«جني الذهب من وراء الأطفال!» «أطفال للإيجار!» «محتالو المدينة يستغلون الفتيات البيض!» كانت هذه العناوين الرئيسية المذعورة المنشورة في الصحف البريطانية في أواخر ستينيات القرن العشرين تصف — بكلمات متزايدة السلبية — الرعاية البديلة الخاصة لأطفال غرب أفريقيا في بريطانيا. فخلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرةً، سافر عشرات الآلاف من النساء والرجال من غرب أفريقيا إلى بريطانيا سعيًا للحصول على التعليم العالي. بطبيعة الحال، وُضِع هؤلاء أطفالهم في رعاية العائلات البيضاء من الطبقة العاملة بينما يستكملون درجتهم العلمية؛ مما أوجد حوالي ٥٠٠٠ طفل من غرب أفريقيا سنويًّا في رعاية الأسر البريطانية البديلة، وكان آباؤهم يدفعون ثلاثة جنيهات إسترلينية في الأسبوع لقاء رعايتهم. كانت عمليات الإلحاق هذه تتم شفهيًّا أو عبر إعلانات على غرار «مطلوب بيوت»، والتي كانت تُعلَّق على نوافذ المحالِّ أو تُنشَر في الصحف. وكان الآباء الأفريقيون يسردون تفضيلاتهم في هذه الإعلانات، فيشترطون — على سبيل المثال — أن الأم البديلة ينبغي ألا يكون لديها أبناء، أو أن يكون مسكنها في منطقة ريفية. كان الطلاب الأفارقة متمركزين في لندن، ولكن كان أطفالهم «يُصدَّرون» إلى كِنت وسَرى إيست ساسكس وهيرتفوردشاير وإسكس. وبحسب ما قاله أحد الإخصائيين الاجتماعيين: «تمتلئ بيوت المقاطعات المحيطة بلندن بالأطفال النيجيريين.»

ملجأ نيجيري في عام ١٩٥٥، حيث كانت النساء البريطانيات والنيجيريات يعملن معًا لرعاية الأطفال النيجيريين الرضع. في بريطانيا، ستتحول رعاية الأطفال الأفارقة إلى نقطة خلاف سياسي.
ملجأ نيجيري في عام ١٩٥٥، حيث كانت النساء البريطانيات والنيجيريات يعملن معًا لرعاية الأطفال النيجيريين الرضع. في بريطانيا، ستتحول رعاية الأطفال الأفارقة إلى نقطة خلاف سياسي.

كان الطلاب المغتربون عبر البحار — خاصة الأفارقة من الدول المقرر حصولها على الاستقلال — يُعتبَرون بمنزلة مشاهير عالميين. فقد وصفت الصحيفة النيجيرية «ويست أفريكان بايلوت» الأعداد الكبيرة التي وقفت على أحواض السفن لوداع هؤلاء الطلبة وهم يغادرون إلى بريطانيا، ولرؤية عودتهم المظفرة إلى أوطانهم، ولكتابة تقارير صحفية عن إنجازاتهم وحياتهم الاجتماعية عبر البحار. وأصبح ظهور الطلاب الأفارقة في بريطانيا على أغلفة مجلة «ويست أفريكان ريفيو» في وضعيات جذابة من الأمور المعتادة. وفي الوقت نفسه، عمد الباحثون ومسئولو الحكومة البريطانيون إلى تسجيل كلٍّ من النجاحات المتألِّقة للطلاب الأفارقة، بالإضافة إلى الإخفاقات المأساوية؛ حيث كانوا يتتبعون بحرص حالات من يغرقون في الديون أو يرتكبون جرائم أو يُصابون بأمراض عقلية، أو من يبدو أنهم قد تطرفوا سياسيًّا خلال وجودهم في بريطانيا. وقد تداخل آنذاك الشعور بالقلق بشأن توجهاتهم السياسية المستقبلية مع الشعور بالإثارة إزاء العلاقات الناجحة التي قد يوثقونها بين بريطانيا وأفريقيا المستقلة.

شكَّل هؤلاء الطلاب وأطفالهم في بريطانيا بؤرة حماس ومثار قلق بالغ في ذات الوقت. وقد أبرزت العناوين الرئيسية التي تصدرت الصحف في أواخر ستينيات القرن العشرين تغيرًا جذريًّا في السياسة البريطانية والرأي العام. ففي خمسينيات القرن العشرين، كانت الصحافة تؤيد تحديدًا هذه الأنواع من ترتيبات الرعاية البديلة بين الأجناس المختلفة. في عام ١٩٥٤، سلَّطت مجلة «ويست أفريكان ريفيو» الضوء على ساندرا أوك ذات الثلاث سنوات وهي تحتفل مبتهجةً بكريسماس رائع في لندن مع أمها البديلة ذات البشرة البيضاء؛ آدا ويلر. وقد مدحت كريستين أكين — طالبة من غرب أفريقيا تعيش في بريطانيا — على الملأ عائلة بديلة من ذوات البشرة البيضاء تعيش في تشاتام إحدى بلدات ميدواي في كِنت؛ لكونها «شديدة اللطف مع أبنائنا؛ إذ يشترون لهم أشياء من أموالهم الخاصة.» وأكدت قصة أكين على ميزات «المقاطعات الخضراء» الإنجليزية المثالية والصحية؛ حيث «يُوضَع الأطفال الرضع السود في الفراش كل ليلة.» في هذه الصورة الوردية، تعكس الرعاية البديلة الخاصة الخيار الإيثاري الذي آثرته الأمهات الأفريقيات المحبات اللاتي تمنين أن يوفروا لأطفالهن حماية من رذائل لندن، فأعطينهنَّ حياة أسرية بهيجة على مقربة منهن.

كذلك صوَّرت الصحافة الرعاية البديلة التي تُقدِّمها الأسر البيضاء للأطفال الأفارقة كطريقة لدعم التناغم بين الأجناس. ففي عام ١٩٥٧، سلطت كل من «إمباير نيوز» و«دايلي ميرور» الضوء على قصة ممثل روايات شكسبير جون نيفيل الذي قام وزوجته «باستضافة طفل أفريقي أو أكثر بنجاح» في بيتهما، وعاشا «تجربة مبهجة رائعة» نتيجة لذلك. كانت مثل هذه العائلات تُصوَّر كمثال سارٍّ على العطف بين المهاجرين والمواطنين.

إلا أنه بحلول ستينيات القرن العشرين، اختفت مثل هذه القصص المتفائلة بوجه عام. ففي الفترة ما بين عامي ١٩٦١ و١٩٦٤، تُوفِّي ١٨ طفلًا أفريقيًّا في منازل الرعاية البديلة الخاصة. وذاعت أخبار عن حالات سوء معاملة وإهمال مخزية على نطاق واسع. فمثلًا في عام ١٩٦٣، كان مجلس مقاطعة كنت ينفق ١٥ ألف جنيه إسترليني كل عام على مشكلات تتعلق بالأطفال الأفارقة ممن يعيشون في بيوت الرعاية البديلة الخاصة. وبدأ إخصائيو رعاية الطفولة البريطانيون في الربط بين الرعاية البديلة الخاصة ومشكلات النمو؛ مثل: تأخر الكلام، وعدم القدرة على تكوين روابط عاطفية. وفي نيجيريا، أورد الأطباء في تقارير لهم أن الأطفال الذين نشئوا في بيوت الرعاية البديلة الخاصة في بريطانيا يعودون إلى أفريقيا في حالة صحية سيئة على المستويين البدني والعقلي. وذكرت الأم البديلة لأحد الأطفال النيجيريين قائلة: «إنه سيكون مجرمًا في المستقبل.»

ضوابط حدودية جديدة

لم تكن صور الانتصار والهزيمة التي أحاطت بالطلاب المغتربين وأطفالهم منطبقة على الحياة الشخصية للأفراد بالضبط، لكنها أثارت طاقة هائلة وقلقًا بالغًا في الوقت ذاته. فقد اختلفت ردود أفعال صناع السياسة البريطانيين تجاه ظاهرة الرعاية البديلة ما بين المدح والخشية، متأثِّرين بالتعريفات المتغيِّرة للأبوة الجيدة والقوانين الجديدة المتعلِّقة بهجرة الأطفال والآليات المتغيرة للاستقلال الأفريقي.

عزا البعض ذلك التحول من التعاطف البريطاني مع الآباء والأمهات من الطلاب الأفارقة في خمسينيات القرن العشرين إلى ما يمكن تسميته بشيطنة الرعاية البديلة الخاصة في ستينيات القرن ذاته إلى الإجراءات الخاصة بالضوابط الحدودية الجديدة. ففي عام ١٩٦٥ ظهر تشريع جديد يستهدف تحديدًا مكافحة دخول أطفال الكومنولث إلى بريطانيا في عام ١٩٦٥؛ إذ لم يكن ليُسمَح للأطفال دون السادسة عشرة أن يلتحقوا بأقاربهم باستثناء والديهم، ومُنِع الأطفال الأكبر من ١٦ عامًا من الدخول تمامًا، حتى وإن كان آباؤهم مستقرِّين بالفعل في بريطانيا. وفي عام ١٩٦٨، سُنَّ قانون الأبوين، بما يعني أن دخول الأطفال دون السادسة عشرة إلى بريطانيا بات مسموحًا فقط إذا كان كلا الوالدين مقيمَيْن في المملكة المتحدة أو إذا كانا مصاحبَيْن للطفل بأنفسهم.

ومع ذلك، لم تكن قوانين الهجرة سوى جزء من القضية. فقد باتت سياسات الرعاية البديلة مثيرة للجدل على نحو متزايد في الفترة ما بين أواخر خمسينيات القرن العشرين — حين كانت الدول الأفريقية قاب قوسين من الاستقلال — ومنتصف ستينيات القرن العشرين — حين اتسع نطاق الأراضي المستقلة. وخلال هذه الفترة، كان هناك بالطبع أطفال من ذوي البشرة البيضاء في كنف الرعاية البديلة الخاصة. وعلى إثر برامج إجلاء الأطفال خلال وقت الحرب وخطط الهجرة، كانت ثمة وسائل عديدة يمكن من خلالها فصل الأطفال البريطانيين عن آبائهم. ومن بين العشرة آلاف طفل الذين كانوا في كنف الرعاية البديلة الخاصة في إنجلترا في عام ١٩٧٤، كان ستة آلاف طفل منهم مولودين لأبوين من الطلاب الأفارقة. أما الأربعة آلاف طفل الآخرون فلم يحظوا بأي اهتمام حقيقي؛ إذ كانت الرعاية البديلة الخاصة في بريطانيا «مشكلة أفريقية» على وجه التحديد.

لعبت مطالبات أنصار مبدأ باولبي المتسارعة إلى حدٍّ جنونيٍّ جزءًا من هذا التاريخ كذلك. فمع بداية الحرب العالمية الثانية، أكَّد عالم النفس جون باولبي (١٩٠٧–١٩٩٠) على الأثر الكارثي لانفصال الأم عن طفلها على النمو البدني والأخلاقي للأبناء. ففي حالات الطوارئ — حسبما كان باولبي يعتقد — كانت الأمهات البديلات يوفرن رعاية تَفُوق تلك المتاحة في بيوت الأطفال. لكن حتى أفضل الآباء البدلاء يُعْوِزهم ذلك الإحساس ﺑ «الالتزام الكامل تجاه الطفل، والذي لا يفتقر إليه إلا أسوأ الآباء.»

بحلول ستينيات القرن العشرين، أصبح مبدأ باولبي بالنسبة لجميع البريطانيين إطارًا مفاهيميًّا يتمتع بقوة كبيرة لتقييم رعاية الطفل والعلاقات ببن الآباء وأطفالهم. لكن تدابير الرعاية البديلة بين الأجناس أثارت إنذارًا بعينه بانحرافها الملحوظ عن نظريات مبدأ باولبي لتنشئة الطفل. وراح الإخصائيون الاجتماعيون البريطانيون يُعْرِبون عن حسرتهم من أن كلًّا من الأمهات الأفريقيات والأمهات البديلات من ذوات البشرة البيضاء المنتميات للطبقة العاملة — اللائي استعانت بهن الأمهات الأفريقيات — أخفقن في تبني مبدأ باولبي للرعاية الأمومية. وأعربت النساء من غرب أفريقيا عن «ارتيابهنَّ التام» في مبادئ باولبي لتنشئة الطفل. على سبيل المثال: مبدأ وجوب التحدث إلى الأطفال الرضع منذ سن مبكر.

واجب بريطانيا

هل كان التزام بريطانيا الأساسي مُوجَّهًا للآباء من الطلاب الأفريقيين — وهم قادة المستقبل للدول الأفريقية الجديدة — أم كان مُوجَّهًا لأطفالهم؟ في داخل الدوائر البريطانية، لم يكن ثمة إجماع على إجابة هذا السؤال؛ فالمطالب بالإنهاء السلمي للاستعمار كانت تتعارض بوضوح مع حماية الطفل.

حث ضباط حماية الأطفال وزارة الداخلية البريطانية مرارًا وتكرارًا إما على تشديد القوانين على الرعاية البديلة الخاصة، أو مفاوضة حكومات غرب أفريقيا بقوة حول ضوابطها على خروج الطلاب المتزوجين، إلا أن كلًّا من وزارة الداخلية ووزارة المستعمرات كانتا ترفضان توجيه النقد لسلطات غرب أفريقيا في مسألة حماية الطفل. وبدلًا من ذلك، أيَّدوا مبدأ عدم التدخل. وقد قدم السيد فيليب — سكرتير وحدات خدمات الأسرة، وهي جمعية خيرية للعائلات والأطفال تأسست عام ١٩٤٨ — التماسًا لوزارة الداخلية البريطانية حول «ما يمكن عمله بهدف «تثقيف» المهاجرين حول ما يجهلونه عن أهمية التواصل بين الأمهات والأطفال الصغار.» لكن وزارة الداخلية جاءت بردٍّ محبط؛ إذ أجابت بأن «معظم الدول الصاعدة تغار على استقلالها … وستغضب إزاء أي اقتراح يبدو لهم كعلامة على الاستعمارية أو الأبوية.»

بالمثل، شكت بيريل واطسون — مسئولة رعاية أطفال في سَري — في عام ١٩٦٠ إلحاق أطفال نيجيريين بيوت رعاية بديلة غير مناسبة، وطالبت بأن تتشاور السلطات النيجيرية مع مسئول رعاية طفولة حول جودة البيوت الخاصة، لكن وزارة المستعمرات ردَّت بالآتي:

إن العلاقات مع نيجيريا جيدة، والإقليم سيستقل في الأول من أكتوبر، ولن يكون من المناسب أن نقوم بما قد يُفسَّر على أنه شكوى رسمية.

في تلك اللحظات المحورية من استقلال نيجيريا، بدت مقترحات أنصار سياسة التدخل لحماية الأطفال الأفريقيين في بريطانيا غير عملية وغير مرغوب فيها. وقد أسفرت المطالبات الملحوظة بإنهاء الاستعمار عن أجندات منافسة لممثلي الدولة الذين يعملون مع الآباء والأطفال الأفريقيين، وقلصت بشدة من استجابة بريطانيا للأطفال الأفريقيين الذين يعيشون داخل حدودها.

في خضم هذه الصراعات، تعارضت رغبة وزارة المستعمرات في خلق جيل من مواطني الدول الأفريقية المستقلة حديثًا يدينون بالولاء لبريطانيا، وحاصلين على تعليم عالٍ مع رغبة إخصائي رعاية الطفولة في حماية أطفال هؤلاء الطلاب الأفارقة من سوء المعاملة والإهمال، أو من الضرر العاطفي الناتج عن انفصال هؤلاء الأطفال عن آبائهم البيولوجيين. وقد أكدت النقاشات التي دارت حول الرعاية البديلة على حقيقة مدى ما وصل إليه الاختلاف في الرؤى التي تحملها القطاعات المختلفة داخل الدولة البريطانية — ناهيك عمن خارجها — حول الكيفية التي ينبغي أن يكون عليها إنهاء الاستعمار، وكيف قد يؤثر ذلك على حياة الأفراد والعائلات داخل بريطانيا. وقد خسرت مصالح رعاية الطفولة هذا الصراع، ولكن بعد نضال.

التحيُّز الطبقي

دارت النقاشات الجدالية حول الرعاية البديلة على خلفية تشخيص «العائلة المثيرة للمشكلات»: وهي ما اعتادت أن تقوم به وزارات الخدمة الاجتماعية من وصم للعائلات الحضرية الفقيرة — بخاصة الأمهات — بدايةً من أربعينيات القرن العشرين وحتى الستينيات من القرن نفسه. وقد تصدَّرت الأمهات البديلات ذوات البشرة البيضاء — بنحو بارز — التقارير الصحفية حول حالات سوء المعاملة أو الإهمال؛ فعلى سبيل المثال في عام ١٩٦٥ حُوكِم كل من إيفيلين وفريدريك ثورنتون أمام محكمة برايتون محدودة الاختصاص الربع سنوية بتهمة سوء معاملة تاور أيبيكونيل — وهو طفل من غرب أفريقيا يبلغ من العمر خمس سنوات — تولَّيَا رعايته منذ عام ١٩٦١. ويُزعَم أن الزوجين حبسا الطفل في قبوهما الخاص، حيث كان ينام في فراش واحد مع فريدريك. كانت تُوجَد ندوب في يدي الطفل، وكانت ثمة أجزاء مفقودة من أصابع قدميه، ربما بسبب لسعات الصقيع. وتعذَّر العثور على والديه البيولوجيين. وحُكِم على إيفيلين بالسجن ١٨ شهرًا، بينما حُكِم على زوجها بسنة واحدة فحسب.

وقد أدَّت جهود الإخصائيين الاجتماعيين في الرقابة على الأطفال الأفريقيين في بريطانيا إلى اتصالهم بالعائلات البيضاء التي كانت بالفعل في حالة صدام مع الدولة. وقدَّرت إحدى مجموعات رعاية الطفولة أن أكثر من نصف العائلات التي استجابت لإعلانات طلب منازل للرعاية البديلة الخاصة كانت تُعتَبر «غير ملائمة» من قِبَل السلطات المحلية. فقد حدث أن ماتت طفلة من غرب أفريقيا في رعاية أمٍّ بديلة كانت قد مُنِعَت من رعاية الأطفال قبل عام واحد فقط من هذا الحادث. وقد حشد معارضو الرعاية البديلة التحيزات الطبقية في محاولة لإقناع الآباء الأفريقيين بأن الأمهات البديلات البيض من الطبقة العاملة قد يقوِّضن طموحاتهم الاجتماعية، وبخاصة أن الأمهات البديلات قد «يُفسِدن» الأطفال الأفريقيين بتشجيعهم على التحدث بلكنات غير محببة. وقد تحدث محامٍ نيجيري عن أبوين نيجيريين طلبا مترجمًا فوريًّا لكي يفهما كلام أطفالهم بعد أن نشئوا في كنف أم بديلة تتحدث باللكنة الكوكنية.

وقد ناضل الإخصائيون الاجتماعيون للتوفيق بين المصالح المتضاربة للآباء الأفارقة والأطفال، ولتحديد أي من الطرفين يستهلك الموارد البريطانية بشكل أكبر. ولما كانت صورة الأمهات البديلات تُشوَّه بنحو متزايد، لعبت الطالبات من الأمهات الأفريقيات دورًا أكثر تعقيدًا. وبحسب ما ألمحت إحدى الأمهات الأفريقيات لأحد مناهضي الرعاية البديلة الخاصة، لقد حمَّل الاستقلال كاهل المرأة بأعباء جديدة:

أنت لا تفهم مشكلات البلدان الصغيرة … حين نأتي إلى هنا [إلى بريطانيا] مع أزواجنا، نكون راغبين في تعلم شيء، إن نيجيريا بحاجة إلى المهارات.

عبَّر عدد من مسئولي رعاية الأطفال عن تعاطفهم مع الأمهات الأفريقيات اللائي تعرضن لضغط من قِبَل السلطات المحلية ليتركن دراستهن ويرعين أطفالهن. إذا كان على النيجيريين والغانيين بناء «دول حديثة»، فإنهم في حاجة إلى مشاركة النساء المتعلِّمات لإدراك النجاح.

الأمر المثير للاهتمام أنه حتى حينما شَوَّهَ خبراءُ رعاية الطفولة البريطانيون صورةَ الرعاية البديلة الخاصة وآثارها السيكولوجية على الأطفال الأفريقيين — وقد فعل ذلك كثيرون — فإنهم مع ذلك كانوا يميلون إلى إظهار قدر كبير من التعاطف مع الأمهات الأفريقيات الطموحات. وكانت النساء الأفريقيات في بريطانيا تُعتبَرن أهدافًا مناسبةً للسياسات التي تستهدف دفع التقدم الاقتصادي والاجتماعي لأوطانهن الأصلية. لقد تخلَّين عن مسئولياتهن الأمومية لكي يكتسبن أشكالًا جديدة من المعرفة والخبرة لإفادة أوطانهن الجديدة. على الجانب الآخر، كانت الأسر البديلة البيضاء — وبخاصة الأمهات البديلات من ذوات البشرة البيضاء — تتعرض لحملة تشويه واستنكار واسعة لتقديمها الرعاية التي لم تكن مناسبة لأطفال النخبة الأفريقية ولمحاولتها الالتفاف حول الأحكام المهنية للإخصائيين الاجتماعيين وخبراء رعاية الطفولة. لقد كانوا هم الآباء «مثيري المشكلات» في هذه القصة. إذا كان الطلاب الأفريقيون في بريطانيا قد مثَّلوا يومًا آمال الدول المستقلة حديثًا، فإن الطفل الأفريقي الربيب يمثِّل الآن مخاوف الفشل المحتمل؛ إذ كان ذلك يمثل رمزًا للضرر الذي يمكن أن يتكبده الوطن الأم الأول بعد أن ضعفت العلاقات الدبلوماسية.

أما الصحافة الغرب-أفريقية، فكانت أقل تعاطفًا مع طموحات الطلاب الآباء الأفريقيين في بريطانيا من وسائل الإعلام البريطانية. فقد حثَّ أحد العناوين الرئيسية في «ويست أفريكان بايلوت» الأفريقيين الذين يخططون للدراسة في بريطانيا على «ترك أبنائهم وراءهم». وذكر مقال آخر أن الأطفال الأفريقيين الرضع «يُنفَون» إلى المملكة المتحدة على يد آبائهم، وأن السلطات البريطانية كانت تشعر ﺑ «الهلع» من الإهمال الذي يظهره الآباء النيجيريون تجاه أبنائهم. وقد اتهمت صحيفة «ويست أفريكان بايلوت» الآباء الطلاب النيجيريين بانتهاك مبدأ أساسي من مبادئ الحياة الأسرية، محذِّرةً من أن متطلبات الأفرقة يجب ألا تتقدم على بقاء العائلة الأفريقية في حد ذاته.

في النهاية، لم تستلزم جهود بريطانيا لتوضيح وضبط علاقتها بالدول المستقلة حديثًا رؤية موحدة للكيفية التي سيسير بها النظام العالمي الجديد، أو دور بريطانيا فيه. وظلت موجات التدخل وعدم التدخل تُميِّز علاقة بريطانيا بمستعمراتها السابقة، حتى بعد استقلالها السياسي. وربما كان ثمة قدر كبير من الازدواجية بين المؤسسات الحكومية المختلفة وداخلها فيما يتعلق بكيفية فهم العائلات والعلاقات الجديدة التي تكوَّنت في أواخر عهد الإمبراطورية.

كان قلق الإخصائيين الاجتماعيين من أن الأطفال الأفارقة سيتأذَّون بسبب تجاربهم ونشأتهم في كنف الرعاية البديلة الخاصة يُواجَه بإصرار أكثر قوةً داخل وزارتي المستعمرات والداخلية، على أن الحكومة البريطانية لا ينبغي أن تَحُول دون «تطور» الأمهات الأفريقيات اللائي اعتمدن على الرعاية الخاصة لتحقيق الاستقلال الشخصي ولدعم قضية استقلال الوطن كذلك.

أحد الموضوعات الرئيسية التي ظلَّت تُطرَح مرارًا وتكرارًا هي حالة الشلل المستعصي التي أصابت بريطانيا خلال عصر إنهاء الاستعمار. فقد كانت الدولة — الملتزمة رسميًّا ﺑ «إنقاذ» مجموعات معينة من الأطفال — منقسمة مع ذلك حول القيود «السياسية، والقانونية، والأخلاقية» التي تحكمهم. لم تكن بريطانيا تقف متفرجةً على التجارب التي يمر بها الأطفال الأفريقيون أو غيرهم من «الأجانب»، بل كانت مشاركًا فعالًا في وضع وتفعيل السياسات المعقَّدة والمتضاربة التي جاءت بهؤلاء الأطفال إلى بريطانيا من البداية.

تأويلات مختلفة

استجابةً من بريطانيا ﻟ «أزمة الرعاية البديلة»، قَدَّمت لأطفال غرب أفريقيا مواردَ مختلفةً عن تلك التي قدَّمَتْها للأطفال القادمين من أجزاء أخرى من العالم المُستعمَر فيما سبق. على الرغم من أن كلًّا من الآباء القادمين من جزر الهند الغربية «الكاريبي» وغرب أفريقيا مرُّوا بفترات من الانفصال عن أطفالهم، فقد أوَّل المراقبون الغربيون فترات الانفصال هذه تأويلاتٍ مختلفةً. وتَعُود هذه الاختلافات في الغالب إلى أن الكاريبيين يعدُّون أنفسهم مقيمين دائمين في بريطانيا، وكانوا لا يميلون إلى الاعتماد على الرعاية البديلة كحل مؤقت. في ذلك الوقت، أصرَّ علماء الاجتماع والنفس البريطانيون على أن الرعاية البديلة الخاصة لم تكن موجودةً بين الكاريبيين في بريطانيا، وأن الأمهات الكاريبيات كنَّ يعتمدن بشكل حصري على جليسات الأطفال في وقت النهار لرعاية أطفالهنَّ.

وقد دافع الباحثون البريطانيون بقوة عن الإسهامات الاقتصادية التي قدمتها النساء من غرب أفريقيا، ودفعوا بأن تعليم السيدات الغانِيَّات والنيجيريات كان أساسيًّا لإنهاء الاستعمار في تلك البلدان بنجاح. على نقيض ذلك، نادرًا ما كانت النساء الكاريبيات يُمتدَحن على الأعمال الاقتصادية أو التعليمية التي كُنَّ يؤدينها خارج المنزل. وقد انعكست هذه التوجهات المتناقضة في المقاربات البريطانية المختلفة لمسألة إنهاء الاستعمار في غرب أفريقيا وجزر الهند الغربية. لقد كان الانعدام النسبي لاستثمار بريطانيا في تطور جزر الهند الغربية يعني أنه فعليًّا لم تكن هناك مناقشات حول ارتقاء الكاريبيين بأنفسهم من أجل قيادة دولتهم الجديدة. الأمر اللافت للنظر هو أن استقلال الكاريبيين واتحادهم لم يكن جزءًا من هذه النقاشات.

ارتكزت قضية التوصل تحديدًا إلى من يمكن اعتبارهم بالضبط آباءً وأمهاتٍ جيدين «وما هي مكونات الأسرة السعيدة» في تلك اللحظة التي كانت الإمبراطورية تتعرض فيها للانهيار على كيفية فهم البريطانيين لتطور الحكم الذاتي في كل إقليم وآفاقه. ويستمر هذا الملمح من التاريخ في الظهور حتى يومنا هذا كاشفًا عن الأسس غير المتساوية التي نشأت عليها بريطانيا، بما فيها من ثقافات متعددة وتصدُّع مجتمعاتها من أصحاب البشرة الملوَّنة. كما أنها كانت نقطة بداية للقلق المعاصر حول عمليات تهريب الأطفال إلى بريطانيا ومن خلالها.

المهاجرون الأكثر بؤسًا

بدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، عملت مجموعة من العوامل على إعاقة الطلاب من أبناء غرب أفريقيا عن استكمال شهاداتهم العلمية في بريطانيا. وقد تضمَّنت هذه العوامل نموَّ مؤسسات التعليم العالي في أفريقيا والتراجع الكبير في أسعار النفط العالمية، والتي أدت إلى ركود شديد في الاقتصاد النيجيري. فتراجع عدد الطلاب من غرب أفريقيا، وحل محلهم مهاجرون من خلفيات أكثر بؤسًا. وقد صُوِّر هذا الجيل من المهاجرين في الصحافة البريطانية على أنه أفقر وأكثر بؤسًا وأخطر من العهد السابق للآباء الطلاب.

ذكر مكتب الخدمة الاستشارية للعائلة الأفريقية في عام ١٩٨٩ تزايُد عدد الآباء من غرب أفريقيا ممَّن يُحضِرون أطفالهم إلى المملكة المتحدة بتأشيرات دخول قصيرة المدة، ثم يتركونهم بلا دعم. وقد استهدفت تقارير صحافة الإثارة — حول الاتجار بالأطفال الأفريقيين وسوء معاملتهم وقتلهم في بريطانيا — الرعاية البديلة الخاصة بصفتها مصدرًا رئيسيًّا لمحنة هؤلاء الأطفال، على الرغم من أن الافتراض السائد وقتها هو أن الآباء البدلاء أفريقيون بالمثل. وقد وَصَفت قناة بي بي سي مؤخرًا ظاهرة نشأة الأطفال من غرب أفريقيا في كنف الرعاية البديلة الخاصة بأنها «تجارة الرقيق في عصرنا الحديث» التي يُستَغَلُّ فيها الأطفال كخدم في المنازل.

في هذه التقارير الصحفية الحديثة، تُصوَّر بريطانيا أولًا وأخيرًا على أنها مسرح أحداث عَرَضي لمشكلة تنتمي ﻟ «العالم الثالث»، لكن الرعاية البديلة الخاصة للأطفال الأفريقيين في بريطانيا بدت متَّسقة مع أهداف الدولة وليس ضدها. ففي داخل الدولة البريطانية، دائمًا ما كانت المصالح المختلفة تستنكر ممارسة الرعاية البديلة الخاصة للأطفال الأفارقة وتحافظ عليها في الوقت نفسه. وربما يتمثل الجانب الصادم في النقاشات الجدالية حول الرعاية البديلة في تجاور ثبات العديد من المشاركين البريطانيين على معارضة هذه الممارسة من جانب وإحساسهم بعدم جدوى القضاء عليها من جانب آخر.

في وقت انحسار الإمبريالية، تعارضت المطالب بالتناغم مع المستعمرات البريطانية السابقة مع صحة وصالح العائلات في بريطانيا نفسها. وهكذا انطبعت عمليات إنهاء الاستعمار على الحياة اليومية للبريطانيين. لم تكن العلاقات الدبلوماسية البريطانية وحدها هي التي أُعِيد تشكيلها بنهاية عهد الإمبراطورية، وإنما التفاعلات الاجتماعية والأعمال الروتينية اليومية والعلاقات الشخصية للبريطانيين أنفسهم كذلك. على نطاق أوسع، يمكننا أن نرى أن حالة الرفاهية لم تعد مسألة قاصرة على الحضر فحسب. لم تكن كل من الرفاهية وإنهاء الاستعمار فصلين منفصلين من التاريخ البريطاني — مثلما اعتُبِرا في أكثر الأحيان — بل مرتبطان ارتباطًا عميقًا؛ إذ لا يمكننا أن ندرك ونوضح طموحات ومَوَاطِن ضعف حالة الرفاهية تمامًا إلا إذا نظرنا إليها عبر هذه العدسة الشاملة؛ إذ تشكَّلت هذه الحالة ليس مع ابتداء الإمبراطورية واتساعها فحسب، وإنما كذلك بسقوط الإمبريالية وإعادة تشكل بريطانيا من جديد.

إلى الآن، لم تُروَ قصص تلك العائلات التي تشكلت وتفكَّكت خلال فترة الاستقلال بصورة عامة، لكنها — مع ذلك — تمدُّنا بأفكار كاشفة حول حقيقة عدم اقتصار إنهاء الاستعمار على مجرد عملية عسكرية دبلوماسية، وإنما كان إنهاء الاستعمار عملية اجتماعية وشخصية كذلك، أعادت تشكيل الحياة الأسرية بوجوه لا يمكن توقُّعها.

إن قصصًا كقصتيْ ساندرا أوك وبيريل واطسون، تظهر أن تفكك الإمبراطورية البريطانية خلق أشكالًا جديدة من العلاقات المعقَّدة وحالات الانفصال، التي تشكلت سواء في بريطانيا نفسها أو في الدول المستقلة في أفريقيا وآسيا والكاريبي كذلك. والمفارقة هي أن إنهاء الاستعمار جعل البريطانيين يتواصلون مع مواطني المستعمرات البريطانية السابقة بدرجة أكثر حميمية من ذي قبل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.