التعلم العميق، بقلم: روبرت دي هوف

عندما اجتمع راي كورزويل مع لاري بايج — الرئيس التنفيذي لشركة جوجل — في يوليو الماضي، لم يكن يبحث عن وظيفة. أراد كورزويل — المخترِع المبجَّل الذي أصبح مؤمنًا بمستقبل الآلات الذكية — أن يناقش كتابه المقبِل «كيف تصنع عقلًا»، فأخبر بايج الذي كان قد قرأ مسوَّدة أولية أنه أراد تأسيس شركة لتطبيق أفكاره حول كيفية صناعة كمبيوتر ذكي حقًّا؛ كمبيوتر يستطيع فهم اللغة ثم يكوِّن استنتاجات ويتَّخِذ قرارات من تلقاء نفسه.

رسوم: جيمي توريل.
رسوم: جيمي توريل.

سريعًا ما أصبح واضحًا أن هذا المسعى سيتطلب ما لا يقل عن قدرةٍ حاسوبيةٍ وبياناتٍ بحجم ما تمتلكه شركة جوجل، فكان رد بايج على كورزويل: «يمكنني أن أحاول إتاحة الوصول إليها لك، ولكن سيكون الأمر عسيرًا للغاية على شركة مستقلة.» لذا اقترح بايج أن ينضم كورزويل — الذي لم يعمل في وظيفة من قبلُ إلا في شركاته — إلى شركة جوجل. لم يمضِ وقت طويل قبل أن يتخذ كورزويل قراره؛ ففي يناير بدأ العمل في جوجل في منصب المدير الهندسي، ويقول عن ذلك: «هذا تتويج لقضاء خمسين عامًا كاملة في التركيز على الذكاء الاصطناعي.»

لم يكن كورزويل مفتونًا بموارد جوجل الحاسوبية فحسب، وإنما كان مفتونًا أيضًا بالتقدُّم المذهل الذي حقَّقته الشركة في فرع من الذكاء الاصطناعي يُطلَق عليه «التعلُّم العميق». تحاول برمجيات التعلم العميق محاكاة النشاط الحادث في طبقات الخلايا العصبية في القشرة المخية الحديثة؛ الجزء المجعَّد الذي يمثل ٨٠ بالمائة من المخ، والذي تحدث فيه عمليات التفكير. تتعلم البرمجيات — بالمعنى الدقيق — التعرُّف على الأنماط في التمثيلات الرقمية للأصوات والصور وغيرها من البيانات.

إن الفكرة الأساسية — إمكانية محاكاة البرمجيات عملَ مجموعةِ الخلايا العصبية الكبيرة الموجودة في القشرة المخية في «شبكة عصبية» اصطناعية — تبلغ من العمر عقودًا، وقد أدت إلى الكثير من الإحباطات بنفس القدر الذي أدَّت به إلى تقنيات ثورية. ولكن بفضل التحسينات في المعادلات الرياضية وأجهزة الكمبيوتر متزايدة الفعالية، يمكن لعلماء الكمبيوتر الآن صُنْع نموذج لكثير من طبقات الخلايا العصبية الافتراضية أكثر من أي وقت مضى.

ومن خلال هذا المستوى الأعمق، فإن البرنامج يحرز تقدُّمًا ملحوظًا في التعرُّف على الحديث والصور. وفي يونيو الماضي، أظهر نظامُ تعلُّمٍ عميق تابعٌ لجوجل — والذي عُرِض عليه ١٠ ملايين صورة من مقاطع الفيديو على موقع يوتيوب — براعةً في تحديد الأشياء مثل القطط تكافِئ ضِعْفَ براعةِ أي محاولة سابقة للتعرُّف على الصور. واستخدمت جوجل التكنولوجيا أيضًا في خفض نسبة الأخطاء في التعرُّف على الحديث في أحدث نسخةٍ من برنامج أندرويد الخاص بالأجهزة المحمولة. وفي أكتوبر، أذهل ريك راشد — مدير الأبحاث في شركة مايكروسوفت — الحاضرين في محاضرةٍ ألقاها في الصين كانت تتضمن عرضًا لبرنامج للتعرُّف على الكلام؛ كتب الكلمات التي نطق بها في نصٍّ باللغة الإنجليزية بنسبة أخطاء بلغت ٧ بالمائة، ثم ترجمها إلى نصٍّ باللغة الصينية، ثم حاكى صوته ونطقها باللهجة المندرينية. وفي الشهر نفسه، فاز فريق من ثلاثة من طلاب الدراسات العليا وأستاذين في الجامعة بمسابقة أَجْرَتْها شركة «ميرك» لتحديد الجزيئات التي يمكن أن تقود لأدوية جديدة، واستخدمت المجموعة التعلُّم العميق من أجل تحديد الجزيئات التي من الأرجح أنها ترتبط بأهدافهم.

أصبحت جوجل على نحوٍ خاص نقطةَ جَذْبٍ لما يختص بالتعلُّم العميق والمواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي؛ ففي شهر مارس اشترت جوجل شركةً ناشئة شارَك في تأسيسها جيفري هينتون — أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة تورنتو — والذي كان عضوًا في الفريق الذي فاز بمسابقة شركة ميرك. يقول هينتون — الذي سيقسم وقته بين الجامعة وجوجل — إنه يخطِّط «لاستخراج الأفكار من هذا المجال وتطبيقها على المشاكل الحقيقية»، مثل التعرف على الصور والبحث وفهم اللغة الطبيعية، وذلك على حدِّ قوله.

كل ذلك نبَّهَ على نحو طبيعي باحثِي الذكاء الاصطناعي الآمِلين في أنه ربما أخيرًا ستخرج الآلات الذكية من حيِّز صفحات روايات الخيال العلمي. وبالفعل فإن الذكاء الآلي بصدد البدء في تغيير كل شيء من الاتصالات والحوسبة إلى الطب والتصنيع والنقل. هذه الاحتمالات واضحة في الكمبيوتر واطسون الذي أنتجته شركة آي بي إم، والذي فاز في برنامج «جيوباردي!»، وهو يستخدِم بعض أساليب التعلُّم العميق، ويجري تدريبه حاليًّا على مساعدة الأطباء في اتخاذ قرارات أفضل. ووضعت مايكروسوفت التعلم العميق في نظام «ويندوز فون» وبرنامج البحث الصوتي لمحرك البحث «بينج».

وسيتطلب بَسْط نطاق تطبيقات التعلُّم العميق لما هو أكثر من التعرف على الكلام والصور مزيدًا من الثورات في المفاهيم والبرمجيات، ناهيك عن الكثير من التقدم في القدرة على المعالجة. وعلى الأرجح لن نشهد آلاتٍ نتفق جميعًا على أنها تستطيع التفكير بنفسها قبل سنوات، وربما عقود، إذا كنَّا سنشهد ذلك من الأساس. ولكن يقول بيتر لي — رئيس قسم أبحاث مايكروسوفت بالولايات المتحدة — إنه بالنسبة للوقت الراهن، «أشعل التعلُّم العميق بعض التحديات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي.»

بناء المخ

كان يوجد الكثير من الطُرُق المتنافسة لمواجهة هذه التحديات، وكان أحدها يتمثل في تغذية أجهزة الكمبيوتر بمعلومات وقواعد عن العالم، وهو ما يستلزم من المبرمجين بذل جهد جهيد في كتابة برنامج يتعرَّف على سمات صوت أو طبقة صوتية مثلًا، وهذا استغرق وقتًا طويلًا. ومع ذلك، ظل النظام غير قادر على التعامل مع البيانات الغامضة؛ فقد كانت مقصورة على تطبيقات قليلة متحكم فيها، مثل أنظمة قوائم الهاتف التي تطلب منك تقديم طلبك من خلال قول كلمات معينة.

بدت الشبكات العصبية — التي ظهرت في خمسينيات القرن العشرين بعد فترةٍ ليست طويلة من ظهور أبحاث الذكاء الاصطناعي — واعدةً؛ لأنها حاولت محاكاة طريقة عمل المخ، وإن كان ذلك بطريقة مبسَّطة إلى حدٍّ كبير. يصمِّم برنامجٌ مجموعةً من الخلايا العصبية الافتراضية، ثم يحدِّد قيمًا عددية عشوائية — أو «أوزانًا» — للارتباطات بينها، وهذه الأوزان تحدِّد كيفية استجابة كل خلية عصبية صناعية — بناتج رياضي بين الصفر والواحد — إلى سمةٍ رقميةٍ مثل طبقة صوتية أو كمية قليلة من اللون الأزرق في صورةٍ، أو مستوًى معيَّن من الطاقة في تردُّد مقطع صوتي؛ وهو وحدة الصوت في مقاطع الكلمات المنطوقة.

يمرِّن المبرمجون الشبكة العصبية على رصد شيء أو مقطع صوتي عن طريق إمطار الشبكة بنُسَخ رقمية من الصور التي تحتوي على هذه الأشياء، أو موجات الصوت التي تتضمن هذه المقاطع الصوتية. إذا لم تحدِّد الشبكة نمطًا معيَّنًا بدقة، فإن خوارزمية ما تعدِّل من الأوزان، والهدف النهائي لهذا التدريب هو جَعْل الشبكة تتعرف باستمرار على نمط في الحديث أو مجموعة صور، نعرفه نحن البشر بأنه — مثلًا — المقطع الصوتي «كَ» أو صورة كلب، وهذه بالضبط هي الطريقة نفسها التي يتعلم بها الطفل ما هو الكلب؛ من خلال ملاحظة تفاصيل شكل الرأس والسلوك وما إلى ذلك في الحيوانات ذات الفرو التي تنبح، والتي يُطلِق عليها الآخَرون كلابًا.

يمكن لبعض الشبكات العصبية الاصطناعية اليوم تدريب نفسها على التعرُّف على الأنماط المعقَّدة.

ولكن استطاعت الشبكات العصبية الأولية محاكاة عدد قليل للغاية من الخلايا العصبية فحسب في المرة الواحدة؛ لذا لم تستطع أن تتعرف على الأنماط بالغة التعقيد، وخَبَتْ جذوتها خلال سبعينيات القرن العشرين.

تطوُّر الذكاء الاصطناعي

في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، استطاع هينتون وآخرون المساعدة في إحياء شرارة الاهتمام بالشبكات العصبية بما يُطلَق عليه النماذج «العميقة» التي استفادت من الطبقات الكثيرة لبرمجيات الخلايا العصبية على نحوٍ أفضل. ولكن كان الأسلوب لا يزال في حاجةٍ لتدخُّل كبير من البشر؛ إذ كان على المبرمجين تصنيف البيانات قبل تغذية الشبكة بها، وكانت عمليات التعرُّف على الحديث أو الصور المعقَّدة تتطلب مزيدًا من القدرة الحاسوبية أكثر مما كانت متاحة في ذلك الوقت.

من الأعلى إلى الأسفل: كجسوا/المشاع الإبداعي – المعرض الوطني للفنون بلندن – أنكريديتيد – إيه بي فوتوز – إم جي إم/فوتوفيست – كلية لندن الجامعية – ستان هوندا/إيه إف بي/جيتي إيميدجز – بن هايدر/جيتي إيميدجز.
من الأعلى إلى الأسفل: كجسوا/المشاع الإبداعي – المعرض الوطني للفنون بلندن – أنكريديتيد – إيه بي فوتوز – إم جي إم/فوتوفيست – كلية لندن الجامعية – ستان هوندا/إيه إف بي/جيتي إيميدجز – بن هايدر/جيتي إيميدجز.

مع ذلك، توصَّل في النهاية هينتون والباحثون الآخرون في العقد الأخير إلى بعض الابتكارات المفاهيمية الأساسية الثورية؛ ففي عام ٢٠٠٦، طوَّر هينتون طريقةً أكثر فعاليةً لتعليم الطبقات المنفردة من الخلايا العصبية، فتتعلم الطبقة الأولى السمات الأولية مثل سمة في صورة أو أصغر وحدة في صوت الكلام، وتفعل ذلك من خلال إيجاد مجموعات مكوَّنة من العنصورات الرقمية أو موجات الصوت التي تحدث أكثر مما ينبغي أن تحدث بالمصادفة، وبمجرد أن تتعرف هذه الطبقة بدقة على هذه السمات، يجري تغذيتها إلى الطبقة التالية، والتي تُدرِّب نفسها على التعرُّف على السمات الأكثر تعقيدًا، مثل زاوية أو مجموعة مكوَّنة من أصوات الكلام. وتتكرر هذه العملية في طبقات متتالية حتى يستطيع النظام التعرف على المقاطع الصوتية أو الأشياء على نحوٍ يعتمد عليه.

مثل القطط، عرضت جوجل في يونيو الماضي واحدةً من أكبر الشبكات العصبية حتى الآن، تتضمن أكثر من مليون ارتباط. وعرض فريق بقيادة أندرو إن جي أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة ستانفورد، وجيف دين زميله في جوجل، على النظام صورًا من ١٠ ملايين مقطع فيديو مختارة عشوائيًّا من موقع يوتيوب. كانت إحدى الخلايا العصبية المصطنعة في نموذج البرنامج تركِّز اهتمامها على صور القطط، وكانت خلايا أخرى مركزة على وجوه البشر والأزهار الصفراء وغيرها من الأشياء، وبفضل قدرة التعلم العميق، حدَّد النظام هذه الأشياء المختلفة رغم عدم تصنيف أو تحديد أي بشر لهذه الكائنات.

مع ذلك، ما فاجَأ خبراء الذكاء الاصطناعي كان التحسُّن الكبير في التعرف على الصور؛ إذ صنَّف النظام الكائنات والموضوعات في صور مقاطع موقع اليوتيوب على نحوٍ صحيح في ١٦ بالمائة من الوقت، ربما لا تبدو النسبة مثيرة للإعجاب، ولكنها كانت أفضل من الأساليب السابقة بنسبة ٧٠ بالمائة. ويشير دين إلى أنه يوجد ٢٢ ألف فئة للاختيار من بينها، والتصنيف الصحيح للأشياء تحت بعض هذه الفئات تطَلَّب — على سبيل المثال — التمييز بين نوعين متشابهين من سمك الوَرنَك، وكان هذا ليمثل تحديًا حتى لمعظم البشر، وعندما طُلِب من النظام تصنيف الصور إلى ألف فئة أكثر عمومية، قفز معدل الدقة إلى أكثر من ٥٠ بالمائة.

البيانات الضخمة

تطَلَّب تدريب الطبقات الكثيرة للخلايا العصبية الافتراضية في التجربة ١٦ ألف معالج كمبيوتر، وهو نوع البنية التحتية الحاسوبية التي طوَّرتها جوجل من أجل محرِّكها للبحث والخدمات الأخرى. ويرى ديليب جورج — الذي شارك في تأسيس شركة «فيكاريوس» الناشئة في مجال تعليم الآلات — أنه يمكن عزو ٨٠ بالمائة على الأقل من التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي إلى توافر مزيدٍ من القدرة الحاسوبية.

مع ذلك، يوجد ما هو أكثر من الحجم الكبير لمراكز بيانات جوجل؛ فقد استفاد التعلم العميق أيضًا من طريقة الشركة في تقسيم المهام الحاسوبية بين كثير من الأجهزة لكي تتم على نحوٍ أكثر سرعة، وهذه تكنولوجيا ساعد دين في تطويرها خلال فترة عمله في جوجل، والتي استمرت ١٤ عامًا. فهي أيضًا زادت من سرعة تدريب التعلم العميق للشبكات العصبية، مما مكَّن جوجل من تشغيل شبكات أكبر وتغذيتها بالكثير من البيانات.

حسَّن التعلم العميق بالفعل من البحث الصوتي على الهواتف الذكية. وحتى العام الماضي، كان برنامج أندرويد الخاص بجوجل يستخدم طريقةً تُخطِئ في فهم الكثير من الكلمات، ولكن في إطار الاستعداد لإطلاق نسخة جديدة من نظام أندرويد في يوليو الماضي، ساعد دين وفريقه في إحلال جزء من نظام الكلام يعتمد على التعلم العميق محل جزء آخَر. ولأن طبقات الخلايا العصبية المتعددة تسمح بمزيد من التدريب الدقيق على الكثير من الأصوات المختلفة، يمكن للنظام أن يتعرف على أجزاء الأصوات على نحوٍ يُعتمد عليه، ولا سيما في البيئات الصاخبة مثل محطات مترو الأنفاق. ونظرًا لأنه أكثر قدرة على فهم ما نُطق حقًّا؛ فإن النتيجة التي يقدِّمها أكثر دقة أيضًا. وبين عشية وضحاها تقريبًا، انخفض عدد الأخطاء بما يصل إلى ٢٥ بالمائة. كانت النتائج جيدة للغاية لدرجة أن الكثير من المقيِّمين يرون أن البحث الصوتي في أندرويد الآن أكثر ذكاءً من المساعد الصوتي «سيري» Siri الشهير من أبل.

رغم كل التطورات، لا يعتقد الجميع أن التعلم العميق يمكن أن يحوِّل الذكاء الاصطناعي إلى شيء يضاهي الذكاء البشري، فيشير بعض النقاد إلى أن التعلم العميق والذكاء الاصطناعي عمومًا يتجاهلان الكثير من بيولوجيا المخ لصالح الحوسبة شديدة القوة.

أحد هؤلاء النقاد هو جيف هوكينز — مؤسِّس شركة «بام كمبيوتينج» — والذي تعمل آخِر شركة له — «نامينتا» — على تطوير نظام لتعليم الآلات مستوحًى على نحوٍ بيولوجي، ولكنه لا يستخدم التعلم العميق. يمكن لنظام نامينتا أن يساعد في التنبؤ بأنماط استهلاك الطاقة واحتمالية اقتراب آلة — على غرار طاحونة هواء — على التوقف. ويشير هوكينز — مؤلِّف كتاب «عن الذكاء»، وهو كتاب صدر في ٢٠٠٤ حول طريقة عمل المخ، وكيف يمكن أن يقدِّم التوجيه من أجل صُنْع آلات ذكية — إلى أن التعلم العميق يفشل في تفسير مفهوم الوقت، ويضيف أن المخ يعالج تدفقات من البيانات الحسية، ويعتمد التعلم لدى البشر على قدرتنا على تذكُّر تسلسلات الأنماط؛ فعندما تشاهد مقطع فيديو يصوِّر قطة تفعل شيئًا مضحكًا، فإن الحركة هي ما يهم، وليس سلسلة من الصور الثابتة مثل تلك التي استخدمتها جوجل في تجربتها. ويستطرد هوكينز قائلًا: «توجُّه جوجل هو: الكثير من البيانات يعوض كل شيء.»

ولكن إذا لم يعوِّض كل شيء، فإن الموارد الحاسوبية التي توفِّرها شركة مثل جوجل لهذه المشكلات لا يمكن إغفالها، فيرى المدافعون عن التعلم العميق أنها حيوية؛ لأن المخ نفسه لا يزال معقَّدًا للغاية أكثر من أي شبكة عصبية موجودة في الوقت الراهن. ويقول هينتون: «تحتاج بأي حال من الأحوال لكثير من الموارد الحاسوبية لجعل الأفكار ناجحة.»

ماذا بعد؟

رغم أن جوجل لا تقدِّم إلا قليلًا من المعلومات فيما يخص التطبيقات المستقبلية، فإن فرص النجاح مثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، من الواضح أن خاصيةً أفضل للبحث بالصور ستكون ذات نفع ليوتيوب. ويقول دين: إن نماذج التعلم العميق يُمكِنها استخدام بيانات المقاطع الصوتية من اللغة الإنجليزية لتزيد من سرعة تدريب الأجهزة على التعرف على الأصوات المنطوقة باللغات الأخرى، كما أنه من المحتمل أن إتاحة خاصية أكثر دقة للتعرف على الصور يمكن أن تجعل سيارات جوجل ذاتية القيادة أفضل كثيرًا، ثم هناك البحث والإعلانات التي تتبعه، فكلاهما يمكن أن يشهد تطوراتٍ كثيرة عن طريق أية تكنولوجيا أفضل وأسرع في إدراك ما يبحث عنه الأشخاص حقًّا؛ وربما حتى قبل أن يدركوا هم ذلك.

هذا هو ما يثير اهتمام كورزويل — البالغ من العمر ٦٥ عامًا — الذي لديه رؤية منذ أمد بعيد حول الآلات الذكية. ففي أثناء دراسته في المدرسة الثانوية، صمَّم برنامجًا مكَّن الكمبيوتر من تأليف مقطوعاتٍ موسيقية أصلية بأساليب كلاسيكية متنوعة، وقام بعرضه في مقابَلَة تليفزيونية عام ١٩٦٥ في برنامج I’ve Got a Secret. ومنذ ذلك الوقت، تضمَّنت اختراعاته النُّسَخ الأولى من العديد من الأشياء، منها جهاز قراءة الكلمات المطبوعة، وبرنامج يُمكِنه مَسْح النصوص المطبوعة بأي خط وتحويلها لصيغة رقمية، ومؤلِّفات الموسيقى التي يُمْكِنها إعادة عزف أصوات الآلات الموسيقية، ونظام التعرف على الكلام الذي يتضمن مفرداتٍ لغويةً كثيرة.

واليوم، يتخيل كورزويل كون «صديق سيبراني» يستمع لحواراتك الهاتفية، ويقرأ بريدك الإلكتروني، ويتبعك كلما تحركت — بالطبع إذا سمحت له بذلك — لكي يستطيع أن يخبرك بأشياء ترغب في معرفتها حتى قبل أن تسأل عنها. هذا ليس هدفه الحالي في جوجل، ولكنه يتوافق مع هدف سيرجي برين، الذي شارك في تأسيس جوجل، والذي قال في بداية تأسيس الشركة إنه يرغب في صنع كمبيوتر يشبه الكمبيوتر الواعي «هال» في فيلم «٢٠٠١: أوديسا فضائية»؛ عدا أنه كمبيوتر لن يقتل الناس.

في الوقت الراهن، يهدف كورزويل لمساعدة أجهزة الكمبيوتر على فهم اللغة، بل والتحدث بلغة طبيعية، ويقول: «مهمتي هي مَنْح أجهزة الكمبيوتر ما يكفي من فهم اللغة الطبيعية للقيام بأشياء مفيدة، مثل البحث على نحوٍ أفضل، والإجابة على الأسئلة على نحوٍ أحسن.» ويأمل في الأساس في صنع نسخة أكثر مرونة من كمبيوتر واطسون الخاص بشركة آي بي إم، والذي يشعر حياله بالإعجاب لقدرته على فهم أسئلة «جيوباردي» الغريبة ذات التلاعب اللفظي.

لا يركِّز كورزويل على التعلم العميق وحده، رغم أنه قال: إن أسلوبه للتعرف على الكلام يعتمد على نظريات مشابهة حول طريقة عمل المخ. ويرغب في محاكاة المعاني الفعلية للكلمات والعبارات والجمل، بما في ذلك الأشياء الغامضة التي عادةً ما تسبِّب وقوع الكمبيوتر في الخطأ. ويشير قائلًا: «لدي فكرة لطريقة بيانية تمثِّل المعنى الدلالي للغة.»

وهذا بدوره سيتطلب طريقةً أكثر شمولًا لوضع رسم بياني لتراكيب الجمل، وتستخدم جوجل بالفعل هذا النوع من التحليل من أجل تحسين قواعد النحو في الترجمة. وكذلك سيتطلب فهم اللغة الطبيعية من أجهزة الكمبيوتر أن تفهم ما نفكِّر فيه نحن البشر بوصفه معنًى بديهيًّا؛ ولذلك سوف يستغل كورزويل «بيان المعرفة» Knowledge Graph، وهو قائمة جوجل التي تتضمن ٧٠٠ مليون موضوع وموقع وشخص وأكثر من ذلك، إضافةً إلى مليارات العلاقات بينها. وطُرِحت هذه القائمة العام الماضي بوصفها طريقةً لتقديم الإجابات لمستخدمي خدمة البحث عن أسئلتهم، وليس تقديم الروابط فحسب.

وأخيرًا، يخطِّط كورزويل لتطبيق خوارزميات التعلم العميق من أجل مساعدة أجهزة الكمبيوتر على التعامل مع «الفروق الدقيقة ومواطن الغموض في اللغة». إذا كان كل ذلك يبدو مرهقًا، فإنه كذلك بالفعل. ويقول كورزويل: «فهم اللغة الطبيعية ليس هدفًا ينتهي عند نقطةٍ ما، مثله مثل عمليات البحث. هذا ليس مشروعًا أعتقد أنني سأنتهي منه في يوم ما.»

رغم أن رؤية كورزويل لا تزال بعيدة عن الواقع بكثير، فإن التعلم العميق من المرجح أن يحفز تطبيقات أخرى غير التعرف على الكلام والصور على المدى القريب. وعلى سبيل المثال، اكتشاف العلاج؛ فالانتصار المفاجئ لمجموعة هينتون في مسابقة شركة «ميرك» وضَّح بشدة فائدة التعلم العميق في مجالٍ لم يتوقع أن يكون له فيه تأثير إلا قليل من الأشخاص.

هذا ليس كل شيء؛ فيقول بيتر لي من مايكروسوفت إنه توجد أبحاث أولية واعدة حول الاستخدامات المحتملة للتعلم العميق في رؤية الآلات؛ التقنيات التي تستخدم التصوير في تطبيقات مثل التفتيش الصناعي والتوجيه الآلي. كما يتخيل أيضًا ظهور أجهزة استشعار شخصية يمكن لشبكات الخلايا العصبية العميقة استخدامها في التنبؤ بالمشكلات الصحية، وربما تغذِّي أجهزة استشعارٍ في أرجاء المدينة أنظمة تعلُّمٍ عميق بالبيانات؛ لكي تتمكَّن — على سبيل المثال — من التنبُّؤ بالأماكن التي قد يحدث فيها زحام مروري.

في مجال يحاول محاكاة شيء يصعب فهمه مثل العقل البشري، من المؤكد أن أسلوبًا واحدًا لن يتغلب على كل التحديات، ولكن في الوقت الراهن، هذا الأسلوب تصدَّرَ الطريق في مجال الذكاء الاصطناعي. ويقول دين: «التعلم العميق استعارةٌ قوية للغاية للتعلُّم عن العالم.»

التكنولوجيا الثورية

طريقةٌ للذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون قابِلةً للتعميم على أنواع كثيرة من التطبيقات.

أهميتها: ستتمكن أجهزة الكمبيوتر من مساعدة البشر بفعالية أكبر إذا كان بإمكانها التعرف على الأنماط على نحوٍ يُعتمَد عليه، والوصول لاستنتاجات حول العالم.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • جوجل.
  • مايكروسوفت.
  • آي بي إم.
  • جيفري هينتون، جامعة تورنتو.

باكستر: الروبوت العامل، بقلم: ويل نايت

الروبوت الجديد الذي اخترعته شركة «ريثينك روبوتكس» يسهل التفاعل معه، ولكن الابتكارات وراء صُنْع الروبوت تبيِّن مدى صعوبة التعامل مع البشر.

تصوير: كين ريتشاردسون.
تصوير: كين ريتشاردسون.

التكنولوجيا الثورية

روبوت صناعي آمِن وسهل الاستخدام في بيئات التصنيع.

أهميتها: الروبوتات الصناعية عادةً ما تكون غالية الثمن وخطيرة ومحدودة القدرات.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • ريثينك روبوتكس.
  • يونيفرسال روبوتكس.
  • ريدوود روبوتكس.
  • جولي شاه، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

تحديد تسلسُل الحمض النووي قبل الولادة، بقلم: أنطونيو ريجالادو

وافقت شركة «إيلومينا» — صانعة أجهزة تحديد تسلسُل الحمض النووي الأكثر انتشارًا في العالم — في بداية هذا العام على دَفْع ما يقارب نصف مليار دولار مقابِل شركة «فيريناتا»، وهي شركة ناشئة في ريدوود بكاليفورنيا تحقِّق إيراداتٍ بالكاد. ما تمتلكه فيريناتا بالفعل هو تكنولوجيا يمكن أن تفعل شيئًا تحفه المعضلات الأخلاقية بنفس قدر كونه شيئًا لا مفَرَّ منه؛ تحديد تسلسل الحمض النووي للجنين البشري قبل ميلاده.

فيريناتا واحدة من أربعة شركات أمريكية منخرطة بالفعل في سوق سريعة النمو لاختبار الحمض النووي قبل الولادة، باستخدام أجهزة تحديد الحمض النووي من صنع إيلومينا. ويمكن لاختباراتهم الحالية — التي بدأت خلال ١٨ شهرًا الماضية — أن ترصد متلازمة داون من آثار الحمض النووي الجنيني الذي يوجد في ملء محقنة بدم الأم. وحتى الآن، اكتشاف متلازمة داون كان يعني سحب خلايا جنينية من المشيمة أو السائل السلوي، وهي العملية التي تنطوي على خطر قليل للتسبُّب في الإجهاض.

أما الفحص غير الباضع فهو آمِن وأسهل لدرجة أنه أصبح واحدًا من أسرع الاختبارات انتشارًا على الإطلاق وتطبيقًا طبيًّا جديدًا مهمًّا لأجهزة إيلومينا لتحديد تسلسل الحمض النووي، والذي يُستخدَم حتى الآن على نحوٍ رئيسيٍّ في معامل الأبحاث. وأخبر جاي فلاتلي — الرئيس التنفيذي لشركة إيلومينا — المستثمرين في يناير أنه يتوقع أن تقدم الاختبارات في النهاية لعددٍ يصل إلى مليونَي امرأة في العام في الولايات المتحدة، يمثلن نصف النساء الحوامل؛ وهو العدد الذي سيزيد من حوالي ٢٥٠ ألف أمٍّ — معظمهن أكبر سنًّا — واللاتي يخضعن حاليًّا للفحوص الباضعة. وتقول ديانا بيانكي، المدير التنفيذي لمعهد بحوث الأمهات والأطفال الرُّضَّع في جامعة تافتس والمستشارة الطبية الأولى في فيريناتا: «إن مدى سرعة انتقال هذه الطريقة من الأبحاث المعملية إلى تقبُّل المرضى لها؛ أمرٌ غير مسبوق في الاختبارات الطبية، وهو تأثير ضخم لأي تكنولوجيا في عامها الأول.»

الرئيس التنفيذي: يرى جاي فلاتلي — الرئيس التنفيذي لشركة إيلومينا — الحَمْل باعتباره سوقًا جديدة لتحديد تسلسل الحمض النووي (تصوير: فرانك روجوزيانسكي/موقع Wonderful Machine).
الرئيس التنفيذي: يرى جاي فلاتلي — الرئيس التنفيذي لشركة إيلومينا — الحَمْل باعتباره سوقًا جديدة لتحديد تسلسل الحمض النووي (تصوير: فرانك روجوزيانسكي/موقع Wonderful Machine).

ولكن هذا على الأرجح مجرد بداية تحديد تسلسل الحمض النووي قبل الولادة، فالمعامل والشركات نفسها التي أطلقت اختبارات متلازمة داون — على غرار فيريناتا — اكتشفت أيضًا كيف يمكنها الحصول على المزيد من المعلومات من دم الأم، بما في ذلك التسلسل الكامل لجينوم جنينها. وهذا أمر ثوري على المستوى التقني، وربما أيضًا على المستوى التجاري. فالحمل، بما فيه من آمال ومشاعر قلق وزيارات كثيرة للأطباء، يمكن أن يكون المكان الذي يجد فيه تحديد تسلسل الحمض النووي سوقًا استهلاكية كبيرة.

ويقول آرثر بوديه، طبيب أطفال ورئيس قسم الوراثة البشرية في كلية بايلور للطب في هيوستن: «أعتقد أننا سنحدِّد تسلسُل الجينوم لكل شخص — لكل جنين — في الشهور الثلاثة الأولى من الحمل، ولو جزئيًّا على الأقل.» واليوم يلجأ بعض المرضى لتحديد تسلسل الحمض النووي من أجل اكتشاف الأمراض الوراثية أو أمراض مثل السرطان، ولكن في يومٍ ما لن ينتظر الناس حتى يمرضوا. ويضيف قائلًا: «إننا بالفعل سوف نعرف البيانات عند الولادة.»

لن يحدث هذا على الفور. فمن ناحية، فَرْز شفرة الحمض النووي للجنين بدقة من خلال دم أمه يتطلَّب تكرارًا كثيرًا لعملية تحديد التسلسل؛ ما يجعله مكلِّفًا للغاية في الاستخدام العادي. (تتقاضى إيلومينا في الوقت الراهن ٩٥٠٠ دولار مقابل تحديد تسلسل الجينوم لدى الشخص البالغ، أما محاولات تحديد تسلسل الحمض النووي للجنين حتى الآن فتكلف أكثر من ذلك بكثير.) ولا تزال المشكلات التقنية موجودة؛ فنتائج الجينوم الجنيني ليست دقيقة بما يكفي للتشخيص، وعلى الصعيد الأخلاقي، فالتكنولوجيا حقل ألغام! فإذا عرفنا المصير الجيني لأطفالنا بينما لا يزالون في أرحام أمهاتهم، فما الخيارات التي قد نتخذها؟

يقول جاي شيندير، وهو عالم في مجال الجينوم في جامعة واشنطن: «على الصعيد التقني، كل هذا ممكن الحدوث قبل أن نكتشف ما إذا كان ينبغي القيام به أم لا. لقد حصلت على الجينوم بأكمله؛ إذن ماذا ستفعل به؟ يوجد الكثير من الأمور التي سينبغي تسويتها.» يعمل شيندير في شركة «أريوزا»، وهي إحدى منافسات فيريناتا، وفي العام الماضي كانت شركته أحد معملين في الولايات المتحدة عرَضَا كيفية الكشف عن جينوم الجنين من خلال دم امرأة حامل، ويشير إلى أن الدراسات التي أُجرِيت حتى الآن — ومن بينها دراسته — كانت دراسات استرجاعية؛ إذ درست عينات دم مخزَّنة في المستشفيات. ولكن شيندير يقول إنه يعمل الآن مع أطباء في ستانفورد من أجل تطبيق التكنولوجيا خلال فترة حمل فعلية. بعبارة أخرى، في وقت مبكر من هذا العام يمكن أن يُولَد أول إنسان تُعرَف شفرته الوراثية الكاملة مقدَّمًا.

الجينوم الكامل

أوضح عالم في هونج كونج يُدعَى دينيس لو في عام ١٩٩٧ أن دم المرأة الحامل يحتوي على تريليونات الأجزاء الصغيرة من الحمض النووي الخاص بطفلها، ويأتي الحمض النووي من خلايا في المشيمة ماتت وتمزقت. ويقدِّر دينيس أن حوالي ١٥ بالمائة من الحمض النووي السابح بحرية في دم الأم هو حمض نووي من الجنين. ويمكن لعملية تحديد تسلسل الحمض النووي شديدة السرعة أن تحوِّل هذه الأجزاء إلى كمٍّ هائل من المعلومات.

وللكشف عن متلازمة داون، والتي تسبِّب اضطرابات معرفية وبدنية، نظر علماء الوراثة كعادتهم عبر الميكروسكوب من أجل حساب عدد الكروموسومات الموجودة في خلايا عينة من الجنين سُحِبت بطريقة يُطلَق عليها «بَزْلُ السَّلَى». والنسخة الزائدة من الكروموسوم ٢١ تعني أن الجنين مصاب بالمتلازمة، وتختار حوالي ٦٥ بالمائة من النساء الأمريكيات اللاتي تواجهن هذا التشخيص خيار الإجهاض.

للحصول على المعلومات نفسها من بضعة مليميترات قليلة من الدم، يستخدم العلماء خدعةً اقترحها لأول مرة دينيس لو؛ فيحدِّدون عشوائيًّا تسلسل ملايين من قطع الحمض النووي السابحة تلك، والتي يبلغ طولها من ٥٠ إلى ٥٠٠ حرف حمض نووي فقط (الحروف المشيرة إلى قواعد الحمض النووي)، ثم باستخدام برنامج كمبيوتر، يَصُفُّون التسلسلاتِ أمامَ خريطة الكروموسومات البشرية، وبعد ذلك يتحوَّل الأمر لمسألةٍ حسابية: إذا تطابقت أجزاء أكثر مما هو متوقع مع الكروموسوم ٢١، فهذا دليل على وجود نسخة إضافية في مكان ما، وربما يكون الجنين مصابًا بمتلازمة داون. الطريقة بارعة؛ لأنه لا يهم أن الحمض النووي للأم والحمض النووي للجنين مختلطان معًا، وفي الواقع متطابقان جزئيًّا. ويمكن لهذه الطريقة نفسها أن تجد النُّسَخ الإضافية — أو التثلث الصبغي — للكروموسومات ١٨ و١٣، وكذلك غياب أو تضاعف الكروموسومات X؛ وكلها تسبِّب عيوبًا خِلْقِيَّة لدى الأطفال الرُّضَّع.

عالم الفيزياء الحيوية: أوضح ستيفن كويك الطريقة التي يمكن من خلالها كشف جينوم الجنين (تصوير: ماكس ويتكر).
عالم الفيزياء الحيوية: أوضح ستيفن كويك الطريقة التي يمكن من خلالها كشف جينوم الجنين (تصوير: ماكس ويتكر).

وفي يوليو الماضي، أوضح ستيفن كويك — المؤسِّس العلمي لشركة فيريناتا، وعالم الفيزياء الحيوية بجامعة ستانفورد — كيف أنه إضافةً لاكتشاف الكروموسومات الزائدة، فإن تحديد تسلسُل الحمض النووي الموجود في دم المرأة الحامل يمكن أن يكشف عن الشفرة الوراثية الكاملة للجنين، حرفًا حرفًا. وحقَّقَ مختبر شيندير نجاحًا مشابِهًا لذلك، وكذلك فعَلَ فريقان في الصين.

إن إعادة بناء الحروف الكيميائية البالغة ستة مليارات من الحروف لجينوم الجنين من أجزاء الحمض النووي تلك ليس أمرًا سهلًا؛ فهو يتطلَّب الكثيرَ من عمليات التحديد الإضافية لتسلسُل الحمض النووي للتعرُّف على الجينات القديمة الخاصة بالأم. يقول شيندير: إن التكلفة وصلت إلى ٥٠ ألف دولار، وأوقف معمل كويك التجربة سريعًا بعد أن وصلت نفقاتها إلى ما يقرب من ذلك. مع ذلك، أوضح العمل أن بيانات الجينوم ربما تكون بمنزلة نوعٍ من الفحوص الشاملة، ليس لمجرد التعرف على الكروموسومات الزائدة ولكن أيضًا من أجل التعرف على الأمراض الخلقية الشائعة، وهذه الأمراض هي حالات مثل التليف الكيسي أو الثلاسيميا بيتا، والتي تحدث عندما يرث الشخص نسختين معيبتين من جين معين، واحدة من الأب والأخرى من الأم. ويوجد حوالي ٣ آلاف مرض من هذه الأمراض يُعرَف بالضبط سببُها الوراثي.

ويوجد حوالي ٢٠٠ مرض آخَر، منها بعض حالات التوحد، تسببها حالات تضاعف أو افتقاد معروفة لقِطَع كبيرة من الحمض النووي، وسوف يُظهِر اختبار الجينوم كلَّ هذه الأمراض.

يقول كويك: إن إثبات أن قراءة الجينوم بأكمله أمر ممكن، كانت «الامتداد المنطقي» للتكنولوجيا الأساسية. مع ذلك، ما هو أقل وضوحًا بكثير لكويك والآخرين هو ما إذا كان إجراءُ اختبارٍ شاملٍ للحمض النووي سوف يكون في يومٍ ما مهمًّا أم روتينيًّا في الطب، كما أصبحت الاختبارات الموجَّهة لكشف متلازمة داون. فيقول: «أجرينا هذا الاختبار كتدريب أكاديمي، فقط من أجل ذلك، ولكن إذا سألتني: «هل سنعرف الجينوم الكامل للأطفال عند الولادة؟» سوف أسألك بدوري: «ولِمَ؟» لقد توقفت عند السؤال عن السبب.» ويشير كويك إلى إنه يحسِّن التكنولوجيا الآن؛ لكي يمكن استخدامها لاستخراج معلومات حول الجينات الأكثر أهميةً من الناحية الطبية على نحوٍ غير مكلِّف.

المشكلة هي أنه ببساطة ليس واضحًا ما إذا كان الأطباء — أو الآباء — يحتاجون حقًّا معلوماتٍ أكثر مما ينبغي. وهذا تحدٍّ واجهته إيلومينا بالفعل في خدمة تحديد تسلسل الجينوم للأفراد، والتي قدَّمت من خلالها أولًا تحديدَ تسلسُلِ الجينوم للمرضى في عام ٢٠٠٩. مع ذلك، لم تبدأ الخدمة في العمل بالكامل، فتقوم إيلومينا في الوقت الراهن بفك شفرة جينوم واحد في اليوم لأسباب طبية (غالبًا جينوم أشخاص بالغين يعانون من السرطان، أو أطفالٍ صغارٍ يعانون من أمراض غامضة). أما الأمر الواضح فهو أن القدرة على جَمْع بيانات الحمض النووي فاقت القدرة على فهم هذه المعلومات؛ مما يعني أنها فاقت أيضًا المطالبات الطبية بها. ويقول مصطفى روناجي، المدير التقني في إيلومينا: «إيضاح الفائدة المرجوَّة من الجينوم هو التحدِّي الرئيسي القائم.»

لِمَ القلق؟

جاي فلاتلي من إيلومينا كان هو الشخصَ الذي خطَّط لعملية الاستحواذ على فيريناتا، فقد قاد الرئيس التنفيذي البالغ من العمر ٥٩ عامًا شركته نحو تحقيق أرباح قدرها ١٫١٥ مليار دولار، عن طريق التفوق على صانِعِي أجهزة تحديد التسلسل الآخرين، وكذلك رفض بشدة العام الماضي عرض استحواذ بقيمة ٦٫٧ مليارات دولار من شركة «روش»، وهي أكبر شركة تشخيص في العالم. وأقنع فلاتلي المساهمين بعدم قبول الصفقة، ووعدهم بجعل علوم الجينوم جزءًا «روتينيًّا» في حياة الناس؛ مما سيزيد من أرباح إيلومينا.

توقَّعَ فلاتلي لسنوات أن تحديد تسلسل الجينوم سوف يصبح حقيقةً في الطب، ولا سيما أن كل طفل سوف يجري تحديد تسلسل الجينوم الخاص به «عند الولادة». إذن، هل يعتقد الآن أن ذلك ممكن الحدوث حتى في وقت مبكر، أثناء فترة الحمل؟ في مجال اكتسب سمعة بوعود جامحة لم يتم الوفاء بها، يشتهر فلاتلي بأنه شخص واقعي هادئ، غالبًا ما تتحقق تنبؤاته. ويشير فلاتلي قائلًا: «ليست التكنولوجيا هي التي تقيِّد ذلك، فسيكون القيام بذلك ممكنًا على نحوٍ واضحٍ خلال عامين.» ولكن تطبيقها على نحوٍ تجاريٍّ أبعد من ذلك بكثير. ويضيف قائلًا: «سيكون لدى معظم الأشخاص ردُّ فعل سلبيٌّ بطبيعته، ولأسباب قوية.»

المشكلة في أن امتلاك المزيد من المعلومات حول سمات الجنين يمكن أن يغمر الأطباء والآباء بفيض من المعلومات، سيكونون غير قادرين على فهمها أو التصرف وفقًا لها، وإذا تصرفوا بالفعل، يمكن أن يكون ذلك مثيرًا للجدل أيضًا. يقول هنري جريلي، أستاذ القانون الذي يدرِّس أخلاقيات علم الأحياء في ستانفورد: «يمكن لتحديد تسلسل الجينوم الكامل أن يجلب المتاعب؛ إذ سيكون بين يدَيْك التسلسل بأكمله؛ لذا ربما تكون قادرًا على البحث عن الأنف المستقيم والشعر المموج. كم أمًّا ستجهض جنينًا بسبب صلع الذكور؟ لا أعتقد أن نساءً كثيراتٍ ستفعلن ذلك، ولكن العدد على الأرجح أكبر من صفر.» ويشير جريلي إلى أنه بسبب القدرة على كشف الحمض النووي الجنيني في مجرى الدم في وقت مبكر للغاية من فترة الحمل — خلال ستة أو ثمانية أسابيع من الحمل — يمكن إنهاء الحمل بسهولة نسبيًّا.

ليس المرء مضطرًا للبحث بعيدًا عن حالة يمكن أن تثير مخاوف ارتكاب ممارسات يوجينية. ففي هذا العام، وخلال اختبار حساب الكروموسومات الذي أجرته فيريناتا، بدأت في عرض فحص لمتلازمة كلاينفلتر، التي يحمل المصابون بها من الذكور كروموسوم x إضافيًّا، وهذه الحالة — التي تسبِّب نقص هرمون التستوستيرون وظهور صفات أنثوية، وغالبًا العقم — تصيب واحدًا من كل ألف رجل؛ لذا فإن عدد الرجال الأمريكيين المصابين بها يساوي تقريبًا عدد مَن يعيشون في بيتسبرج. والأكثر من ذلك أن الأعراض يمكن أن تكون خفيفة للغاية، لدرجة أن بعض المصابين بها لا يكادون يدركونها. مع ذلك، فحوالي نصف النساء يخترن إجهاض حمل الجنين المصاب بمتلازمة كلاينفلتر، وإذا أُجرِي اختبار فيريناتا على نطاق واسع؛ فإن مزيدًا من النساء سيكون عليهن تقريرُ ما إذا كُنَّ سيتخذن هذا الخيار أم لا.

يعتقد دينيس لو أنه بينما يحقق تحديد تسلسل الحمض النووي الجنيني تقدُّمًا، ينبغي أن تُقيِّد الشركاتُ التي تُجرِي الفحوص نفسَها بإخبار الشخص فحسب بالعشرين مرضًا الأخطر والأكثر شيوعًا أو نحو ذلك. وفي ذلك السياق يقول: «سوف نواجِه تحديًا حيال ما نبحث عنه وكيف نقدِّم النصح للسيدات. أعتقد أننا يجب أن نستخدم التكنولوجيا بطريقة أخلاقية، وينبغي أن نحجم عن تحليل الأشياء التي لا تهدِّد الحياة، على غرار القابلية للإصابة بالسكر عندما يبلغ الشخص ٤٠ عامًا؛ فنحن حتى لا نعرف كيف سيكون حال الطب خلال ٤٠ عامًا؛ لذا لمَ نُقلِق الأم بهذا الشأن؟»

عالم الأخلاقيات: يتساءل موريس فوستر عما إذا كنَّا سنتعامل مع الأطفال بطريقة مختلفة إذا عرفنا الحمض النووي لهم (تصوير: شين براون).
عالم الأخلاقيات: يتساءل موريس فوستر عما إذا كنَّا سنتعامل مع الأطفال بطريقة مختلفة إذا عرفنا الحمض النووي لهم (تصوير: شين براون).

يقول موريس فوستر — عالِم الأنثروبولوجيا في جامعة أوكلاهوما، والذي يرأس لجنة مستشاري الشئون الأخلاقية الذين وظَّفتهم إيلومينا — إنه هو وفلاتلي قد ناقَشَا تحديد تسلسل الجينوم الكامل للأجنة. فيشير قائلًا: «من الواضح أنه شيء يلوح في الأفق، ونصيحتي لإيلومينا هي: «أنتم معمل يتلقَّى أوامره من الطبيب، ولا تستبقون الطبيب.» أما النصيحة الأخلاقية التي سأوجِّهها للطبيب فهي أكثر تعقيدًا واختلافًا.»

لا تزال المجموعات الطبية تناضل من أجل صياغة قواعد للتعامل مع البيانات الوراثية للبالغين. ويقول فوستر: إن اختبارات ما قبل الولادة سوف تجعل الالتزامات القانونية والأخلاقية التي يواجِهها الطبيب أكثر تعقيدًا بكثير، فيقول مثلًا إنه بينما يستطيع البالغون تحديدَ ما إذا كانوا سيخضعون لتحديد تسلسل الجينوم أم لا، لا يمكن للطفل الذي لم يُولَد بعدُ أن يوافِق على التعرُّف على جيناته، وهذه المعرفة يمكن أن تؤثِّر على حياة الشخص بأكملها. ويضيف قائلًا: «التسلسل الكامل دائمًا ما يخبرك بمعلومات أكثر مما يمكنك التصرف وفقًا لها. رغم ذلك، لأننا نستطيع استخراج البيانات؛ فإنه من المرجَّح أننا سنفعل ذلك، وبدلًا من منع الأشخاص من معرفة أمور عن أنفسهم، قد ترغب في استخدامها بطريقة لا تسبِّب قلقًا أو ضغوطًا على الأُسَر والموارد الطبية.»

يخشى فوستر أنه على أقل تقدير سيعوِّل الناس أكثر مما ينبغي على الجينات، فيقول عن ذلك: «أعتقد أن أكبر خطر هو المبالغة في تأويل النتائج الوراثية، وأن الأطباء سيعتقدون أن وجود جين مرتبط بمرض السكر يعني أنك ستصاب بمرض السكر، أو أن عدم وجوده يعني أنك لن تصاب به.» وبالنسبة للآباء، ربما تبدو هذه الاحتمالات حقائق، حتى لو لم تكن كذلك في الواقع. ويستطرد في حديثه قائلًا: «إذا استكمل الوالدان فترةَ حملِ جنينٍ لديه احتمالات إصابة بمرض معتمدة على الوراثة، هل سيتسبب ذلك في معاملة الوالدين للطفل على نحوٍ مختلف؟»

حاليًّا، تتلقى معامل الجينوم الطبية في شركة إيلومينا طلباتٍ من أجل استخراج بيانات الحمض النووي للبالغين فحسب، أو الأطفال المرضى، وشركة فيريناتا التابعة لها حديثًا تُجري فحسب نسخة محسنة من اختبارات الكروموسومات الجنينية المعروفة للأطباء. ورغم ذلك، فبالنظر إلى التقدم السريع في تكنولوجيا الحمض النووي الجنيني في المعمل، يعتقد فلاتلي أن المجتمع ربما يحتاج بعض القوانين الجديدة، فيشير قائلًا: «ما قد يساعد كثيرًا هو تشريع ينص على أنك لا يمكنك القيام بأشياء معينة.» وجزئيًّا، هذه الحجة سوف تخدم مصالح إيلومينا؛ فالجدل المجتمعي الفوضوي سوف يبطئ عمليات تحديد تسلسل الجينوم. وعلى حائط كافيتريا الشركة، بجوار الصف الكبير لبراءات الاختراع المعلَّقة التي حصلت عليها إيلومينا، يوجد مقال صحفي من عام ٢٠٠٩ معلَّق، مذكور فيه كلام مقتبَس عن فلاتلي يتنبَّأ فيه بأنه سيتم تحديد تسلسل الجينوم لدى كل الأطفال حديثي الولادة بحلول عام ٢٠١٩، أيْ بعد ست سنوات من الآن. وفي هذا المقال، قدَّم الرئيس التنفيذي ملاحظةً مألوفةً في الوقت الحالي، فحدود تكنولوجيا تحديد تسلسل الحمض النووي، وحدود فرص نجاح شركته، «اجتماعية» على حدِّ قوله، والقيود الوحيدة هي «متى وأين سيعتقد الناس أنه يمكن تطبيق هذه التكنولوجيا؟»

التكنولوجيا الثورية

تحديد تسلسل الحمض النووي للجنين من دم المرأة الحامل.

أهميتها: يمكن أن يُولَد أطفال المستقبل ومعهم قائمة كاملة لنقاط قوتهم ونقاط ضعفهم الوراثية.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • إيلومينا.
  • فيريناتا.
  • جامعة ستانفورد.
  • جاي شيندير، جامعة واشنطن.

وسائل الإعلام الاجتماعية المؤقتة، بقلم: جيفري روزن وكريستين روزن

رسوم: براين كرونين.
رسوم: براين كرونين.

أحد الجوانب الأساسية للخصوصية يتمثل في القدرة على التحكُّم فيما نفصح عنه للآخرين. ولسوء الحظ، فقدنا الكثير من هذا التحكم الآن؛ حيث إن كل صورة أو دردشة أو تحديث للحالة يُنشَر على موقع إعلام اجتماعي يمكن تخزينها على سحابة التخزين. ورغم أننا كنا نرغب في مشاركة هذه المعلومات مع شخص ما، فإننا بالضرورة لا نرغب في بقائها متاحة — خارج السياق — للأبد. وتبرز أهمية ماضينا الرقمي باعتباره تحديَ الخصوصية الرئيسي في عصرنا الحالي.

ولكن ماذا إذا كان الناس قادرين على جعل منشوراتهم تختفي تلقائيًّا؛ ما يجعل الإعلام الاجتماعي أشبه بالمحادثات اليومية لا تُسجَّل للمستقبل؟ وهذا هو ما تَعِدُ به خدمات مثل «سناب تشات» Snapchat، وهي تطبيق للهاتف المحمول زادت شعبيته كثيرًا خلال العام الماضي. وقد واتت الفكرة إيفان شبيجل وبوبي مورفي — اللذين التقَيَا وهما طالبان في ستانفورد — منذ سنتين، تقريبًا في الوقت الذي نشَرَ فيه عضو الكونجرس عن ولاية نيويورك أنتوني وينر بطريق الخطأ صورًا غير محتشمة لنفسه علنًا على موقع تويتر، وأُجبِر على الاستقالة. يسمح تطبيق «سناب تشات» للمستخدمين بالتقاط صور أو مقاطع فيديو قصيرة، ثم تحديد الفترة الزمنية التي ستكون فيها هذه الصور أو المقاطع ظاهرة للمستقبل، وبعد ١٠ ثواني أو أقل تختفي الصور للأبد. (هذا يفسر سبب كون أيقونة البرنامج صورة شبح مبتسِم.)

في البداية، راقت الخدمة للمراهقين الباحثين عن طريقة أكثر خصوصية لإرسال الصور المثيرة لبعضهم، ولكن «إرسال الرسائل المثيرة» وحده لا يمكن أن يمثِّل ١٠٠ مليون صورة ومقطع فيديو يتم تبادُلها يوميًّا باستخدام «سناب تشات»، ويجب على مارك زوكربيرج أن يقلق من أن «سناب تشات» يعالج بعض تحفظات الأشخاص حيال الخصوصية على موقع فيسبوك. وفي ديسمبر أطلق موقع فيسبوك تطبيقًا يحاكي «سناب تشات» أطلق عليه «نكز» Poke.

ما الذي يجعل وسائل الإعلام الاجتماعية المؤقتة جاذبة لهذه الدرجة؟ كثيرًا ما يشير مقدِّمو «سناب تشات» إلى أنهم أرادوا منح الناس طريقةً للتعبير عن أنفسهم، من خلال شيء إلى جانب الصور الذاتية المثالية التي يشعر الكثيرون بالحاجة للمحافظة عليها على مواقع الإعلام الاجتماعية. ربما تكون المحادثات باستخدام «سناب تشات» أكثر إثارةً في الإرسال والاستقبال من أي منشورات على مواقع إعلام اجتماعية أخرى بسبب أنها سريعة الزوال. ولكن يمكن القول أيضًا: إنها طريقة أكثر طبيعية للتواصل. وبينما يسجِّل فيسبوك وتويتر كل ملحوظة ارتجالية وتفاعلًا عرضيًّا ويخزنها، يمكن للتفاعلات على مواقع الإعلام الاجتماعي أن تكون شيئًا يُشبِه الحوارات المختصرة الشخصية؛ فيمكنك التحدث عما يجول بخاطرك دون القلق من أن ما تقوله سيكون جزءًا من ملفك الرقمي للأبد.

رغم أن وضع «سناب تشات» كمنافس لفيسبوك يمثِّل جزءًا كبيرًا من جاذبيته، ففي النهاية سيضطر مقدِّمُوه لمواجهة بعض تحديات الخصوصية نفسها التي أرقت مقدِّمي فيسبوك. يتضمن «سناب تشات» نقطة ضعف تكنولوجية واضحة: لا يزال بالإمكان حفظ الصور المراد إخفائها إذا استخدَمَ المستقبِل خاصيةَ تصوير الشاشة من أجل التقاط صورةٍ للرسالة خلال الثواني التي تظهر فيها. (إذا فعل المستقبِل ذلك، يبلِّغ «سناب تشات» المرسِل، ولكن عندها يكون قد فات أوان منع حفظ الصورة ومشاركتها.) علاوةً على ذلك، بينما يَعِدُ «سناب تشات» بحذف الصور من خوادمه، فإن سياسة الخصوصية في الشركة تشير إلى أنه «لا يمكن ضمان أن تُمسَح بيانات الرسالة في كل حالة.» وبمجرد أن تنتشر صورة مثيرة لأحد المشاهير عبر «سناب تشات» كالفيروس، يمكن أن تنتهي الثقة في الشركة.

لكن بغض النظر عن مصير «سناب تشات» تحديدًا، فإن فكرة وسائل الإعلام الاجتماعية المؤقتة مهمة؛ بسبب أن القدرة على أن يكون الشخص صادقًا وعفويًّا — وأن يكون كذلك مع بعض الأشخاص فحسب، وليس مع البعض الآخَر — هي جوهر الصداقة والتفرد والإبداع. وبالفعل يتيح فيسبوك وتويتر لأعضائهما إخفاء المنشورات عن العالَمِ الأكبر، ومشاركتها مع الأشخاص الذين يثقون فيهم فحسب في دوائر معينة. ولكن بما أن هذه المنشورات تدوم للأبد، فإن هذه القدرة على تقييد المشاركة غير مأمونة على المستوى التكنولوجي. وعلى قدر زيادة الشبكات الاجتماعية المؤقتة من إحساسنا بالتحكم بحالات الإفصاح الشخصي، فإنها ستمثِّل خطوة أولى نحو نوع أكثر اختلافًا من الاتصالات الرقمية؛ نوع يقر بأن رغبتنا في المشاركة يمكن أن توجد مع الرغبة في التكتم والخصوصية وإمكانية البدء من جديد.

التكنولوجيا الثورية

خدمة إعلام اجتماعي تُعِيد تقديم طبيعة المحادثات العادية غير المسجَّلة.

أهميتها: مواقع مثل فيسبوك وتويتر أصبحت سجلاتٍ دائمة لتفاعلاتنا.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • سناب تشات.
  • جريفن.
  • بيرن نوت.
  • ويكر.

طاقة شمسية فعالة للغاية، بقلم: مايك أوركت

يعتقد هاري أتووتر أن بإمكان معمله صناعة جهاز ميسور التكلفة ينتج أكثر من ضعفَي الكهرباء المولَّدة من الطاقة الشمسية عن طريق الألواح الشمسية الحالية. ويقول أستاذ علوم المواد والفيزياء التطبيقية الذي يعمل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتيك): إن هذا العمل الفذَّ ممكِنٌ بفضل الإنجازات الأخيرة في القدرة على التعامل مع الضوء على نطاق صغير للغاية.

تتكون الألواح الشمسية الموجودة في السوق حاليًّا من خلايا مصنوعة من مادة واحدة من أشباه الموصلات، والتي غالبًا ما تكون السليكون. وبما أن الألواح لا تمتص إلا نطاقًا صغيرًا من الطيف الشمسي فحسب؛ فإن كثيرًا من طاقة ضوء الشمس تتبدَّد في صورة حرارة. عادةً ما تحوِّل هذه الألواح أقل من ٢٠ بالمائة من هذه الطاقة إلى كهرباء، ولكن الجهاز الذي يفكِّر فيه أتووتر وزملاؤه ستبلغ فعاليته ٥٠ بالمائة على الأقل، وسوف يستخدم تصميمًا يقسِّم ضوء الشمس بفعالية — كما يفعل المنشور الزجاجي — إلى عدد من ستة إلى ثمانية أطوال موجية جزئية، وكل واحد منها ينتج لونًا مختلفًا من ألوان الضوء، وبعد ذلك سوف يُنثر كل لون نحو خلية مصنوعة من مادة شِبْه موصِّلة قادرةٍ على امتصاصه.

يعمل فريق أتووتر على ثلاثة تصميمات، وفي أحدها (انظر الرسم) — والذي صنعت المجموعة نموذجًا تجريبيًّا له — يُجمَع ضوء الشمس عن طريق حوض معدني عاكس، ويوجَّه بزاوية معينة في بنية مصنوعة من مادة عازلة شفافة. والطبقة على السطح الخارجي للبنية الشفافة عبارة عن خلايا شمسية متعددة، كل واحدة منها مصنوعة من ستة إلى ثمانية أشباه موصِّلات مختلفة. بمجرد أن يدخل الضوء إلى المادة، يقابل سلسلةً من المرشحات الضوئية الرقيقة، ويسمح كل واحد منها بعبور لون واحد عبره ليصل الضوء للخلية التي يمكنها امتصاصه، أما بقية الألوان فتنعكس نحو المرشحات الأخرى المصمَّمَة للسماح لها بالعبور.

يستخدم تصميم آخَر مرشحات ضوئية تُقاس بالنانو، يمكن أن ترشِّح الضوء القادم من كل الزوايا. والتصميم الثالث يستخدم هولوجرام بدلًا من المرشحات لتقسيم الطيف، وبينما تختلف التصميمات، فإن الفكرة الرئيسية واحدة: دمج الخلايا تقليدية التصميم مع التقنيات الضوئية من أجل استغلال طيف ضوء الشمس الواسع بفاعلية وتبديد أقل القليل من طاقته.

يشير أتووتر إلى أنه ليس واضحًا حتى الآن أي من التصميمات سوف يقدِّم أفضل أداء. ويضيف: إن الأجهزة المتخيَّلَة ستكون أقل تعقيدًا من الكثير من الأجهزة الإلكترونية المتاحة في السوق حاليًّا؛ وهذا ما يجعله واثقًا من أنه بمجرد صنع نموذج تجريبي مقنِع والوصول به لأفضل أداء، يمكن تسويقه بطريقة عملية.

يقول أتووتر إنه ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي لمجال الطاقة الشمسية هو تحقيق فعالية فائقة في تصميمات أجهزة الطاقة الشمسية؛ إذ إنه الآن «أفضل طريقة لدينا» لتقليل تكلفة إنتاج الطاقة من الشمس. هذا بسبب أن أسعار الألواح الشمسية قد انخفضت كثيرًا على مدار السنوات القليلة الماضية. لذا، فإن مواصلة التركيز على جعلها أرخص لن يكون له إلا تأثير قليل على التكلفة الإجمالية لنظام الطاقة الشمسية؛ فالنفقات المرتبطة بأشياء مثل الأسلاك والأراضي والتصاريح والعمالة تشكِّل الآن الغالبية العظمى من هذه التكاليف، وسيعني جَعْل الوحدات أكثر فعالية أنه سيلزمنا قليل من الألواح من أجل توليد الكمية نفسها من الطاقة، ومن ثَمَّ يمكن تقليل تكاليف العتاد الصلب والتركيب على نحو كبير. ويضيف أتووتر قائلًا: «في غضون سنوات قليلة، لن توجد فائدة من العمل على تكنولوجيا تحقِّق فعالية أقل من ٢٠ بالمائة.»

رسوم: جون ماكنيل.
رسوم: جون ماكنيل.

التكنولوجيا الثورية

التحكم في الضوء للاستفادة أكثر من طاقة ضوء الشمس.

أهميتها: فعالية أعلى ستزيد من منافسة الطاقة الشمسية للوقود الحفري.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • هاري أتووتر، معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.
  • ألبرت بولمان، معهد الفيزياء الذرية والجزيئية.
  • إلي يابلونوفيتش، جامعة كاليفورنيا، ببيركلي.
  • داو كيميكال.

بيانات ضخمة من هواتف رخيصة، بقلم: ديفيد تالبوت

رسوم: دان بيدج.
رسوم: دان بيدج.

تشير كارولين بوكي عالمة الأوبئة إلى نقطة على خريطة للمرتفعات الغربية في كينيا على شاشة جهاز الكمبيوتر الموجود في مكتبها في كلية هارفرد للصحة العامة في بوسطن، وهذه النقطة تمثِّل أحد أبراج الهواتف المحمولة المنتشرة بالآلاف على مستوى الدولة. وتقول بوكي: إن البيانات المرسَلة من هذا البرج الواقع بالقرب من بلدة كيريشو كانت كالذهب في قيمتها بالنسبة لمكافحة وباء الملاريا.

عندما درست هي وزملاؤها البيانات، اكتشفت أن الأشخاص الذين يُجْرُون مكالمات هاتفية أو يرسلون رسائل نصية عبر برج كيريشو، كانوا يقومون برحلات لخارج المنطقة أكثر من المتوسط الإقليمي بما يساوي ١٦ مرة، والأكثر من ذلك أنهم كانوا على الأرجح يزورون منطقة في الشمال الشرقي من بحيرة فيكتوريا ثلاث مرات، والتي تحددها سجلات وزارة الصحة بوصفها بؤرة للملاريا. وغطَّى نصفَ قطر إشارة هذا البرج إحداثياتٌ مهمة لانتقال الملاريا، والتي يمكن أن تنتقل من شخص إلى شخص عن طريق البعوض. وكشفت الصور الملتقَطة بالأقمار الصناعية المتَّهَم المحتمل: مزرعة شاي مزدحمة مليئة على الأرجح بالعمَّال المهاجرين. وتقول بوكي: إن النتيجة كانت واضحة، «سيوجد عدد ضخم من [الأشخاص] المصابين في هذا المكان.»

هذه النتائج تدخل الآن في مجموعة جديدة من النماذج التنبؤية التي تصنعها كارولين. وعلى سبيل المثال، أظهرت النماذج أنه رغم ظهور حالات الملاريا في مزرعة الشاي، فإن اتخاذ إجراءات للسيطرة على الملاريا سيؤثر بقدر أقل على انتشار المرض مقارنة بتركيز هذه الجهود على المصدر؛ بحيرة فيكتوريا. لطالما كان معروفًا أن هذه المنطقة مركزٌ رئيسيٌّ للملاريا، ولكن ما لم يكن متاحًا من قبلُ هو المعلومات المفصَّلة عن أنماط سفر البشر فيها: كم عدد الأشخاص القادِمون إليها والخارجون منها، ومتى يَصِلون ومتى يغادرون، وما هي الأماكن المحددة التي يأتون إليها، وأي من هذه الأماكن يجذب معظم الأشخاص الذين يسافرون لأماكن جديدة؟

تستخدم كارولين بوكي — عالمة الأوبئة في هارفرد — بيانات مفصَّلة مستقاة من الهواتف المحمولة حول تنقُّلات السكان؛ من أجل تصنيع أدوات جديدة دقيقة لمكافحة انتشار الملاريا.
تستخدم كارولين بوكي — عالمة الأوبئة في هارفرد — بيانات مفصَّلة مستقاة من الهواتف المحمولة حول تنقُّلات السكان؛ من أجل تصنيع أدوات جديدة دقيقة لمكافحة انتشار الملاريا.

الجهود المبذولة لجمع هذا النوع من بيانات السفر غير مكتملة في أفضل الحالات؛ فتشير بوكي إلى أنه أحيانًا يحصي عمَّال الصحة العامة بالفعل الأشخاصَ عند منافذ السفر، أو تسأل الممرضاتُ في العيادات المنتشرة في أرجاء البلاد المرضى الذين شُخِّصت إصابتهم بالملاريا حديثًا عن أماكن وجودهم مؤخرًا. وتضيف قائلة: «في كثير من المعابر الحدودية في أفريقيا، يحتفظون بقليل من السجلات، ولكن تضيع هذه السجلات ولا يحتفظ أحد بالمعلومات. لدينا أفكار ونماذج عامة حول أنماط السفر، ولكننا لم نستطع القيام بالأمر على نحوٍ صحيحٍ أبدًا!»

سوف يساعد التنقيب في البيانات على توفير معلومات لوضع تدابير جديدة من المرجَّح أن تتضمن حملاتٍ موجَّهة ورخيصة التكلفة من الرسائل النصية؛ على سبيل المثال: تنبيه الزائرين الذين يدخلون منطقة إشارة برج كيريشو لاستخدام ناموسية تمنع البعوض، وسوف تساعد المسئولين في اختيار أماكن تركيز جهود مكافحة البعوض في مناطق انتشار الملاريا. وتقول بوكي: «لن ترغب في رش كل بركة من أجل قتل يرقات البعوض طوال الوقت، ولكن إذا علمت بوجود عدد كبير من البعوض المسبِّب للمرض قادم من بقعة معينة، فسترغب في تعزيز برنامج المكافحة في هذه البقعة. ويمكنني الآن أن أحدِّد بدقة أماكن انتشار المرض الأكثر أهميةً دون غيرها.»

نُشِرت أحدث دراسات بوكي في العام الماضي في مجلة «ساينس»، وكانت تعتمد على تسجيلات من ١٥ مليون هاتف في كينيا، وكانت ثمرة تعاونها مع زوجها — ناثان إيجل — الذي كان يعمل على استخلاص معلومات من بيانات الهواتف الخلوية لما يزيد عن عَقد. ففي منتصف العَقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبعد جذب الانتباه لعمله في التنقيب في بيانات هواتف المتطوعين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بدأ إيجل في تلقِّي مكالمات من مقدِّمي خدمة الاتصالات تطلب منه تقديم رؤى حول أسئلة على غرار: لماذا يلغي العملاء اشتراكاتهم في خدمات الهاتف؟ وبدأ إيجل العمل مع هذه الشركات، وعندما قضى الزوجان ١٨ شهرًا في أفريقيا بدءًا من عام ٢٠٠٦ — حيث كانت بوكي تدرس الخصائص الوراثية لطفيل الملاريا — كان إيجل يدرس بيانات المكالمات الهاتفية من أجل أغراض متنوعة؛ إذ كان يحاول فهم ظواهر مثل التقسيم العرقي في الأحياء الفقيرة في نيروبي، وانتشار الكوليرا في رواندا. أظهرت نتائج بوكي ما يمكن تحقيقه عندما تتحول التكنولوجيا نحو مشكلات الصحة العامة. ويقول إيجل — الذي يشغل الآن منصب الرئيس التنفيذي لشركة «جانا» — والتي تُجرِي دراسات مسحية عن طريق الهواتف المحمولة في العالم النامي: «أوضح ذلك أنه «نعم! يمكننا فعلًا أن نقدِّم ما هو أكثر من مجرد رؤى، يمكننا في الواقع تقديم شيء يمكن العمل وفقًا له». وهذا ينجح حقًّا.»

يشير هذا الإيضاح إلى الطريقة التي يمكن من خلالها استغلال هذه البيانات لصُنْع أدوات يمكن للعاملين بالصحة العامة والحكومات وغيرهم استخدامها في رصد الأوبئة ومراقبتها، وإدارة الكوارث وتحسين أنظمة النقل. وبالفعل يجري توجيه جهود مماثلة نحو تحقيق أهداف متنوعة من فهم أنماط الذهاب للعمل أو للدراسة والإياب منهما يوميًّا في أرجاء باريس إلى إدارة حشود الاحتفالات في بلجيكا. ولكن التنقيب في تسجيلات الهواتف يمكن أن يكون مفيدًا على نحو خاص في المناطق الفقيرة؛ حيث لا يوجد إلا قليل من البنية التحتية لجمع المعلومات أو ينعدم وجودها. يقول فينسنت بلوندل — أستاذ الرياضيات التطبيقية في جامعة لوفان في بلجيكا — والباحث الرائد في مجال البيانات المستقاة من الهواتف الخلوية: «إننا فحسب في بداية استخدام هذه البيانات لهذه الأغراض، فالاستخدام المتزايد للهواتف المحمولة في البيئات ذات الدخل المنخفض — واستعداد بعض شركات الهواتف حديثًا إلى الإفصاح عن البيانات — سوف يؤدي إلى أدوات تكنولوجية جديدة قد تغيِّر كل شيء.»

بيانات خام

تقدِّم هواتف العالم البالغ عددها ستة مليارات هاتف كمياتٍ هائلةً من البيانات، بما في ذلك تتبُّع المواقع، ومعلومات حول النشاط التجاري، وسجل البحث، وروابط على الشبكات الاجتماعية. وتُبذَل جهود حثيثة للتنقيب في البيانات بطرق مختلفة في المؤسسات البحثية والتجارية في أنحاء العالم. ومن بين الستة المليارات هاتف، يوجد خمسة مليارات هاتف في الدول النامية. كثير من هذه الهواتف من النوع الرخيص الذي لا يؤدِّي كثيرًا من الأعمال بجانب إجراء المكالمات الهاتفية وإرسال الرسائل النصية، ولكن كل هذا النشاط يمكن تعقُّبه وصولًا إلى أبراج الهواتف المحمولة؛ مما يوفِّر وسيلة تقريبية لتتبع تحركات الشخص. وإذا أضفت انتشار تكنولوجيا الدفع عن طريق الهواتف المحمولة للتجارة البسيطة، فستتوافر لديك المواد الخام لتقديم رؤًى لا تتمحور حول علوم الأوبئة فحسب، ولكن أيضًا حول اتجاهات العمالة والتوترات الاجتماعية والفقر ووسائل النقل والنشاط الاقتصادي.

وفرص التنقيب في البيانات من الهواتف عسيرة في البلدان الفقيرة على نحوٍ خاصٍّ؛ حيث إن المعلومات المفصَّلة المحدثة حول هذه الأمور نادرةٌ. يقول أليكس «ساندي» بينتلاند — مدير مختبر الديناميات البشرية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — والذي طالما كان مهتَمًّا بالرؤى الناتجة عن البيانات التي تقدِّمها استخدامات الهواتف المحمولة: «في العالم النامي، لا يوجد إحصاء سليم، ولا تعرف أين تتوجه حركة التنقل، ولا تمتلك دائمًا البنية التحتية الحكومية اللازمة لجمع المعلومات، ولكن فجأةً، يمكن للشيء الوحيد الذي تملكه — الهواتف الخلوية المنتشرة في كل مكان، ولا سيما في السنوات القليلة القادمة — أن يقدِّم لك ما يعادِل كل هذه البنية التحتية الموجودة بالفعل في العالم المتقدم.»

عندما تتصل مكالمة بمحطة قاعدية، تسجل هذه المحطة الرقم التعريفي للهاتف ومدة المكالمة، وبمرور الوقت يمكن استخدام هذه المعلومات من أجل التعرُّف على تحرُّكات الأشخاص الإقليمية وشكل شبكاتهم الاجتماعية. وكذلك تاريخ المشتريات على الهواتف لا يُقدَّر بثمن؛ فسجلات المشتريات الزراعية يمكن استخدامها للتنبؤ بإمدادات الأطعمة أو نقصها، ويمكن للبيانات المالية المجمعة من خلال أنظمة الدفع عن طريق الهواتف المحمولة أن تنشئ تاريخًا ائتمانيًّا، وتساعد ملايين الأشخاص الذين لا يستطيعون إجراء العمليات المصرفية أن يخولوا للحصول على القروض التقليدية. يقول بينتلاند: «طرق تحليل قواعد البيانات وأجهزة الكمبيوتر معيارية للغاية؛ يتعلق الأمر بتطبيق العلوم وإيجاد الأنماط الصحيحة.» قد ترتبط أنماط حركة معينة بانتشار مرض ما، وأنماط الشراء يمكن أن تشير إلى أن الشخص شهد تغييرًا في الحالة الوظيفية؛ ويمكن أن ترتبط التغيرات السلوكية أو أنماط التحركات ببداية مرضٍ ما.

اتَّضَحَتْ بجلاء مدى فائدة البيانات المجمعة من خلال الهواتف الرخيصة بعد زلزال هاييتي في يناير ٢٠١٠، الذي تسبَّبَ في وفاة ما يزيد عن ٢٠٠ ألف شخص. حصل الباحثون في معهد كارولينسكا في السويد على بيانات من شركة «ديجيسيل» أكبر مقدِّم خدمات هاتف محمول في هاييتي، ونقبوا في بيانات التحركات اليومية المجمعة من مليونَيْ هاتف — قبل الزلزال ﺑ ٤٢ يومًا حتى بعده ﺑ ١٥٨ يومًا — وخلصوا إلى أن ٦٣٠ ألف شخص الذين كانوا موجودين في بورت أُو برنس في اليوم الذي وقع فيه الزلزال قد غادروا المدينة خلال ثلاثة أسابيع، وأظهروا أيضًا أنهم يستطيعون القيام بمثل هذه الحسابات في وقت قليل للغاية؛ فأوضحوا — خلال ١٢ ساعة من تلقِّي البيانات — عدد الأشخاص الذين فرُّوا من منطقةٍ تفشَّى فيها وباء الكوليرا والأماكن التي ذهبوا إليها.

والأهم من ذلك أن عملهم قاد إلى نموذج يمكن أن يرشد الاستجابة للكوارث في المستقبل؛ فبعد تحليل البيانات حول عادات السفر قبل الزلزال، اكتشفت المجموعة السويدية أن سكان هاييتي فرُّوا عمومًا من المدينة للأماكن نفسها التي أمضوا فيها الكريسماس ورأس السنة، وهذه النتائج جعلت من الممكن التنبؤ بالأماكن التي سيتوجَّه إليها الأشخاص عند وقوع كارثة.

التوسع

حتى وقت قريب، كانت هذه الدراسات تُجرَى عن طريق باحثين يعقدون بعض الترتيبات الخاصة مع مقدِّمي خدمات المحمول من أجل الحصول على البيانات (حصل إيجل عليها من خلال اتصالاته الأكاديمية). ولكن قدمت شركة «أورانج» — عملاق الاتصالات العالمي والتي يقع مقرُّها في فرنسا — في العام الماضي لمجتمع الأبحاث في العالم بياناتٍ في صورة سجلات مجهولة الهوية بلغ عددها ٢٫٥ مليار — خاضعة لشروط وقيود معينة — مجمَّعَة من مكالمات هاتفية على مدار خمسة أشهر، قام بها خمسة ملايين شخص في ساحل العاج، وتضمَّنَتِ المرحلة الأولى من هذه التجربة العملاقة مجرد معرفة ما يمكن القيام به باستخدام هذه البيانات.

هذه الخريطة — الناتجة عن تحليلات بيانات الهواتف المحمولة — تبيِّن أكثر مصادر الإصابات بالملاريا أهميةً (اللون الأغمق)، مع الوضع في الاعتبار احتمالية زيادة الانتشار الناتجة عن الانتقالات البشرية، وتوضِّح كذلك أكثر الأماكن التي يذهب إليها الأشخاص المعرَّضون للمرض (اللون الأفتح). ويمكن استخدام الخريطة من أجل التحديد الأفضل لأماكن تركيز التحذيرات وأساليب مكافحة البعوض.
هذه الخريطة — الناتجة عن تحليلات بيانات الهواتف المحمولة — تبيِّن أكثر مصادر الإصابات بالملاريا أهميةً (اللون الأغمق)، مع الوضع في الاعتبار احتمالية زيادة الانتشار الناتجة عن الانتقالات البشرية، وتوضِّح كذلك أكثر الأماكن التي يذهب إليها الأشخاص المعرَّضون للمرض (اللون الأفتح). ويمكن استخدام الخريطة من أجل التحديد الأفضل لأماكن تركيز التحذيرات وأساليب مكافحة البعوض.
يقول ناثان إيجل — الرئيس التنفيذي لشركة «جانا»، التي تُجرِي دراسات مَسْحِيَّة عن طريق الهواتف المحمولة — بأن الشركات المقدِّمة لخدمات الهواتف المحمولة في العالم تمتلك منجمًا من البيانات. ولكن يشير إلى أن الاستخدام الموسَّع للبيانات سوف يتطلب نماذج عملية جديدة، وقواعد لحماية خصوصية البيانات.
يقول ناثان إيجل — الرئيس التنفيذي لشركة «جانا»، التي تُجرِي دراسات مَسْحِيَّة عن طريق الهواتف المحمولة — بأن الشركات المقدِّمة لخدمات الهواتف المحمولة في العالم تمتلك منجمًا من البيانات. ولكن يشير إلى أن الاستخدام الموسَّع للبيانات سوف يتطلب نماذج عملية جديدة، وقواعد لحماية خصوصية البيانات.

انتهز ما يقارب مائة مجموعة بحثية حول العالم هذه الفرصة لتحليل السجلات، وخُطِّط لتقديم الأوراق البحثية المُعَدَّة في شهر مايو في مؤتمر سيُعقَد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تحت عنوان «بيانات من أجل التطوير»، وهو جزء من مؤتمر أكبر لمشروعات التنقيب في البيانات في العالم الفقير والعالم الغني على حدٍّ سواء. ويقول بلونديل الذي يرأس المؤتمر: «إنه لأول مرة تُقدَّم بيانات ضخمة من الهواتف المحمولة بهذا الحجم.» لم تصدر الأوراق البحثية رسميًّا حتى وقت كتابة هذه السطور، ولكن إحداها توضِّح التفاعلات الاجتماعية والسفر عبر تقسيم عرقي تقليدي بين الشمال والجنوب، وتقدِّم أفكارًا حول الكيفية التي يمكن بها تفادي الصراع. وتقترح دراسة أخرى أدوات لرسم خرائط لانتشار الملاريا ورصد تفشِّي المرض. وصمَّم أحد معامل الشركات نموذجَ نَقْلٍ مستخدمًا بيانات من الهواتف المحمولة لتتبُّع الرحلات التي تمت عن طريق ٥٣٩ حافلة، و٥ آلاف حافلة صغيرة، و١١ ألف سيارة تاكسي.

حتى لو نجحت تجربة ساحل العاج، فإن تكرارها في بلدان أخرى قد لا يكون أمرًا سهلًا. في العام الماضي، وجَّه المنتدى الاقتصادي العالمي — مجموعة الشخصيات الرائدة في المجال الصناعي والأكاديمي والسياسي التي تلتقي سنويًّا في دافوس بسويسرا — نداءً للحكومات ومنظمات التنمية والشركات من أجل تطوير أدوات تحليل بيانات لتحسين حياة الناس في العالم الفقير. يقول إيجل: «لم يكن عليَّ أن أذهب لمشغلي الخدمة وأقول: «سوف أقدم لكم استشارات مجانية، وفي المقابل أريد أن أستخدم بياناتكم لتحسين معيشة الناس.» ينبغي أن يرغب مشغلو الخدمة في الانضمام لذلك. وفي الوقت الراهن لا يرى الكثيرون منهم الجانب الإيجابي، ولكن إذا استطعنا جعل قادة العالم يطرقون أبوابهم ويقولون لهم: «لنفعل ذلك!» ربما نستطيع إنجاز الكثير من الأمور.»

سوف يتطلب ذلك بعض العمل بحرص من أجل حماية الخصوصية ومنع استخدام البيانات في خدمة القمع. وتشير أورانج إلى أن جعل بياناتها مجهولة الهوية أمر شاق، ولكن المجال يتطلب طُرُقًا واضحةً تَلْقَى قبولًا واسعًا من أجل إيصال البيانات إلى السوق. ويقول بينتلاند: «توجد مخاطر وفوائد من وجود مجتمع مدفوع بالبيانات، فهناك تساؤلات حول مَن تئول إليه ملكية البيانات، ومَن يتحكم فيها. يمكنك أن تتخيل ما قد يفعله معمر القذافي بمثل هذه البيانات. وتقوم أورانج بخطوات من أجل اكتشاف طريقة لصُنْع مشاعات للبيانات يدفع لمزيد من الشفافية والمسئولية والفاعلية للتعرف على مكان وقوع أحداث غير عادية وأحداث متطرفة، وإعلامنا بالموضع الذي تنهار فيه البنية التحتية. توجد كثير من الأشياء التي يمكننا فعلها بالبيانات، ولكن ينبغي أن تكون أشياء قَيِّمَة.»

بينما تثار هذه التساؤلات الأكبر، يعمل كل من بوكي وإيجل على صقل وزيادة أدوات التنقيب في البيانات في كينيا. ويهدف إيجل لاستخدام الدراسات المسحية لزيادة وضوح وتأكيد الصورة التي نتجت عن التنقيب في بيانات الهواتف المحمولة على نطاق كبير، ويشير قائلًا: إن سجلات المكالمات وحدها ليست كافية في أغلب الأوقات؛ فاستطلاع آراء حتى قليل من الأشخاص يمكن أن يجعل الباحثين يتخلصون من الافتراضات الخاطئة حيال ما توضحه هذه السجلات. فذات مرة، بينما تُحلل بيانات هواتف في رواندا، لاحظ إيجل أن الأشخاص لم ينتقلوا كثيرًا بعد وقوع فيضانٍ، في البداية اعتقد أن الكثيرين منهم طريحي الفراش بسبب الكوليرا، ولكن اتَّضَح أن الفيضان قد جرف الطرق.

وتأمُل بوكي أن تنقب في بيانات الهواتف من أجل استهداف سلالات طفيل الملاريا المقاومة للأدوية، وتحذِّر قائلةً: إن هذه السلالات — التي ظهرت في كمبوديا وأماكن أخرى — يمكن أن تقوض تقدُّم مكافحة المرض إذا سُمِح لها بالتكاثر؛ لذا ترغب في بدء دمج البيانات حول انتشار الطفيليات في نماذج التنقل للمساعدة في وضع استراتيجيات مقاومة المرض المستهدف. وتضيف قائلة: «هذا هو مستقبل علم الأوبئة. إذا أردنا أن نقضي على الملاريا، فهذه هي الطريقة التي سنفعل بها ذلك.»

التكنولوجيا الثورية

صُنْع أدوات لمقاومة الأمراض باستخدام بيانات التنقل من الهواتف المحمولة.

أهميتها: تفتقد الدول الفقيرة للبنية التحتية لجمع المعلومات، ويمكن لبيانات الهواتف أن توفرها.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • كارولين بوكي، جامعة هارفرد.
  • وليام هوفمان، المنتدى الاقتصادي العالمي.
  • أليكس بينتلاند، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
  • أندي تاتم، جامعة ساوثهامبتون.

الشبكات الفائقة، بقلم: كيفن بولِس

يمكن لخطوط التيار المستمر عالية الجهد أن تنقل الكهرباء بفاعليةٍ لآلاف الكيلومترات ولمسافات طويلة تحت الماء، متفوِّقةً على أداء خطوط التيار المتردِّد التي تهيمن على شبكات نقل الطاقة في الوقت الراهن. ولكن على مدار قرن، ساد التيار المتردد بسبب أن التيار المستمر عالي الجهد لم يمكن استخدامه إلا من أجل النقل من نقطة إلى نقطة، وليس لتكوين الشبكات المدمجة اللازمة لنظام كهرباء مستقر.

تغلَّبَتْ مجموعة الشركات السويسرية «إيه بي بي» على العقبة التقنية الرئيسية أمام هذه الشبكات؛ فقد طوَّرت قاطع دائرة تيار مستمر عالي الجهد يتَّسِم بالعملية؛ حيث يفصل أجزاء الشبكة التي تعاني من المشاكل، مما يسمح لبقية الشبكة بمواصلة العمل.

ستكون شبكات التيار المستمر أكثر فاعليةً في التوصيل بمصادر الطاقة المتجددة البعيدة؛ مما يسمح لمرافق الطاقة بموازنة الاختلافات المحلية في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مع توصيل الطاقة للمناطق التي لا تتمتع بشمس ساطعة أو رياح قوية، فالطاقة الشمسية من الصحراء يمكن أن تغذِّي ألمانيا المغطاة بالسحب، ويمكن لطاقة الرياح من كل أرجاء أوروبا أن تضيء المصابيح طوال الليل. ونتيجة ذلك هي طاقة متجددة يُعتمَد عليها على نحوٍ أكبر، ويمكنها منافسة الوقود الحفري.

في معمل «إيه بي بي» في السويد، تُستخدَم أدوات مثل الدروع الإكليلية — أقراص مصقولة موصولة لتشكِّل دوائر — في اختبار قاطع دائرة تيار مستمر عالي  الجهد (بتصريح من «إيه بي بي»).
في معمل «إيه بي بي» في السويد، تُستخدَم أدوات مثل الدروع الإكليلية — أقراص مصقولة موصولة لتشكِّل دوائر — في اختبار قاطع دائرة تيار مستمر عالي الجهد (بتصريح من «إيه بي بي»).
مركز محاكاة يطور أجهزة تحكُّم في شبكات التيار المستمر (بتصريح من «إيه بي بي»).
مركز محاكاة يطور أجهزة تحكُّم في شبكات التيار المستمر (بتصريح من «إيه بي بي»).
عمَّال «إيه بي بي» في محطة تحويل من تيار مستمر إلى تيار متردد (بتصريح من «إيه بي بي»).
عمَّال «إيه بي بي» في محطة تحويل من تيار مستمر إلى تيار متردد (بتصريح من «إيه بي بي»).

التكنولوجيا الثورية

قاطع دائرة تيار مستمر عالي الجهد عملي.

أهميتها: يمكن لشبكات التيار المستمر أن تكون أكثر فاعليةً، وتجعل من الممكن ربط مزارع طاقة الرياح والطاقة الشمسية المبعثَرَة على نطاق واسع.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • إيه بي بي.
  • سيمنز.
  • جنرال أتوميكس.
  • معهد بحوث الطاقة الكهربائية (إي بي آر آي).

التصنيع بالإضافة، بقلم: مارتن لامونيكا

نماذج أولية لدعامات محركات طائرات تبيِّن مدى قدرة «التصنيع بالإضافة» على إنتاج أشكال معقَّدَة مصمَّمة بدقةٍ، مثل النماذج الموجودة في الصورة (تصوير: جينيفر ماي).
نماذج أولية لدعامات محركات طائرات تبيِّن مدى قدرة «التصنيع بالإضافة» على إنتاج أشكال معقَّدَة مصمَّمة بدقةٍ، مثل النماذج الموجودة في الصورة (تصوير: جينيفر ماي).

تُقدِم جنرال إليكتريك على خروج جذري عن الطريقة التقليدية لتصنيعها للأشياء؛ فيستعد قسم الطيران فيها — أكبر مورد في العالم للمحركات النفاثة — لإنتاج منفث وقود لمحرك طائرة جديد عن طريق طباعته بالليزر بدلًا من صب ولحام المعادن. ويمكن لهذا الأسلوب — الذي يُطلَق عليه «التصنيع بالإضافة» (لأنه يصنع الشيء من خلال إضافة طبقات فائقة الرقة من المادة بعضها فوق بعض) — أن يغيِّر الطريقة التي تتبعها جنرال إليكتريك لتصميم وصُنْع الكثير من الأجزاء المعقَّدة التي تدخل في كل شيء، بدءًا من التوربينات الغازية حتى أجهزة الموجات فوق الصوتية.

التصنيع بالإضافة — النسخة الصناعية من الطباعة ثلاثية الأبعاد — يُستخدَم بالفعل لصناعة بعض الأشياء المتخصِّصة، مثل الأجزاء الطبية المستزرَعة، وإنتاج النماذج الأولية البلاستيكية للمهندسين والمصممين، ولكن قرار إنتاج كميات كبيرة من جزء حيوي مكوَّن من خليط معدني ليُستخدَم في آلاف من المحركات النفاثة يُعَدُّ معلمًا هامًّا بالنسبة للتكنولوجيا. وبينما حظيت الطباعة الثلاثية الأبعاد من أجل المستهلكين وصغار رجال الأعمال بقدر كبير من الدعاية، فإن مجال التصنيع هو المجال الذي يمكن لهذه التكنولوجيا أن تترك فيه أثرًا تجاريًّا كبيرًا.

اشترت جنرال إليكتريك في الخريف الماضي شركتين لهما دراية في التصنيع الآلي للمعادن المعتمِد على الدقة، ثم أضافت التكنولوجيا إلى عمليات شركة جنرال إليكتريك أفييشن. لا تمتلك المجموعة الكثير من الوقت لتبيِّن أن تقنيتها الجديدة يمكن أن تعمل على نطاق كبير. وسوف تستخدم شركة «سي إف إم إنترناشيونال» — وهي المشروع المشترَك بين جنرال إليكتريك وشركة «سنيكما» الفرنسية — المنفثات المطبوعة بالتكنولوجيا ثلاثية الأبعاد في محرِّكها النفَّاث من طراز LEAP المزمع وضعه في الطائرات في أواخر ٢٠١٥ أو أوائل ٢٠١٦ (تقول سي إف إم إنها بالفعل لديها التزامات وصلت إلى ٢٢ مليار دولار)، وسوف يستخدِم كل محرك من ١٠ إلى ٢٠ منفثًا؛ وسينبغي على جنرال إليكتريك صنع ٢٥ ألف منفث سنويًّا على مدار ثلاثة أعوام.

اختارت جنرال إليكتريك عملية التصنيع بالإضافة في تصنيع المنفثات؛ لأنها تستخدم موادَّ خامًا أقل من الأساليب التقليدية، وهذا يقلِّل من تكاليف الإنتاج لدى جنرال إليكتريك، ويؤدي إلى توفير كبير في الوقود يعود بالنفع على شركات الخطوط الجوية، بسبب أن هذا الأسلوب في التصنيع يجعل الأجزاء أخف وزنًا. تتطلب الأساليب التقليدية حوالي ٢٠ قطعة لِحام صغيرة معًا، وهي عملية كثيفة العمالة ينتهي فيها الأمر بالتخلُّص من نسبة عالية من المادة الخام. بدلًا من ذلك، سوف يُصنع الجزء من قاعدة من مسحوق الكوبالت والكروم، وتُوجِّه طلقات من الليزر — التي يتحكم فيها جهاز كمبيوتر — الأشعة نحو القاعدة من أجل صَهْر الخليط المعدني في المناطق المرغوبة، صانعةً طبقات بسُمْك ٢٠ ميكرومترًا طبقة فوق طبقة. وتُعَدُّ هذه العملية طريقةً أسرع لتصنيع الأشكال المعقَّدَة؛ لأن الآلات يمكن أن تعمل على مدار الساعة. ويحافظ التصنيع بالإضافة على المواد الخام عمومًا؛ لأن الطابعة يمكنها معالجة الأشكال التي تُصنع بالتخلص من الكتلة الزائدة وتصنعها بدون الفاقد التقليدي في المادة الخام.

تراقب بقية مجموعة جنرال إليكتريك — إضافةً إلى منافساتها — عن كَثَب، وقد حدَّدت شركة جنرال إليكتريك باور أند ووتر — التي تصنع توربينات غازية وهوائية كبيرة — أجزاءً يمكن تصنيعها من خلال عمليات التصنيع بالإضافة، وطوَّرت شركة جنرال إليكتريك هيلث كير طريقةً لطباعة محولات الطاقة، وهي مسابير خزفية غالية الثمن تُستخدَم في أجهزة الموجات فوق الصوتية. ويقول مارك ليتل، الرئيس التقني في جنرال إليكتريك: «إنها تغيِّر حقًّا طريقةَ تفكيرنا في الشركة على نحوٍ جذريٍّ.»

إن الانفصال عن طُرُق التصنيع التقليدية — مثل صب وتشكيل المواد — يمنح مصمِّمي جنرال إليكتريك كثيرًا من المرونة؛ فأجهزة التصنيع بالإضافة تعمل مباشرةً عن طريق نموذج باستخدام الكمبيوتر، وبهذا يستطيع الأشخاص تصميم أشكال جديدة كليًّا بدون الوضع في الاعتبار القيود التصنيعية الموجودة. ويقول ليتل: «يمكننا صُنْع الأشكال التي لم نكن نستطيع صُنْعها من قبلُ.»

لا يزال مهندسو جنرال إليكتريك يستكشفون كيفية استخدام التصنيع بالإضافة مع مجموعةٍ متنوعةٍ من السبائك المعدنية، بما في ذلك بعض المواد المصمَّمَة خصيصًا للطباعة الثلاثية الأبعاد. على سبيل المثال، تدرس جنرال إليكتريك أفييشن استخدام سبائك التيتانيوم والألومنيوم والنيكل كروم، ويمكن تصنيع جزء واحد من سبائك متعددة؛ مما يسمح للمصمِّمين بتفصيل خصائصه المادية بطريقةٍ لم تَكُنْ ممكِنةً من قبلُ من خلال الصب. فعلى سبيل المثال، يمكن صناعة ريشة المحرك أو التوربين باستخدام مواد مختلفة، بحيث يجري تحسين إحدى النهايتين لتتَّسِم بالقوة، والنهاية الأخرى بمقاومة الحرارة.

كل هذا لا يزال حبرًا على ورق، أو بالأحرى في التصميمات التي صنعها مهندسو الإنتاج باستخدام أجهزة الكمبيوتر، وحتى الآن، سيمثِّل منفث المحرك من تصنيع جنرال إليكتريك — الجزءَ الصغير الذي يمكن أن تحمله في راحة يدك — أولَ اختبار كبير لما إذا كان التصنيع بالإضافة سيستطيع إحداث ثورة في طريقة تصنيع المنتجات المعقَّدَة العالية الأداء أم لا.

التكنولوجيا الثورية

سوف تستخدم جنرال إليكتريك الطباعة الثلاثية الأبعاد لإنتاج جزء معدني رئيسي من أجل محركاتها النفاثة الجديدة.

أهميتها: لأنه من الممكن للتصنيع بالإضافة أن يجعل الأجزاء المعقَّدَة أكثر رخصًا، ويمكنه إحياء الكثير من قطاعات التصنيع المتقدمة.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • جنرال إليكتريك أفييشن.
  • إي إيه دي إس.
  • يونايتد تكنولوجيز.
  • برات أند ويتني.

الساعات الذكية، بقلم: جون بافلوس

تصوير: بيتر بيلانجر.
تصوير: بيتر بيلانجر.

لم يرغب إريك ميجيكوفسكي حقًّا في «كمبيوتر يمكن ارتداؤه». عندما تخيَّلَ لأول مرة ما ستصبح عليه ساعة بيبل الذكية منذ خمس سنوات، بينما كان طالبًا يدرس التصميم الصناعي في جامعة دلفت للتكنولوجيا بهولندا، أراد فحسب طريقةً لاستخدام هاتفه المحمول الذكي دون أن يصدم دراجته. يقول المخترع الكندي البالغ من العمر ٢٦ عامًا: «فكرت في ابتكار ساعة يمكنها جلب المعلومات من هاتفي، وانتهيت بصنع نموذج تجريبي في حجرتي في مهجع الطلاب.»

والآن يشحن ميجيكوفسكي ٨٥ ألف ساعة بيبل للمستهلكين المتحمسين الذين لا يرغبون في سحب اللوح الزجاجي من جيوبهم لمجرد فحص البريد الإلكتروني أو حالة الطقس. تستخدم ساعة بيبل البلوتوث للاتصال لاسلكيًّا بآي فون أو هاتف يعمل بنظام أندرويد، وتعرض التنبيهات وغيرها من الرسائل والبيانات البسيطة التي يختارها المستخدم لتُعرَض على شاشتها الصغيرة من البلور السائل التي تدعم اللونين الأبيض والأسود. في عام ٢٠١٢، وباستخدام منصة جَمْع التبرعات الإلكترونية Kickstarter، طلب ميجيكوفسكي ١٠٠ ألف دولار للمساعدة في طرح ساعات بيبل في الأسواق. بعد مضي خمسة أسابيع، كان قد جمع أكثر من ١٠ ملايين دولار؛ وهذا جعل حملته هي أكبر حملة في الإيرادات على المنصة حتى الآن، وفجأةً أصبحت الساعات الذكية فئة حقيقية في فئات المنتجات. وقد دخلت سوني في هذه السوق في العام الماضي، وتوشك سامسونج على الدخول فيها، ويبدو أنه من المرجَّح أن تتبعها أبل.

رغم أن ساعة بيبل التي يبلغ سعرها ١٥٠ دولارًا يمكن استخدامها للتحكم في قائمة الموسيقى أو تشغيل تطبيقات بسيطة على غرار RunKeeper — وهو تطبيق يعمل بالحوسبة السحابية لمتابعة اللياقة البدنية — فإن ميجيكوفسكي وفريقه صمَّموا الساعة متعمدين أن تقوم بأقل أعمال ممكنة، حيث تترك التطبيقات الأكثر تعقيدًا للهواتف. فالتركيز على جعل الساعة سهلة الفهم بنظرة واحدة كان المنطلق لكل جوانب التصميم. فعلى سبيل المثال، الشاشة التي تدعم الأبيض والأسود يمكن قراءة محتوياتها في ضوء الشمس المباشر، وتعرض محتواها باستمرار دون الحاجة لضبطها على وضع «النوم» من أجل الحفاظ على طاقة البطارية، على النقيض من الشاشات التي تدعم الألوان أو التي تعمل بخاصية اللمس.

سوف تُطرَح هذه الساعات في الأسواق قبل جوجل جلاس ببضعة أشهر، التي تمثِّل هي الأخرى محاولةً لحل المشكلة التي تعالجها بيبل، وهي كما يقول مارك رولستون، المدير الإبداعي في شركة «فروج ديزاين»: «التفاعل مع هواتفنا يفرض تكاليف معينة لا توجد ضرورة لها.» ولكن جوجل جلاس سوف تحاول أن تحل محل الهواتف الذكية تمامًا عن طريق دمج كمبيوتر وشاشة في إطار نظارة، بحيث يستطيع مرتدوها «تعزيز» رؤيتهم للعالم بالبيانات، وهذا يتوافق مع التنبؤات بظهور الحوسبة التي يمكن ارتداؤها. ولكن من الأسهل إدراك أن فكرة بيبل تَلْقَى شعبية أكبر؛ فمن خلال استخدام ساعة — أداة تقليدية — تحاوِل بيبل أن تتوافق مع المعايير المجتمعية القائمة بدلًا من خلق معايير جديدة.

التكنولوجيا الثورية

ساعات تستقي بياناتٍ مختارَةً من الهواتف المحمولة، لكي يستطيع مرتدوها التعرف على المعلومات في لمح البصر.

أهميتها: رغم أن الحوسبة تصبح أكثر تطورًا، فإن الناس يرغبون في واجهات مستخدم بسيطة وسهلة الاستخدام.

  • المشاركون الرئيسيون فيها:
  • بيبل.
  • سوني.
  • موتورولا.
  • ميتا ووتش.

استزراع الذاكرة، بقلم: جون كوهين

يتخيَّل ثيودور بيرجر — مهندس الطب الحيوي وعالِم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا الجنوبية في لوس أنجلوس — يومًا في المستقبل القريب يحصل فيه مريض يعاني من فقدانِ ذاكرة حادٍّ على المساعدة من خلال عملية استزراع إلكتروني. فلدى الأشخاص الذين تعاني مخاخهم ضررًا بسبب ألزهايمر أو سكتة دماغية أو إصابة ما، غالبًا ما تمنع الشبكات العصبية المعطَّلة تكوين الذكريات الطويلة المدى. ولما يزيد عن عقدين، صمَّم بيرجر شرائح من السليكون تحاكي عملية معالجة الإشارات التي تقوم بها هذه الخلايا العصبية عندما تعمل على نحوٍ صحيح، وهو العمل الذي يسمح لنا باستدعاء الخبرات والمعارف التي عرفناها منذ أكثر من دقيقة. يرغب بيرجر في النهاية في استعادة القدرة على صنع الذكريات الطويلة المدى عن طريق زراعة شرائح مثل هذه الشرائح في المخ.

الفكرة جريئة جدًّا وخارجة عن الإطار التقليدي لعلم الأعصاب، لدرجة أن بيرجر يشير إلى أن زملاءه يرون أنه تقريبًا مجنون. ويضيف قائلًا: «أخبروني أنني جننت منذ فترة طويلة.» قالها ضاحكًا بينما كان يجلس في حجرة مؤتمرات بجوار أحد معامله. ولكن بالنظر إلى نجاح التجارب الأخيرة التي نفَّذتها مجموعته والعديد من المتعاونين القريبين، فإن بيرجر يُسقِط صفة الجنون ويظهر على نحو متزايد في دور الرائد صاحب الرؤية.

لم يُجْرِ بيرجر وزملاؤه الباحثون اختبارات على البشر بعدُ للأجزاء العصبية التعويضية الصناعية، ولكن أوضحت تجاربهم كيف يمكن لشريحة السليكون الموصولة خارجيًّا بمخاخ الجرذان والقردة عن طريق أقطاب كهربية أن تعالج المعلومات مثل الخلايا العصبية بالضبط. ويشير قائلًا: «إننا لا نضع ذكريات منفردة مرة أخرى في المخ، إنما نضع القدرة على توليد الذكريات.» وفي دراسة مبهرة نُشِرت الخريف الماضي، أظهر بيرجر وزملاؤه أنه يمكنهم أيضًا مساعدة القردة على استعادة الذكريات الطويلة المدى من جزء المخ الذي يخزنها.

رسوم: دان وينترز.
رسوم: دان وينترز.

إذا كانت زراعةُ شرائح الذاكرة بعيدةَ الاحتمال، فإن بيرجر يشير إلى النجاحات الأخيرة في عمليات استزراع الأعصاب. فالمستزرعات القوقعية الآن تساعد ما يزيد على ٢٠٠ ألف شخص مصاب بالصمم على السمع، عن طريق تحويل الصوت إلى إشارات كهربية وإرسالها إلى العصب السمعي. وفي الوقت نفسه أظهرت التجارب الأولية أن الأقطاب الكهربية المستزرعة يمكن أن تسمح للأشخاص المصابين بالشلل بتحريك أذرع آلية عن طريق الأفكار. وقد حقَّق بعض الباحثين الآخَرين نجاحًا أوليًّا مع شبكية العين الاصطناعية لدى المصابين بالعمى.

مع ذلك، فإن استعادة نوعٍ من الإدراك في المخ أكثر صعوبةً بكثير من أيٍّ من هذه الإنجازات؛ فقد قضى بيرجر كثيرًا من السنوات الخمس والثلاثين الماضية في محاولة فهم الأسئلة الأساسية المتعلقة بسلوك الخلايا العصبية في الحُصَين، وهو جزء من المخ معروف أنه يشترك في تكوين الذاكرة. ويقول عن ذلك: «إنه أمر واضح للغاية؛ يحول الحصين الذكريات القصيرة المدى إلى ذكريات طويلة المدى.»

إن ما يمكن أن تصفه بأي شيء غير الوضوح هو كيفية إنجاز الحصين لهذا العمل المعقَّد. وضع بيرجر نظريات رياضية تصف كيفية انتقال الإشارات الكهربية عبر الخلايا العصبية في الحصين من أجل تكوين الذكرى الطويلة المدى، وأثبت أن معادلاته تتطابق مع الواقع. ويقول متسائلًا: «لا ينبغي عليك أن تفعل كل ما يفعله المخ، ولكن هل تستطيع أن تحاكي على الأقل بعض الأشياء التي يفعلها المخ الحقيقي؟ هل يمكنك صياغتها في نموذج ووضعها في جهاز؟ هل يمكنك أن تجعل هذا الجهاز يعمل في أي مخ؟ هذه هي الأسئلة الثلاثة التي تجعل الناس يعتقدون أنني مجنون، فهم يعتقدون فحسب أن هذا صعبٌ للغاية.»

فك الشفرة

كثيرًا ما يتحدَّث بيرجر بجمل تكون في طول الفقرات، ويقدِّم الكثير من الملاحظات العرضية والحواشي والانحرافات التامة عن الفكرة. طلبت منه أن يعرِّف الذكرى، فقال: «هي سلسلة من النبضات الكهربية على مدار الوقت، يولِّدها عددٌ معيَّنٌ من الخلايا العصبية. هذا مهم بسبب أنه يمكنك اختزالها في هذه الصورة ووضعها مرة أخرى في إطار عمل. ولا تستطيع فهمها في سياق الأحداث البيولوجية التي تحدث فحسب؛ فهذا يعني أنه يمكنك غرسها، ويمكن التعامل معها، ويمكنك أن تضع قطبًا كهربيًّا هناك، ويمكنك تسجيل شيء يتوافق مع تعريفك للذكرى. يمكنك أن تجد الخلايا العصبية البالغ عددها ٢١٤٧ التي تكون جزءًا من هذه الذكرى. وما الذي تولده هذه الخلايا؟ تولِّد هذه السلسلة من النبضات. ليس هذا غريبًا، إنه أمر يمكن التعامل معه، وهو مفيد، وهذا هو ما يحدث.»

هذه هي النظرة التقليدية للذكرى، ولكنها لا تمس إلا السطح فقط. وما يسبب الإحباط الدائم لبيرجر هو أن الكثير من الزملاء الذين يسبرون أغوار عالَم المخ الغامض هذا لم يحاولوا التعمق أكثر. فعلماء الأعصاب يتتبعون الإشارات الكهربية في المخ عن طريق مراقبة جهود الفعل، أي التغيرات بالميكروفولت على سطح الخلايا العصبية. ولكن يشير بيرجر إلى أنه في معظم الأوقات، تفرط تقاريرهم في تبسيط ما يحدث بالفعل. ويستطرد قائلًا: «يكتشفون حدثًا مهمًّا في البيئة ويحسبون جهود الفعل، فيقولون: «ارتفع من ١ إلى ٢٠٠ بعد أن فعلت شيئًا. إنني أكتشف شيئًا مثيرًا للاهتمام!» ما الذي تكتشفه؟ «زاد النشاط.» ولكن ما الذي تكتشفه؟ «زاد النشاط.» ماذا إذن؟ هل يشفر هذا شيئًا؟ هل يمثل شيئًا تهتم به الخلية العصبية المجاورة؟ هل يجعل الخلية العصبية المجاورة تفعل شيئًا مختلفًا؟ هذا هو ما يفترض أننا نفعله: تفسير الأشياء وليس وصف الأشياء فحسب.»

أخذ بيرجر قلم سبورة وملأ سبورة بيضاء من أعلى لأسفل بخط من الدوائر التي تمثِّل الخلايا العصبية، وبجوار كل دائرة رسم خطًّا أفقيًّا به نمط مختلف من النقاط. يقول بيرجر: «هذا أنت في مخي، وكوَّن الحصين لديَّ بالفعل ذكرى طويلة المدى لك. سوف أتذكرك خلال الأسبوع القادم، ولكن كيف يمكن أن أميِّزك عن الشخص التالي؟ دَعْنا نَقُلْ: إنه توجد ٥٠٠ ألف خلية في الحصين تمثِّلك، وتوجد كل أنواع الأشياء التي تشفرها كل خلية — مثل شكل أنفك نسبة إلى حاجبك — وهي تشفر ذلك بأنماط مختلفة. إذن، حقيقة الجهاز العصبي معقَّدة بالفعل، وهذا هو السبب في أننا ما زلنا نطرح هذه الأسئلة الأساسية المحدودة حيالها.»

في الدراسات العليا في جامعة هارفرد، كان المشرف على بيرجر هو ريتشارد تومسون الذي درس التغيرات الموضعية التي يسبِّبها التعلم في المخ. استخدم تومسون نغمةً ونفخةً من الهواء لجعل الأرانب تطرف بعينيها، وكان هدفه هو تحديد «المكان» الذي تُخزَّن فيه الذكرى التي تسبَّبَ بها. كانت الفكرة هي اكتشاف مكان معين في المخ يتركَّز فيه التعلُّم، وعن ذلك يقول بيرجر: «إذا تعلَّمَ الحيوان ذلك بالفعل وأزلت هذا الجزء، لن يستطيع الحيوان أن يتذكَّر.»

تمكن تومسون بمساعدة من بيرجر من القيام بهذا الأمر، ونشَرَا النتائج في عام ١٩٧٦. ومن أجل اكتشاف المكان لدى الأرانب، أَوْصَلَا مخاخ الحيوانات بأقطاب كهربية يمكنها أن تراقب نشاط الخلايا العصبية. لدى الخلايا العصبية بوابات في أغشيتها، والتي تسمح للجسيمات المشحونة كهربيًّا مثل الصوديوم والبوتاسيوم بالدخول والخروج. وثَّق تومسون وبيرجر الزيادات المفاجئة في كهربة الحصين بينما تكوِّن الأرانب الذكرى. والطول الموجي للحسكات (الذي يمثِّل جهد الفعل) والمسافة بين هذه الرءوس شكَّلَا نمطًا ما. أشار بيرجر إلى أنه لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة أن تعمل الخلايا بطريقة تشكِّل أنماطًا مرتبطة بالوقت.

قضى ثيودور بيرجر حياته المهنية في محاولة فهم طريقة تكوين الخلايا العصبية للذكريات (تصوير: ميشا جريفنور).
قضى ثيودور بيرجر حياته المهنية في محاولة فهم طريقة تكوين الخلايا العصبية للذكريات (تصوير: ميشا جريفنور).

وهذا قاده إلى سؤال محوري يمثِّل أساس عمله الحالي: بينما ترسل الخلايا الإشاراتِ الكهربيةَ وتستقبلها، ما النمط الذي يصف العلاقة الكمية بين المدخلات والمخرجات؟ أي إنه إذا كانت إحدى الخلايا العصبية تعمل في وقت ومكان معينين، فما الذي تفعله بالضبط الخلايا العصبية المجاورة لها استجابةً لذلك؟ يمكن أن تكشف الإجابة عن الشفرة التي تستخدمها الخلايا العصبية لتكوين الذكرى الطويلة المدى.

ولكن سرعان ما اتَّضَح أن الإجابة كانت غايةً في التعقيد. في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وبينما كان بيرجر يعمل في جامعة بتسبيرج مع روبرت سكلاباسي، أصبح مهووسًا بسمة مميزة في الشبكات العصبية الموجودة في الحصين. فعندما أثَارَا الحصين لدى الأرنب بالنبضات الكهربية (المدخلات) ورسَمَا طريقةَ انتقالِ الإشارات عبر مجموعات الخلايا العصبية المختلفة (المخرجات)، لم تكن العلاقة التي لاحظاها بين الاثنين علاقةً خطيةً. يقول بيرجر: «لنَقُلْ أنك تُدخِل ١ وتحصل على ٢. هذا سهل للغاية، إنها علاقة خطية.» مع ذلك يقول: إنه اتَّضح أنه «لا يوجد بالضرورة حالة في المخ تحصل فيها على نشاط خطي؛ محصلة خطية. دائمًا ما تكون المحصلة غير خطية.» تتداخل الإشارات، وتُخمِد بعضُ الخلايا النبضاتِ الكهربيةَ القادِمَةَ والبعضُ يُبرِزها.

في بدايات تسعينيات القرن العشرين، أصبح فهمه — وأجهزة الكمبيوتر — أكثر تقدُّمًا، لدرجة أنه استطاع العمل مع زملائه في قسم الهندسة في جامعة جنوب كاليفورنيا على صُنْع شرائح كمبيوتر تحاكي عملية معالجة الإشارات التي تحدث في أجزاء الحصين. ويشير قائلًا: «أصبح من الواضح أنه إذا استطعتُ أن أجعل هذه الأشياء تعمل بعدد كبير من العتاد الصلب، فقد حصلت على جزء من المخ. لماذا لا نربطها بما هو موجود في المخ؟ لذا بدأت في التفكير جِديًّا في الجراحات التعويضية قبل أن يفكِّر فيها أي شخصٍ آخَر.»

زراعة مخ

بدأ بيرجر العمل مع فاسيليس مارمارليس — مهندس طب حيوي في جامعة جنوب كاليفورنيا — للبدء في صناعة مخ للزراعة، وبدأا العمل أولًا على شرائح من الحصين من الجرذان. ولمعرفتهما بأن الإشارات العصبية تنتقل من طرف الحصين للطرف الآخَر، أرسل الباحثان نبضاتٍ كهربيةً عشوائيةً إلى الحصين، وسجَّلَا الإشارات عند مواقع مختلفة لِيَرَيَا كيف تحوَّلت، ثم اشتقَّا معادلاتٍ رياضيةً تبيِّن التحوُّلات، واستخدَمَا هذه المعادلات في شرائح حاسوبية.

بعد ذلك، لتقييم ما إذا كانت الشريحة ستكون بمنزلة بديل عن منطقة الحصين المتضررة أم لا، درس الباحثان ما إذا كانا يستطيعان تجنُّب جزء رئيسي من المسار في شرائح المخ. حملت الأقطاب الكهربية الموضوعة في المنطقة نبضات كهربية لشريحة خارجية، والتي أجرت التحويلات التي تحدث طبيعيًّا في الحصين، ونقلت أقطاب أخرى الإشارات مرة أخرى للمخ.

ثم قفز الباحثان قفزةً للأمام بتجربة الشرائح على جرذان حية، حيث أوضَحَا أن الكمبيوتر يمكنه في الواقع العمل بمنزلة جزء صناعي من الحصين، وبدأا بتدريب الحيوانات على دَفْع إحدى رافعتين للحصول على طعام، مسجِّلين سلسلةَ النبضات التي تحدث في الحصين عندما تختار الحيوانات الرافعة الصحيحة. وحاكى بيرجر وفريقه — باستخدام هذه البيانات — الطريقة التي تحوَّلَتْ بها الإشارات بينما تحوَّل الدرس إلى ذكرى طويلة المدى، والتقطوا الشفرة التي اعتقدوا أنها تمثِّل الذكرى نفسها، وأثبتوا أن جهازهم يُمكِنه توليد شفرةِ الذكرى الطويلة المدى من إشارات المدخلات المسجلة في مخاخ الجرذان بينما يتعلمون المهمة. ثم أعطوا الجرذان عقَّارًا يمنع القدرة على تكوين ذكريات طويلة المدى؛ مما تسبَّب في نسيانهم للرافعة التي تقدِّم الطعام، وعندما حفَّز الباحثون مخاخ الجرذان التي تناولت العقَّار بالشفرة، كان الجرذان قادرين مرةً أخرى على اختيار الرافعة الصحيحة.

في العام الماضي، نشر علماءُ تجاربَ أُجرِيت على حيوانات من رتبة الرئيسيات تتضمن قشرة الفص الجبهي، وهي جزء المخ الذي يسترجع الذكريات الطويلة المدى التي يصنعها الحصين. وضع العلماء أقطابًا في مخ القرد لالتقاط الشفرة المكوَّنة في قشرة الفص الجبهي التي يعتقدون أنها تسمح للحيوانات بتذكُّر الصورة التي عُرِضت عليها قبل ذلك، ثم خدَّروا القرد باستخدام الكوكايين الذي يشل هذه المنطقة من المخ، ومن خلال استخدام الأقطاب المزروعة في إرسال الشفرة الصحيحة لقشرة الفص الجبهي لدى القرد، حسَّن الباحثون بصورة كبيرة أداءَ الحيوان في مهمة التعرُّف على الصورة.

يأمل بيرجر وزملاؤه أن يزرعوا في غضون العامين المقبلين جهازًا تعويضيًّا للذاكرة بالفعل لدى الحيوانات، كما يرغبون أيضًا في إيضاح أن شرائح الحصين الخاصة بهم يمكنها تكوين ذكريات طويلة المدى في الكثير من المواقف السلوكية المختلفة. فرغم كل شيء، هذه الشرائح تعتمد على المعادلات الرياضية التي استقاها الباحثون من تجاربهم، فمن الممكن أن الباحثين كانوا ببساطة يكتشفون الشفرة المرتبطة بهذه المهمات بعينها. ماذا لو كانت هذه الشفرات غير قابلة للتعميم؟ ماذا لو كانت المدخلات المختلفة تُعالج بطُرُق مختلفة؟ بعبارة أخرى، من الممكن أنهم لم يحلوا الشفرة، وإنما فكَّكوا تشفير بضعة رسائل بسيطة فحسب.

يسلم بيرجر بأنه ربما يكون هذا هو الحال، وأن شرائحه ربما تشكِّل ذكريات طويلة المدى في عدد محدود من المواقف، ولكنه يشير إلى أن تكوين المخ والخصائص البيولوجية الفيزيائية له تقيِّد مما يمكن أن يحدث: في الواقع، توجد الكثير من الطرق التي يمكن أن تتحوَّل بها الإشارات الكهربية في الحصين. ويضيف قائلًا: «أعتقد بالفعل أننا سنكتشف نموذجًا جيدًا جدًّا للكثير من الحالات، وربما معظم الحالات. فالهدف هو تحسين نوعية الحياة لدى أشخاص يعانون من عجز حادٍّ في الذاكرة، فإذا استطعت مَنْحَهم القدرة على تكوين ذكريات طويلة المدى لنصف الحالات التي يعيشها معظم الأشخاص؛ فسأكون في منتهى السعادة، وكذلك سيكون معظم المرضى.»

ورغم الشكوك، يخطِّط بيرجر وزملاؤه للدراسات التي ستُجرَى على البشر، فيتعاون مع أطباء في جامعته يختبرون استخدام أقطاب مزروعة على كل جانب من جانبي الحصين، من أجل رصد النوبات لدى المرضى الذين يعانون من الصرع الحاد ومنعها. وإذا أحرز المشروع التقدُّم المتوقَّع؛ فسوف تعتمد مجموعة بيرجر على التجربة من أجل البحث عن شفرات الذاكرة في مخاخ هؤلاء المرضى.

يقول بيرجر: «لم أعتقد أبدًا أنني سأشهد تطبيق ذلك على البشر، ومناقشاتنا في الوقت الراهن تدور حول وقت وكيفية حدوث ذلك. لم أعتقد أبدًا أني سأعيش لأشهد هذا اليوم، ولكني أعتقد الآن أن ذلك سيحدث.»

التكنولوجيا الثورية

تجارب على الحيوانات توضِّح أنه من الممكن حل مشكلات الذاكرة باستخدام أقطاب مزروعة.

أهميتها: يمكن أن يتسبَّبَ تلفٌ في المخ في فقدان الأشخاصِ القدرةَ على تكوين ذكريات طويلة المدى.

المشاركون الرئيسيون فيها:

  • ثيودور بيرجر، جامعة جنوب كاليفورنيا.
  • سام ديدويلر، ويك فورست.
  • جريج جيرهارد، جامعة كنتاكي.
  • وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتطورة (داربا).

استعادة وظيفة المخ المفقودة، بقلم: سوزان يونج

رسوم: جون ماكنيل.
رسوم: جون ماكنيل.

كيف تصنع جهازًا تعويضيًّا إلكترونيًّا في المخ يمكنه إعادة قدرة الشخص على تكوين الذكريات الطويلة المدى؟ التجارب الحديثة التي أجراها ثيودور بيرجر وزملاؤه — بما فيهم سام ديدويلر في مركز «ويك فورست بابتيست» الطبي في وينستون-سالم بنورث كارولاينا، والباحثون في جامعة كنتاكي في ليكسينجتون — قد بدأت في إيضاح كيف يمكن عمل ذلك.

أوضح الفريق في العام الماضي أن الجهاز المزروع الذي يسجِّل نشاط مجموعة من الخلايا العصبية ويوجه نشاط مجموعة أخرى، يمكن أن يحل محل الوظيفة المفقودة في مخ القردة. استخدم الباحثون مجموعةً مرتَّبةً من الأقطاب لقياس النشاط الكهربي للخلايا العصبية الموجودة في قشرة الفص الجبهي لدى الحيوانات، وهي منطقة في المخ تشارك في اتخاذ القرار وتتحكم في أنواع كثيرة من الاستجابات المعرفية المرتبطة بالذاكرة. دُرِّبت خمسةُ قرود على أداء مهمة خاصة بالذاكرة، يُعرَض عليهم فيها صورة على شاشة، ثم عليهم أن يستخدموا حركات اليد لتوجيه مؤشِّر إلى الصورة عندما تُعرَض عليهم بعد ذلك مجموعةٌ من الصور الفنية.

سُجِّل النشاط العصبي لدى القرود بواسطة جهاز إلكتروني دقيق مغلَّف بالخزف، ونُقِلت البيانات إلى جهاز كمبيوتر خارجي. في الجزء الأول من التجربة، حلَّل الباحثون نشاط المخ الذي سُجِّل من القشرة المخية، ولكن بعد ذلك وصلوا للجزء الصعب، فالذكرى تتكون عندما تعالج مجموعة من الخلايا العصبية الإشارات القادمة من مجموعة أخرى، ولكن كيف يمكنك تكرار هذه العملية في جهاز إلكتروني؟ أولًا: عليك اكتشاف الشفرة التي يستخدمها المخ. تمكن فريق الباحثين من خلال التسجيلات الأولية من استنباط ما يُطلَق عليه نموذج «الإدخال المتعدد والإخراج المتعدد»، والذي يُعرَف اختصارًا (إم آي إم أو)، ويستطيع هذا النموذج الرياضي تمييزَ أنماطِ نشاطِ الخلايا العصبية الذي يرصده القطب المزروع، وإرسال الإشارات — بعد معالجة الأنماط — التي تأمر الخلايا العصبية الأخرى بتكوين الذكرى المناسبة.

أعطى الباحثون القردةَ الكوكايينَ من أجل إثبات نجاح نموذجهم. عانت القردة المشوَّشة بسبب الكوكايين صعوبةً في تذكُّر الصورة الصحيحة، ولكن بوجود الجهاز المزروع وترجمة نموذج «الإدخال المتعدد والإخراج المتعدد» للإشارات القادمة، وإعادة تغذية البيانات لمجموعة أخرى من الخلايا العصبية، تمكنوا من اختيار الصورة الصحيحة على النحو الموثوق به نفسه كما هو معتاد، إن لم يكن بصورة أكبر.

ولكن كيف لطبيب أن يعيد غرس وظيفة في المخ، مثل القدرة على تكوين ذكريات طويلة المدى والتي فقدها شخص ما بالفعل؟ في هذه الحالة، لن يكون مجرد محاكاة نموذج سابق لطريقة عمل مخ الشخص وتكرارها في الجهاز الإلكتروني مُمكِنًا. مع ذلك، تشير التجارب الأولية إلى أن تسجيلًا من مخ شخصٍ صحيحٍ يمكن أن يُستخدَم لدى الشخص المصاب أو المريض. يقول ديدويلر: «سجلنا لعدد من القوارض، وتمكنَّا من تقديم نموذج عامٍّ لنوع معين من المعالجة.» سيكون على فريق البحث التأكُّد مما إذا كانت القواعد نفسها تنطبق على رتبة الرئيسيات، فإذا كانت تنطبق، فقد يعني ذلك أن نموذج «الإدخال المتعدد والإخراج المتعدد» يمكن استخدامه لتكوين «نمط عام من شأنه أن يحاكي عملية المعالجة التي يقوم بها معظمنا فيما يخص أنواعًا معينة من المهمات.» وذلك وفق تصريحات ديدويلر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.