لا يسعني قول الكثير عن المماليك الذين على حدِّ علمي لم يَخُصَّهم أيُّ مؤلف بالكتابة، والذين لا يستحقون أن يكتب عنهم أحدٌ؛ فلقد كانوا سِفْلة القوم، وأراذل العبيد، وحثالة الشرق بأكمله، قضَوا غدرًا على سادتهم الأيوبيين، وحكموا بدلًا منهم. وباستثناء إنهائهم لترحيل مسيحيي الغرب من الشرق (حيث شنُّوا هجمات بربرية قضَوا خلالها على طرابلس وأنطاكية، وكثير من المدن الأخرى)، فإنهم لم يفعلوا أي شيء آخَر يستحق أن يسجِّله التاريخ. [1]

هذا ما كتبه في عام ١٧٢٢ همفري بريدو رئيس كاتدرائية نورويتش، وهو مستشرق شهير في ذلك الوقت، وإن كان متعصِّبًا. إن نبرة الاستنكار الأخلاقي التي تصطبغ بها تعليقاته، والإشارة إلى عدم قبول أن يصبح العبيد سلاطين، لازمت الكتابات التاريخية عن المماليك وقتًا طويلًا. والتوثيق التاريخي العام الوحيد باللغة الإنجليزية — الذي نشره السير ويليام موهين عام ١٨٩٦ — عن هذا الموضوع يحمل العنوان الكاشف «المماليك أو سلالة العبيد الحاكمة لمصر»، ويمكن استنباط توجُّهِ المؤلف من خلال واحد من أكثر آرائه إيجابيةً عن أحد سلاطين المماليك:

كان بيبرس نموذجًا لما يكون عليه المملوك من حيث الفضيلة والرذيلة على حدٍّ سواء؛ فكان ملتزمًا بآدابِ سلوكٍ لم تكن حتى معروفةً لدى الغرب، بينما أورثه اغتصابُه الوحشي للعرشِ وأعمال الخيانة والقتل وصمةً لولاها لذاع صيته كحاكم مِغوار حكيم صاحب نفوذ. [2]

لن تساعدنا هذه النظرة على فهم تأسيس وتطوُّر نظام ملكي حكَمَ مباشَرةً مصر وبلاد الشام (أو ما يُعرَف باسم منطقة الهلال الخصيب الغربي)، وفَرَض هيمنته على المدينتين الإسلاميتين المقدَّستين؛ مكَّة والمدينة في الحجاز. بدايةً، وَصْفُ المماليك بأنهم «عبيد» slaves هو وَصْفٌ يفتقر إلى الدقة، وبطبيعة الحال يوحي بدلالات مضللة.

تعني كلمة «مملوك» في اللغة العربية المِلْك المنقول، خاصة مِلْك البشر، لكن المصطلح المعتاد والقانوني الذي يُشَار به إلى الرقيق هو «عَبْد» abd. وهناك ثلاثة اختلافات مهمة بين العبد والمملوك، الاختلاف الأول عرقي؛ فالعبد في هذه الفترة كان دائمًا من الزنوج، بينما كان المملوك من الأتراك أو من الشعوب القوقازية، خاصة الشراكسة.

أما الاختلاف الثاني فكان في الوظيفة؛ إذ كان العبد دومًا خادمًا داخل المنزل، بينما المملوك كان يُشترَى ليُدرَّب على أن يكون فارسًا. والاختلاف الثالث كان يتعلق بالوضع القانوني؛ فيمكن أن يعيش العبد ويموت وهو في ربقة العبودية، ولا يوجد سبب لتحرير رقبته بخلاف رغبة سيده، أما المملوك — من ناحية أخرى — فكان يُستقدَم إلى إحدى البلاد الإسلامية وهو شاب، حيث يقضي سنوات تدريبه العسكري فحسب في إطار تلك العبودية القانونية، بعد ذلك يحرِّره سيده، ويواصِل حياته — وهو رجل حر تحت مظلة الشريعة الإسلامية — ضمن أفراد طبقة المماليك التي ينتمي إليها.

على الأرجح بدأ استجلاب المحاربين الأتراك سواء بالأسْر أو الشراء في القرن الأول من التاريخ الإسلامي، عندما أدَّى اتساع رقعة إمبراطورية العرب في آسيا الوسطى إلى اتصالها بالقبائل التركية التي كانت تحتل هذه المنطقة في هذا الوقت. إلا أن التجنيد النظامي للمماليك قد بدأ على يد الخليفة العباسي المعتصم، قبل اعتلائه العرش عام ٨٣٣. كان هدفه بناء قوة عسكرية ولاؤها الأول والأخير له، وأن تكون هذه القوة العسكرية غريبة (ومن ثَمَّ منفصلة) عن المجتمع الناطق باللغة العربية الذي يعيشون فيه.

سرعان ما ظهرت عيوب هذه السياسة؛ فعلى الفور أمَّن قادة المماليك — لا الخلفاء — ولاء تلك القوات لأنفسهم، وأصبحوا منافسين على السلطة السياسية. وفي عام ٨٦١ قتلوا الخليفة المتوكل ابن الخليفة المعتصم. وسيتكرَّر هذا النمط من الأحداث (الذي يذكرنا بما فعله جنود الحرس الإمبراطوري الروماني في الإمبراطورية الرومانية) من جانب المماليك المنتمين لأُسَر حاكمة أخرى.

إلا أنه حتى أوائل القرن التاسع عشر كان تجنيدُ المماليك الوسيلةَ العسكرية الأساسية للحكَّام المسلمين في الشرق الأوسط، وهي وسيلة لم يكن لها أي بديل واضح. من ناحية أخرى، هناك تشابه بين هذا وبين ما فعلته الإمبراطورية الرومانية؛ فعلى غرار إقامة مستوطنات قبلية جرمانية يكون أهلها حلفاء للإمبراطورية، كان نظام المماليك أداةً لاستخدام القوة العسكرية للبربر خارج البلاد، مع أن المماليك كانوا يُستقدَمون من أجل دعم سلطة الحكَّام المسلمين أكثر من الدفاع عن حدود دولة الإسلام.

مثَّلت دولة المماليك أوج هذه العملية التاريخية، حيث إن الرجال الذين استُقدِموا ليكونوا عبيدًا ويتدربوا على القتال لم يشاركوا في الصراع على السلطة السياسية فحسب، بل حصلوا عليها علانيةً وكاملةً عندما حكموا واحدة من الدول الإسلامية الكبرى. والواقع أنهم لم يكونوا أول مَن يفعل ذلك؛ ففي أواخر القرن العاشر أسَّسَ مملوك تركي سلالةَ الغزنويين الحاكمة، التي هيمنت على ما يُعرَف الآن بشرق إيران وأفغانستان حتى قدوم السلاجقة عام ١٠٤٠، في حين كان هناك مملوك آخَر في أوائل القرن الثالث عشر هو أول فرد فيمَن يُطلَق عليهم «الملوك العبيد» في دلهي.

إلا أن السلطنة المملوكية في مصر والشام لها أهمية خاصة؛ بسبب استمرارها مدة قرنين ونصف من الزمان، وبسبب موقعها الجغرافي الذي جعلها عنصرًا من عناصر التاريخ السياسي والاقتصادي لأراضي البحر المتوسط المسلمة والمسيحية على حدٍّ سواء.

كانت الوحدة الاجتماعية الأساسية في هذه الدولة هي طِباق المماليك (جمع طبقة)، وكانت تضم الموالي الذين جرى شراؤهم وتدريبهم وتحريرهم على يد واحد من السادة. قد يكون هذا السيد هو السلطان نفسه أو أحد الأمراء؛ أي كبار الجند الذين كانوا هم أنفسهم في الغالب من أصول مملوكية. داخل الطباق، كانت هناك رابطتا ولاء قويتان ومميزتان.

الرابطة الأولى كانت بين المملوك والسيِّد الذي يدرِّبه ويحرِّره، والذي كان يُعرَف باسم «الأستاذ». ورغم الطبيعة الإلزامية لهذا النوع من الولاء، فإنه لم يكن (أثناء فترة السلطنة) ينتقل إلى ابن الأستاذ عند وفاة والده.

كان هذا أحد العوامل التي حالت دون قيام نظام حكم قائم على مبدأ الوراثة، حيث لم يكن بإمكان وريث السلطان بأي شكل من الأشكال الاعتماد على دعم طِباق والده أو ولاء كبار الجند. أما الرابطة الثانية، فكانت بين المماليك أنفسهم الموجودين في طبقة معينة، أُطلق على هذه الرابطة اسم «الخشداشية» (مصطلح يُطلَق أيضًا على مماليك طبقة واحدة إجمالًا)، وكانت هذه الرابطة توحِّد بكل قوة أفرادَ الطبقة ضد الطِباق الأخرى.

لكن هذا لم يمنع وجود منافسة حامية — تصل أحيانًا إلى حدِّ الاقتتال على السلطة — بين هؤلاء الأفراد أنفسهم؛ فكان من السهل انقسام الطِباق الملكية إلى فصائل بعد وفاة السلطان الذي أسَّسَها. لكن تلك الفصائل تكون متزعزعة إلى حدٍّ كبير؛ إذ كانت تقوم على الانتهازية لا على مبدأ سياسي.

لم يكن المماليك عند جلبهم إلى مصر أو بلاد الشام مسلمين؛ لأن الشريعة الإسلامية تحرِّم استعباد المسلمين. كان تحوُّلهم إلى الإسلام وتعليمهم العقيدة جزءًا من تدريبهم قبل إعتاقهم. في أثناء هذه العملية، ومن خلال احتكاكهم بالسكان المحليين، كانوا يتعلَّمون شيئًا من اللغة العربية، ورغم ذلك استمرَّ استخدام اللغة التركية (اللغة الأم لمعظم مماليك القرن الثالث عشر)، مع أن معظم المماليك اللاحقين كانوا قوقازيي الأصل.

اختلف أطفال هؤلاء المماليك وأحفادهم اختلافًا ملحوظًا عن جيل المهاجرين؛ فقد نشئوا على أنهم مسلمون أحرار منذ الميلاد، واستخدموا اللغة العربية بنفس سهولة استخدامهم اللغة التركية، وتأثَّروا للغاية بالثقافة الإسلامية التي شكَّلوا جزءًا منها، والتي كان لبعضهم إسهامات ملحوظة فيها؛ فاثنان من أعظم مؤرِّخي السلطنة كانا ينحدران من أصول مملوكية.

من ناحية أخرى، لعب أحفاد المماليك (الذين يُطلَق عليهم في اللغة العربية «أولادُ الناس») دورًا صغيرًا في المجتمع العسكري الذي أسَّسَه أسلافهم. لم يكن السبب — على ما يبدو — وجودَ أي قانون رسمي لإقصائهم، وإنما عدم قدرة أحفاد المهاجرين هؤلاء المندمجين في المجتمع على التنافُسِ الفعَّال مع المدد المستمر من المماليك الجدد.

إذن، فأهمية نظام المماليك لا تكمن فيما تضمَّنَه من عبودية، بل في توفيره سبيل هجرة البرابرة الانتقائية والمحكومة إلى الدولة الإسلامية. من هذا المنظور، شكَّلَ المماليك المهاجرون قبيلةً مزْجيَّةً استقرت (أو بالأحرى عسكرَتْ) على أرض أجنبية.

من هذا المنظور أيضًا، كان السلطان المملوكي في الأصل قائدًا حربيًّا تركيًّا متدثِّرًا برداء إسلامي. وهذا الجانب غير الإسلامي يختفي في حديث المؤرخين العرب — المصدر الرئيسي لمعلوماتنا — عن السلطنة، لكنه يظهر في بعض سمات تاريخ المماليك.

الْتَحمَ المماليك مع مجتمع لديه موروث قوي ونابض بالحياة من الفكر السياسي الإسلامي والمؤسسات الإدارية؛ من ثَمَّ نشأت تركيبة ذات طبيعة معقَّدَة. كان نفوذ السلطان، الذي اعتمَدَ في الأساس على طِباق مماليكه، يكتسب شرعيتَه عند اعتلائه العرش بانتقال رسمي للسلطة من الخليفة العباسي الصوري.

ظهرت السلطنة المملوكية قبل ثماني سنوات فقط من اندثار الخلافة العباسية في بغداد على يد المغول عام ١٢٥٨. وبعد ثلاث سنوات، أعطى السلطان المملوكي الظاهر بيبرس حقَّ اللجوء السياسي إلى أمير عباسي لاجِئ، ونصَّبَه خليفة.

في المقابل فوَّضَ الخليفة رسميًّا إلى بيبرس السلطات التي كان السلطان يتمتع بها بالفعل، ومن ثَمَّ أنهى بذلك عهدًا لم تكن فيه (في رأي الفقهاء المسلمين) سلطةٌ شرعيةٌ في العالم الإسلامي. منذ ذلك الحين وحتى نهاية السلطنة، تعاقَبَ حاملو لقب الخلافة العباسية وحكموا صوريًّا من القاهرة. وفي ظل افتقارهم إلى النفوذ والتأثير، فقد كانوا دُمًى في أيدي السلاطين يتلقَّون منهم راتبًا، لكنهم كانوا جزءًا أساسيًّا من الآلية الدستورية.

إحدى المشكلات المتكررة لدى الحكومات المَلَكية في العصور الوسطى هي انتقال السلطة من أحد الحكام إلى وريثه. وكانت السلطنة المملوكية على وجه الخصوص عرضةً لأزمات تداول السلطة والاستيلاء عليها، وذلك لعدد من الأسباب. لم يصبح انتقالُ السلطة بالكامل إلى الابن البكرِ العُرْفَ في الشرق الأدنى الإسلامي، في حين كان شائعًا الحكم العائلي الأقل تنظيمًا أو حكم الأُسَر، الذي كان مصحوبًا في بعض الأحيان بتقسيم الأراضي وإعادة توزيعها.

كان نظام حكم الأيوبيين (عائلة صلاح الدين) الذين سبقوا سلاطين المماليك في مصر والشام مباشَرةً من هذا النوع، حيث ينال فرد واحد في العائلة صفة الحاكم الأعلى. أما السلطنة المملوكية فقد ظهرت من طباق المماليك، وكان كبار جند السلطان يعتبرونه في الأساس قائدًا في الحرب و«الأول بين أقرانه»، ومن ثَمَّ لم يكن هناك سبب لخلافة ابنه له في هذا المنصب.

تناقَضَ هذا مع النزعة الفطرية للسلاطين، وسادت هذه الفترة حالةٌ من التوتر بين مبادئ الملكية بالانتخاب والوراثة على التوالي. في وقت من الأوقات بَدَا كأنما أُرسيت دعائم سلطنة على أساس الأسرة الحاكمة؛ فقد خلفت المنصورَ قلاوون — الذي حكم من ١٢٧٩ إلى ١٢٩٠ — أربعةُ أجيال من سلالته حتى عام ١٣٨٢ (تخلَّلَتْها فترتان قصيرتان من انتزاع الحكم)، وإن كانت هناك دلالة وراء تعاقُبِ ١٣ حاكمًا على مدار الاثنتَين والأربعين سنة الأخيرة؛ إذ كان معظمُ سلاطين الأسرة القلاوونية الأخيرة دُمًى في أيدي كبار جند المماليك.

في عام ١٣٨٢ بدأت سلسلة متتالية من السلاطين الشراكسة على يد مغتصب الحكم الظاهر برقوق، ومنذ هذه اللحظة بدأ نمط مختلف للخلافة؛ فكثيرًا ما كان يخلف السلطانَ ابنُه، الذي لم يكن يؤسِّس سلالة حاكمة قطُّ. عادةً ما كان يحدث استيلاء على العرش (عقب صراع طائفي في الغالب) خلال فترة قصيرة للغاية على يد أحد كبار الجند، وفي الوقت المناسب يتكرَّر نمط الأحداث نفسه.

إلا أن أزمات الخلافة هذه لم تفتح طريق اعتلاء العرش أمام الجميع؛ فقد كانت المنافسة قاصرةً على أفراد طباق المماليك التابعين للسلاطين السابقين. وحتى نهاية القرن الخامس عشر كان جميع مغتصبي العرش تقريبًا يحملون رتبة أتابك؛ بمعنى أحد كبار جند المماليك.

كان السلطان محاطًا بحاشية يسيطر كبار جند المماليك فيها على المناصب الرفيعة في الطباق الملكية والدولة. كان الكثير من هذه المناصب تضاهي المناصب التي شاعت في البلاط الأوروبي في العصور الوسطى، ومثلها تمامًا تحوَّلَتْ إلى وظائف تدرُّ دخلًا دون مجهود يُذكَر، أو أصبحَتْ لها مهامُّ لا تدلُّ عليها مسمياتها. خوَّلَ السلاطين الأوائل الكثيرَ من السلطات في مصر إلى نائبٍ شبيهٍ بقاضي المحكمة العليا في إنجلترا في عهد الأنجلو نورمان وعهد الإمبراطورية الأنجوية.

كان هناك موظف آخَر يُدعَى أتابكًا، وهو الشكل المعرَّب للقب التركي «أتابِج». في القرن الثاني عشر كان الأتابك هو الحارس والوصيَّ على الأمير السلجوقي، لكن كما جرَتِ العادة في مصر المملوكية، كان اللقب يشير في الأصل إلى الموظف الذي يقود الجيش نيابةً عن السلطان الغائب أو القاصر. (وفي حالة فريدة من نوعها، عمل الأتابك لدى سلطانة؛ هي شجر الدُّرِّ التي حكمَتْ فترةً وجيزةً عام ١٢٥٠.) في أواخر القرن الرابع عشر أصبح لقبًا شرفيًّا لكبار الجند لا يدلُّ على مهامَّ محدَّدةٍ.

من بين كبار المسئولين أيضًا في السلطنة حاملُ السيف، والكونستابل (رجل الشرطة)، وكبير الياوران، وقد مدَّ آخِر هؤلاء، في القرن الرابع عشر، نطاقَ صلاحيته القضائية المحلية على حساب محاكم الشريعة الإسلامية. وثمة وظيفة أخرى بدأت بدايةً متواضِعةً ولكن اكتسبت شأنًا عظيمًا لاحقًا، وهي وظيفة الداوادار.

كان الداوادار في الأصل حاملَ مِحْبَرة السلطان (معنى اللقب)، إلا أنه في نهاية القرن الخامس عشر أصبح وزيرًا للخارجية وله العديد من الاختصاصات. وجدير بالذكر أن آخِر ثلاثة سلاطين شغلوا في السابق منصبَ داوادار وليس أتابكًا. كان الداوادار حلقة الوصل بين السلطان وقطاع الوظائف المدنية الذي لم يكن يشغله المماليك، بل السكَّان الأصليون متحدثو العربية سواء من المسلمين — بالميلاد أو الذين اعتنقوا الإسلام في وقت لاحق — أو المسيحيين أو اليهود.

كان هذا كيانًا مكوَّنًا من تراث قديم يضمُّ سوابق وإجراءات تعود إلى الخلافة الفاطمية (من القرن العاشر حتى الثاني عشر) أو قبل ذلك. في العادة كان هذا الكيان يتسم بالتدقيق البالغ، والأثر الرئيسي الباقي منه (بما أن سجلَّاته قد فُقِدت بالكامل تقريبًا) هو الموسوعة الإدارية المكوَّنَة من أربعة عشر مجلدًا ألَّفَها موظف الأرشيف القلقشندي، الذي توفى عام ١٤١٨.

تعرِض السلطنة المملوكية في تاريخها السياسي عدة مراحل؛ فقد ظهرت من طباق مماليك سلطان مصر الصالح أيوب — حفيد شقيق صلاح الدين الأيوبي — الذي توفي عام ١٢٤٩، عندما كان لويس التاسع وحملته الصليبية يتحركان من دمياط. في عام ١٢٥٠ قُتِل ابن الصالح أيوب وخليفته وبدأ نظام الحكم الجديد.

كانت السلطنة المملوكية في بداية الأمر قوةً قتاليةً، فقد كان السلطان في الأساس قائدًا حربيًّا يقدِّم نفسه لرعاياه المسلمين بوصفه المدافع عن الإسلام في الجهاد. استمرت هذه المرحلة من تاريخ المماليك نحو ستين سنة حكَمَ فيها اثنان من السلاطين: الظاهر بيبرس (١٢٦٠–١٢٧٧)، والمنصور قلاوون (١٢٧٩–١٢٩٠).

كان كلا السلطانين منشغلًا طوال الوقت تقريبًا بالعمليات العسكرية في الشام ضد دول الفرنجة المضمحلة النفوذ (التي اختفَتْ في النهاية على يد الأشرف خليل ابن السلطان قلاوون عام ١٢٩١)، وضد المغول الأشد خطورةً الذين هدَّدوا — عقب استيلائهم على بغداد عام ١٢٥٨ — بغزو الشام ومصر واحتلالهما.

أُوقِفَتْ أولى غزوات المغول وأكثرها خطورةً وتحوَّلَ مسارها في عين جالوت في فلسطين عام ١٢٦٠، قبل تولِّي بيبرس الحكم بوقتٍ قصيرٍ، بينما حدثت الغزوات الأخرى — أو كان هناك خوف من حدوثها — في العقود التالية. آخِر هذه الغزوات كانت عام ١٣٠٣، حين كان المغول يتحولون إلى اعتناق الإسلام ويندمجون في الثقافة الإسلامية الفارسية؛ ومن ثَمَّ انتهى التهديد العسكري للمماليك من هذا الاتجاه.

تزامَنَ انتهاء الخطر على الشام ومصر من أعداء الإسلام — ومن ثَمَّ انتهاء المبرِّر الرئيسي لوجود السلطنة المملوكية — مع انتقال السلطة إلى أحد أبناء السلطان قلاوون الذي ربما كان أعظم سلاطين المماليك.

إنه الناصر محمد، الذي نُصِّب لأول مرة كحاكم صوري في التاسعة من عمره عام ١٢٩٣، عقب مقتل أخيه الأشرف خليل على يد جماعة من المتآمرين. خلال السنوات السبع عشرة التالية عزَلَه كبار جند المماليك الذين استولوا على عرشه مرتين، لكن بحلول عام ١٣١٠ كان قد كوَّنَ طباقه المملوكية الخاصة، واستعاد السلطنة بدعم من إحدى الطوائف الشامية، وظلَّ في الحكم حتى وافته المنيَّة عام ١٣٤١.

شهدَتْ فترة حكمه الثالثة والطويلة دخول دولة المماليك فترة من الأمان والسِّلْم النسبي، حيث كانت المناطق الحيوية في مصر والشام محميةً بسياج من مناطق حدودية في جنوب الأناضول وعلى نهر النيل أعلى أسوان. لم يَعُدِ السلطان قائدًا حربيًّا يقضي معظم وقته في حملة داخل الشام. حكَمَ الناصر محمد حكمًا مُطلَقًا من القاهرة، لكن وضعه كان آمنًا تمامًا، حتى إنه تمكَّنَ من الذهاب إلى الحج في مكة ثلاث مرات. إلا أن نفوذه ظلَّ شخصيًّا، وعقب وفاته هيمَنَ كبارُ الجند (الذين أصبحوا ينتسبون الآن إلى أصول شركسية) على أحفاده، إلى أن أطاح برقوق بآخِر حاكِم قلاووني.

أثناء حكم برقوق، ظهر خطرٌ آخَر كبير من الشرق ممثَّل في الحملات التدميرية التي انطلقت من وسط آسيا بقيادة تيمورلنك. تصدَّى برقوق لتيمورلنك، ولم تتعرَّض الشام إلى الغزو والتدمير على يد تيمورلنك إلا عام ١٤٠٠ عقب وفاة برقوق. جاء الغزاة ورحلوا دون أن يمسوا مصر.

كان الهجوم الذي شنَّه تيمورلنك نكبة لكنه لم يكن طامة كبرى، وهي الحرب الخطيرة الوحيدة التي خاضتها السلطنة المملوكية في الفترة بين نهاية خطر المغول وعام ١٤٨٥، عندما نشب القتال مع العثمانيين بسبب السيطرة على حدود الأناضول. انتهت الحرب بالوصول إلى طريق مسدود عام ١٤٩١، لكن كانت ثمة علامات بالفعل على أن المستقبل سيكون في صالح السلطة الحاكمة التركية الجديدة في الشمال. من حيث التنظيم، كانت السلطنةُ العثمانية شبيهةً بالسلطنة المملوكية، لكنها كانت تتمتع ببعض الميزات السياسية والعسكرية.

منذ بداية ظهورها في مطلع القرن الرابع عشر، كان تداول السلطة العليا قاصرًا على عائلة واحدة من الوالد إلى ولده، فتجنَّبَتِ الدولةُ الناشئة لفترة طويلة أزماتِ الخلافة المتكررةَ التي اتَّسم بها التاريخ المملوكي. وبضربة حظٍّ كبرى كان جميع الحكَّام العثمانيين وصولًا إلى سليمان القانوني (الذي توفي عام ١٥٦٦) حكَّامًا أقوياء متمكِّنين.

رغم أنه بحلول القرن الخامس عشر كان الجيش العثماني الدائم (مثلما كان الحال مع المماليك) قائمًا على تجنيد العبيد، فإن النظام العثماني في الاختيار والتدريب كان أفضل من نظام المماليك، في حين كان المشاة العبيد — الإنكشارية — مسلَّحِين بمسدسات، وهي أسلحة استخَفَّ بها الفرسان المماليك المحافظين وأهملوا استخدامها.

أخيرًا، فإن الحملات المتعاقِبَة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر — التي حوَّلَتِ الدولةَ العثمانية من إمارة صغيرة إلى إمبراطورية عظمى في الأناضول وروميليا (جنوب شرق أوروبا) وجعلت عاصمتها إسطنبول — قد ارتقت بالآلة العسكرية العثمانية إلى درجةٍ من الكفاءة كان المماليك قد فقدوها.

في السنوات الأولى من القرن السادس عشر كانت السلطنة المملوكية محاطةً بالأعداء مثلما كانت في بداية ظهورها. فإلى جانب العثمانيين، كانت ثمة قوة برية كبرى أخرى قد تشكَّلَتْ مؤخرًا، وهي الدولة الصفوية في بلاد فارس والعراق، في حين كانت القوة البحرية للبرتغال تفرض سيطرتها على المحيط الهندي وتهدِّد البحر الأحمر، الذي كان حتى هذا الوقت تابعًا للمماليك. عندما اندلعت أزمة أخرى بين المماليك والعثمانيين عام ١٥١٦، سرعان ما أسفرَتْ عن سقوط دولة المماليك.

فتح انتصار سليم الأول (الذي اشتهر باسم سليم العابس) بالقرب من حلب بابَ الشام على مصراعَيْه أمام الاحتلال العثماني. في أوائل عام ١٥١٧ تعرَّضَتْ مصر للغزو، وشُنِقَ آخِر سلاطين المماليك على بوابة عاصمته السابقة. بعدها وحتى ما يقرب من أربعة قرون كانت مصر ولايةً عثمانيةً.

المراجع

  1. Anon., The life of the Reverend Humphrey Prideaux, D.D., Dean of Norwich, London 1748, 268–9.
  2. William Muir, The Mameluke or Slave dynasty of Egypt 1260–1517 A. D., London 1896, 31.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    ناصر الصمود ·٣٠ يوليو ٢٠١٤، ١٣:٥٨ م

    شكرا لكم وعلئ اتعابكم التي لا تحصئ ولاتعد