الولع بالجدل جزء من طبيعة الإنسان.
الولع بالجدل جزء من طبيعة الإنسان.

هل أيدت من قبل — بما يخالف تقديرك الحكيم — اعتقادًا خارقًا للطبيعة؟ أو هل تؤمن بأن نجوم الروك الموهوبين يتوفون غالبًا في سن السابعة والعشرين؟ أو ربما يتسلل إلى نفسك الظن بأنك أكثر ذكاءً وخفة ظل وجاذبية من الآخرين حولك.

إذا كنت تؤمن بأيٍّ من هذه الأفكار، فأنت تعاني على الأرجح من الانحياز التوكيدي؛ وهو ميل العقل لانتقاء المعلومات التي تدعم تصوراته المُسْبَقة، وغض الطرف عن العديد من الأدلة التي تشير إلى العكس. مثال على ذلك فكرة وفاة نجوم الروك في سن السابعة والعشرين، وهي مغالطة تظهر مرارًا وتكرارًا في وسائل الإعلام. عندما يسمع المرء عن «نادي اﻟ ٢٧»، يكون من السهل الاستشهاد بعدد من الأمثلة المُعبِّرة عن هذه الفكرة، مثل جانيس جوبلين وكيرت كوبين وآمي واينهوس، في حين تُنسَى الأعداد التي لا تُحصَى من الموسيقيين الذين تجاوزت أعمارهم الثلاثين بكثير.

ليس الانحياز التوكيدي سوى عيب واحد من العديد من العيوب التي تشوب تفكيرنا، وسجلها علماء النفس باستمرار على مر العقود القليلة الماضية. فكل شيء، بدءًا من اختيارك للهاتف المحمول وصولًا إلى آرائك السياسية، تشوبه في الغالب صور عديدة من المنطق الغامض الذي يؤثر على الطريقة التي تقيم بها الأدلة وتتوصل بها إلى قرار ما.

ما السبب وراء هذا التفكير المعيب على نحو واضح؟ يصعب كثيرًا تفسير طبيعتنا غير العقلانية إذا كنت مؤمنًا بأن الذكاء البشري تطور بهدف حل المشكلات المعقدة، وأن التفكير الواضح المنطقي يمثل مزية. من هذا المنظور ظل الأمر أشبه باللغز.

لكن ثمة تفسيرًا جيدًا توصل إليه البعض؛ إذ يؤمن كلٌّ من هوجو ميرسيه من جامعة نوشاتيل في سويسرا، ودان سبيربر من جامعة سنترال يوروبيان في بودابست بالمجر، أن التفكير البشري قد تطور لمساعدتنا على الجدل. ويشير الباحثان إلى أن القدرة على الجدل المُقنِع ربما أفادت أسلافنا عند تطويرهم لطرق أكثر تقدمًا للتواصل. ونظرًا لأن أكثر وسائل التفكير إقناعًا ليست دائمًا أكثرها منطقيةً، فإن نقاط الضعف الواضحة لعقولنا قد تكون ناتجة عن هذه الحاجة لتبرير أفعالنا وإقناع الآخرين بوجهة نظرنا، سواء أكانت صحيحة أم خاطئة. يقول ميرسيه: «ينتهي بك الحال إلى اتخاذ قرارات تبدو عقلانية، بدلًا من قرارات عقلانية بحق.»

الجانب الآخر لهذا الأمر هو أننا نواجه بالطبع خطر خداع الآخرين لنا. لذلك نما لدينا شك صحي وقدرة على رؤية الأخطاء في تفكير الآخرين. ربما لعبت هذه القدرة على المجادلة دورًا محوريًّا في نجاح البشرية؛ عن طريق السماح لنا كمجموعة بالتوصل إلى حلول استثنائية ما كان أحدنا ليصل إليها بمفرده.

لم يكن ميرسيه وسبيربر، على الإطلاق، أول من طرح فكرة أن العقل البشري قد تطور لمساعدتنا في التعامل مع الحياة الاجتماعية المعقدة. لطالما سادت فكرة أن حياة الجماعات تكون زاخرة بالتحديات الذهنية التي يمكن أن توجه عملية تطور العقل. فيلزم على الرئيسيات التي تعيش في مجموعات كبيرة أن تكوِّن تحالفات وتحافظ عليها، وتتابع من يدين بماذا لمن، وتحترس دائمًا من خداع الآخرين في المجموعة لها. ومن المؤكد أن هناك ارتباطًا واضحًا جدًّا بين عدد الأفراد في مجموعة الرئيسيات ومتوسط حجم المخ في ذلك النوع، الأمر الذي يدعم فرضية «العقل الاجتماعي»، أو «الذكاء الميكافيلي» (نيو ساينتيست، ٢٤ سبتمبر ٢٠١١، صفحة ٤٠).

لو أن اللغة قد نشأت منذ مئات الآلاف من الأعوام، لكانت قد غيّرت قواعد اللعبة. والمزايا هنا واضحة؛ فمن خلال إتاحة الفرصة لتبادل الأفكار، كان من الممكن للتواصل المعقد أن يعزز من الابتكار والاختراع ما يؤدي إلى أدوات أفضل، وأساليب جديدة لصيد الحيوانات وإيقاعها في الأشراك، ومنازل أكثر راحةً. بيد أن هبة الثرثرة من شأنها أيضًا فرض مجموعة من التحديات. فلزم على أسلافنا، تحديدًا، تمييز من يمكنهم الوثوق فيه. وتقدم العلامات الدالة على الخبرة والمواقف السابقة التي تشير إلى حسن الخلق أسبابًا للاستماع إلى بعض الناس، لكن ربما احتاج أسلافنا أيضًا إلى تقييم أفكار الناس الذين لا يعرفونهم جيدًا بما فيه الكفاية ليثقوا فيهم ثقة مطلقة.

ربما كان من الأساليب الفعالة للتغلب على هذا التحدي الحكم على جودة حُجج الآخرين قبل قبول ما يقولونه أو رفضه، وهو الأمر الذي من شأنه مساعدة المجموعة في التوصل — على سبيل المثال — إلى أفضل استراتيجيات الصيد والجمع. يقول سبيربر، الذي قضى أعوامًا في دراسة الطرق التي قد يخرجنا بها العقل المجادل مما يُطلِق عليه سبيربر «عنق زجاجة انعدام الثقة»: «يُعَد تقديم الحُجج وتقييمها عنصرًا محوريًّا في نجاح التواصل البشري.»

من ناحية، كان من الممكن للشك الصحي أن يمثل أهمية نظرًا لأنه يقودنا إلى المزيد من التفكير النقدي. لكن من الأمور التي كان من شأنها أن تحمل القدر نفسه من الفائدة القدرة على إقناع الآخرين وتبرير وجهة نظرنا باستخدام أكثر الحُجج إقناعًا. كان ميرسيه أول من فكر فيما إذا كانت هذه الحاجة لتغيير آراء الآخرين يمكن أن تفسر بعضًا من تحيزاتنا، فتجعلنا نحيد عن منطقنا، لكنها لا تمنحنا ثقلًا عند جدالنا حول آرائنا. ومن ثم بدأ كلا الباحثين في مراجعة عدد ضخم من الدراسات النفسية التي تتناول التفكير البشري.

لنتناول مثلًا الانحياز التوكيدي. يتسم هذا الانحياز بانتشاره على نحو مذهل؛ فيلعب دورًا هامًّا، مثلًا، في نظرتنا لسلوك مختلف الساسة. ويدفعنا لجمع أدلة في مصلحة المرشح الذي يقع عليه اختيارنا وتجاهل مزايا منافسه. بيد أنه نادرًا ما يعي الناس افتقارهم للموضوعية. سيكون هذا التحيز عيبًا لا لبس فيه إذا كان الإنسان قد نشأ على حل المشكلات؛ فلن يصل المرء إلى أفضل الحلول عن طريق التفكير في الأدلة على هذا النحو المتحيز.

لكن بما أن الإنسان تطور ليصبح مجادلًا، يكون للانحياز التوكيدي دور أكثر فعالية. يقول ميرسيه: «لن تضيع وقتك في البحث عن أدلة لا تدعم قضيتك، بل ستركز على تلك التي تدعمها.»

يقدم ميرسيه وسبيربر تفسيرًا مشابهًا ﻟ «تأثير الإغراء». يتمثل هذا التأثير في أنه عندما يلزم على المرء الاختيار بين خيارين مختلفين، يمكن للبدائل غير ذات الصلة أن تجعل حكمه يحيد عن الخيار المنطقي. ولعل خير مثال على ذلك التفكير في شراء الهواتف الذكية: يمكن أن يقتنع من لديه ميل لاختيار هاتف رخيص السعر باختيار طراز أعلى سعرًا على نحو طفيف إذا ما أُضيف طراز أغلى وربما أكثر ترفًا إلى مجموعة الخيارات.

اتخاذ موقف دفاعي

وفقًا لنظرية ميرسيه وسبيربر حول الجدل، قد يغير الخيار المترف من قرارنا وذلك من خلال تقديم تبرير مقنع لقرار اختيار الخيار الوسطي؛ بمعنى أن بإمكاننا استخدامه للادعاء بأننا توصلنا إلى نوع من المساومة. ومن الجدير بالذكر أن تأثير الإغراء يكون في أقوى صوره عندما يعلم الناس أنه سيتعين عليهم تبرير اختيارهم علنًا. يقول ميرسيه: «في هذه المواقف، يلعب التفكير دوره الجدلي ويدفعك لاتخاذ قرارات يمكنك تبريرها بسهولة بدلًا من اتخاذ أفضلها لك.»

توصل الباحثان إلى مزيد من الأدلة عن طريق تأثير الإطار. وكان أول من قدم هذا المفهوم عالما النفس دانيال كانمان بجامعة برنستون وأموس تفرسكي منذ ثلاثين عامًا. فتوصلا من خلال سلسلة من الدراسات إلى أن الناس يتعاملون مع الخيارات المتطابقة على نحو مختلف تمامًا وفقًا للكيفية التي تُقدَّم بها الخيارات أو تُعرَض. في إحدى التجارب التقليدية، يُطلَب من الخاضعين لها تخيل تفشي مرض ما يهدد قرية صغيرة يبلغ عدد سكانها ٦٠٠ فرد. ويُقدَّم للعينات نوعان من العلاج: الخطة أ ستنقذ بالتأكيد ٢٠٠ فرد بالضبط، والخطة ب التي تبلغ احتمال إنقاذها للجميع ١ من ٣، واحتمال عدم إنقاذ أحد ٢ من ٣.

يختار معظم الناس الخطة أ. لكنهم يغيرون رأيهم عادةً عند إعادة صياغة الخطتين باستخدام تأكيد مختلف. فيُقال لعينات الدراسة إنه في حال اختيار الخطة أ، سيبلغ العدد المؤكد للوفيات ٤٠٠ فرد لا غير. في حين تظل صياغة الخطة ب كما هي: احتمال إنقاذ الجميع ١ من ٣، واحتمال عدم إنقاذ أحد ٢ من ٣. وفي هذه الحالة، يختار أغلب الناس الخطة ب، وهو الخيار الذي تجنبوه من قبل (ساينس، مجلد ٢١١، صفحة ٤٥٣). يفسر كانمان وتفرسكي هذا التباين في إطار فكرة «كراهية الفقدان»: في السيناريو الثاني تبدو الخسائر في الأرواح واضحة للغاية، ومن ثم يتجنبها الناس. بيد أن نظرية الجدل تقدم فكرة جديدة باقتراحها أن المشاركين في هذه التجارب سيختارون الرد الأيسر في تفسيره إذا ما شهد اعتراضًا. في السيناريو الأول، توجد حجة واضحة للخيار الذي اتخذوه؛ ٢٠٠ فرد سيُنقذَون بالتأكيد. أما في السيناريو الثاني، فيمكنهم بدلًا من ذلك تبرير قرارهم بأنه يمكن أن يُنقذ ٤٠٠ شخص من موت محتم.

ومن جديد، أوضحت التجارب أن الناس يكونون أكثر عرضة للتحيز عند إخبارهم أنه سيتحتم عليهم الدفاع عن قرارهم، وهو الأمر المتوقع عند التفكير في البشر على أنها كائنات تطورت لإقناع الآخرين بأفعالها (جورنال أوف بيهافيرال ديسيشن ميكينج، مجلد ٢٠، صفحة ١٢٥). قد يكون لذلك تأثير كبير على كيفية موازنتنا بين مزايا ومخاطر خيارات معينة لنمط الحياة الذي نعيشه، ولذلك يبدو الغذاء «الخالي من الدهون بنسبة ٩٠ بالمائة» صحيًّا، في حين يبدو المنتج الذي يُعلَن عنه بعبارة «يبلغ محتوى الدهون فيه ١٠ بالمائة» أقل إغراءً.

وبجمع خيوط الأدلة المختلفة جميعها، نشر ميرسيه وسبيربر بحثًا في دورية «بيهافيرال آند برين ساينسس» العام الماضي، يوضحان فيه نظريتهما (مجلد ٣٤، صفحة ٥٧). إلى جانب الانحياز التوكيدي وتأثيري الإغراء والإطار، أورد الباحثان الكثير من التحيزات الأخرى التي تبدو غير عقلانية ويمكن لماضينا الجدلي تفسيرها، مثل مغالطة التكلفة المتناقصة. تتمثل التكلفة المتناقصة في رفضنا التقليل من الخسائر والتخلي عن مشروع ما، حتى عندما يكون التغاضي عنه أكثر منطقية. وكذلك الشغف بالميزات الجديدة، ويتمثل في نزعتنا لشراء سلع يزيد فيها عدد الميزات عما قد نستخدمه بالفعل.

أحدث ذلك البحث ضجةً منذ نشره. يؤمن جوناثان هايت، عالم النفس الأخلاقي بجامعة فيرجينيا في مدينة شارلوتسفيل، بأن هذه النظرية تحمل من الأهمية ما يجعل من الضروري «تعليق ملخص لها في كل قسم من أقسام علم النفس بالجامعات». تتوافق أفكار ميرسيه وسبيربر توافقًا دقيقًا مع وجهة نظر هايت الهامة التي تنص على أن أحكامنا الأخلاقية تنبع من ردود أفعالنا التلقائية على التعديات الأخلاقية، وليس من التفكير العقلاني. في أحد الأمثلة، أوضح هايت وثاليا ويتلي، الأستاذة بكلية دارتموث في هانوفر بولاية نيوهامشير، أن إثارة الشعور بالاشمئزاز دون إدراك يدفع الناس إلى إصدار أحكام أخلاقية أكثر قسوةً، حتى في الحالات التي لا يكون أحد قد أخطأ فيها. ويعزز ذلك من فكرة أن العاطفة، وليس التفكير المنطقي، هي الدافع وراء الأخلاقيات (سايكولوجيكال ساينس، مجلد ١٦، صفحة ٧٨٠). ولا يزال البشر يقضون وقتًا طويلًا في الجدل حول الجانب الأخلاقي لمواقف معينة؛ سواء أكان ذلك بشأن خيانة صديق أو نقاش حول الحرب على الإرهاب. لكن يشير بحث هايت إلى أننا نحاول فقط تبرير ردود أفعالنا التلقائية وإقناع الآخرين بما نصدره من أحكام، بدلًا من محاولة الوصول إلى أكثر النتائج عدالةً. يقول هايت: «إن الجدل الأخلاقي ليس بحثًا عن حقيقة أخلاقية، بل أداة للإقناع الأخلاقي.»

وفكرة أننا تطورنا بهدف الجدل والإقناع، وإن كان ذلك في بعض الأحيان على حساب الحقيقة، قد تقدم على ما يبدو نظرة تشاؤمية بشأن التفكير البشري. لكن ربما يكون هناك فائدة مؤكدة لعقولنا الجدلية؛ الفائدة التي أثبتت أهميتها في تحقيق الجنس البشري للنجاح. من النقاط المحورية التي تقوم عليها فكرة سبيربر وميرسيه حقيقة أننا لسنا بارعين فحسب في الجدل المقنع، بل أيضًا خبراء في اختراق التفكير الخاطئ للآخرين. ويعني ذلك أنه عند اجتماع الناس للنقاش والجدال بعضهم مع بعض، يمكنهم معادلة التفكير المتحيز الذي يملكه كل فرد.

من ثم، يمكن للتفكير الجمعي أن يحقق نتائج ذكية ورائعة تتجاوز جهود الأفراد غير العقلانيين. في إحدى الدراسات ذات النتائج المقنعة، درس عالما النفس، دافيد موشمان ومولي جيل، بجامعة نبراسكا – لنكولن، الأداء في اختبار واسون للاختيار، وهي لعبة ورق بسيطة قائمة على الاستنتاج المنطقي. عند التفكير في هذه المهمة وحدهم، توصلت نسبة تقل عن ١٠ بالمائة من الأفراد إلى الإجابة الصحيحة. لكن عند الأداء في مجموعات تضم من ٥ إلى ٦ أفراد، نجحت نسبة ٧٥ بالمائة من المجموعات في النهاية. ما يهم هنا فيما يتعلق بالنظرية الجدلية هو أن ذلك النجاح لم يرجع الفضل فيه لوجود أفراد أذكياء يفرضون الإجابة الصحيحة على باقي المجموعة: فحتى المجموعات التي فشل جميع أفرادها من قبل في الاختبار تمكنوا من الوصول إلى الحل الصحيح عن طريق صياغة الأفكار ومراجعتها في ضوء النقد (ثينكينج آند ريزونينج، مجلد ٤، صفحة ٢٣١). وثمة أدلة جيدة أيضًا على أن المجموعات تكون أكثر إبداعية من الأفراد عند تفكيرهم وحدهم (انظر «الشبكات العبقرية: رابط لدائرة اجتماعية أكثر إبداعًا»).

الذكاء الجمعي

إذا ما وضعنا في الاعتبار أن المهارات التي يتمتع بها الأفراد لا تتنبأ على ما يبدو بالأداء العام للمجموعة التي ينتمون إليها، فما العوامل الأخرى التي تحدد هل هذه المجموعة ستنجح أم تخفق؟ ساعدت أنيتا ويليامز وولي، الأستاذة بجامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرج بولاية بنسلفانيا، في الإجابة عن هذا السؤال من خلال سلسلة دراسات تهدف لقياس «الذكاء الجمعي» للمجموعات، بالطريقة نفسها تقريبًا التي يمكن بها قياس ذكاء الفرد العام باستخدام اختبارات مستوى الذكاء. وقد تراوحت المهام من حل الألغاز البصرية والعصف الذهني لتوليد أفكار جديدة وصولًا إلى التفاوض بشأن كيفية توزيع الموارد الشحيحة.

استنتجت أنيتا أنه لا توجد علاقة وثيقة بين أداء أية مجموعة والمتوسط أو الحد الأقصى لذكاء الأفراد فيها. بل إن ما يحدد الذكاء الجمعي هو الكيفية التي تجادل بها المجموعة؛ فالمجموعات التي حققت أفضل النتائج في الاختبارات التي أجرتها أنيتا هي تلك التي سمحت لكل شخص أن يلعب دورًا في المحادثات. واتسمت أفضل المجموعات بضمها لأعضاء أكثر مراعاةً لمشاعر الآخرين وحالاتهم المزاجية. وتفوقت، بوجه خاص، المجموعات التي زاد فيها عدد السيدات؛ ربما لأن السيدات أكثر تفهمًا للدلائل والإيماءات الاجتماعية (ساينس، مجلد ٣٣٠، صفحة ٦٨٦).

هذه النتائج هي ما يمكن توقعه بالضبط من كائنات نشأت على عدم التفكير فرديًّا، وإنما الجدل في مجموعات. غير أن ميرسيه وسبيربر لا يؤمنان بأن هذه هي الميزة الرئيسية لعقولنا المجادلة. يقول سبيربر: «نحن نرى أن الجدل قد نشأ لتحسين التواصل بين الأفراد من خلال مساعدة المتحدث على إقناع جمهور صامت، والمستمع على رؤية مزايا المعلومات المستقاة من مصادر قد لا يثق بها. وكأثر جانبي، يكون التفكير أفضل في إطار المجموعات.»

لا يتمتع آخرون بهذه الدرجة من التأكد؛ فيؤمنون بأن التفكير الجمعي المحسن هو الذي دفع إلى تطور القدرة البشرية على الجدل. ويتساءل الفيلسوف كيث فرانكيش بجامعة كريت في اليونان، وإن كان لا يزال مترددًا في الأمر: «إذا كان الجدل أفضل بكثير في إطار المجموعات، فلماذا لا نفترض أنه ظهر من أجل التفكير الجمعي، مع الوضع في الاعتبار أننا كائنات اجتماعية؟»

لا يعني ذلك أن التفكير الجمعي لا يسفر عن نتائج عكسية بين الحين والآخر. يقول روبرت ستيرنبرج، عالم النفس بجامعة أوكلاهوما ستيت يونيفرسيتي بمدينة ستيلووتر: «تكمن المشكلة أنه في العديد من المواقف عالية الخطورة تكون المصالح المكتسبة والمشاعر قوية.» وينطبق هذا بوجه خاص عندما تركز مجموعات من أفراد ذوي عقليات متشابهة على موضوعات مفعمة بالمشاعر. يقول ستيرنبرج: «في هذه المواقف، يحرض الناس بعضهم بعضًا على اتخاذ مواقف أكثر تطرفًا، واستبعاد ذوي التفكير الأكثر اعتدالًا.»

يمكن أن يؤدي ذلك أيضًا بسهولة إلى «تفكير القطيع» الخطير الذي تُكبَت فيه المعارضات ويُغَض الطرف عن إجراءات بديلة، الأمر الذي يؤدي إلى قرارات كارثية. عندما طرح إرفينج جانيس مفهوم تفكير القطيع في سبعينيات القرن العشرين، استخدمه لتفسير القرارات الجمعية الكارثية، مثل تصعيد حرب فيتنام تحت قيادة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون. ويمكن رؤية المخاطر نفسها الآن في غزو العراق بالرغم من عدم توفر أدلة قاطعة على وجود أسلحة دمار شامل فيها.

مع أن تدارس الموضوعات في مجموعات يمكن أن ينحرف عن الطريق السليم، فبعض الباحثين يؤمن أنه قد آن الأوان لاستغلال العقل البشري المجادل في التفكير الجمعي. على مدار العقد الماضي، قاد نيل ميرسر — وهو عالم نفس تعليمي في جامعة كامبريدج — مشروع «لنفكر معًا» الذي يتناول دراسة التعلم والتفكير التعاوني في الفصول الدراسية. ويوضح عمله أنه عندما يفكر الأطفال معًا، يندمجون في المهام على نحو أكثر فعالية، ويحسنون التفكير في حل المشكلات. وجاءت النتائج مذهلة في مسائل الرياضيات والعلوم؛ فلا تحسن المجموعات فحسب الأداء في هذه المهام، بل إن الأفراد الذين يشاركون في التفكير الجمعي ينتهي بهم الأمر أيضًا إلى تحقيق نتائج أفضل في اختبارات هذه المواد. يمكن ملاحظة صور مماثلة من التحسن في مهام التفكير غير اللفظية المستخدمة في اختبارات مستوى الذكاء. يقول ميرسر: «يمكن أن يتعلم الأطفال اعتبار التفكير الجمعي نوعًا من المصلحة الذاتية الواعية التي تعود بالفائدة على الجميع.»

يوضح عمل ميرسر كذلك بعض المؤشرات لتحقيق أفضل النتائج. فحقق التفكير الجمعي أعلى النتائج عندما طُلِب من الأطفال الاشتراك في «حديث استقصائي»، على حسب تعبيره. وهو الحديث الذي يمكن عرض الأفكار فيه ونقدها بصراحة، إلى جانب بدء المهمة بهدف واضح، وهو البحث عن اتفاق، حتى لو تعذر تحقيق هذا الهدف.

مع أن هذه الصور التعاونية من التعليم قد اكتسبت بعض الشهرة في السنوات الأخيرة، فإن ستيرنبرج يؤمن أن النظم التعليمية لا تزال تركز تركيزًا كبيرًا على تطوير المعرفة الفردية والتفكير التحليلي، الذي يمكن أن يشجعنا — كما يوضح البحث — على تبرير تحيزاتنا ودعم محاباتنا.

يقول ستيرنبرج: «نؤمن بأن ذكاءنا يضفي علينا الحكمة عندما يجعلنا في الواقع أكثر عرضة للحماقة.» إذا ما تناولنا هذا الاعتقاد بتمعن، فقد نتمكن من الاستفادة من طبيعتنا المجادلة مع تجنب جوانبها السلبية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.