في العام الماضي هنَّأتُ الحكومة الدنماركية — على صفحات هذه المجلة — على تجربتها الثورية. كانت قد نفذت لتوها تدبيرًا ماليًّا معنيًّا بالصحة العامة هو الأول من نوعه في العالم، وهو فرض ضريبة على المنتجات الغذائية التي تحتوي على دهون مشبعة تتجاوز نسبتها ٢٫٣ في المائة.

وقد توقّف حاليًّا تطبيق تلك التجربة. فقد ألغت الحكومة الدنماركية، تحت ضغط مكثَّف من صناعات الغذاء في اقتصاد ضعيف أصلًا، الضريبة على الأطعمة المحتوية على نسبة عالية من الدهون وتخلّت عن ضريبة كان من المزمع فرضها على الأطعمة الغنية بالسكريات.

لا أحد يحب الضرائب، والضريبة على الأطعمة الغنية بالدهون تحديدًا لم تحظَ بشعبية لدى المستهلكين الدنماركيين، الذين استاءوا من اضطرارهم لدفع المزيد من المال مقابل الزبد ومنتجات الألبان واللحوم، وهي أطعمة غنية بالدهون بطبيعتها.

لكن السبب الحقيقي وراء إلغاء الضريبة كان إرضاء أصحاب المصالح التجارية. وكان منطق وزارة الضرائب هو أن فرض ضريبة على الأطعمة الدسمة أدى إلى رفع تكاليف ممارسة الأعمال التجارية، وتعريض وظائف الدنماركيين للخطر، ودفع الزبائن إلى شراء الأغذية من السويد وألمانيا.

وفي شهر يونيو من العام الحالي، نظَّم ائتلاف من بعض شركات الأغذية الدنماركية حملة وطنية لإلغاء تلك الضريبة. وقال أعضاء الائتلاف إنه من شأن فرض الضرائب على الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات أن يتسبب في ضياع ١٣٠٠ وظيفة، وإحداث ارتفاع في التكاليف الإدارية وزيادة في التسوق عبر الحدود، وكانت تلك تحديدًا هي الحجج التي ساقتها الحكومة تبريرًا لتحويل مسارها.

والآن يمكننا أن نسأل الأسئلة البديهية: هل حققت الضريبة أهدافها؟ هل كانت تمثل سياسة عامة جيدة؟ وما الذي ينبغي للحكومات أن تفعله للتقليل من عوامل الخطورة الغذائية التي تنطوي عليها السمنة؟

إن الهدف من ضرائب الأغذية هو خفض مبيعات المنتجات الخاضعة للضريبة. والحكومة الدنماركية بفرضها الضريبة على الأطعمة الغنية بالدهون، كانت ترغب أيضًا في زيادة إيرادات الحكومة، وخفض التكلفة ذات الصلة بالأمراض المرتبطة بالسمنة، ورفع مستوى الصحة ومعدلات الأعمار. وفترة عام واحد لا تكفي بالتأكيد لتقييم أثر الضريبة على الصحة، وإن كانت الضريبة قد حققت بالفعل إيرادات قدرها ٢١٦ مليون دولار أمريكي. والآن سيواجه الدنماركيون ضرائب أعلى على الدخل لتعويض إلغاء الضريبة المفروضة على الأطعمة الغنية بالدهون.

وتصرّ الجماعات التجارية على أن الضريبة لم تؤثر على كمية الدهون التي يتناولها الدنماركيون، وإن كانوا قد اختاروا أطعمة أرخص ثمنًا. وفي المقابل، يقول خبراء الاقتصاد بجامعة كوبنهاجن إن استهلاك الدنمارك للدهون انخفض بمعدل ١٠ إلى ٢٠ في المائة في الشهور الثلاثة الأولى من سريان الضريبة. لكن لا يمكننا معرفة ما إذا كان معدل الاستهلاك انخفض، والتسوق عبر الحدود ارتفع، بسبب الضريبة أم بسبب الركود الذي أصاب الاقتصاد الدنماركي.

ويشير تحليل صدَر عن مجموعة بي إم جي حديثًا إلى أن ٢٠ في المائة هو الحد الأدنى للضريبة التي ينبغي فرضها على الأغذية لتحقيق تحسُّن قابل للقياس في مستوى الصحة العامة. أما أسعار الأغذية الدنماركية التي فُرِضت عليها الضريبة فقد ارتفعت بمعدل بلغ ٩ في المائة، وهو معدل كاف لإحداث زوبعة سياسية ولكن ليس لإحداث فرق كبير في مستوى الصحة.

فهل فرض ضريبة على الدهون المشبعة يمثِّل سياسة عامة جيدة؟ قد يكون فرض ضريبة على المشروبات الغنية بالسكر فكرة أفضل. ولمعرفة السبب في ذلك، تذكروا أن السمنة هي نتاج تناول سعرات حرارية تفوق ما نحرقه. فتُخَزَّن السعرات الحرارية الفائضة — سواء جاءت من نشويات أو بروتينات أو دهون — في صورة شحوم بالجسم. وجميع الدهون الغذائية هي خليط من الأحماض الدهنية المشبعة وغير المشبعة، وكلها تقدِّم عدد السعرات الحرارية ذاته لكل وحدة وزن.

تزيد الدهون المشبعة احتمال الإصابة بمرض القلب التاجي، ولكن ليس إلى حد بعيد. فالدهون المتحولة — المحظورة في الدنمارك منذ عام ٢٠٠٣ — تمثِّل عامل خطورة أكبر. ونظرًا لتفاوت درجة الخطورة التي تنطوي عليها الأحماض الدهنية المشبعة المختلفة، يكون من العسير من الناحية العلمية تأييد فرض ضريبة موحدة عليها كأنه لا تمييز بينها.

لتلك الأسباب، نزعت التدابير الضريبية المكافحة للسمنة في البلدان الأخرى إلى تجنُّب استهداف مجموعات واسعة النطاق من المواد الغذائية. وركَّزت عوضًا عن ذلك على الأغذية المعالجة أو الوجبات السريعة أو المشروبات الغنية بالسكر، وكلها من المصادر الرئيسية للسعرات الحرارية. ويبدو فرض الضرائب عليها استراتيجية واعدة أكثر من غيرها.

ما الذي ينبغي أن تفعله الحكومات إلى جانب ذلك؟ لا مجال للنقاش في أنها تضطلع بدور ما في معالجة المشكلات الصحية التي تسببها السمنة، لا سيما وأنها تتحمل جانبًا كبيرًا من التكلفة المترتبة على معالجة تلك المشكلات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يقدِّر خبراء الاقتصاد تكلفة الرعاية الصحية والإنتاجية المهدرة المرتبطتين بالسمنة بما يتراوح بين ١٤٧ مليارًا و١٩٠ مليار دولار أمريكي في السنة. إذن، ثمة حاجة ملحَّة إلى التصرّف. ولكن كيف؟

يتمثل أحد الدروس المستفادة من حالة الدنمارك في أن البلدان الصغيرة مفتوحة الحدود لا يمكنها أن ترفع أسعار الأغذية أو أي شيء آخر ما لم تحذُ البلدان المجاورة حذوها. ولكن الدرس الأكبر المستفاد هو أن أي محاولة لحث الناس على تناول كميات أقل من الطعام ستواجه معارضة شرسة من الصناعات الغذائية. فتقليل كميات الطعام المتناولَة ليس في مصلحة أصحاب الأعمال.

في الولايات المتحدة، قوبلت الجهود المبذولة على صعيد الولايات والمدن في سبيل فرض ضرائب على المشروبات الغنية بالسكر بمعارضة طاغية من شركات المشروبات الغازية، التي حققت النجاح بإنفاق عشرات الملايين من الدولارات للضغط على المشرّعين وإقناع عامة الشعب بأن مثل تلك التدابير تحرم الناخبين من «حق الاختيار» أو أنها — كما في حالة الدنمارك — يمكن أن تضرّ بالاقتصاد.

والأدهى من ذلك أنه لا يمكن توقُّع أن يؤيد الفقراء تدابير من شأنها رفع تكلفة الغذاء، وإن كانت المشكلات المرتبطة بالسمنة أكثر شيوعًا بين الفئات ذات الدخل المنخفض.

فإذا كانت الحكومات راغبةً حقًّا في خفض تكاليف الأمراض المزمنة المرتبطة بالسمنة، فلا بد لها من معالجة المشكلة من منبعها: أي صناعة المنتجات الغذائية الضارة بالصحة وتسويقها.

يورد مقال نقدي نشرته جمعية القلب الأمريكية أدلة متزايدة على فوائد الإجراءات التدخلية المكافحة للسمنة، مثل: ضرائب الأغذية، ودعم الأغذية الصحية، والحملات الإعلامية المشجِّعة على ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي سليم، وتقليل أحجام الوجبات، وفرض قيود على تسويق الأغذية الضارة بالصحة وبيعها في المدارس.

هذا ويجب على الحكومات أن تقرر هل ترغب في تحمُّل التبعات السياسية المترتبة على تقديم الصحة على المصالح التجارية. وقد صوتّت الحكومة الدنماركية تصويتًا جليًّا لمصلحة الأعمال التجارية.

وفي مرحلة ما، ستكون الحكومات بحاجة إلى إيجاد سبل لتحميل شركات الأغذية مسئولية المشكلات الصحية التي تسببها منتجاتها. وحينئذ، من المرجَّح أن نرى تحسنًا فوريًّا في جودة الأغذية وفي الصحة. فلنأمل أن يحدث ذلك في القريب العاجل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.