أما وقد اندثرت الإمبراطورية البريطانية وواراها الثرى — خلا جزيرة أو اثنتين من جزر فوكلاند — لعل الآن هو الوقت المناسب لنتوقف ونحاول أن نتأمل ما كانت عليه هذه الإمبراطورية إبان حياتها. لن يكون هذا بالأمر الهين. بادئ ذي بدء، قد يكون من المبكر عمل ذلك؛ فالأحكام التاريخية تحتاج بعض الوقت لصياغتها. وحتى عندئذ تخضع الآراء لفحص ومحص الأجيال المتعاقبة، متأثرة بالاكتشافات الجديدة والأجواء التاريخية لتلك الأجيال. موضوعات مثل الإمبريالية من الموضوعات المعقدة ويمكن تناولها من زوايا عديدة مختلفة. تتفاقم المشكلة في حالة الإمبراطورية البريطانية بسبب حقيقة أن زوالها كان قريبًا للغاية بما يمنع النظر إليها بموضوعية، ولا يزال إرثها حاضرًا بدرجة لا تسمح بتجاهله. من هنا يستعر الجدل بين نيال فيرجسون المؤيد للإمبريالية على عمومها (كتاب «الإمبراطورية: كيف صنعت بريطانيا العالم الحديث»، ٢٠٠٣)، وبين ريتشارد جوت المناهض الحرون للإمبريالية (كتاب «إمبراطورية بريطانيا: المقاومة، والقمع، والثورة»، ٢٠١١). وما كان هذا الجدل ليستعر لولا شعورنا بأن شبح الإمبراطورية القديمة لا يزال يطاردنا.

بل إن شبح إمبراطورية أخرى لا يزال يلوح من خلفها. فعادة ما عقد الإمبرياليون البريطانيون المقارنات بين إمبراطوريتهم والإمبراطورية الرومانية التي اندثرت منذ أمد أبعد. وقد كانت صورة هذه الإمبراطورية العظيمة، الحاضرة في الثقافة الشعبية والمناهج المدرسية المعاصرة، هي التي حددت صورتنا عن الإمبريالية بالأساس، أكثر مما كانت عليه الإمبراطورية البريطانية بالفعل. ومن هنا اشتُقت اللفظة «إمبريال» أو imperial في الإنجليزية، فمصطلح إمبريم imperium اللاتيني مرتبط بأفكار القوة والسلطة والتحكم. إنها كلمة مفردة كبيرة ورنانة تحمل في طياتها معاني التفرد والضخامة والقوة، لهذا راقت للإمبرياليين البريطانيين. ومن ثم، إحدى القضايا التي يجب حسمها قبل الشروع في إجراء أي تقييم لتأثيرات الإمبراطورية البريطانية وإرثها هي إلى أي مدى كانت متفردة وضخمة وقوية.

لا تنخدع بالمظاهر؛ فكل خرائط العالم الملونة باللون الأحمر التي انتشرت في بريطانيا، نحو عام ١٩٠٠ مثلًا، تعطي انطباعًا زائفًا بالقوة البريطانية الموحدة. فالصورة الأكثر صدقًا ستُلون فيها معظم الأجزاء بلون وردي وأجزاء أخرى بلون وردي باهت للغاية (للإنصاف، عادة ما فعل هذا راسمو الخرائط مع كل من مصر والولايات الأميرية بالهند). أما إذا كنا نقيس الإمبريالية البريطانية من حيث التأثير غير الرسمي، فيمكن تلوين بعض البلدان من خارج الإمبراطورية باللون الوردي أيضًا. وربما أمكننا وضع بعض النقاط الحمراء في المحيطات لإظهار الهيمنة البحرية البريطانية.

في الواقع، أخفت هذه الرقع الحمراء على الخريطة تحتها تنوعًا مذهلًا في العلاقات بين المستعمرات والبلد «الأم»، وهو ما قد يتطلب مجموعة ألوان جديدة كاملة لعمل نظام تلوين دقيق لهذه العلاقات. تأرجحت هذه العلاقات ما بين طغيان مطلق واستبداد عنصري، على شكل مستعمرات تخضع للحكم الأبوي بأي درجة من درجاته، وأراضٍ تخضع ببساطة «للحماية» البريطانية، إلى مستعمرات شعوبها (البيض) أكثر «حرية» من البريطانيين الملازمين لمنازلهم، ومستعمرات رعاياها (غير البيض) لا يتعاملون مع النظام كثيرًا حتى إنهم كادوا لا يدركون أنهم مستعمرون من الأساس. أضف إلى ذلك مستعمرات مقنعة مثل مصر، وأراضي خضعت للانتداب بعد الحرب العالمية الأولى، وكان حكم بريطانيا في واحدة منها — فلسطين — بغرض حفظ السلام، ومستعمرات «غير رسمية» مستقلة اسميًّا، لكن تسيطر عليها على سبيل المثال شركات تجارية بريطانية، وأيرلندا التي يمكن أن يُقال إنها تقف على الحد الفاصل للإمبراطورية الاستعمارية. هذا دون الوضع في الاعتبار ما وصف على نحو متناقض بأنه «الإمبريالية الثقافية» البريطانية، وهو متناقض لأنه من معاني «الإمبريالية» الأساسية وجود نوع من الإجبار أو الهيمنة، وهو ما لا يظهر مثلًا حين قرر البرازيليون أن يلعبوا كرة القدم.

يبدو جمع كل هذا معًا تحت عنوان «إمبراطورية» أمرًا غير منطقي؛ فمساواة تجربة مواطني نيجيريا المستعمرة بتجربة مواطني نيو ساوث ويلز مثلًا، الذين يشتركون جميعًا في التصنيف عينه بوصفهم من ضحايا الإمبريالية، تبدو غير منطقية بالمرة. فمع كونهم جميعًا ضحايا (وهناك بالطبع طرق أخرى للنظر إليهم)، فإن تجربة نيو ساوث ويلز لم تختلف في الأساس عن تجربة معظم البريطانيين. أغلب الظن أن جدي العجوز قد عانى الاستغلال في مقاطعة إسكس أكثر مما كان سيعانيه لو كان جده قد هاجر إلى أستراليا التي يبدو أنه خطط للذهاب إليها في وقت ما. (تتناقل العائلة واقعة أفلت فيها جدي بشق الأنفس من الترحيل بسبب احتفاظه بكومة من السماد خارج منزله في ريتل.) في معظم الحالات، كانت هناك قوى أخرى تعمل في المشهد بخلاف القوى الإمبريالية المميزة. وفي حالة جدي كانت القوى المتصدرة المشهد هي الرأسمالية الصناعية. ينطبق الشيء نفسه على العديد من الحالات الاستعمارية أيضًا.

يتضح مظهر آخر من مظاهر القوة الإمبريالية التي يجب أن نحتاط منها في العروض الشعبية الهائلة التي أقامتها الإمبراطورية نحو عام ١٩٠٠: من أزياء عسكرية خلابة، والإطراء الاحتفالي المغالى فيه لليوبيل الماسي في عام ١٨٩٧، والاحتفال الضخم بحرب البوير الأولى. لكن في عام ١٩٠٠ بدت الإمبراطورية فريسة للتهديد، وكثير من عروض الولاء هذه لم تكن سوى ردود أفعال متوترة لهذا. وفي ذلك الوقت أيضًا شرع الإمبرياليون البريطانيون في التفكير في مقتنياتهم الاستعمارية كوحدة واحدة؛ أي بدءوا التفكير في الإمبراطورية كإمبراطورية بالفعل كي يعضدوها في وجه هذه التهديدات. وقبل ذلك الحين كانت تشوب الإمبراطورية الفوضوية الشديدة.

لا يخفى على أحد ارتباط الرأسمالية بالإمبريالية. اعتاد الإمبرياليون إنكار هذه العلاقة في الأوقات التي يغلب عليها أكثر الطابع الديمقراطي الاشتراكي، حين كانت «الرأسمالية» تشير ضمنًا إلى الظلم. يقر الجميع الآن أن الرأسمالية أصبحت في مكانة موقرة من جديد (وقد أشاد بها نيال فيرجسون إشادةً إيجابية). غير أن نوع العلاقة التي تربطهما ليست مفهومة دائمًا. بصفة عامة، حدث التوسع العالمي في التجارة البريطانية والتمويل قبل أن يتحدد الشكل الرسمي للإمبريالية؛ بعبارة أخرى، ظهر علم الإمبراطورية في أعقاب التجارة وليس العكس. هذا على افتراض أنه أعقبه من الأساس؛ فبمقدورك إقامة علاقات تجارة خارجية مع بلاد دون أن تكون هذه البلاد تابعة للإمبراطورية، أو على الأقل هذا ما اعتقده الناس وقتها قبل أن يقرر المؤرخون المعاصرون أنه ينبغي أن يُطلق على هذا إمبريالية أيضًا. تتباين الآراء حول ما إذا كان من الصحيح التوسع في معنى الكلمة بهذا الشكل؛ فالإمبريالية ليس لها تعريف واحد محدد، وهذا المصطلح يستخدم بطرق شتى. أميل شخصيًّا إلى الاستخدام الذي يدعم فكرة الإكراه أو الضغط.

رأى الفيكتوريون اختلافًا واضحًا بين الإمبريالية والتوسع التجاري، وهو ما يفسر سبب إنكارهم المتكرر لتورطهم في الإمبريالية حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر. لم يكن الإنكار سهلًا بسبب المستعمرات الرسمية التي كانت بريطانيا تمتلكها بالفعل؛ تلك المستعمرات التي عادة ما اعتُبرت التزامات مورطة جلبتها على نفسها في الأوقات التي ضعفت فيها بصيرتها وينبغي التخلص منها في أسرع وقت ممكن على نحو لائق. (كانت كندا أولى المستعمرات.) وحتى في هذه الأماكن لم يكن الغرض من العلَم هو منح بريطانيا أي مزايا تجارية معينة؛ إذ كانت أسواقها مفتوحة دائمًا لكل الدول الأخرى.

بالمعنى التجاري السائد في القرن الثامن عشر، لم يكن هذا استعمارًا. في الواقع، كان يُعتقد على نطاق عريض أن التجارة الحرة نقيض الإمبريالية وترياقها وأنها — حسب وصف الداعي العظيم لمكافحة قوانين الغلال ريتشارد كوبدن في عام ١٨٤٦ — ستنهي «الرغبة والحافز في إمبراطوريات هائلة وعظيمة، وفي جيوش عملاقة وأساطيل بحرية هائلة، وفي تلك الأدوات المستخدمة في تدمير الحياة وإهمال ثمار العمل»؛ كل هذا «لأن الإنسان سيصير جزءًا من عائلة واحدة، ويتبادل بحرية ثمار كده مع أخيه الإنسان». يمكننا اليوم أن نستشف من هذه السطور دلائل الإمبريالية بمختلف أنواعها: من نحن لنخبر العالم ما الأفضل له؟ لكن من السهل أن نرى كيف أمكن إقناع المعاصرين بأنهم كانوا يسعون لتحقيق هدف مختلف تمامًا؛ هدف أكثر أخلاقية. وهذا هو ما ميز بريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر عن كل الحقب والأمم الإمبريالية السابقة.

من المنظور العملي، كان هذا التوجه ملائمًا للغاية. فهذا النوع من التوسع السلمي (نظريًّا) كان ملائمًا أيما ملائمة لأمة قدراتها العسكرية (في مقابل القدرات البحرية) لم تكن على أعلى مستوى من التنظيم مقارنة بثلاثة أو أربعة جيوش استعمارية أوروبية أخرى. من حسن الحظ أن الجيوش الأوروبية قبل ثمانينيات القرن التاسع عشر كانت أقل انشغالًا بمباراة بريطانيا على هذه المسارح التجارية، ما تركها في مواجهة المناوئين «من السكان الأصليين» المتخلفين من الناحية التكنولوجية وحدهم عندما تعلق الأمر بالدفاع عن مصالحها الاقتصادية خارج أوروبا.

تَمَثَّلَ أمر ملائم آخر في التكلفة؛ فالتوسع البريطاني التجاري، والإمبريالية الرسمية التي لم تفارقه، كانا في مجملهما رخيصين. كانت التجارة الحرة أكثر من مجرد سياسة تجارية. فقد ارتبطت بأيديولوجية اقتصادية متكاملة سُميت حينها «الاقتصاد السياسي» — يُطلق عليها اليوم «الماركتية الحرة» أو «الليبرالية الجديدة» — كان أحد مبادئها أن النشاط التجاري يعمل أفضل إذا لم يخضع للضرائب. ومن ثم، أي شيء استلزم عوائد ضريبية لم يحظ بالتشجيع. وهذا سبب من أسباب الضعف النسبي للجيش البريطاني وعدم السماح للمستعمرات بأن تكون عبئًا مباشرًا على الخزانة البريطانية؛ إذ كان لا بد أن تتمتع ﺑ «الاكتفاء الذاتي»: فكانت عوائدها، وحتى عوائد الدفاع عنها، تُجمع محليًّا.

كان لهذا تبعاته العميقة على الطريقة التي حُكمت بها الإمبراطورية فيما بعد. أهم هذه التبعات هي أنه يمكن حكمها بتكلفة رخيصة. أحيانًا ما كانوا يفعلون هذا بإرسال رجال (دائمًا رجال) من المدارس العامة (دائمًا المدارس العامة تقريبًا) يرتدون خوذات مبطنة بالقماش وبناطيل كاكي قصيرة، أو ملابس أكثر بهرجة إذا ذهبوا بصفتهم «قادة عسكريين». غلب على أولئك الحكام الإمبرياليين الطابع الأبوي النمطي أكثر من الطابع الرأسمالي الحديث بفضل القيم التي تشربوها في مدارسهم العامة. (كانت عبارة «إنه يتاجر» من الإهانات الشائعة بين الطلاب.) لم يهتم رأسماليو السوق الحرة الحقيقيون كثيرًا بشغل مناصب الحكم تحت أي ظرف من الظروف؛ إذ كان ضد طبيعتهم أن يعملوا في وظيفة غير منتجة أو غير مربحة. بصفة عامة، لم يتمتع الحكام الاستعماريون بأيديولوجية السوق الحرة مثل الأشخاص الذين جعلت أنشطتهم وجود هؤلاء الحكام ضرورة في المقام الأول. ونتيجة لذلك، وأيضًا لتجنب زعزعة أركان الحكم والمخاطرة بإثارة العصيان، منع كثيرون منهم الاستغلال الرأسمالي للمستعمرات المسئولين عنها. بالطبع لم يكونوا هم — أعلى الإمبرياليين مكانة وأشدهم تمسكًا بالإمبريالية — المسئولين عن نشر الرأسمالية في أفريقيا وآسيا وأي مكان آخر، أو نشر «الديمقراطية»، التي كادوا لا يفهمون معناها، أو أي ملمح آخر من ملامح الحداثة التي ينسبها المدافعون عن الإمبريالية اليوم إلى الحكم البريطاني في القرنين التاسع عشر والعشرين.

الملاحظة الجديرة بالاعتبار بشأن هذه المجموعة من الرجال هي أن عددهم كان محدودًا. يُعزى هذا إلى أنه لم يكن بالإمكان تعيين المزيد منهم دون فرض ضرائب غير معقولة سواء على البريطانيين أو رعاياهم في المستعمرات. يمكن أن تثير الضرائب التي تُفرض من أجل أغراض استعمارية العصيان في كلا المكانين. فعلى سبيل المثال، اندلعت «حرب ضريبة الأكواخ» في سيراليون عام ١٨٩٨، واندلعت ثورة «العموم» ضد الضريبة التي فُرضت من أجل حكم بلاد الرافدين (العراق) وحفظ النظام فيها عام ١٩٢١. وكان هناك إجمالًا ألفا موظف إمبريالي بريطاني «في الميدان» في أنحاء الهند البريطانية في العقد الأول من القرن العشرين، بالإضافة إلى نحو ألفين آخرين في بقية أنحاء الإمبراطورية؛ أي أربعة آلاف شخص فحسب للتحكم في مئات الملايين من الرعايا الأصليين. بالطبع كان بصحبتهم جنود لتدعيمهم، كثير منهم في الهند (مع أن الجنود البريطانيين كانوا مجرد قلة)، لكن عددًا قليلًا للغاية في الأماكن الأخرى، بالإضافة إلى معاونين من أهل البلاد لمساعدتهم في المهام العادية.

غير أن المعاونين كانوا في حاجة إلى التعاون معهم. كان هذا جزءًا مهمًّا من طريقة حكم بريطانيا لمستعمرات «التاج»، الذي كان عادة حكمًا غير مباشر؛ بمعنى أنها استخدمت حكامًا محليين تقليديين وصانت بصورة عامة عادات السكان الأصليين وثقافاتهم. وجدت بريطانيا أن هذا أقل إزعاجًا من محاولة تغييرهم (كان «التمرد» الهندي الذي وقع عام ١٨٥٧ عبرة لمخاطر هذا الأمر) وبعض المسئولين البريطانيين قدروا بحق الثقافات الهندية والأفريقية. ومن ثم، تعد الفكرة الشائعة القائلة إن الإمبرياليين البريطانيين شرعوا في إضفاء الطابع الغربي على رعاياهم خاطئة كليًّا. وحتى لو أنهم ابتغوا ذلك، ما كانوا سيستطيعون عمله.

تحقق التدبير الاقتصادي للحكومة الاستعمارية في أماكن أخرى عن طريق تفويض مهامها إلى آخرين. فمعظم الإمبراطورية البريطانية في القرنين التاسع عشر والعشرين كانت تسير وفقًا للنظام الذي نسميه الآن «الخصخصة»، لسببين عادة ما يُستند إليهما عند تطبيق الخصخصة اليوم: توفير المال والتنصل من المسئولية. أما السبب الآخر القائل إن «العمل الخاص» دائمًا ما يدور بشكل أفضل فلم يكن واضحًا للغاية. كان المستفيدون الثلاثة هم الحكام المحليون (الأمراء الهنود على سبيل المثال)، والمستوطنون الأوروبيون (في أستراليا، وأمريكا الشمالية البريطانية، وجزر العبيد السابقين في جزر الهند الغربية لفترة وجيزة، وجنوب وشرق أفريقيا)، والشركات الرأسمالية «المعتمدة» (في الهند، والراسخة منذ قرون، وفي أفريقيا والمحيط الهادي). حرصت الحكومات الليبرالية من ثمانينيات القرن التاسع عشر حرصًا خاصًّا على استخدام هذه الوسيلة الأخيرة، التي تناغمت مع مبادئ السوق الحرة في نظرهم وأيضًا مع معاداتهم للإمبريالية. وفي عام ١٩٠٦ فرضت بريطانيا حكومة نيابية، بالإضافة إلى دستور عنصري لم يقبله أحد، على شعب البوير بترانسفال؛ ذلك الشعب الذي هزمته لتوها في حرب دامية. وكان المبرر الذي طرحته هو أن الحكومة كانت عاجزة عن فعل أي شيء آخر. يمكن النظر إلى هذا كنوع من مناهضة الإمبريالية. فقد بلغت الهيمنة الأبوية — أحد تعريفات الإمبريالية — في هذه المستعمرات حدها الأدنى، مما أطلق العنان لقوتي الرأسمالية والاستيطانية كي تعملا على نحو حر و«طبيعي». كانت هاتان هما القوتين المهيمنتين هنا، وكان الدور الرئيسي للإمبراطورية سلبيًّا؛ إذ إنها لم تردع هاتين القوتين.

كل هذا قوض الهيمنة الفعالة لبريطانيا على إمبراطوريتها، وحد من قدرتها سواء على فعل الخير هناك أو الحيلولة دون وقوع الضرر. تحكمت روديسيا الجنوبية، التي أوكلت مسئوليتها منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر لإحدى الشركات الخاصة — شركة جنوب أفريقيا البريطانية المملوكة لسيسل رودس — والمستوطنين البيض الذين أتوا في أعقابها، في أغلبية السكان السود الأفارقة، في حين اقتصر دور الحكومة الاستعمارية على متابعتها بالكاد، إلى أن حصلت البلاد على استقلالها التام تحت اسم زيمبابوي عام ١٩٨٠. لا يعفي هذا بريطانيا من المساءلة الأخلاقية أو القانونية عما جرى في روديسيا إبان تلك الفترة، تمامًا كما لا تستطيع حكومة تخصخص السكك الحديدية أو المدارس أو الخدمات الصحية أن تتجنب التقدير أو اللوم على الطريقة التي تعمل بها.

كان للسلطة التي مُنحت للمستوطنين والرأسماليين في العديد من المستعمرات البريطانية آثار محيرة ومثيرة للجدل. فقد كانوا هم، لا الحكام المحافظون والأبويون، العناصر الأساسية في الحديث الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. إذا كنت تعتبر أن هذا كان شيئًا جيدًا، أو ربما ضرورة يؤسف لها (وهي نفس الطريقة التي نظر بها الفيكتوريون «التقدميون» إلى هذا الأمر)، فإنك ستنظر إلى هؤلاء المستعمرين الرأسماليين نظرة متسامحة. تقف حجتان رئيسيتان ضد هذا الرأي؛ أولاهما تتشكك في قيمة الرأسمالية في هذا الإطار لمصلحة هذه البلدان وحتى لمصلحة العالم؛ إذ تشجع الثقافات الاستعمارية الأحادية غير المستقرة على سبيل المثال، واستنزاف التربة بوسائل الزراعة المكثفة واسعة النطاق، واجتثاث مجتمعات السكان الأصليين. (هذه العاقبة الأخيرة هي السبب في رفض الأبويين لها). أما الحجة الثانية فتشير إلى المعاناة البشرية الخالصة، التي تعدت مجرد الاجتثاث من الجذور، والتي صاحبت هذه التطورات.

يمتلئ تاريخ الإمبراطورية البريطانية وغيرها من الإمبراطوريات الأوروبية الأخرى ﺑ «أعمال وحشية» من عبودية وإبادة جماعية ومجاعات يمكن تجنبها. وكثير من هذه الأعمال اقترفها مستوطنون: كالتي جرت ضد سكان أستراليا الأصليين وسكان جنوب أفريقيا الأصليين والهنود الحمر وفي جزر الهند الغربية وكينيا والجزائر الفرنسية، أو الأعمال الوحشية التي قام بها رواد الأعمال الرأسماليون: تجار العبيد عبر الأطلنطي، وشركة جنوب أفريقيا البريطانية في جنوب أفريقيا، وأصحاب المزارع الماليزيون، و«أصحاب امتياز» استخراج المطاط التابعون للملك ليوبولد في الكونغو الديمقراطية. وإذا اعتبرت أن شركة الهند الشرقية البريطانية شركة رأسمالية، وهو ما يمتد حتى منتصف القرن التاسع عشر حين فقدت وظيفتها التجارية لكن ظلت مستقلة إلى حدٍّ بعيد عن الحكومة، يمكنك أيضًا اعتبارها مسئولة عن الحروب الهندية العديدة التي بلغت أوجها في «تمرد» عام ١٨٥٧. وقد استولت بريطانيا على الشركة بعد التمرد مباشرة في عام ١٨٥٨. ولعلنا ندرج أيضًا المجاعات الهائلة التي وقعت في أيرلندا (في أربعينيات القرن التاسع عشر) وفي البنغال (في أربعينيات القرن العشرين) باعتبارها وقعت جراء النظرية الاقتصادية الليبرالية المعاصرة، التي قضت في أقصى صورها تطرفًا بأنه من الأفضل ترك هذه الأمور للأسواق. لكن المهم في الأمر أن هذه الأعمال الوحشية لم تقع على نحو مباشر بسبب الإمبريالية التي يجسدها خريجو المدارس العامة الذين يرتدون الخوذات المبطنة بالقماش والبناطيل الكاكي القصيرة.

يطرح هذا تناقضًا: فكلما ضعفت قوة الحكومة الاستعمارية وصفتها الرسمية، زاد احتمال حدوث الأسوأ. ولهذا السبب انتقد أكثر مناهضي الإمبريالية إنسانية في مطلع القرن العشرين انسحاب بريطانيا من مستعمراتها ببساطة. ذكر مفكرون أمثال الاقتصادي جيه إيه هوبسون (١٨٥٨–١٩٤٠) أن هذا لم يكن من شأنه أن يحررهم تحريرًا أصيلًا، وإنما تركهم فريسة للإمبريالية الرأسمالية. وفي الوقت ذاته نادى هوبسون وآخرون ﺑ «الوصاية» الدولية على الإمبراطوريات الأوروبية إلى أن يصير رعاياها جاهزين على نحو ملائم للحكم الذاتي. وكان هذا أحد الأغراض المفترضة لنظام الانتداب بعد الحرب العالمية الأولى.

وأخيرًا انفضح ضعف بريطانيا الإمبريالي في الفترة بين الحرب العالمية الأولى والعشرين عامًا التالية على عام ١٩٤٥. فقد بات مستحيلًا أن تدرأ الإمبراطورية هجمات الحركات القومية البازغة، التي تتلقى الدعم من الخارج، دون اللجوء إلى درجة من الصرامة أو القسوة التي كان شعب بريطانيا، الذي قام ارتباطه بالإمبراطورية على الإيمان بأنها إمبراطورية ليبرالية في المقام الأول، غير مستعد لتقبلها. جُرب القمع في بادئ الأمر في كل من كينيا والملايو وقبرص وأماكن أخرى. (كانت هذه أبرز المواقف العديدة التي استخدمت فيها بريطانيا أبشع أشكال «العنف» الاستعماري) غير أن الإخفاق والتفكك السريع الملحوظ للإمبراطورية الذي أعقب ذلك يُظهر كم كانت الإمبراطورية ضعيفة لسنوات، وكم كان تأثير اختفائها ضئيلًا على أغلبية البريطانيين. أظهرت الحكومة هذا الانهيار في صورة «منح» الحكم الذاتي للسكان الأصليين، وفي الهند في صورة «انتقال للسلطة»؛ كأنه تتويج لمشروع كوبدن التحرري القديم، لكن أحدًا لم ينخدع بهذا.

تتحدى هذه الحقائق فكرة الإمبراطورية البريطانية ذات الطراز الروماني. لم تكن بريطانيا قادرة على حكم معظم أجزاء إمبراطوريتها إلا من خلال مساعديها المحليين من زعماء وأمراء محليين، ومستوطنين وشركات مفوضة، بل كثير من حكام المستعمرات، الذين كان كل منهم يضمر أهدافه الخاصة. إلا أن هذا كان سببًا للضعف أيضًا. ومع أن جنود كل من الهند والمستعمرات المستقلة ذاتيًّا التابعة للسيادة البريطانية أسهموا بقوة عسكرية في الحربين العالميتين، فلا بد أن يُقارن هذا باستغلال الاستعماريين القوميين نتيجة لهذه الصراعات في الضغط من أجل تحقيق مطالبهم المناوئة للإمبريالية. علاوة على أن الحرب العالمية الأولى (ومن ثم الحرب العالمية الثانية بطريقة غير مباشرة) كان من ضمن أسباب نشوبها وجود الإمبراطورية البريطانية ذاته. من الناحية الدبلوماسية كان شكل الحكم هذا دائمًا بمنزلة عبء ثقيل؛ إذ كان يورط بريطانيا دون فائدة في أفغانستان ووداي النيل، على سبيل المثال، من أجل الدفاع عن الهند والطرق المؤدية إليها، ما يفرض وجود قوات عسكرية ربما كانت هناك حاجة لها للدفاع عن بريطانيا نفسها، ويخلق للبلدان الأوروبية المناوئة (والاتحاد السوفييتي فيما بعد) نقاط توتر لا حاجة إليها، والأهم أنه يقيد حرية حركة بريطانيا على الساحة الأوروبية.

لو اعتبرنا أن حجم الإمبراطورية يعكس قوتها العالمية فسيكون هذا مضللًا. وقد ظن الإمبرياليون أنه لو نُظمت الإمبراطورية وتوحدت بحيث تستطيع تحقيق كل إمكاناتها — نُوقشت مسألة التعريفة والدفاع والاتحادات السياسية — لأمكنها تحقيق شيء عظيم، شريطة أن يلتزم المواطنون البريطانيون العاديون بنفس قدر التزام الإمبرياليين المتحمسين. (لم يُحسم بعد إلى أي مدى كان البريطانيون العاديون ملتزمين، لكنهم قطعًا لم يكونوا ملتزمين بالدرجة الكافية.) غير أن معظم الجهود التي سارت في هذا الاتجاه لم تسفر عن شيء. استمرت الإمبراطورية في تخييب الآمال، على الأقل في هذا المنحى. وفيما بعد، اكتسب خليفتها؛ «كومنولث» الدول المستقلة متعددة الأعراق، سلطة أخلاقية معينة، غير أن هذا كان أمرًا مختلفًا.

كانت الفوضى تضرب في أرجاء الإمبراطورية بحيث استحال خلق هذا النوع من التأثير. لم تُنظم الإمبراطورية قط أو تُحكم حتى حكمًا مركزيًّا فضفاضًا. فقد اشترك في حكمها ثلاث وزارات حكومية منفصلة على الأقل. وتلقى الشباب الذين أُرسلوا لإداراتها تدريبات خفيفة، بعد التعليم الجامعي الصيفي غير المنتظم، ولم يكن هناك أي تعليم لأساليب الحكم على غرار نمط المدرسة الاستعمارية الفرنسية. كانت مهارة الحكم والإدارة تُكتسب أثناء العمل، وتسير على غرار تعليم المدارس العامة؛ إذ كانوا يتلقون دروسًا من التاريخ الكلاسيكي من المفترض أنها مناسبة لكل الأزمنة؛ تحتوي على تلميحات عن «الشخصية» و«الاحتفاظ برباطة الجأش» وما شابه، وتقاليد «إظهار النبل»، وربما بعض التحيز ضد الطبقات العاملة الذي يمكن نقله إلى «السكان الأصليين». بخلاف هذا، كانت التوجهات والسياسات تتشكل في المقام الأول من خلال الخبرة العملية ونظرة الرجل إلى وظيفته هناك. يمكن أن يأتي هذا النوع من التعليم بنتائج متدهورة للغاية.

انطبق هذا بالأخص على التوجهات العنصرية. كان يُفترض عمومًا أن الإمبريالية و«العنصرية» ينسجمان معًا، وأن العنصرية تنبع من تنشئة البيض على السمو العرقي، بيد أن هذا إفراط في التبسيط. بادئ ذي بدء، غالبًا ما كان أكثر الأوروبيين عنصرية مناهضين للإمبريالية؛ كالكاتب الفرنسي آرثر دي جوبينو الذي كان يخشى التمازج العرقي الذي قد يترتب على هذا، وتشارلز ديكنز الذي رأى أنه لا فائدة من محاولة إسداء الخير للأعراق الأدنى المحكوم عليهم بالهلاك في كل الأحوال (على حساب الطبقات البريطانية العاملة التي هي أولى بهذا الخير).

وعلى العكس تمامًا، أصبح البعضُ إمبرياليين نشطين لأنهم آمنوا بالمساواة بين البشر. انطبق هذا على معظم المبشرين المسيحيين الذين استند مقصدهم الكامل على افتراض أن الشعوب الذين ذهبوا من أجل هدايتهم كان على الأقل لديهم الاستعداد للهداية. ولعلهم كانوا العناصر الرئيسية التي عملت على إضفاء الطابع الغربي على الثقافة في المجال الاستعماري، من ثم كانوا موضع ريبة الضباط الاستعماريين المحافظين بل تعرضوا لمقاومتهم. نزعت تحيزات المبشرين نحو الجانب الثقافي أكثر من الجانب العرقي. أما بالنسبة لمسئولي الحكومة فقد كان الأمر مختلفًا؛ إذ تعين عليهم أن يظهروا الاحترام لأديان السكان الأصليين وهياكلهم الاجتماعية كي يقوموا بعملهم. ظن البعض أن هذه الأديان يحددها العرق: بمعنى أن مذهب الإيحائية، مثلًا، موجود في جينات أفارقة غرب أفريقيا، غير أنه أمكن اعتبارهم من الناحية النظرية «منفصلين لكنهم متساوون»، وهو المصطلح الذي راق فيما بعد لساسة التفرقة العنصرية، وهو ما يظهر كم يمكن أن تكون الفكرة غادرة.

كان من تبعات أبوية المدرسة العامة أيضًا أن عومل أبناء المستعمرات وكأنهم «أطفال»، لكن الأطفال يكبرون. (والسؤال هو: متى؟) بصفة عامة، انسجم التجار الصغار الذين كانوا يضطرون إلى التفاوض مع زبائنهم مع الشعوب الأصلية بدرجة كبيرة. والأمر عينه فعله معظم المستكشفين. أما أكثر المستعمرين عنصرية فكانوا المستوطنين الأوروبيين، الذين تطابقت توجهاتهم أيضًا مع دورهم؛ إذ كان لا بد أن يؤمنوا بالدونية العرقية للسكان الأصليين كي يسوغوا لأنفسهم الاستيلاء على أراضيهم وإكراههم على العمل. وهذا منفصل تمامًا عن القوة العسكرية، التي تمثلت وظيفتها الأساسية في قتلهم. ونحن نعلم من الحروب الأخيرة ما يمكن أن يحدث لتصورات الجنود عن أعدائهم. ومن هنا جاء تورط المستوطنين والعسكريين المفرط في الأعمال الوحشية. اكتسب الاستعماريون التوجهات العنصرية في المستعمرات في المقام الأول، ولم يحملوها معهم من أوطانهم التي كان تعليم العنصرية في مدارسها — من قبيل المصادفة — أقل شيوعًا من مدارس البلدان الأوروبية التي لم تملك مستعمرات، مما قد يوحي بأن تأثير امتلاك إمبراطورية، أو على الأقل وجود إمبراطورية في حاجة للتعاون معها، من شأنه الحد من التحيز العنصري وليس العكس. (لكن هذا يحتاج المزيد من الأبحاث المقارنة.)

قطعًا كان تأثير بريطانيا العام في العالم، أثناء القرن التاسع عشر على وجه الخصوص، تأثيرًا هائلًا، ولا يزال بالإمكان رؤيته حتى الآن، والدليل على ذلك انتشار اللغة الإنجليزية في كل الأرجاء. كما ينتشر الحمض النووي الخاص بشعبها انتشارًا واسعًا. تحمل المواقع في كل أنحاء العالم أسماء بريطانية، والعديد من البلدان النامية لها حدود، هي في الغالب حدود غير مستقرة، تتفاوض عليها بريطانيا والقوى الأخرى. والثورة الصناعية بدأت في بريطانيا ومن هناك انتشرت، وهو ما تشهد عليه الكثير من السكك الحديدية في أرجاء العالم. ولعل لعبتي الكريكت وكرة القدم تعتبران من أعظم ما قدمت بريطانيا إلى حضارة العالم، على الأقل لأنهما لم تتغيرا كثيرًا. وتحمل الدساتير والأنظمة القانونية للعديد من البلدان بصمة بريطانيا. ثمة بعض الفجوات. ولا يبدو أن جارتها (فرنسا) حظيت بمثل هذا التأثير العريض. ربما كان لبلدان أخرى تأثير أكبر في المجال الفني، باستثناء الأدب.

غير أن الفكرة تكمن في أن كل هذا تقريبًا لم يكن بحاجة لتكوين إمبراطورية، أو أي شيء يمكن أن نُطلق عليه إمبريالية (يوحي بالإكراه أو الضغط) لتحقيقه. بالطبع كانت حماية الحدود أمرًا ضروريًّا، وقد احتاج المستوطنون المهاجرون وبعض الأسواق إلى حماية «البحرية الملكية» وعدد محدود فحسب من القوات البرية. لعل لعبة الكريكت اقتضت فترة زمنية أطول من النفوذ الإمبريالي لترسيخها أكثر مما احتاجت كرة القدم لأنها لعبة أكثر تعقيدًا (وهذا سبب التباين الجغرافي الشديد في انتشار اللعبتين). غير أن معظم الأمور الأخرى كان بالإمكان تحقيقها — على نحو أفضل — دون إمبراطورية أو «إمبريالية»، بالمعنى المحدود الذي أؤثره. على أكثر تقدير، كانت الإمبراطورية الرسمية مجرد جزء من هذا، ولم تكن تتسم بفعالية مناحي التأثير الأخرى، بما في ذلك القوة الطبيعية العظمى للرأسمالية الجامحة، التي لا تزال موجودة بالطبع.

إن إضفاء سمات الإمبراطورية (الرومانية) على الإمبراطورية البريطانية هو أمر مضلل تاريخيًّا، كما يمكن أن يكون خطيرًا بالفعل. إننا معتادون على الزعماء الأفارقة الذين يلقون باللائمة على الإمبريالية الأوروبية باعتبارها المسئولة عن معظم الأمور السيئة التي حلت بهم، بل يظنون أن البلدان الغربية ذات الطموحات الإمبريالية ما زالت تقف ضد مصالح بلدانهم. في أوغندا اتُّهم المستعمرون البريطانيون بإدخال الشذوذ الجنسي إلى البلاد، ويقاوم أساقفة غرب أفريقيا الإنجليكانيون تساهل مدينة كانتربيري (النسبي) في هذا الصدد لأنه نوع من «الإمبريالية المتحررة»؛ وعلى العكس، في جامايكا، يلوم الليبراليون الإمبراطورية لتسببها في رهاب المثلية المحلي. ودأب معمر القذافي على حشد أتباعه ضد «إمبريالية الغرب الصليبية»، وبالطبع يقشعر بدن المسلمين عند سماع لفظة «صليبي» بالأخص. وبعيدًا عن أي أمر آخر، ينسب هذا النوع من التهم الكثير من المقدرة والكفاءة للإمبريالية.

غير أن الأخطر من ذلك هو عزو أنصار الإمبريالية كل الخير الذي في العالم إلى الإمبريالية الغربية، ودورها في نشر ما يروق لهم أن يطلقوا عليه القيم الغربية. يعبر عن هذا خير تعبير عنوان كتاب نيال فيرجسون الأخير، الرئيسي والفرعي أيضًا (والحلقات التليفزيونية): «الحضارة: الغرب وبقية العالم» (٢٠١١). يتمثل الخلل هنا في أن معظم القيم التي نُسبت إلى الغرب ليست بالقيم التي تقتصر على الغرب وحده؛ إذ إن معظمها متأصل في مجتمعات صينية وهندية بعينها، كما أوضح جاك جودي في كتابه «سرقة التاريخ» (٢٠٠٧)، الذي يتناول كيف أن الغرب نسبوا هذه الأفكار إلى أنفسهم زيفًا. للأسف، كثير من «مواطني بقية أجزاء العالم»، كما يطلق عليهم فيرجسون على نحو ازدرائي، يبدو أنهم قد انخدعوا بنظرة الإمبريالية هذه. ومن منطلق معارضتهم لأسيادهم الإمبرياليين السابقين، عادة ما يرفضون قبول كل فكر إمبريالي أيضًا. وكما وصف أحد المعلقين من سيري لانكا في عام ١٩٩٩ تعليقًا على خطبة «إمبريالية متحررة» نمطية ألقاها توني بلير، فإن ما يقدمه الغرب على أنه حقوق إنسان عالمية هو ليس كذلك في الواقع، وإنما فقط «أمر ملائم للغرب الحالي، الذي لطالما نجح في ترسيخ هيمنته على العالم بأسره».

لا يروق لأحد أن يملي عليه طاغية الأوامر، حتى وإن كانت في محلها، وحتى إن كان هذا الطاغية — في حالتنا هذه الإمبراطورية البريطانية — ليس بالقسوة التي اعتاد أن يتقنع بها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (2)

  • default avatar
    Omar Omar ·١٢ أبريل ٢٠١٥، ٦:٤٢ ص

    شكرااااااااااااااااااااااااااااا

  • default avatar
    HUSSAIN HILAL ·٢ يونيو ٢٠١٤، ١٤:٢٦ م

    أبداع رائع من موقعكم لخدمة الثقافة العربية ، الف تحية على المجهود الرائع ...