شبح قلعة ستيرلينج الأخضر

فوق جرف بركاني ضخم، أُعيدَ بناء قلعة ستيرلينج — التي يُعتقد أنها محصَّنة منذ العصور القديمة — مرارًا وتكرارًا. وورد أول ذكر لها في كتاب «حياة القديسة مونينا» في القرن الحاديَ عشرَ. ومنذ عام ١٢٩٦، كان الإنجليز يحتلُّون هذه القلعة باستمرار، لكنها عادت بعد ذلك إلى سيطرة الاسكتلنديين بعد حصارٍ دام ستة أشهر في عام ١٣٤٢. وقد بنى جيمس الرابع جزءًا كبيرًا من القلعة بشكلها الحالي لتكون محل إقامة فخمًا ومكانًا رائعًا لبلاطه الملكي (يومن، ٢٠١١، ٣٦–٤٨). (انظر الشكل رقم ١).

لا يزال كثير من الأساطير المتنوعة المثيرة عن القلعة باقيًا حتى الآن؛ ففي القرن الخامسَ عشرَ حدَّد مؤرخ إنجليزي يُدعى ويليام — وكان من ووستر — الموقع على أنه منزل «الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة»، وهي خرافة كررها كُتَّاب لاحقون. وتحكي قصة أخرى أكثر واقعية (بمعنى الكلمة) عن خيميائي إيطالي الأصل، اسمه جون داميانو، حاول في عام ١٥٠٧ إبهار راعيه، ألا وهو الملك، من خلال الطيران من فوق جدار القلعة بعد أن ثبَّت لنفسه أجنحة! وللأسف خذلت الأجنحة هذا الرجل الشجاع الذي حاول الطيران، فسقط على الأرض إلا أنه نجا من الموت بسبب هبوطه على كومة من القُمامة الملكية (يومن، ٢٠١١، ٣٨، ٤٨-٤٩). وأسطورة قلعة ستيرلينج الشائعة حاليًّا هي عن شبح سيدة ترتدي رداءً أخضر.

تُعرف السيدة الخضراء — بوجهٍ عام — بأنها «أشهر شبح في ستيرلينج» («سكوتيش»، ٢٠١٢). وكما يروي لنا كينيرد (كينيرد، ٢٠٠٩، ٣٨): «يقول البعض إنها كانت فتاة فقيرة وصلت إلى حالة من اليأس؛ فقد انفصلت عن حبيبها وحُبست داخل جدران القلعة وعانت من الجوع الشديد خلال حصار الملك إدوارد لهذا الحصن الضخم.» إلا أن رواية أخرى تفترض أن «السيدة الخضراء كانت ابنة أحد حكام القلعة، وقد خُطبت لضابط يرابط هناك.» ومن المفترض أن «هذا الرجل المسكين قد قُتل عن طريق الخطأ، وكان القاتل والد الفتاة، ويقال إنها من اليأس والمعاناة ألقت بنفسها من إحدى شرفات الحصن لتلقى حتفها على الصخور التي تبعد ٢٥٠ قدمًا» («ستيرلينج»، ٢٠١٢).

بينما يروي آخرون قصة مختلفة تمامًا؛ فيدَّعون أن السيدة الخضراء كانت خادمة لدى الملكة ماري ملكة اسكتلندا. ووفقًا لأسطورة شعبية، أنقذت هذه الخادمة الملكة بعد أن أمسكت النيرانُ في ستائر سريرها ذي الأعمدة الأربعة. وتختلف روايات هذه القصة حول مصير الخادمة في هذه المرحلة؛ فتشير إحداها إلى أنها قد تُوفِّيت بطريقةٍ ما في أثناء عملية الإنقاذ («سكوتيش»، ٢٠١٢)، بينما تشير أخرى إلى أن الباب كُسر وفُتح «وامتدت أذرع متلهفة لتحملهما الاثنتين معًا إلى بر الأمان» (كينيرد، ٢٠٠٩، ٣٨). إلا أن مصدرًا آخر يقول عن عملية الإنقاذ إن «التاريخ قد عجز عن تسجيل ما إذا كانت قد تُوفِّيت أم لا في أثناء قيامها بهذا» (لوف، ١٩٩٥، ٢٢). وفي محاولة كينيرد (٢٠٠٩، ٣٩) التوفيق بين هاتين الروايتين المتعارضتين قال: «لا يُعرف عن الفتاة إلا القليل، إلا أننا نخشى أنها قد تُوفِّيت سريعًا إثر جروحها من هذه الليلة المشئومة.» (احذف كلمة «أننا نخشى» من الكلام السابق وسيسهل عليك رؤية كيف يمكن أن يتحول التخمين إلى حقيقة مزعومة عند إعادة رواية القصة.)

مع ذلك، لم يمنع غياب التسجيل التاريخي من انتشار المزيد من الروايات التفصيلية للقصة. على سبيل المثال، يُزعم أحيانًا أن هذه الخادمة قد تنبهت إلى الحريق عن طريق حلم بأن الملكة في خطر، ويُزعم أن الملكة في أثناء إنقاذها «تذكرت نبوءة بأن حياتها ستتعرض للخطر بسبب حريق في أثناء وجودها في قلعة ستيرلينج» («ستيرلينج»، ٢٠١٢)، رغم عدم ذكر أي مصدر. ويطلق دارسو الأدب الشعبي على الروايات المختلفة من القصص الشعبية «بدائل»، وهي دليل على أن العملية الفلكلورية مستمرة.

ومن الواضح أنه نتيجةً لهذا الحدث الأسطوري، يقال إن الشبح «يشيع ظهوره قبل حدوث كارثة كبرى» (لوف، ١٩٩٥، ٢٢). وهذه فكرة شعبية (أو عنصر قصصي) — أي الشبح الذي يحذر الأحياء — يتكرر في القصص الشعبية في إنجلترا واسكتلندا (تومبسن، ١٩٥٥، ٢ : ٤٣٥).

يأتي دليل آخر على أصل شبح السيدة الخضراء في الفلكلور من حقيقة أن «اسكتلندا تبدو موطن الشبح الأخضر، على وجه الخصوص «السيدة الخضراء».» وفي الواقع، في حين «سُجلت روايات عن أشباح زرقاء وبيضاء ورمادية اللون في جميع أنحاء العالم»، فإن الأشباح من النوع الأخضر قليلة، حتى في إنجلترا المجاورة، على حد قول دِين لوف؛ فهي تُفرد الفصل الأول كله من كتابها «الأشباح الاسكتلندية» لهذه الأشباح المتعددة، فتقول «تُروى قصص عن مطاردة السيدة الخضراء للقلاع القديمة في جميع أنحاء الدولة، من قلعة كوملونجون في دامفريشاير في الجنوب إلى قلعة ماي على الحدود الشمالية للدولة» (لوف، ١٩٩٥، ١٧).

يُظهر آر سي فينوكين (١٩٨٤) في تأريخه الثقافي للأشباح أنه مع تغير توقعات الناس بشأن الموتى مع الوقت والمكان، تتغير أيضًا الأشباح التي يدركونها. إن الخصوصية التصويرية العميقة للون الأخضر بوصفه اللون السائد للأشباح الاسكتلندية معبر للغاية؛ فهو يشير إلى أن وجود أساس خارق غير محتمل، وأنه بدلًا من ذلك منسوب — إلى حدٍّ ما — إلى التراث الاسكتلندي.

الشكل رقم ١: يُزعم أن «السيدة الخضراء» تسكن قلعة ستيرلينج القديمة في اسكتلندا، والمقامة على قمة منحدر بركاني ضخم.
الشكل رقم ١: يُزعم أن «السيدة الخضراء» تسكن قلعة ستيرلينج القديمة في اسكتلندا، والمقامة على قمة منحدر بركاني ضخم.

لا يشير أيٌّ من هذا إلى أن الناس لم «يرَوا» السيدة الخضراء قط، أو على الأقل «شكلًا أخضرَ ضبابيًّا» كالذي وصفه طباخ في غرفة طعام الضباط (فقد كانت قوات حامية للجيش تقيم داخل القلعة). إلا أن الظروف التي ظهر فيها الشبح — بينما كان المُشاهِد مشغولًا في نشاط روتيني («ستيرلينج»، ٢٠١٢) — تكشف الكثير من الأمور؛ حيث إن تجارِب رؤية الأشباح عادةً ما ترتبط بفترات الاستغراق في التفكير الحالم؛ ففي هذه الحالة الانفصالية ربما يُنتِج اللاوعيُ صورة طيفية تبدو لوهلة أنها مُركَّبة على المشهد البصري (نيكل، ٢٠١٢، ٣٤٥).

مطار مسكون

هناك أشباح تُعرف باسم «أشباح مونتروز» ويُزعم أنها تسكن مطار القوات الجوية الملكية في مونتروز باسكتلندا. نُسبت ظواهر متنوعة لهذه الأشباح، خاصةً لشبح طيار زهقت روحه في رحلة فردية في مونتروز في ٢٧ من مايو عام ١٩١٣.

كان الطيار هو الملازم أول ديزموند إل آرثر، الأيرلندي الجنسية، وقد سقطت طائرته ذات السطحين بعدما كُسر أحد أجنحتها. وفي عام ١٩١٦ ظهرت مشاهدات لشبح الطائرة وشبح يُفترض أنه للملازم آرثر في موقع القوات الجوية الملكية. وللأسف تحتوي القصص الشهيرة عن «المطار المسكون» (كوهين، ١٩٨٤؛ كايدن، ١٩٩٦) على كثير من الإثارة والغموض لكنها تفتقر إلى الدليل والتوثيق. فيبدو أن قدرًا كبيرًا من هذه المزاعم يمكن نسبه إلى القوة المعنوية للقصص الشعبية، وقوة الإيحاء، والأنواع المختلفة من الأفكار الخاطئة. على سبيل المثال، في عام ١٩١٦ حدثت مشاهدة لشكل شبحي عند معدات طائرة مباشرةً عقب «استيقاظ» مدرب طيران «من نومه فزعًا» (كايدن، ١٩٩٦، ٣٥). وفي ظل هذه الظروف، يكون التفسير المحتمل لظهور الشبح هو نوع شائع من الهلاوس يُعرف باسم «حلم اليقظة»، وهو يحدث في الفترة ما بين الاستغراق في النوم والاستيقاظ التام (نيكل، ١٩٩٥، ٢٩٠؛ نيكل، ٢٠١٢، ٣٥٣-٣٥٤).

يُزعم أن شبح الملازم أول آرثر يطير مع كل طيار في رحلته الليلية الفردية الأولى في مونتروز. وعادةً ما يشعر طيارو مثل هذه الرحلات بنقرة لا ريب فيها على الكتف، بل ويدَّعي البعض أن الشبح يقول «حسنًا يا بُني، سأتولى أنا القيادة.»

سمعت هذه القصة من أحد معارفي، الرقيب السابق في القوات الجوية الملكية الطيار كلاي بيرد، في تورونتو بكندا في منتصف سبعينيات القرن العشرين؛ فحكى لي بيرد عن تجربته المرعبة في مونتروز؛ كان ذلك في شهر فبراير من عام ١٩٤٢، وكان في هذا الوقت يقوم برحلته الليلية الفردية الأولى. وبالطبع كان خائفًا، سواءٌ كان هناك شبح أم لا؛ فقد كان يقود طائرة تدريب أحادية المحرك بها مقعدان، واستعد للهبوط من خلال إزاحة غطاء حجرة الطيار إلى الوراء. (كان هذا إجراءً أساسيًّا حتى يكون الإنقاذ في حالة الاصطدام أسرع. فعندما يجلس المدرب في المقعد الخلفي يحرك غطاءه إلى الأمام، بحيث يتداخل الجزآن فوق جزء أوسط ثابت. وعليه تصبح مقصورة الطيار مفتوحة من الأمام والخلف، إلا أنه في الرحلات الفردية يُدفع الجزء الأمامي فقط إلى الخلف.)

بدأ الرقيب بيرد في التركيز على المهبط؛ وإذا به يشعر فجأة — نعم شعر بالفعل — بنقرة، بعدها نقرة، بعدها نقرة! ثم تكررت النقرات «كما لو أنه [الشبح] قد نفد صبره.» على حد قول بيرد.

شعر بيرد بالتوتر بطبيعة الحال والْتَفت فرأى «الشبح» بالفعل: وكان جزءًا من حزام المقعد! كان جزءًا من حمالة الأمان يبلغ طوله ٨ بوصات ويمتد من نقطة ربط الحزام ويتطاير في الهواء ويرتطم بكتفه!

قال بيرد: «أنا لا أخاف بسهولة، لكني لم أقُد الطائرة مرة أخرى في هذه الليلة!»

ساحرة علمتها الجنيات

في أثناء رحلاتي في اسكتلندا، اشتريت كتابًا بعنوان «الساحرات الاسكتلنديات» يُفرد عدة صفحات لأيزوبيل جودي. من بين عمليات مطاردة الساحرات في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ حيث عُدم حرقًا أعداد لا حصر لها منهن في المدن الاسكتلندية على العمود، برزت حالة جودي بسبب الطابع التطوعي لاعترافها (حدث على أربعة أجزاء على مدار ستة أسابيع في عام ١٦٦٢)، والكم الوفير من المعلومات الذي قدمه (سيفيلد، ٢٠٠٩، ١١٦–٢٢). (للحصول على النص الكامل انظر ويلبي، ٢٠١١، ٣٧–٥٢.)

لقد روت جودي تفصيلًا — وكانت من أولديرن — كيف طارت هي وعشرات الساحرات الأخريات إلى اجتماعاتهن في منتصف الليل وهن يركبن نبات السمَّار وقش الذرة (وقد سحروا هذه النباتات حتى تطير بتعويذة إبليس). ذهبت جودي أيضًا في رحلات إلى أرض الجنيات وادَّعت أنها قد تعلمت كثيرًا من سحرها على يد الجنيات (جويلي، ١٩٨٩، ١٤٢).

وقالت جودي إنها هي وساحرات أخريات قمن بإثارة عواصف من خلال ترديد تعاويذ أثناء دق قطعة قماش مبللة على صخرة. وفي اعترافها الثاني (الذي سُجل في مخطوطة إنجليزية قديمة يطلَق عليها «يد الأمين»، خطها كاتب) تشرح:

عندما نثير الرياح، نأخذ قطعة من القماش ونبللها بالماء، ثم نمسك بمطرقة خشبية وندق قطعة القماش فوق صخرة، ونقول ثلاث مرات ونحن ندق قطعة القماش على هذه الصخرة، أنا أثير الرياح باسم الشيطان، ولن تهدأ إلا عندما أريد مرة أخرى (جزء تالف-كلمات مفقودة). ولنهدئ الرياح، نجفف قطعة القماش ونقول (ثلاث مرات عليها) نحن نهدئ الرياح باسم الشيطان (جزء تالف-كلمات مفقودة)، وتثور متى أردنا أو أردت (كلمة محذوفة) إثارتها مرة أخرى، وإذا لم تهدأ الرياح على الفور (جزء تالف-كلمات مفقودة)، فإننا نستدعي الشبح التابع لنا ونقول له أيها اللص أيها اللص استحضر الرياح واجعلها (جزء تالف-كلمات مفقودة) نحن ليس لنا سلطة على الأمطار لكننا سنثير الرياح عندما نريد، لقد جعلنا نؤمن (جزء تالف-كلمات مفقودة) بعدم وجود إله فوقه.

(وردت في ويلبي، ٢٠١١، ٤٣).

بالإضافة إلى ذلك، قالت جودي إن الساحرات كنَّ يسحرن الأطفال (من خلال إلحاق إصابات بدُمًى مصنوعةٍ من الطمي)، ويدمِّرنَ محاصيل المزارعين (من خلال إخراج جثة طفل غير مُعمَّد من قبرها ودفنها في كومة السماد)، وما إلى ذلك (جويلي، ١٩٨٩، ١٤٢). وعندما كانت الساحرات يَشعرنَ بالملل، كن يُحوِّلنَ أنفسهن إلى حيوانات. (على سبيل المثال، حتى تتحول جودي إلى قطة ردَّدت ثلاث مرات: «سأتحول إلى قطة، كئيبة سوداء اللون ويعلو جسدها علامة، وسأتحول باسم إبليس، وأنا عائدة إلى المنزل» [كاوثورن، ٢٠٠٦، ١٢٩-٣٠].)

كان النشاط الجنسي محوريًّا في اجتماع الساحرات؛ فادَّعت جودي أنها أقامت في اجتماعهن في منتصف الليل علاقة مع إبليس قوي البنية وعدة شياطين. حتى إنها تؤكد أنها أقامت علاقة مع أحد عشاقها الشياطين وهي راقدة على سريرها، وزوجها نائم بجوارها (ويلسون، ١٩٧١، ٤١٩). وأيدت ساحرة أخرى العناصر الأساسية في قصة جودي، وهي جانيت برِيدهيد، وأشارت الاثنتان معًا إلى أكثر من ثلاثين ساحرة أخرى في اعترافاتهما، ولكن لا يوجد أي سجل عن مصير هؤلاء الأشخاص. ويُفترض على نطاق واسع أن جودي وبرِيدهيد قد حُكم عليهما على الأقل بالإعدام (سيفيلد، ٢٠٠٩، ١١٧).

يتساءل الباحثون حاليًّا عن كيفية تفسير مزاعم جودي؛ رأى مونتاج سامرز — أحد المؤمنين بالسحر الحقيقي — أن قصتها «حقيقية بالفعل»، ورثى فقط عدم القدرة على تحديد قائد اجتماع الساحرات! (روبنز، ١٩٥٩، ٢٣٢). وعلى النحو نفسه إلى حدٍّ ما، قال المتشكك أوين راكليف (١٩٧١، ١٠٥–١١٧) إن إبليس كان بالفعل قائد اجتماع الساحرات في زي تنكري، وكان يرتدي «الحذاء عاليَ الرقبة الذي يشبه الحافر المشقوق»، وإن المخدرات قد سببت الشعور «بالتحليق»، وهكذا إلى آخره … على الجانب الآخر، قال البعض إن جودي ربما أصيبت بالجنون (سيفيلد، ٢٠٠٩، ١٢٠)، وهو ما أَطلق عليه والتر سكوت (١٨٥٧، ٢٨١-٢) «نوع خاص من الجنون».

إلا أنني أعتقد أن وجهات النظر هذه تمثل الانقسام الزائف نفسه — الاختيار بين تصديق أن التجارب حقيقية (أو على الأقل ممثَّلة) أو التفكير في أن المدعي مجنون — وهو عادةً الخيار المطروح في روايات اختطاف الكائنات الفضائية للبشر. وكما نعلم حاليًّا، فإن معظم المخطوفين المدعين عقلاء وطبيعيون لكن لديهم سمات تدل على ميلهم للتخيل، إلى جانب التفكير في السحر والهلاوس الشائعة (نيكل، ٢٠٠٧، ٢٥١–٢٥٨).

إن التفكير في الأمور السحرية الذي تبادر إلى ذهن جودي وغيرها موجود في كل مكان، وليس مصادفةً أن السحر والتعاويذ التي ألقتها «الساحرات» كانت ببساطة شائعة في التراث الاسكتلندي. (فدق قطعة قماش مبللة فوق صخرة من أجل إثارة عاصفة هو مثال واحد فقط على استخدام السحر الخارق للتلاعب بقوى الطبيعة، واستخدام الدمى كبدائل للبشر مثال آخر.) إن إيمان الساحرات من أمثال جودي بأن هذه الأساليب فعالة يُعد بالكاد دليلًا على أنها كذلك، بل ويشير إلى أنهنَّ أخذن بعين الاعتبار— أو أعدن تفسير — النجاحات الظاهرية أيًّا ما كانت، بينما استبعدن التفسير المنطقي لأية إخفاقات. هذا هو تأثير ما يطلَق عليه التحيز التأكيدي.

أما فيما يتعلق بلقاءات جودي الجنسية الشيطانية، فربما تكون مجرد أوهام نابعة من الكبت الجنسي؛ فمن الواضح أن جودي كانت زوجة لمزارع فظ، ليس لديها أطفال وتشعر بالملل (كافينديش، ١٩٧٠، ١١٤٣). وفي الواقع، إن وصفها لممارسة الجنس مع شيطان في سريرها يبدو مثل الإشاعات القديمة عن زيارات الأرواح الشريرة (أي شياطين العصور الوسطى التي كانت تأتي في الليل لتقيم علاقة مع النساء). والآن نفهم أن هذه الروح الشريرة كانت نتاج الخيال، مثل زوار الليل الآخرين من الأشباح والملائكة ومصاصي الدماء والكائنات الفضائية، التي تظهر في «أحلام اليقظة». وكما أوضحنا سابقًا، فإن هذه هلاوس بسيطة تحدث في الفترة بين النوم والاستيقاظ، وتبدو واضحة وواقعية بدرجة كبيرة (نيكل، ٢٠٠٧، ٢٥٤-٥٥).

بالمثل، فإن قصص الساحرات عن «الطيران» ربما تكون نتيجة لتجارب الخروج من الجسد، وهذه الظاهرة هي نوع آخر من تجارب الهذيان (نيكل، ٢٠٠٧، ٢٥٤)؛ ويُطلَق عليها أيضًا السفر النجمي، والمقصود منها ترك الجسم والتحليق أو الطيران. وعادةً «يبدو المرء قادرًا على السفر إلى أماكن بعيدة على سطح الأرض أو في عوالم غير أرضية أو إدراكها حسيًّا» (جويلي، ١٩٩١، ٤١٩). ومن هذا العالم — لا شك — انطلقت رحلة جودي إلى أرض الجنيات. (ما زال يُعلَن في أحيان كثيرة عن تجارب الخروج من الجسد، حيث يؤمن ربع البالغين في الغرب بأنهم يمرون بمثل هذه التجربة، ويمكن أن تحدث بينما يكون الإنسان مستيقظًا أو نائمًا، وفي ظروف معينة، مثل الشعور بالضغط. [جويلي، ١٩٩١، ٤٢٠].)

من الواضح أن التفكير في الأمور السحرية وأحلام اليقظة وتجارب الخروج من الجسد ترتبط جميعها بالشخصية التي تميل إلى الخيال، كما أوضح ويلسون وباربر (١٩٨٣) في دراستهما الكلاسيكية. وكذا الحال فيما يتعلق بالميل إلى الحصول على رفقاء خياليين، مثل صديق غير مرئي، أو ملاك حارس، أو مسئول اتصال فضائي، أو ما شابه؛ فقد قالت جودي إن كل واحدة من الساحرات «كان لها شبح يقوم على خدمتنا، عندما نريد أن نستدعيَه» (ورد في كافينديش، ١٩٧٠، ١١٤٤).

لم يدرِ أي شخص في عصر جودي ماذا يفهمون من تجاربها التي أعلنت عنها، حتى هي فيما يبدو. وحتى يومنا هذا، لا يزال كثيرون منشغلين بالتفكير في الأمور السحرية ويؤمنون بالقوى الخارقة، ومنها السحر. ولحسن الحظ، ينظر البعض الآخر منا من ناحيةٍ أخرى إلى العلم والمنطق، فيسعَوْن إلى فهم العالم الطبيعي الحقيقي الذي نعيش فيه بالفعل.

المراجع

  1. Caidin, Martin. 1996. Ghosts of the Air: True Stories of Aerial Hauntings. Lakeville, MN: Galde Press, 25–39. 2006.
  2. Cavendish, Richard, ed. 1970. Man, Myth & Magic: An Illustrated Encyclopedia of the Supernatural, Volume 9. New York: Marshal Cavendish Corp.
  3. Cawthorne, Nigel. 2006. Witches: History of a Persecution. Edison, NJ: Chartwell Books.
  4. Cohen, Daniel. 1984. The Encyclopedia of Ghosts. New York: Dorset Press, 111–13.
  5. Finucane, R.C. 1984. Appearances of the Dead: A Cultural History of Ghosts. Amherst, NY: Prometheus Books.
  6. Guiley, Rosemary Ellen. 1989. The Encyclopedia of Witches and Witchcraft. New York: Facts on File.
  7. ───. 1991. Encyclopedia of the Strange, Mystical, & Unexplained. New York: Gramercy Books.
  8. Kinnaird, David. 2009. Tales of the Stirling Ghost Walk. Online at: www.stirlingghostwalk.com accessed September 4, 2012.
  9. Love, Dane. 1995. Scottish Ghosts. New York: Barnes & Noble, 17–38.
  10. Nickell, Joe. 1995. Entities. Amherst, NY: Prometheus Books.
  11. ───. 2007. Adventures in Paranormal Investigation. Lexington: University Press of Kentucky.
  12. ───. 2012. The Science of Ghosts: Searching for Spirits of the Dead. Amherst, NY: Prometheus Books.
  13. Rachleff, Owen S. 1971. The Occult Conceit: A New Look at Astrology, Witchcraft & Sorcery. Chicago: Cowles.
  14. Robbins, Rossell Hope. 1959. The Encyclopedia of Witchcraft and Demonology. New York: Bonanza Books.
  15. Scott, Walter. 1857. Letters on Demonology and Witchcraft, 2nd ed. London: William Tegg & Co.
  16. Scottish Castle Ghosts. 2012. Online at: http://scotlandwelcomesyou.com/scottish-castle-ghosts/ accessed September 4, 2012.
  17. Seafield, Lily. 2009. Scottish Witches. New Lamark, Scotland: Waverly Books.
  18. Stirling Castle. 2012. Online at: http://www.visitdunkeld.com/stirling-castle.htm accessed September 4, 2012.
  19. Thompson, Stith. 1955. Motif-Index of Folk Literature. Rev. ed., 6 vols. Bloomington: Indiana University Press.
  20. Wilby, Emma. 2011. The Visions of Isobel Gowdie. Portland, OR: Sussex Academic Press.
  21. Wilson, Cheryl C., and Theodore X. Barber. 1983. The fantasy-prone personality: Implications for understanding imagery, hypnosis, and parapsychological phenomena. In Imagery, Current Theory, Research and Application, ed. Anees A. Sheikh, 340–90. New York: Wiley.
  22. Wilson, Colin. 1971. The Occult: A History. New York: Random House.
  23. Yeoman, Peter. 2011. Stirling Castle (official souvenir guide). N.P.: Historic Scotland.
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ahmed Abd El-Rahman ·١٤ أبريل ٢٠١٤، ٩:١١ ص

    أين يمكن أن أجد ألغاز اسكتلندا الجزء الأول ؟