هذه حياتك.
هذه حياتك.

الجمعة، الساعة التاسعة صباحًا، في المنزل

«يسألني رفيقي «ما هذا؟» محدقًا في شك في الكاميرا التي علقتها لتوِّي بشريط حول عنقي، ثم توالت أسئلته «هل تصورينني؟ هل تسجلين ما أقوله الآن؟»»

حدق صديقي أليكس في كاميرتي من نوع «سينس كام»، وهي كاميرا يمكن ارتداؤها لتسجيل لحظات حياتي طوال اليوم وكل يوم لمدة أسبوع. ونظرًا لاحتواء الكاميرا على كم كبير من أجهزة الاستشعار؛ فهي دومًا على أهبة الاستعداد لتسجيل أي تغيير في الوسط المحيط بي، وعندما تكتشف شيئًا جديدًا فإنها تلتقط له صورة على الفور؛ لذا يصبح لديَّ مع نهاية كل يوم نحو ٤٠٠٠ صورة جديدة تسجل لحظات حياتي.

ستضاف الصور إلى «السجل الحياتي» الخاص بي وهو مذكرات افتراضية تسجل كل جوانب حياتي بتفصيلٍ مفرطٍ. أثبتت فكرة السجلات الحياتية بالفعل نفعها لمن يعانون مشاكل بالذاكرة، إلا أن العديد من الأصحاء المعجبين بالفكرة يرتدون كاميرات محمولة كي لا يضيع أي جزء من أجزاء حياتهم على الأجيال القادمة.

قد يبدو هذا المشروع وكأنه تعبير عن أقصى درجات الخيلاء، ولكنهم ربما يهدفون إلى شيء معين. فمن المعروف أن ذكرياتنا معرضة للخطأ؛ فنحن لسنا فقط انتقائيين للغاية حيال ما نتذكره، بل إن عقولنا غالبًا ما تزين ماضيَنا بتفاصيل متخيَّلة؛ لذا فإن الأجهزة مثل كاميرا «سينس كام» تتيح لنا فرصة مثالية لاستعراض ماضينا على نحوٍ موضوعي دون تأثير المشاعر. ووفقًا لأحدث الأبحاث، قد يساعدنا ذلك في التمتع بحياة أكثر سعادة وإرضاءً لنا، وربما يساعدك كذلك في فقدان الوزن الزائد؛ لذا حرصًا مني على معرفة كيف سيبدو العرض الثاني لحياتي، قررت ارتداء تلك الكاميرا — التي تماثل في وظيفتها وظيفة الصندوق الأسود بالطائرات — لمدة أسبوع.

ظهرت فكرة تسجيل الحياة بعد فترة قصيرة من ظهور أجهزة الكمبيوتر المنزلية، عندما بدأ بعض المتحمسين لتلك التقنية في تجربة كاميرات الويب اللاسلكية الجديدة وقتها لالتقاط مشاهد مستمرة لبيوتهم وتسجيل ما يتردد بها من أصوات. وسرعان ما بدأت العديد من الشركات حديثة الإنشاء في إنتاج كاميرات صُممت خاصةً كي يرتديَها الأفراد، وبحلول عام ٢٠٠٣ قررت شركة مايكروسوفت خوض التجربة عبر إنتاج كاميرا «سينس كام»، التي تعد واحدة من أوسع أجهزة تسجيل الحياة انتشارًا في الوقت الحالي.

الآن تنتج شركة «فيكون» البريطانية للبرمجة كاميرات «فيكون ريفيو»، التي تشتمل — بين أشياء أخرى — على كاميرا رقمية بعدسة من نوع عين السمكة (ذات زاوية رؤية واسعة تتيح التقاط صور بانورامية)، وجهاز استشعار للحركة لقياس التسارع وجهاز استشعار للضوء، كلاهما ينبهان الكاميرا لالتقاط صورة. فمثلًا إذا استدرت للتحدث إلى زميلي بالعمل، تلتقط أجهزة الاستشعار الحركة وتغيير الضوء الناتج عن ذلك؛ ومن ثَمَّ أحصل على لقطة سريعة رائعة لوجهه. تلتقط الكاميرا حوالي ثلاث لقطات في الدقيقة ويمكنني استعراض تلك اللقطات في أي وقت عبر تحميلها على جهاز الكمبيوتر.

كان العلماء المتخصصون في علم النفس العصبي هم أول من استغلوا إمكانيات هذا الجهاز لمساعدة المصابين بفقدان الذاكرة ومرض ألزهايمر. وكما كان متوقعًا، تأكد كونها وسيلة رائعة لاستعادة الذكريات المنسية. فلنأخذ حالة السيدة دبليو — على سبيل المثال — وهي أخصائية اجتماعية متقاعدة تعاني ضعفًا إدراكيًّا معتدلًا يجعل من الصعب عليها تذكُّر أحداث الماضي القريب. طلبت جورجينا براون — أخصائية علم النفس العصبي بمستشفى أدنبروك في كامبريدج بالمملكة المتحدة — مع عدد من زملائها من السيدة دبليو ارتداء هذا الجهاز طوال اليوم، ثم استعراض الصور في اليوم التالي وفي أوقات مختلفة طوال الأسبوعين القادمين. تقول براون: «كان واضحًا أنه سيكون هناك بالتأكيد بعض الصور القليلة التي سوف تساعد السيدة دبليو على التذكر بالفعل.» ثم تضيف «يمكننا القول إنه قد أصبح لديها فجأة عامل محفز يمكِّنها من استعادة ذكرياتها.» وبعد ستة أشهر كانت السيدة دبليو لا تزال قادرة على تذكر حوالي ٤٠٪ من أحداث اليوم التي استعرضتها من قبل عبر الصور التي التقطتها كاميرا «سينس كام»، مقارنةً بنسبة ٢٠٪ من الأحداث التي استعرضتها بالاستعانة بمذكرات مكتوبة (ميموري، مجلد ١٩، صفحة ٧١٣).

يساعدنا فهمنا للذاكرة البشرية على شرح سبب النجاح الكبير لفكرة السجل الحياتي مع الأشخاص الذين يعانون مشاكل بالذاكرة، الذين يأتي تدهورهم الإدراكي على الأرجح نتيجة لتمزقات بشبكة الحُصيْن بالمخ. تخزن تلك الشبكة — في حالة المخ السليم — الذكريات ثم «تعيد عرضها» سريعًا بعد الحدث سواءٌ أثناء فترات الوعي أو أثناء النوم. وإذا كررنا استدعاء ذكرياتنا بمعدل مناسب فإنها تُرسَلُ تدريجيًّا إلى القشرة المخية الحديثة التي تشتمل على مساحة أكبر للتخزين، وإلا فستضيع تلك الذكريات للأبد.

عند حدوث تلف بشبكة الحُصيْن، لا يتكرر استدعاء الذكريات بسهولة كما في الحالات الطبيعية، لكن يبدو أن مشاهدة صور كاميرا «سينس كام» يساعد المخ في تقوية الذاكرة. تقول براون: «إن الصور التي تلتقطها سينس كام تمثل محفزات أقوى للذاكرة مقارنةً بالوصف المكتوب للأحداث»، ثم تستدرك حديثها قائلةً: «تمامًا كما يرجح أن تساعدك صورة شخص يقف فوق مائدة بحفل زفافك على تذكر الموقف أكثر من وصف شخص ما لما حدث.» ويتفق آدم زيمان الأستاذ بجامعة إكسيتر بالمملكة المتحدة مع براون قائلاً: «يبدو أن سينس كام تعمل كعضو صناعي؛ إذ تقوم بوظيفة (شبكة الحُصيْن) في المخ السليم.»

الأحد، الساعة الخامسة مساءً، فندق ريتز، لندن

««أهلا بكِ في فندق الريتز، هل تسمحين لي بأخذ معطفكِ؟» أتقدم إلى داخل أشهر فنادق لندن للترفيه عن نفسي بمناسبة الكريسماس. شعورًا مني بالفخر لأن كاميرتي تسجل هذا الحدث، ألقي نظرة عليها وهي معلقة على صدري — إذ اعتدت على ضوئها المتقطع المتكرر الذي يدلني على أنها تبحث عن شيء جديد لتصويره — لكني أجد البطارية فارغة. أخلع الكاميرا في حزن وأجلس لتناول الشاي وأنا أشعر بطريقة أو بأخرى أن الكاميرا فاتها تصوير سندوتشات الخيار والكعكة التي أتناولها.»

اكتشف زيمان أن كاميرا «سينس كام» مفيدة للغاية في دراسة نوع نادر من أنواع فقدان الذاكرة، ينتج عن نوع من الصرع. يقول: «نعرف أن هذا النوع من الصرع يتسبب في تسرب الذكريات.» ثم يضيف قائلًا: يخزن المصابون بهذا المرض الذكريات ثم يفقدونها سريعًا، لكننا لم نعلم وقتها السرعة التي تضيع بها الذكريات. كنا نعتقد أن تلك العملية قد تستغرق أسابيع أو نحو ذلك.

كان على الباحثين من أمثال زيمان فيما مضى أن يطلبوا من المصابين بفقدان الذاكرة تذكُّر قائمة كلمات، قبل اختبارهم على فترات زمنية متفاوتة لمعرفة السرعة التي ينسون بها. لكن المشكلة هي أنك في كل مرة تختبر المريض فإنك تُذكِّره بالكلمات مجددًا؛ لذا تكون النتائج مشوشة ومختلطة؛ لذا لجأ زيمان إلى استخدام «سينس كام» عوضًا عن الوسيلة السابقة. يقول: «سمحت لنا هذه الكاميرا بإنشاء مذكرات فوتوغرافية تُنتج العديد من الصور.» وهكذا وفرت «سينس كام» مكتبة صور ضخمة يستطيع زيمان عبرها اختبار ذاكرة هؤلاء المرضى على فترات زمنية منتظمة. والأهم من ذلك هو توافر عدد كبير من الصور أمامه يُمكِّنه بسهولة من اختيار مجموعة صور مختلفة في كل مرة، بمعنى أن المريض لا يمكن أن يكون قد سبق له رؤية الصور من قبل أثناء الاختبار.

كذلك اكتشف زيمان أن ذكريات مرضاه تتسرب بمعدل أسرع بكثير مما توقعه، في غضون ٢٤ ساعة تقريبًا (كارانت أوبينيون إن نيورولوجي، مجلد ٢٣، صفحة ٦١٠). ومع أخذ ذلك الإطار الزمني في الاعتبار، اشتبه زيمان في احتمال تسبب «الإشارات» الصغيرة التي تصدر نتيجة النشاط المخي غير الطبيعي أثناء النوم في إعاقة عملية تقوية الذاكرة خلال فترة الليل. يقول: «إذا تمكنا من تحديد وقت حدوث المشكلة، فسيصبح في إمكاننا حلها.»

ربما يستطيع الجهاز كذلك مساعدة من يعانون فقدان الذاكرة على التأقلم مع الاضطرابات الانفعالية المصاحبة لمرضهم مثل القلق والاكتئاب. نأخذ على سبيل المثال حالة مريض — سنطلق عليه اسم آلان — يعاني إصابة بالدماغ ويجد صعوبة في مغادرة منزله منذ ذلك الوقت، وساهمت ذاكرته الضعيفة في مضاعفة المشكلة؛ إذ أصبح من الصعب عليه تحديد المواقف التي أثارت خوفه بدقة؛ لذا تساءل فيرجاس جريسي — الطبيب بمركز أوليفر زانجويل للتأهيل النفسي العصبي في مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة — عما إذا كان استعراض الصور التي التقطتها كاميرا «سينس كام» في يوم من أيام آلان سببًا في تحفيز نفس الاستجابات الانفعالية التي شعر بها عند وقوع الأحداث لأول مرة. وكانت الإجابة بنعم. يقول آلان: «عند استعراض صور سينس كام فأنت لا تستعيد الذكريات فحسب، بل تستعيد كذلك المشاعر التي انتابتك في ذلك الوقت.» ومن ثَمَّ نجحت استعادة الذكريات والمشاعر المرتبطة بها معًا في تكوين ذاكرة أوتوبيوجرافية لمثيرات القلق لدى آلان؛ مما ساعده على تعلم إعادة صياغة المواقف على نحو لا يهدده (بيهيفيور ريسيرش آند ثيرابي، تحت الطبع). كان لتلك الإجراءات التدخلية تأثير ملحوظ على قدرة آلان على المشاركة في المواقف الاجتماعية، ومن خلال العلاج أصبح أقل قلقًا واكتئابًا وتحسن لديه الشعور بتقدير الذات.

الاثنين، الساعة العاشرة مساءً، في المنزل

«أشاهد أحداث يومي تومض أمام عيني. ألاحظ أنني أمشي مشية متكاسلة، ونادرًا ما أبتسم أثناء تحديقي في شاشة الكمبيوتر. كان ضوء النهار الحقيقي الوحيد الذي شاهدته خلال اليوم أثناء الدقائق العشر التي مشيت فيها من شقتي حتى محطة المترو، ثم الدقائق الخمس من محطة المترو إلى العمل. يبدو ذلك أمرًا باعثًا على الكآبة بعض الشيء.»

لم يقضِ الباحثون وقتًا طويلًا — كذلك بعضٌ ممن تبنَّوا الفكرة منذ بدايتها — قبل أن يتساءلوا عما إذا كانت فكرة تسجيل الحياة تقدم فوائد مماثلة لأصحاب العقول السليمة التي تؤدي وظيفتها على أكمل وجه. فعلى أية حال مَن منا لا يرغب في تحفيز سريعٍ لذاكرته من وقتٍ لآخر؟ وعلى الرغم من أن النتائج في هذه الحالة لا يكون لها نفس تأثير نتائج الحالات المصابة بفقدان الذاكرة، فإنه يبدو بالفعل أن استعراض السجل الحياتي يحسِّن القدرة على تذكُّر الأحداث بعد مرور شهور على وقوعها (ميموري، مجلد ١٩، صفحة ٧٩٦). وتكون التغييرات الناتجة عن استخدام تلك التقنية مدهشة عند بعض الأشخاص. فمثلاً يصف كريس مولين — عالم الأعصاب في جامعة ليدز بالمملكة المتحدة — الذي جرب ارتداء هذا النوع من الكاميرات رد فعله تجاه مشاهدة الصور التي التُقطت منذ ستة أشهر بكونه أشبه ﺑ «السفر العقلي عبر الزمن»، وكأنه انتقل إلى الماضي إلى الوقت الذي التُقطت فيه هذه الصور. ووصف البعض الآخر «لحظات من التداعي التلقائي للذكريات» (وهي الحالة التي وصفها الكاتب الفرنسي بروست لأول مرة في روايته «البحث عن الزمن المفقود»)، أثناء شعورهم بهذا الفيض من الأحاسيس — الروائح والموسيقى — أثناء مشاهدتهم للصور.

فضلاً عن تحفيز التذكر، يساعدك السجل الحياتي أيضًا على مشاهدة تلك الأحداث من منظور مختلف وبنَّاء بدرجة أكبر؛ إذ يتيح لك ملاحظة بعض الأمور التي ربما فاتتك في المرة الأولى. لكن لماذا يعدُّ ذلك مفيدًا؟ يوجد الآن كم هائل من المؤلفات التي توضح أن إعادة تقييم حياتك باستخدام يوميات — مثلًا — يمكن أن يترتب عليها فوائد عظيمة لصحتك العقلية (نيو ساينتيست، ٢٨ سبتمبر ٢٠١٠، صفحة ٤٤). واستعراض سلسلة متواصلة من الصور ليومك قد يساعد في دعم هذه العملية. فمثلًا، اكتشفت كلٌّ من فينولا ميرفي الباحثة في وحدة علوم المخ والإدراك التابعة لمجلس البحوث الطبية في كامبريدج بالمملكة المتحدة، وإيميلي هولمز الأستاذة بجامعة أكسفورد؛ إمكانية التأثير على مدى تمتع المتطوعين بما أدَّوه من مهام في أحد الأيام وعلى مزاجهم عمومًا عبر إضافة بعض التعليقات الإيجابية أو السلبية البسيطة تحت الصور التي سجلتها كاميرا «سينس كام» (ميموري، مجلد ١٩، صفحة ٧٦٨). ويشتبه فريقهما في إمكانية دمج تقنية التسجيل الحياتي ضمن وسائل العلاج السلوكي المعرفي لمساعدة المصابين بالاكتئاب والقلق على تعلم كيفية الإفلات من حلقات التفكير السلبي المفرغة.

كذلك يمكن لمشاهدة السجل الحياتي الخاص بك أن تلقيَ الضوء على بعض العادات الصغيرة المتغاضى عنها التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا على حياتك. فعندما أعطى ريتشارد هاربر — وهو كبير باحثين في مايكروسوفت — مؤخرًا كاميرات «سينس كام» لجميع أفراد أربع أسر متطوعة وجدهم يهتمون في الغالب بالتفاصيل الصغيرة — مثل الوقت الذي يقضونه أمام حوض المطبخ لغسل الأطباق. أيضًا انزعج زوجان من كَمِّ الوقت الذي يقضونه في التنقلات بالسيارة بدلاً من اللعب مع أطفالهما؛ لذا قررا الانتقال إلى منزل آخر أقرب إلى مدارس أطفالهما (إنترناشونال جورنال أوف هيومان كمبيوتر ستاديز، مجلد ٦٩، صفحة ٣١١). أما أنا فبعدما شاهدت السجل الحياتي الخاص بي، استهوتني فكرة العمل جديًّا على الذهاب لعملي بالدراجة وتناول طعام الغداء بالخارج.

مثل تلك الإشارات البسيطة قد تكون مفيدة، خاصةً عند إجراء تغييرات دقيقة في أسلوب الحياة تشتمل على تطبيق حمية غذائية أو الحفاظ على اللياقة البدنية. يقول بول كيلي، الباحث بفريق تعزيز الصحة في مؤسسة القلب البريطانية بجامعة أكسفورد: «إن نسيان ما تناولته من طعام ليس بالأمر الغريب، حتى وإن كنت تحتفظ بمفكرة لتسجيل كل ما تأكله. تعد مفكرة تسجيل الطعام المكتوبة دقيقة بنسبة نحو ٥٠ بالمائة على أفضل تقدير.» ووجد كيلي برهانًا على قدرة العقل على خداع ذاته عندما طلب من بعض المتطوعين ارتداء كاميرا «سينس كام» لمدة أسبوع؛ إذ عادةً ما كان المتطوعون إجمالًا يعتقدون أنهم قضوا ٥٠ دقيقة أطول في السير على الأقدام من الوقت الذي قضوه فعلًا، وهو ما يمثل ثلث التمرينات الرياضية الموصى بها لهم في الأسبوع. يقول كيلي: «ربما تقدم «سينس كام» منافع عظيمة على مستوى الفرد، لكن إذا نظرنا للأمر من منظور أكثر اتساعًا، فسنجد أننا نساعد المجتمع العلمي على الوصول لدرجة أعلى من الدقة؛ فتلك التقنية توفر لنا فرصة أفضل لمعرفة الأساليب الناجحة والفاشلة، وما السبب وراء النجاح أو الفشل.»

قد يبدو التنقيب في السجل الحياتي لحساب مقدار الطعام الذي تتناوله والمشي الذي تمارسه بدقة أمرًا مضجرًا؛ لذا يعمل إيدن دوهرتي — الأستاذ بجامعة أكسفورد حاليًّا — على تطوير برنامج «كشف عن المحتوى»، وهو برنامج كمبيوتر يستطيع استنتاج نوع النشاط الممارَس من الصورة، وبما أن كل صورة تحمل توقيتًا زمنيًّا محددًا فيمكن لهذا البرنامج تحديد الوقت الذي قضيته — على سبيل المثال — في المشي للذهاب إلى العمل.

الأربعاء، الساعة الثامنة مساءً، حانة كاريب ريست

«أشاهد أنا وكاميرتي في استمتاعٍ مباراة راجبي على تليفزيون الحانة الواقعة بالمنطقة المجاورة لسكني، لكني ألاحظ بعض نظرات الارتياب المختلسة من الزبائن المعتادين في الحانة؛ إذ راقبوا الكاميرا بحذر، مما يدفعني للتساؤل: هل من حقي التصوير في هذا المكان. هل حولتني كاميرا «سينس كام» إلى مجرمة؟»

على الرغم من فوائد الكاميرا الواضحة المذكورة آنفًا، فقد دفعتني تجربتي مع «سينس كام» إلى التساؤل: هل كان مستخدمو هذا الجهاز لفترات طويلة يواجهون مشاكل تتعلق بالخصوصية؟ فأنا لم أشعر بالارتياح حيال التقاط صور لمن حولي. فماذا لو لم يرغبوا في أن يصورهم أحد؟ يجيب كيلي — الباحث في مسألة أخلاقيات استخدام «سينس كام» — عن هذه التساؤلات قائلاً: «أنت لا تملك صورتك الشخصية.» ثم يضيف: «فأنت لا تملك قانونًا الحقَّ في الخصوصية إلا في الحالات التي يعدُّ فيها توقع الخصوصية أمرًا منطقيًّا كأن تكون مثلًا في المنزل.»

لذا، فلا تثريب عليَّ إذا ما استخدمت «سينس كام» في البار، ونظريًّا في المواصلات العامة أيضًا. إلا أن قوانين مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة تحظر استخدام أي أجهزة تسجيل أو تصوير في المترو؛ وبالتالي لم يكن يجدر بي في الغالب أن ألتقط صورًا في طريقي إلى العمل. وبالمثل يجب عليَّ كذلك تدمير صور هاري بوتر المشوشة التي التقطتها في السينما أمس بما أن القانون يحظر على أي شخص استخدام أي أجهزة تسجيل داخل دور العرض السينمائي.

يقول كيلي: «هذه تقنية جديدة وموقف جديد.»، موضحًا أنه يحق لك أن تطلب من أي شخص ألا يصورك، لكن ليس لأحد الحق في منع أحد من تصويره في مكان عام، ثم يضيف: «نحن لا نرغب في أن يشعر عموم الناس بعدم الارتياح؛ لذا ربما يجدر بك إخفاء الكاميرا في بعض الأماكن.» ذكرتني كلماته بنظرات الاستغراب التي حدجتني بها السيدات عندما دخلت أحد الحمامات العمومية وأنا لا أزال أرتدي الكاميرا.

قد تحمل تلك التقنية طابعًا تطفليًّا شيئًا ما. يعتقد جوردون بيل — مهندس الكمبيوتر وأحد مستخدمي الجهاز غزيري الإنتاج — أننا في الغالب سنتبنى أجهزة أخرى غير ملحوظة في المستقبل، مثل الساعة التي يستخدمها لمراقبة معدل ضربات قلبه طوال اليوم. فتلك الساعة تتيح لك وسيلة بسيطة لمتابعة صحتك دون الانشغال في استرجاع كافة الأحداث الماضية. فالنسيان على الرغم من كل شيء هو وسيلة للبقاء نجحت عبر آلاف السنين في منعنا من الغرق في مستنقع تجاربنا الفاشلة. لكن مع تقنية تسجيل الحياة، ستظل تلك الذكريات السيئة متاحة دومًا. وعلى الرغم من أنك يمكن أن تختار ألا تراجع مذكراتك، فربما تجد صعوبة في مقاومة رغبتك في إلقاء نظرة ثانية على ذكرى انفصال مؤلم أو حادث كريه وقع لك.

لكن سواء أأعجبتك الفكرة أم لا، فإن نمطًا ما من أنماط تسجيل الحياة قد يكون في طريقه إلى الجميع تقريبًا؛ فقط فكِّر في كَمِّ المعلومات التي يمكنك بالفعل الوصول إليها على الخط الزمني لحسابك على الفيسبوك. هذا فضلاً عن الإمكانيات المتاحة في أحدث أنواع الهواتف الذكية. يعتقد بيل أن هواتفنا المحمولة ستبدأ في نهاية الأمر في متابعة الكثير من جوانب حياتنا المختلفة وتحليلها حتى نستطيع أن نرى بموضوعية هل نسير في الطريق الصحيح أم لا، ويقول: «لدينا جميعًا جهاز يمكنه تخزين كم هائل من المعلومات؛ لذا فهي مسألة وقت فحسب.» وإذا صح كلامه، فسيصبح الهرب من الماضي أمرًا صعبًا بالتأكيد.

الجمعة، الساعة التاسعة والربع مساءً، في المنزل

«يسألني أليكس: «هل ترغبين في قطعة كعك أخرى؟» أنظر إلى قطعة كعك الشوكولاتة المثلثة ثم إلى كاميرتي، ثم أخلع الكاميرا من حول عنقي وأضعها على الطاولة ووجهها لأسفل. أقول لنفسي كانت تجربة ممتعة لكن في بعض الأحيان يكون من الأفضل أن ننسى.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.