السؤال الهام

التصنيع في الميزان، بقلم: أنطونيو ريجالادو

عندما توسَّعت شركة جنرال إليكتريك في تصنيع أجهزة التدفئة المنزلية والثلاجات في منشأتها بولاية كنتاكي العام الماضي، كان من أسباب ذلك التوسع التنازلات الكبيرة في الأجور التي حصلت عليها الشركة من العمال المحليين، فضلًا عن المزايا المترتبة على اقترابها أكثر من عملائها في الولايات المتحدة. إلا أن جيفري إيملت رئيس الشركة التنفيذي شرح — في مقالة بمجلة «هارفرد بيزنس ريفيو» شهر مارس الماضي — أن أحد أكبر العوامل المؤثرة على اتخاذ شركة جنرال إليكتريك قرار استعادة التصنيع من الصين وكوريا الجنوبية تمثَّل في رغبتها في إبقاء مصممي الأجهزة على مقربة من عملية التصنيع ومن المهندسين.

فكتب إيملت: «في وقت تُمثل فيه سرعة الوصول إلى السوق كل شيء، لم يكن من المنطقي أن نفصل عمليتَيِ التصميم والتطوير عن التصنيع.» فالآن صار بإمكان الشخص الذي يمتلك فكرة غسالة أطباق مكوَّنة من أجزاء أقل، ووزنها أقل أن يحاول تنفيذها فعليًّا. كما أن تلك التصميمات لن تئول بسرعة إلى منتجات مقلَّدة يصنعها مورِّدو شركة جنرال إليكتريك. ويقول إيملت: «إن التعهيد القائم على تكاليف العمالة وحدها صار من الماضي.»

قرب مطلع هذا القرن، كانت أجور العمال في مجال التصنيع في جنوب الصين ٥٨ سنتًا في الساعة — أي ٢ في المائة فقط من مستويات الأجور في الولايات المتحدة. فهُرِعت شركة جنرال إليكتريك وغيرها من المصنِّعين الكثيرين إلى استغلال ما يُسمَّى بنقل العمالة عن طريق نقل التصنيع إلى الخارج. وفي عام ٢٠٠٤، أخبرت مجموعة بوسطن كونسالتنج جروب الاستشارية عملاءها أن الخيار لم يكن متعلقًا بالانتقال إلى الخارج من عدمه، وإنما ﺑ «مدى سرعة» الانتقال.

فكانت الاستراتيجية التي تبنتها تكتلات الشركات متعددة الجنسيات — سواء التي يقع مقرها في الولايات المتحدة أو في أوروبا — استراتيجية بسيطة؛ وهي الاستعاضة عن رأس المال بالعمالة الرخيصة. فما الداعي لاستثمار الأموال في ماكينة لتجميع هواتف الآي فون إن كان بإمكان الشركات الصينية حل المشكلة بنصف مليون عامل؟! فقد يسرت شبكة الإنترنت والهواتف والنقل الجوي والشحن البحري يسير التكلفة تنسيق العمالة عن بعد أكثر من أي وقت مضى.

ونتج عن ذلك جزئيًّا خسارة الولايات المتحدة قرابة ستة ملايين وظيفة في مجال التصنيع — أي ٣٣ في المائة من إجمالي الوظائف في ذلك المجال — بين عامَيْ ٢٠٠٠ و٢٠١٠، وتغلبت الصين على الولايات المتحدة باعتبارها أكبر منتِج للسلع المصنَّعة في العالم. ولكن الأثر تجاوز نطاق إحصاءات الاقتصاد الكلي.

ففي كتاب نُشر العام الماضي بعنوان «صناعة الرخاء»، أطلق جاري بيزانو وويلي شي، أستاذا كلية هارفرد للأعمال، على عملية التعهيد الخارجي للتصنيع لقب «التجربة الكبرى في الابتعاد عن التصنيع». فقد صارا وغيرهما مؤمنين حاليًّا بأن تبعاتها كانت مؤسفة؛ إذ يصعب الفصل بين الابتكار والتصنيع في المجالات المتقدمة تكنولوجيًّا. فدون فهم تفاصيل عملية الإنتاج، لا يمكنك فعليًّا أن تصمم المنتجات الأكثر تنافسية. وفي النهاية يتعرض ما يسميه إيملت «القدرات الأساسية» — مثل تصميم المنتج وفهم المواد — إلى الخطر.

إلا أنه في الآونة الأخيرة، صارت الاتجاهات الاقتصادية في تغير. فالأجور في المدن الصينية الجنوبية آخذة في الارتفاع بمعدل سريع، وربما تصل عما قريب إلى ٦ دولارات أمريكية في الساعة — أي قرابة الرقم الذي بلغته في المكسيك. والآن صارت مجموعة بوسطن كونسالتنج جروب — شركة الخدمات الاستشارية ذاتها التي نصحت عملاءها بالركض لا السير إلى خارج البلاد — تقول إن الوقت قد حان «لإعادة تقييم» الصين، وتتوقع أن تختفي ميزة التكلفة الإجمالية التي يتمتع بها ذلك البلد بالنسبة إلى بعض المنتجات بحلول عام ٢٠١٥.

وليست الميزة النسبية المتلاشية للعمالة الآسيوية الرخيصة هي السبب الوحيد لتشكيك الشركات في التعهيد الخارجي للتصنيع. فالكوارث الطبيعية يمكن أن تحدث في أي مكان، ولكن المخاطر التي تنطوي عليها خطوط الإمداد الطويلة تجلَّت عام ٢٠١١، عندما اعترض الزلزال الياباني وأمواج تسونامي طريق شحنات من رقائق الكمبيوتر، وأدت الفيضانات في تايلاند إلى غمر مصانع محركات الأقراص تحت ١٠ أقدام من المياه.

وفي المقابل، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكلفة شحن البضائع في اطراد، وجعل منجمٌ من الغاز الطبيعي الرخيص الولايات المتحدة مكانًا رخيصًا نسبيًّا لتصنيع العديد من الكيماويات الأساسية، وكذلك أمدَّ الصناعات بمصدر للطاقة منخفض التكلفة.

ولن تعود نوعية التصنيع التي تحمل فيها تكاليف العمالة أهمية قصوى أبدًا من البلدان منخفضة الأجور (فعملية تجميع خمسة ملايين جهاز آي فون من أجل إطلاق المُنتَج ما زالت لا يمكن إتمامها سوى في الصين)، إلا أن التحولات الاقتصادية الحادثة في الآونة الأخيرة تتيح للشركات فرصة لتعديل مسارها. ويتمثل أحد اتجاهات الفكر الرئيسة — والذي يحظى بأوضح تأييد من جانب البيت الأبيض، والرئيس باراك أوباما — في أن الولايات المتحدة ينبغي أن تركز جهودها على إدخال التطورات على تكنولوجيا التصنيع في حد ذاتها؛ وهي حزمة الأفكار الجديدة، وابتكارات المصانع، والعمليات التي تمثل محور اهتمام التقرير التجاري لعدد هذا الشهر من مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» أيضًا.

تتمتع الولايات المتحدة بمكانة متميزة في العديد من مجالات التكنولوجيا المتقدمة؛ مثل: المحاكاة، والتصميم الرقمي، واستخدام «البيانات الضخمة»، وتكنولوجيا النانو. وتلك المجالات التكنولوجية كلها يمكنها أن تضطلع بدور قيِّم في خلق عمليات تصنيعية جديدة مبتكرة (وليس مجرد منتجات). ويقول أندرو مكافي — الباحث في كلية سلون لإدارة الأعمال بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — إنه من الصعب أيضًا أن نتجاهل التغيرات المقبلة؛ مثل: روبوتات المخازن، والشاحنات ذاتية القيادة، وتكنولوجيا التصنيع، بالإضافة إلى أنه يمكنها أن تصنع قطعة من طائرة معقدة بسعر قطعة من طائرة بسيطة. فكلما زادت الاستثمارات الرأسمالية في الميكنة، قلَّت أهمية تكاليف العمالة.

ونظرًا لما تتسم به عمليات التصنيع من تنوع كبير، فلا يمكن لتكنولوجيا واحدة أن تحدد اتجاهها المستقبلي. إلا أنه بالنسبة إلى الاقتصادات المتقدمة مثل اقتصاد الولايات المتحدة، فالأسئلة لا تتغير. ويقول مكافي: «إذا لم تكن العمالة هي العامل المميِّز، فعليك أن تسأل: «ما الذي يمكن أن يكون هو العامل المميِّز؟»»

بعد الهبوط الحاد، هل من صعود للتصنيع؟ عدد الوظائف في مجال التصنيع بالولايات المتحدة، بالملايين (مصدر البيانات: المكتب الأمريكي لإحصاءات العمل).
بعد الهبوط الحاد، هل من صعود للتصنيع؟ عدد الوظائف في مجال التصنيع بالولايات المتحدة، بالملايين (مصدر البيانات: المكتب الأمريكي لإحصاءات العمل).

رواد

لا مفر من تصنيع الماكينات الجديدة، بقلم: أنطونيو ريجالادو

فقدت الولايات المتحدة ملايين الوظائف في مجال التصنيع منذ عام ٢٠٠٠. فقد انتقلت الصناعات إلى الخارج، وبلغ عجز الميزان التجاري للولايات المتحدة في السلع المادية ٧٣٨ مليار دولار سنويًّا.

فما السبيل للمضي قدمًا؟

كثيرًا ما تستعين البلدان الساعية إلى استيعاب الخطوة التالية فيما يتعلق بصناعاتها التصديرية بريكاردو هاوسمان. فقد ابتكر ذلك الخبير الاقتصادي من جامعة هارفرد، الذي كان يومًا وزير التخطيط بفنزويلا، نوعًا من اختبارات القدرات الاقتصادية للدول. فباستخدام نظرية التعقيد وبيانات التجارة، ينظر هاوسمان إلى ما يجيد البلد صنعه، ويتنبأ بأنواع السلع ذات القيمة الأكبر التي يمكنه أن ينتجها فيما بعد.

يبدو ذلك أمرًا بسيطًا إلى حد كبير، ولكن نتائج تحليلات هاوسمان كثيرًا ما تكون مثيرة للدهشة. فالبلد الذي يتمتع بصناعة ثياب تنافسية يمكنه أن يتحول إلى تجميع الإلكترونيات؛ فكلاهما يحتاج منطقة صناعية ذات طاقة كهربائية عالية الجودة وخدمات لوجستية جيدة. أما البلد المصدِّر للزهور، فقد تتوفر لديه الخبرة في التخزين البارد اللازمة لإحداث طفرة في تصدير المحاصيل الزراعية الطازجة.

يقضي هاوسمان — مدير مركز هارفرد للتنمية الدولية — الكثير من وقته في مساعدة الدول التي بدأت لتوها في تحديث صناعاتها؛ مثل: أنجولا، ونيجيريا. وقد سألته مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» عما تتوقعه طرائقه البحثية بشأن فرص التصنيع في الولايات المتحدة.

لماذا يتعرَّض عدد الوظائف الأمريكية في مجال التصنيع لذلك الانخفاض السريع؟

يتمثل السبب الرئيسي في أن الإنتاجية في مجال التصنيع آخذة في الارتفاع بسرعة، في حين ينمو الطلب على المنتجات المصنَّعة بمعدل أبطأ. فصار توفير الأشياء التي يحتاجها الناس يتطلب عددًا أقل من الوظائف.

ثم إن التصنيع صار ممكنًا في عدد متزايد من مناطق العالم، فزادت المنافسة، بما في ذلك المنافسة من البلدان منخفضة الأجور. فتلك البلدان إذ تباري الإنتاج الأمريكي، تأخذ حصصًا سوقية.

ما استراتيجية التصنيع المثلى بالنسبة إلى الولايات المتحدة في هذه الحالة؟

بالتأكيد ليست الاستراتيجية المثلى هي اتخاذ موقف الدفاع ومحاولة إنقاذ الوظائف؛ فالولايات المتحدة لديها أجور شديدة الارتفاع مقارنةً بالبلدان الأخرى، ولكنها تتمتع أيضًا بميزة نسبية، وهي: ارتفاع كثافة البحث والتطوير، ووجود أفضل قاعدة علمية وتكنولوجية في العالم.

فالخطوة الأكثر منطقية بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي أن تصير منتجة للآلات التي ستمثل المحرك لثورة التصنيع العالمية التالية. فهنا تكمن أكثر المنتجات تطورًا، وذلك هو العمل الذي يمكن أن يدفع أجورًا أعلى.

أي نوع من الثورات ستكون؟

أظن أن التطورات المحيطة بتكنولوجيا المعلومات والطباعة ثلاثية الأبعاد والشبكات ستتيح إعادة تصميم عملية التصنيع، وسيضع العالم استثمارات هائلة فيها. وإن الولايات المتحدة في وضع جيد يؤهلها لأن تكون مصدر تلك الآلات، فلا يمكن أن ينافسها سوى ألمانيا واليابان.

إنك تنظر إلى الاقتصادات على أنها «حيز المنتجات». ماذا تقصد بذلك؟

حيز المنتجات هو الحيز الذي يقع فيه كل ما يمكن إنتاجه. وهو شبيه بالغابة؛ فكل منتَج شجرة، والشركات هي القرود التي تستولي على الغابة. وقد أثبتنا تجريبيًّا أن القرود لا تطير، وإنما تتحرك صوب الأشجار المجاورة، أو صوب صناعات يتوفر لدى الشركات كثير من القدرات الإنتاجية اللازمة لها.

فإذا كنت تمتلك القدرة على صنع طائرة نفاثة إقليمية، فقد تتمكن من صنع طائرة تقطع مسافات طويلة. ولكن إذا كنت تصنع الثياب فقط، فسيكون من الصعوبة بمكان التوصل إلى كيفية صنع طائرة من أي نوع. فالدول في طور النمو تجد «سبيلًا إلى النعيم» — في صورة قفزات قصيرة متتابعة تقطع بها شوطًا طويلًا.

كيف يساعد ذلك النوع من التحليل البلاد على معرفة الخطوة التالية؟

فكِّر في بلد نامٍ يصدِّر سلعًا خام. فالسبيل الذي فكَّر فيه الناس كان إضافة قيمة؛ فإذا كنت تمتلك أشجارًا، حاول أن تصدِّر ورقًا أو أثاثًا، عوضًا عن تصدير الأخشاب.

ولكن حيز المنتجات قد يثنينا عن إضافة قيمة للمواد الخام. فبلد كفنلندا شهد تحولًا بانتقاله من قطع الأخشاب إلى صناعة آلات لقطع الأخشاب، إلى صنع آلات لقطع أشياء أخرى، إلى صنع آلات أخرى، وأخيرًا إلى هواتف نوكيا.

ريكاردو هاوسمان يسدي النصح إلى الحكومات بشأن ما يمكنها تصنيعه (المصدر: كريس بورونكلي/جيتي إميدجز).
ريكاردو هاوسمان يسدي النصح إلى الحكومات بشأن ما يمكنها تصنيعه (المصدر: كريس بورونكلي/جيتي إميدجز).

ما الفرص المتاحة إذن أمام الولايات المتحدة في حيز المنتجات؟

تعاني الولايات المتحدة من مشكلة أنها تتنافس مع بلدان تدفع أجورًا أقل منها بكثير؛ فالقرود الأمريكية ترزح تحت الضغط الذي تضعه عليها قرود البلدان الأخرى فيما يتعلق بالمنتجات الأقل تعقيدًا، الأسهل في صنعها.

فينبغي أن توجه الولايات المتحدة أنظارها إلى الأشجار الأعلى. وأعلى الأشجار في حيز المنتجات هي الأدوية والكيماويات والآلات. وإن دخول أي من تلك المجالات لمن الصعوبة بمكان، ولم يدخلها سوى بلدان قليلة جدًّا. فيمكن للولايات المتحدة أن تنمو باستخدام إمكاناتها التي لا تتوفر لدى كثيرين.

هل ثمة تكنولوجيا تصنيع ترى أنها يمكن أن تغير قواعد اللعبة؟

أظن الطباعة ثلاثية الأبعاد قادرة على تغيير ديناميكيات اللعبة. وأنا أستخدم مصطلح الطباعة ثلاثية الأبعاد كرمز يعبر عن دورات الإنتاج الأقصر، والتصميمات الإضافية، والاقتراب أكثر من الأسواق. فهي بمنزلة تحول نموذجي لما سوف تبدو عليه عملية التصنيع. وتاريخيًّا كنت تفكر في التصنيع على أنه خط تجميع به آلاف العمال والمزايا. ولكننا هنا نتحدث عن كميات صغيرة جدًّا من المنتج، تُصنَع بالقرب من المستهلك، وتُصمَّم حسب الطلب. فسيظل التصنيع تصنيعًا، ولكنه سيكون وظيفة من نوع مختلف في شركة من نوع مختلف.

هل ستوفِّر الولايات المتحدة وظائف بهذه الطريقة؟

على أقل تقدير، من شأن ثورة التصنيع أن تسرِّع وتيرة الاتجاه إلى زيادة الكفاءة. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا يبدو واقعيًّا أن تبني استراتيجيتها التوظيفية على أساس التصنيع. فالتصنيع يوفر وظائف قليلة.

ما الذي تجيد الولايات المتحدة صنعه غير ذلك؟

إذا ألقيت نظرة شاملة على حيز المنتجات في الولايات المتحدة، ستجد أن هذا البلد يملك قدرة تنافسية فائقة في مجال الزراعة والصناعات الداعمة لها؛ مثل: ماكينات الزراعة، والكيماويات الزراعية، والبذور المعدَّلة وراثيًّا. وهي قوية في مجال الفضاء الجوي والأدوية، إضافةً إلى كونها الرائدة بلا شك في مجال تكنولوجيا المعلومات. فكثيرًا ما تنشأ صناعات جديدة من توليفة من القدرات؛ مثل التكنولوجيا الحيوية التي انتقلت من مجال الأدوية إلى تطوير البذور.

هل ستستمر القدرة التنافسية لدى الولايات المتحدة؟

منذ فترة، قللت الولايات المتحدة تركيزها على قدرتها التنافسية مقارنةً بغيرها من معظم الأماكن. فالأمريكيون لديهم شعور بأنهم وُلدوا رابحين، وإن لم يربحوا، فلا بد أن يكون الآخرون غشاشين. فكثير من معاناة الولايات المتحدة هي نفسها السبب فيها. فلديها بنية تحتية متزايدة الرداءة، وضريبة على الشركات أعلى من معظم البلدان، والأسوأ من ذلك كله، أن لديها سياسة هجرة تحول دون اجتذاب ذوي المهارات العالية الذين يأتون للدراسة ثم يرحلون، والاحتفاظ بهم.

إقدام أوباما على التصنيع المتطور يثير جدلًا اقتصاديًّا، بقلم: والتر فريك

الرئيس باراك أوباما يوجه خطابًا إلى عمال التصنيع عام ٢٠١٢ (المصدر: أسوشيتد برس/مات سلوكَم).
الرئيس باراك أوباما يوجه خطابًا إلى عمال التصنيع عام ٢٠١٢ (المصدر: أسوشيتد برس/مات سلوكَم).

أمام ساحة مزدحمة في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي في شهر سبتمبر، رسم باراك أوباما ملامح رؤيته للتعافي الاقتصادي الأمريكي المدفوع بالتصنيع.

قال أوباما وسط هتاف الجماهير المحتشدة في شارلوت بولاية كارولاينا الشمالية: «بعد عقد من التدهور، خلق هذا البلد أكثر من نصف مليون وظيفة في مجال التصنيع خلال فترة العامين ونصف العام الماضية. فإذا سلكنا هذا الطريق، يمكننا خلق مليون وظيفة جديدة في مجال التصنيع خلال السنوات الأربع القادمة.»

ومن أجل الوفاء بتلك العهود، يقصد البيت الأبيض أداةً غابت عن واشنطن لسنوات؛ ألا وهي: السياسة الصناعية.

فقد تشجعت إدارة أوباما بكادر المستشارين الجديد، واقترحت سياسات لدعم التصنيع المحلي؛ تضمنت: إعفاءات ضريبية، وإنفاقًا جديدًا على الأبحاث والتطوير، وتوفير التدريب المهني لمليوني عامل في مجالات تتضمن التكنولوجيا المتطورة؛ مثل: البطاريات، والحوسبة، والفضاء الجوي، والروبوتات.

فالفكرة تتمثل في أن التصنيع — لا سيما نوعية التصنيع التي تتضمن أساليب أو منتجات متطورة — وثيق الارتباط بالإبداع التكنولوجي الأمريكي إلى حد يستلزم حماية تلك الصناعات من نوعية المنافسة الأجنبية التي حُمِّلت بالفعل مسئولية تدمير مكانة الولايات المتحدة في صناعة شاشات العرض المسطحة وأجزاء الآلات.

تمثل تلك المقترحات — التي طُبقت عام ٢٠١١ — تحولًا ملحوظًا في فكر الولايات المتحدة؛ لأنها لم يكن لديها سياسة صناعية صريحة منذ عهد كارتر. وأثارت كذلك نقاشًا مريرًا في أوساط الخبراء الاقتصاديين، الذين قال بعضهم إن البيت الأبيض قد انشق عن اتجاه الفكر السائد.

وقد تفجَّر النقاش على الملأ في فبراير الماضي، عندما شكَّكَت الخبيرة الاقتصادية كريستينا رومر — رئيسة مجلس المستشارين الاقتصاديين لأوباما السابقة — في أحد أعمدة صحيفة «نيويورك تايمز» في حاجة المصنِّعين إلى «معاملة خاصة».

فقالت رومر — منتقدةً عناصر رئيسة ضمن مقترحات البيت الأبيض: إنه ليس من دليل قوي على أن التصنيع سيسفر عن تزايد كبير في الوظائف أو سيوقف انحدار الدخول في الطبقة الوسطى. فقد شككت في صحة الفكرة التي تقول إن المصنِّعين ينبغي أن يحصلوا على إعفاءات غير متاحة لشركات البرمجيات؛ على سبيل المثال.

وقد كتبت رومر إنه: «حتى الآن، لم تقُم حجة مقنعة لصالح أي سياسة تصنيع.» وقالت إنه دون وجود أدلة دامغة، فإن سياسة البيت الأبيض تتلخص في مجرد «الشعور بأن إنتاج «أشياء حقيقية» أفضل من إنتاج الخدمات.»

إلا أنه ثمة تيار فكري مغاير تمامًا يسيطر حاليًّا على البيت الأبيض، وهو يذهب إلى أن قطاع التصنيع — وإن كان لا يوظِّف أكثر من ٩ في المائة من عمال الولايات المتحدة — يضطلع بدور هائل في الاقتصاد. على سبيل المثال، تُجري شركات التصنيع نحو ثلثي عمليات البحث والتطوير في قطاع الشركات وتُقدِّم أكبر عدد من طلبات براءة الاختراع. وثمة أدلة على أن المصانع قد تفرز «فائضًا» من المعرفة يحسِّن وضع الاقتصاد بصفة عامة. ويقول مارك مورو — زميل مؤسسة بروكينجز، أحد المراكز البحثية بواشنطن: «تعرَّضت تلك الإدارة إلى إعادة صياغة؛ فالأشخاص المنتمون إلى الدوائر المقربة من البيت الأبيض متعاطفون حاليًّا إلى حد مدهش مع التصنيع ويعتبرونه ذا أهمية حيوية.»

ويتصدر ذلك التحول جين سبيرلنج — محامٍ اختاره أوباما ليحل محل أستاذ جامعة هارفرد لاري سامرز في إدارة المجلس الاقتصادي الوطني عام ٢٠١١. فكان ابن ميتشيجان — بصفته الرئيس المشارك لمكتب سياسات التصنيع في البيت الأبيض — هو واضع أجندة التصنيع لدى أوباما واستعان بمستشارين لهم نفس آرائه.

لم يستجب البيت الأبيض لطلب الإدلاء بتعليق، ولكن سبيرلنج مشهور بدهائه في العمل السياسي السري. فيقول روب أتكينسون — رئيس مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار إنه «مختلف جدًّا في توجهاته» عن الخبراء الاقتصاديين الأكاديميين. «ولهذا حدث ذلك [التحول في السياسات] الآن وليس في أي وقت سابق.»

وتعتقد مجموعة سبيرلنج أن الحكومة يمكنها وينبغي عليها أن تضع حدًّا لتدهور التصنيع في الولايات المتحدة. وقد قال في خطاب عن السياسات ألقاه شهر مارس الماضي ردًّا على رومر وغيرها من النقاد: «عندما نظل غير مبالين بقرار التنافس على تصنيع منتجات الحاضر، قد يفضي ذلك إلى خسارة أمتنا القدرة على … صناعة الجيل الجديد من التكنولوجيا.»

وتحت قيادة سبيرلنج، اقترح البيت الأبيض سلسلة من التدابير ترمي إلى تسريع وتيرة التصنيع المتطور، تتضمن ضخ ٤١٨ مليون دولار في البحث والتطوير (زيادة بمعدل ١٩ في المائة)، وحزمة من الإعفاءات الضريبية، وبرنامجًا تكلفته مليار دولار يستهدف إنشاء ١٥ معهدًا وطنيًّا موجَّهًا نحو تطوير أساليب التصنيع في مجالات؛ مثل: الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتكنولوجيا النانو.

ويحظى نهج الحكومة بزمرة مخلصة من المؤيدين. ففي فبراير، أصدرت مؤسسة بروكينجز بحثًا يناصر تبني سياسة تصنيع شبيهة بسياسة ألمانيا. فذلك البلد — الذي يدير قطاع التصنيع لديه بدقة — لا يزال محافظًا على فائض في ميزانه التجاري مع الصين، وفقد عدد وظائف أقل في مجال التصنيع مما خسرته الولايات المتحدة.

إلا أن بعض مقترحات البيت الأبيض تُعتبَر غير تقليدية. فأحد التغييرات المقترح إدخالها على القوانين — على سبيل المثال — سيضاعف الإعفاء الضريبي على «الإنتاج المحلي» للشركات التي تعمل في مجال التصنيع المتطور، ويلغيه لمنتجي النفط. وثمة خفض ضريبي آخر — لمعدات التخريد — لن يكون متاحًا لأي شركة تنقل عملياتها ووظائفها إلى الخارج.

وعلى الرغم من أن العديد من أصحاب الأعمال — ومنهم المزارعون — يحصلون على دعم كبير، فمن المرجح أن تلقى قوانين الضرائب الجديدة التي تُحظي صناعاتٍ بعينها معارضةً حادَّةً في الكونجرس. فيقول أتكينسون: «الرأي السائد في واشنطن هو أنها سياسة ضريبية غير ملائمة؛ [فستكون] تلك معركة كبيرة وشاقة.»

تكنولوجيات ناشئة

ما تعلمته من يودا عن الطباعة ثلاثية الأبعاد، بقلم: جيسيكا ليبر

هل سنجد ذات يوم مصنعًا على سطح المكتب في كل منزل أمريكي؟ هذا ما يظنه المتحمسون لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد.

حتى أعرف مدى مصداقية تلك التوقعات، جلست مستمعًا فقط في درس للطباعة ثلاثية الأبعاد في فرع تك شوب بسان فرانسيسكو — وهو ستوديو للمصممين وهواة التصليح — حيث وجدت نفسي أرى بعد انتظار نموذجًا مصغرًا لشخصية «يودا» من فيلم «حرب النجوم» وهو يتشكَّل من بكرة من البلاستيك الأخضر الفسفوري الرخيص.

للأسف، كانت الطابعة ثلاثية الأبعاد المتاحة للفصل — طراز مكتبي من صنع شركة دلتا مايكرو فاكتوري في بكين — تتطلب دقة عالية في التعامل معها. فعلى الرغم من أن المعلم كان قد استبدل بعض أجزائها في الآونة الأخيرة، فقد كان آنئذ يحاول للمرة الخامسة أن يوضِّح لنا كيفية طباعة يودا من ملف أنزله من خلال الإنترنت. وعندما تراكمت كتلة من خيوط اللدائن الحرارية شبه الذائبة على منصة الطابعة، أقرَّ بأن ذلك النموذج ليودا لم يكن مقدرًا له أن يخرج إلى الوجود.

وقد توصلت شركات التصنيع والتصميم بالفعل إلى استخدامات قوية للطابعات ثلاثية الأبعاد المتطورة حتى تنتج بسرعة نماذج أولية وتصنع قطعًا مخصصة تحت الطلب. ويُقال إن المرحلة التالية هي سوق استهلاكية كبيرة، وربما تحول اقتصادي جذري مع توقف المستهلكين عن التسوق وشروعهم في صنع احتياجاتهم.

ويعزز ذلك الفكر الارتفاع السريع في عدد الطابعات ثلاثية الأبعاد ميسورة التكلفة. فورد في عدد شتاء عام ٢٠١٣ لمجلة «ميك» — مجلة الهواة — ١٥ طرازًا مختلفًا، تبدأ أسعارها من قرابة ٥٠٠ دولار أمريكي. وقد أسمى رئيس شركة ميكر بوت — الشركة التي افتُتِحتْ في الآونة الأخيرة محلًّا فاخرًا للبيع بالتجزئة في مانهاتن لبيع طابعات ثلاثية الأبعاد سعرها ٢١٩٩ دولارًا أمريكيًّا — تلك التكنولوجيا بداية «الثورة الصناعية القادمة».

ويصف مصطلح «الطباعة ثلاثية الأبعاد» — الذي صيغ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في منتصف تسعينيات القرن العشرين — مجموعة من الطرق شديدة التباين في سعرها وتعقيدها وإمكاناتها. فتكلفة الطابعات ثلاثية الأبعاد المستخدمة في الصناعة ٧٥ ألف دولار أو يزيد، وبعضها يمكنه إنشاء النماذج باستخدام مواد، منها الصُّلب.

الطابعات الاستهلاكية ثلاثية الأبعاد: طابعات تتيح للناس طباعة أشياء من البلاستيك في منازلهم (المصادر: ثري دي سيستمز، دلتا مايكرو فاكتوري، تايب إيه ماشينز).
الطابعات الاستهلاكية ثلاثية الأبعاد: طابعات تتيح للناس طباعة أشياء من البلاستيك في منازلهم (المصادر: ثري دي سيستمز، دلتا مايكرو فاكتوري، تايب إيه ماشينز).

وتستخدم أغلب الطرازات الاستهلاكية عملية بسيطة نسبيًّا تُدعَى النمذجة بالترسيب المنصهر، التي اختُرعت وصدرت براءة اختراعها في أواخر ثمانينيات القرن العشرين. فكما يحدث في مسدس الصمغ، تُذاب قطعة من بلاستيك معين وتُوضع في فوهة. وبينما توجه التروس الفوهة إلى أعلى وإلى أسفل وفي محيط منصة، يترسب البلاستيك في هيئة طبقات تتصلب، ويتشكَّل جسم ثلاثي الأبعاد.

يتمثل العيب الكبير من منظور المستهلكين في أن الطابعات ثلاثية الأبعاد ما زالت صعبة الاستخدام ومحدودة جدًّا فيما يمكنها صنعه. فالأجسام التي تنتجها ليست بدائية إلى حد ما فحسب، وإنما صغيرة أيضًا؛ إذ إن البلاستيك الحراري يُعوج ويتغير شكله في الأحجام الكبيرة. والأدهى من ذلك أن البلاستيك الحراري هو مادة رخيصة هشة يكرهها كثير من الناس. وتتطلب الأجهزة ضبطًا دقيقًا يفوق صبر العديد من المستخدمين، ويتسم تشغيل البرنامج بتعقيد أكبر بكثير من ضغط زر «طباعة» في وثيقة بصيغة وورد.

وثمة مشكلة أخرى: فما إن تصنع غلافًا لهاتف آي فون وتمثالًا نصفيًّا ليودا، فما غير ذلك يستحق الصنع؟ يقول إريك فيلهلم — مؤسس إنستراكتابلز، وهو كتالوج على الإنترنت يتضمن دروسًا لتعليم كيفية فعل الأشياء — إن إجابة ذلك السؤال ليست واضحة تمامًا. فيقول فيلهلم — الذي أخذ يتتبع التصميمات ثلاثية الأبعاد المتكونة — إن أكثرها نماذج يصنعها الناس لرءوس، كثيرًا ما تكون رءوسهم.

وتفسِّر القيود التي تحدُّ التكنولوجيا المنزلية سبب اتجاه التحول الأخير في الطباعة الاستهلاكية ثلاثية الأبعاد إلى المنشآت المركزية الشبيهة بمكاتب تصوير المستندات. ففي العام الماضي، ورد عن محل الأدوات المكتبية ستيبلز أنه سيجرِّب تقديم خدمة تُدعى «ستيبلز إيزي ثري دي»؛ التي يمكن للعملاء بمقتضاها أن يرسلوا تصميمًا إلى المحل ثم يذهبوا لأخذ المنتج النهائي. وفتحت شركة أخرى — شيبوايز — أكبر منشأة من ذلك النوع حتى الآن، في مدينة نيويورك سيتي. تهدف تلك الشركة إلى طباعة ثلاثة إلى خمسة ملايين جسم في السنة بواسطة طابعات أكثر تطورًا، وباستخدام مواد تتضمن الخزف والفضة.

ووفقًا لحسابات الأسعار التي تقدمها شيبوايز على الإنترنت، فإن نسخة من تمثال يودا البلاستيكي الذي يبلغ ارتفاعه أربع بوصات تصل تكلفتها إلى قرابة ٢٠ دولارًا، وتتراوح فترة تسليمها بين ثمانية أيام و١٤ يومًا.

وكما قد يقول فارس الجيداي القديم نفسه: «اطلب أنت واحدًا، أنا لن أفعل.»

إنترنت للتصنيع، بقلم: مايكل فيتزجيرالد

مصنع جنرال إليكتريك المتطور للبطاريات في سكنيكتادي هو قاعدة اختبار ﻟ «الإنترنت الصناعي» (المصدر: كيفن بولِس/إم آي تي تكنولوجي ريفيو).
مصنع جنرال إليكتريك المتطور للبطاريات في سكنيكتادي هو قاعدة اختبار ﻟ «الإنترنت الصناعي» (المصدر: كيفن بولِس/إم آي تي تكنولوجي ريفيو).

ما الإنترنت الصناعي؟

من أفضل الأماكن التي يمكن الإجابة فيها عن هذا السؤال أحدث مصنع أمريكي لشركة جنرال إليكتريك — تبلغ تكلفته ١٧٠ مليون دولار أمريكي — افتتحته الشركة في سكنيكتادي بنيويورك شهر يوليو الماضي لإنتاج بطاريات الصوديوم والنيكل المتطورة لاستخدامات تتضمن تشغيل أبراج الهواتف المحمولة.

يشتمل المصنع على أكثر من ١٠ آلاف جهاز استشعار منتشرين على مساحة ١٨٠ ألف قدم مربع ومتصلين بشبكة إيثرنت داخلية عالية السرعة. تراقب تلك الأجهزة أمورًا مثل أي كميات من المسحوق تُستَخدَم لتشكيل السيراميك في قلب البطاريات، ومدى ارتفاع الحرارة المستخدمة لتحميصها، ومقدار الطاقة المطلوب لصناعة كل بطارية، وحتى الضغط الجوي الموضعي. وعلى أرض المصنع، يستطيع الموظفون الذين يملكون أجهزة آي باد أن يسحبوا البيانات من نقاط اتصال الواي فاي المثبَّتة في جميع أنحاء المصنع.

وفي نوفمبر، أعلنت شركة جنرال إليكتريك أنها ستستثمر ١٫٥ مليار دولار في محاولة لصقل أداء ماكيناتها وتحقيق مكاسب كبيرة في الكفاءة عن طريق وصلها ببرامج المؤسسة وبالإنترنت العام. وعلى الرغم من أن فكرة اتصال الماكينات ليست بالجديدة، تظن شركة جنرال إليكتريك أن ثمة إمكانات حاسوبية وأجهزة استشعار أرخص صارت الآن مستعدة لاستهلال عهد جديد من البيانات الضخمة في مجال الصناعة. وقد أسمى جيفري إيملت — الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إليكتريك — تلك الفكرة بالثورة، وأشار كبير الخبراء الاقتصاديين في الشركة إلى أنها قد تساعد في زيادة إنتاجية العامل بمعدل يصل إلى ١٫٥ في المائة سنويًّا.

تلك ادعاءات كبيرة، وإلى حد ما كان الغرض من إنفاق جنرال إليكتريك السخي على مصنع سكنيكتادي هو التباهي بخططها. فكل قطعة تدخل البطاريات تتتبعها أرقام متسلسلة وأكواد شريطية. وإذا رغب المديرون في حساب مقدار الطاقة المستخدمة في صنع جزء معين من بطارية ومقارنته بالمعدل المتوسط، أو إذا رغبوا في دراسة إنتاج اليوم، يمكنهم إجراء تحليلات مخصصة على محطات العمل القوية. فيقول راندي تي راوش — قائد فريق تحليلات الأعمال ومعلومات التصنيع في جي إي إنِرجي ستورِدج: «لم يتسنَّ لي فعل ذلك من قبل.»

ويقول راوش إن البيانات المستمدة من أجهزة الاستشعار قد أسفرت عن بعض المعلومات المفيدة، منها اكتشاف أن بعض أجزاء البطاريات لم تجتز اختبارات الجودة بعد قضائها وقتًا طويلًا جدًّا على خط التصنيع. وتتقصَّى جنرال إليكتريك حاليًّا فترة «تسخين» الأجزاء في أفران المصنع والوقت الذي تقضيه على خط الإنتاج في سائر المراحل؛ إذ تومض أجهزة الإنذار قرب الأجزاء التي شارفت على الانتهاء.

وقد تجد شركة جنرال إليكتريك — بسعيها الحثيث وراء الإنترنت الصناعي — أنها تبيع فكرة لا يقتنع بعض المصنعين بأنها جديدة فعلًا. ففي نهاية الطريق المؤدي إلى مصنع جنرال إليكتريك في سكنيكتادي بكوهوز في نيويورك، تعمل شركة موهوك فاين بيبرز بالفعل على رصد مقدار الطاقة الذي تستهلكه آلاتها، وتجمِّع البيانات في برنامج للتحليلات جلبته من شركة تُدعى أوزي سوفت. ويقول كيم إي أوزجود — مدير قسم الهندسة وخدمات الطاقة بشركة موهوك: «كثير من أساسيات الأمور التي نتحدث عنها متاحة للشركات منذ أعوام.»

سيكون على شركة جنرال إليكتريك أن تثبت فائدة زيادة حجم الشبكات وكمية البيانات، وهو ما يعمل عليه راوش. فمصنع البطاريات به أكثر من ١٠٠ جهاز استشعار للضغط الجوي والرطوبة ودرجة الحرارة، ويأمل راوش أن يستخدم توقعات الأرصاد الجوية للتحكم في مقدار الهواء الخارجي الذي يدخله نظام إتش فاك للتهوية. فبما أن درجة الحرارة والرطوبة يمكن أن تؤثِّرا على البطاريات، يقول راوش: «نود أن نتمكن من معرفة متى تتغير نسبة الرطوبة حتى نفتح منافذ التهوية ونغلقها قبل تغيرها.»

وحاليًّا، أصبح الإنترنت الصناعي شبكة داخلية فعليًّا أكثر منها خارجية؛ فمعظم البيانات لا تجتاز جدار الحماية الخاص بالمصنع أو الشركة. ولكن الفكرة في النهاية — على حد قول راوش — تتمثل في تتبع البطاريات حتى بعد أن تغادر المصنع، باستخدام رقائق الكمبيوتر المثبَّتة عليها. وقد وضعت أقسام أخرى داخل شركة جنرال إليكتريك خططًا مشابهة من أجل مراقبة الثلاجات وغسالات الأطباق لدى الناس.

فبما تعلمه جنرال إليكتريك عن كل غسالة وبطارية تبيعها — تاريخ صنعها، وكيفية صنعها، ومَن صنعها — سيكون الهدف هو الربط بين المنتجات التي يتحسَّن أداؤها أو يسوء عند استعمالها فعليًّا وبين ظروف صناعتها.

فقد تكون تلك الروابط — القائمة بين العالم الخارجي والمصنع — عظيمة القيمة في نهاية المطاف. فيقول راوش: «ذاك هو الهدف الذي نطمح في الوصول إليه بعد عامين.»

دراسات حالة

غاز الطفل الصفحي وقود طفرة التصنيع الأمريكية، بقلم: كيفن بولس

وقود رخيص: تتباين أسعار الغاز الطبيعي تباينًا كبيرًا (السعر بالدولار لكل مليون وحدة حرارية من الغاز السائل، يناير ٢٠١٣) (المصدر: شركة ووتر بورن إنرجي).
وقود رخيص: تتباين أسعار الغاز الطبيعي تباينًا كبيرًا (السعر بالدولار لكل مليون وحدة حرارية من الغاز السائل، يناير ٢٠١٣) (المصدر: شركة ووتر بورن إنرجي).

عادةً ما يتخيل الأشخاص المتنبئون بنهضة تصنيعية في الولايات المتحدة روبوتات تئز أو مصانع متطورة تنتج توربينات هوائية ولوحات طاقة شمسية. وقد يكمن مجال التميز الحقيقي لدى الولايات المتحدة في أمر أكثر بساطة بكثير، ألا وهو: المواد الأولية الرخيصة المستخدمة في صناعة الزجاجات البلاستيكية والأكياس البلاستيكية.

يجتذب الانخفاض الكبير في سعر الغاز الطبيعي — الذي يمكن استخدامه في صنع عدد كبير من المنتجات؛ منها: إطارات السيارات، والسجَّاد، والمواد المقاومة للتجمد، وزيوت التشحيم، والأقمشة، وأنواع كثيرة من البلاستيك — الصناعات الكبرى إلى الولايات المتحدة. فمنذ خمسة أعوام لا أكثر، كانت أسعار الغاز الطبيعي مرتفعة إلى حد كبير حتى إن بعض صنَّاع الكيماويات أوقفوا عملياتهم في الولايات المتحدة لهذا السبب. لكن الآن، خفَّضتْ إمكانيةُ الحصول على الغاز الطبيعي المحبوس في تكوينات صخر الطفل الصفحي — باستخدام أساليب تكنولوجية؛ مثل: التكسير الهيدروليكي، والحفر الأفقي — أسعارَ الغاز في الولايات المتحدة إلى نسبة ضئيلة من أسعاره في البلدان الأخرى.

وطيلة الشهور الثمانية عشر الماضية شجَّعت تلك الأسعارُ المنخفضة الخططَ الرامية إلى إنشاء مصانع كيماويات جديدة لإنتاج الإيثيلين، والنشادر للأسمدة، ووقود الديزل. فشركة داو كيميكال — على سبيل المثال — تخطط لإنفاق ٤ مليارات دولار لزيادة إنتاجها من الكيماويات في الولايات المتحدة، بما في ذلك إنشاء مصنع جديد في فريبورت بتكساس من المنتظر افتتاحه عام ٢٠١٧. ذلك المصنع سينتج الإيثيلين من الإيثان الموجود في كثير من مصادر الغاز الطبيعي (آخر مصنع من ذلك القبيل مُنشأ في الولايات المتحدة انتهى بناؤه عام ٢٠٠١.)

وتتردد أقوى أصداء تلك الانتفاضة في سوق الإيثيلين — أكبر المواد الكيماوية حجمًا وأساس صناعات أخرى عديدة — التي تقدر مبيعاته بنحو ١٤٨ مليار دولار. وتُستخدم تلك المادة في صنع الزجاجات، واللعب، والملابس، والنوافذ، والأنابيب، والسجاد، وإطارات السيارات، ومنتجات أخرى كثيرة. وبما أن نقل الإيثيلين مسافات طويلة مسألة مكلِّفة، فعادةً ما تشتمل مصانع الإيثيلين الجديدة على منشأة تحوِّل المادة إلى البولي إيثيلين المستخدم في صناعة الأكياس البلاستيكية أو جلايكول الإيثيلين المستخدم في صناعة المواد المقاومة للتجمد.

وفي الولايات المتحدة، تبلغ تكلفة إنتاج طن من الإيثيلين ٣٠٠ دولار، نزولًا من ١٠٠٠ دولار منذ بضعة أعوام، وفقًا لتحليل نشرته شركة برايس ووتر هاوس كوبرز في شهر أكتوبر. وتكلفة إنتاجه في آسيا ١٧١٧ دولار؛ حيث تعتمد المصانع على النفط الغالي عوضًا عن الغاز الطبيعي، بينما تبلغ تكلفة إنتاجه في المملكة العربية السعودية ٤٥٥ دولارًا للطن — باستخدام مزيج من الإيثان والبيوتان. (تُقام مصانع الإيثيلين في قطر أيضًا، التي يتوفر لديها غاز طبيعي رخيص جدًّا — على غرار الولايات المتحدة.)

وعلى مدى العامين الأخيرين، أعلن المصنِّعون عن خطط لزيادة طاقة إنتاج الإيثيلين في الولايات المتحدة بمقدار ١٠ ملايين طن متري بحلول عام ٢٠١٩. وبذلك تُمثِّل تلك الخططُ زيادةً نِسبتُها ١٠ في المائة من إنتاج الإيثيلين عالميًّا، وتمثل أيضًا ما يقرب من نصف خطط توسع تلك الصناعة في البلدان كافة.

المصدر: ستيوارت برادفورد.
المصدر: ستيوارت برادفورد.

وقد يمتد تأثير الغاز الطبيعي الرخيص على التصنيع إلى ما يفوق إنتاج كيماويات متنوعة. فقد يؤدي استخدام الغاز الطبيعي مصدرًا للطاقة — عوضًا عن استخدامه كمادة خام كيماوية — إلى خفض التكاليف إلى حد كبير بالنسبة إلى المصنِّعين الذين يستخدمون قدرًا كبيرًا من الطاقة؛ مثل: صنَّاع الصُلب. (وتشهد صناعة الصلب طفرة بالفعل لسبب آخر متعلق بالغاز الطبيعي؛ فهي تمد منتجي الغاز بالأنابيب.) والأدهى من ذلك أن الغاز الطبيعي الرخيص يشجِّع الابتعاد عن الوقود القائم على البترول في تشغيل الشاحنات. فبعض الشركات تتحول إلى استخدام الشاحنات التي تحرق الغاز الطبيعي مباشرةً. وفي نهاية المطاف، حتى الشاحنات التي تعمل بالديزل قد تستخدم الوقود المصنوع من الغاز الطبيعي. وتنتوي شركة ساسول الجنوب أفريقية بناء مصنع ضخم تكلفته ١٤ مليار دولار في لويزيانا تهدف منه جزئيًّا إلى تحويل الغاز الطبيعي إلى ديزل؛ مما قد يخفض تكاليف الوقود بالنسبة إلى المركبات التقليدية بدورها.

وبصفة عامة، فإن انخفاض أسعار الكيماويات والصلب والنقل يمكن أن يجعل الولايات المتحدة مكانًا أكثر جاذبية بكثير لكثير من الصناعات.

إلا أن مايكل ليفي — الزميل الأول بمجلس العلاقات الخارجية — يقول إن تكلفة الطاقة لا تتخطى ٥ في المائة من التكاليف في معظم الصناعات، وهي نسبة غير كافية لجعل أسعار الغاز عاملًا حاسمًا بالنسبة إلى معظم الشركات عندما تكون بصدد تحديد مكان لبناء منشآت التصنيع. فليفي يظن أن أكبر فرق يمكن أن تأتي به الطاقة الرخيصة يتمثل في منح المصانع الأمريكية القائمة سببًا جديدًا لكي لا تغلق أبوابها أو تنتقل إلى خارج البلاد. ويقول: «إن الغاز الطبيعي الرخيص قد يساهم في إبقاء منشآت التصنيع القائمة مفتوحة بقدر أكبر؛ مما قد يسهم في دفع الناس إلى بناء مصانع جديدة.»

ولم يتضح حتى الآن إلى متى سيظل الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة رخيصًا نسبيًّا. فالمحللون يقولون إنه حتى تُؤتي الاستثمارات الرأسمالية ثمارها، لا بد أن تظل أسعار النفط مرتفعة وأسعار الغاز منخفضة، لسنوات طويلة قادمة. معنى ذلك أن صنَّاع الكيماويات لا يزال بإمكانهم تغيير خططهم. على سبيل المثال: سوف تعيد شركة ساسول تقييم الجانب الاقتصادي للمصنع الذي يُنتوَى إنشاؤه لتحويل الغاز الطبيعي إلى ديزل عام ٢٠١٤، قبل بدء أعمال الحفر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    عماد عبدالرحمن الحداد ·٥ يونيو ٢٠١٦، ١٢:٢٨ م

    موضوع هام ومجهود رئع