب الباحثون في معرفة تأثير النتوءات الموجودة في نعل الحذاء على الانزلاق والتعثر. لو كان لهذا المكان موسيقى تصويرية، فسوف تكون صوت اصطكاك الأسنان وصوت ارتطام الأرداف بالجليد.

بعد مرور أسبوعين اجتمعنا مرة أخرى من أجل تجارب سيدني الأخيرة. وبعد كل تجربة، كانت تستوفي تقييمًا يسأل عن أشياء على غرار «قابلية الانزلاق». يقول والدها: «ينبغي أن يطلبوا منها أن تُخرج هاتفها الخلوي، وترسل رسائل نصية وهي تفعل ذلك.» الآن تتضح القصة بالكامل؛ فسيدني لم تكن تعبر الطريق دون انتظار إشارة المرور فحسب، ولكنها كانت ترسل رسائل نصية أيضًا. عندما تشاهدها وهي تعاني السير على العكازين — بعد أن تخلصت منهما فعليًّا بشهر — لا يسعك إلا أن تشعر بأنها نالت جزاءها وأكثر.

سوف يحدد التحليل الميكانيكي الحيوي كل انزلاقة، وحتى «الانزلاقات بالغة الصغر» التي ربما لا تكون واضحة بمجرد النظر. وسوف يقيس أيضًا الوقت المستغرق لاجتياز الممر. وعند دراسة التحليل إلى جانب تقييمات ما بعد الاختبارات التي أجرتها سيدني، ينبغي أن تعطي التجربة بأكملها الباحثين فكرة أفضل عما إذا كانت المسامير المعدنية الخاصة بالجليد تقلل الانزلاقات وتساعد الأشخاص في التحرك أسرع وتُشعرهم بمزيد من الأمن أم لا. ووفقًا للوكاس مورناجان — جراح العظام المسئول عن المشروع — فإن هذا النوع من الدراسات التجريبية ضروري إذا أراد الأطباء نصح المرضى بأفضل أطراف العكاكيز التي تناسب الظروف خارج المنزل.

لا يحدث اهتزاز أو ترنُّح في دراسة «وينترلاب» على الأطفال الذين يستخدمون العكاكيز، لكن تبقى المشاهدة أمرًا مؤلمًا. ففي مرات كثيرة من ذهاب سيدني وإيابها، كان عكازاها ينزلقان، ولا يبقى لها من دعامة إلا عدة الأمان. بعد ساعة أو نحو ذلك، تنتهي سيدني من التجربة، فتسألها أمُّها كيف كانت الأمور، فتُتمتم سيدني: «زلقة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.