تخيَّلْ أنك تجلس على طاولة ومعك كيس به سكر وملعقة صغيرة وكوب ماء، ثم فتحت الكيس وأضفت ملعقةً من السكر إلى الماء، ثم ملعقة أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى تصل إلى إضافة عشرين ملعقة. هل ستشرب هذا الماء؟

السكر لذيذ لكن مضر.
السكر لذيذ لكن مضر.

حتى أكثر الأطفال حبًّا للسكر سوف يجده غير مستساغٍ على نحو بغيض. ومع ذلك، هذه هي كمية السكر التي يُحتمَل أن تتناولها اليوم، وكل يوم؛ عادةً دون أن تدرك ذلك.

كان السكر قديمًا مكونًا فاخرًا يقتصر على المناسبات الخاصة، ولكنه أصبح يشكِّل في السنوات الأخيرة جزءًا كبيرًا ومتزايدًا من أنظمتنا الغذائية. فإذا ما تناولت طعامًا مُصنَّعًا من أي نوع، فسيحتوي على الأرجح على سكر مضاف؛ فثلاثة أرباع الأغذية المعلَّبَة التي تباع في متاجر الولايات المتحدة تحتوي على سكر أُضِيف إليها أثناء التصنيع. ويمكنك أن تجده في شرائح الخبز وحبوب الإفطار وتتبيلات السَّلَطة وأنواع الحساء وصلصات الطبخ والعديد من المواد الغذائية الأخرى، بل حتى المنتجات قليلة الدسم غالبًا ما تحتوي على الكثير من السكر المضاف.

ومما لا يكاد يُختلَف عليه أن كلَّ هذا السكر ربما لا يمنحنا أية فائدة. يُوصَف السكر في الوقت الراهن بأنه العدو الأول للصحة العامة؛ فهو يماثل الدهون سوءًا — إن لم يكن أسوأ منها — وهو كذلك السبب الرئيسي وراء السمنة وأمراض القلب ومرض السكري من النوع الثاني. بل يزعم بعض الباحثين أن السكر سامٌّ أو مسبِّبٌ لإدمانه.

ونتيجة لذلك، تستعدُّ الهيئات المختصة بالصحة «للحرب على السكر»، وتطالبنا منظمة الصحة العالمية أن نخفض من استهلاكه جذريًّا. وفي الولايات المتحدة، يضغط الأطباء والعلماء على شركات الأغذية؛ من أجل خفض نسبة السكر، وأن تكون أكثر صراحةً حول كمية ما يضيفونه. وفي المملكة المتحدة أطلقت مجموعة تُسمَّى «خطوات ضد السكر» لتوِّها حملةً لتقليل تناوُلِ السكر تدريجيًّا. ويدرس السياسيون فرضَ ضرائب على المشروبات الغنية بالسكر. ولكن هل السكر حقًّا بهذا السوء؟ أم أن كل هذا زوبعة في فنجان؛ وأنه لا ضير من السكر؟

عندما يتحدث علماء التغذية عن السكر، فليس السكرُ الموجود على نحوٍ طبيعي في الأغذية مثل الفواكه والخضراوات هو ما يثير قلقهم، أو اللاكتوز الموجود في الحليب، ولكن ما يقلقهم هو السكر المضاف؛ وهو عادة ما يكون في شكل السكَروز (سكر المائدة) أو شراب الذرة عالي الفركتوز.

لم يكن أسلافنا الأوائل يألفون هذه الأشكال المكرَّرة من السكر إطلاقًا، وقد كان السكر حتى وقت قريب نسبيًّا سلعةً نادرةً وثمينةً، ولم يصبح السكر جزءًا عاديًّا من النظام الغذائي الغربي إلا بعد أن جلب الأوروبيون قصبَ السكر إلى العالم الجديد، وأوكلوا زراعته للعبيد في القرن الثامن عشر. وفي العقد الأول من القرن الثامن عشر كان استهلاك الأسرة الإنجليزية العادية أقل من كيلوجرامين من سكر المائدة سنويًّا، وبحلول نهاية ذلك القرن تضاعفت هذه الكمية أربع مرات (انظر الشكل البياني).

طعم السكر: استهلاك السكر لكل شخص في المملكة المتحدة والولايات المتحدة في ارتفاع مطرد.
طعم السكر: استهلاك السكر لكل شخص في المملكة المتحدة والولايات المتحدة في ارتفاع مطرد.

وقد استمر الاتجاه التصاعدي بلا انقطاع غالبًا منذ ذلك الحين. وبين أوائل سبعينيات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، ارتفع متوسط ​​السعرات الحرارية اليومية التي يتناولها البالغون في الولايات المتحدة بنسبة ١٣ بالمائة، غالبًا عن طريق تناول المزيد من الكربوهيدرات، بما في ذلك السكر. وفي عام ١٩٩٦، ارتفعت السعرات الحرارية التي يتناولها الشخص البالغ العادي في الولايات المتحدة عمَّا كان عليه الاستهلاك في عام ١٩٧٧ بمعدل ​​٨٣ سُعرًا حراريًّا يوميًّا من السكر المضاف. أما في وقتنا الحالي فقد وصل الاستهلاك السنوي للسكر في الولايات المتحدة إلى ما يقرب من ٤٠ كيلوجرامًا للشخص الواحد؛ أي بمعدل أكثر من ٢٠ ملعقة صغيرة يوميًّا.

هذا الارتفاع الشديد في استهلاك السكر له أسباب عديدة، ولكن أحد أهم هذه الأسباب كان ابتكارَ شرابِ الذرة عالي الفركتوز في عام ١٩٥٧؛ وهو محلول لزج يتكوَّن من الجلوكوز والفركتوز، طعمه حلو مثل سكر المائدة، ولكنه عادةً ما يكون أرخص بنحو ٣٠ بالمائة.

وبمجرد أن أصبح مصدر التحلية هذا متاحًا، أضافه مصنِّعُو المواد الغذائية بكثرةٍ إلى منتجاتهم (انظر الشكل). ويتساءل الدكتور سيرج أحمد — وهو عالم أعصاب في جامعة بوردو بفرنسا — قائلًا: «بما أن الجوع لم يَعُدْ عاملًا مهمًّا في معظم الدول المتقدمة، فما الذي يمكن أن يجعل الناس يأكلون أكثر؟ إنها متعة تناول الطعام. وما الذي يسبِّب متعة تناول الطعام؟ إنه السكر.»

السكر الخفي

من المرجح أن توصي منظمة الصحة العالمية بأن السعرات الحرارية التي تأتي من السكر المضاف لا يجب أن تتجاوز ٥٪. ولكن كميات كبيرة منه تختبئ في الأطعمة المصنعة …

… وهو ما يعني أن الشخص البالغ العادي في الولايات المتحدة يتناول أكثر من ١٠٠ جرام في اليوم الواحد، معظمها من المشروبات الغازية (١٠٠ جرام من السكروز تساوي تقريبًا ٤٠٠ سعر حراري).

للأسف، إنها متعة تبعث على الشعور بالذنب. لا يتفق كل العلماء على الأضرار الصحية الناجمة عن السكر، إلا أنَّ ثمة نقطة واحدة يتفق عليها معظمهم، وهي أننا لا نحتاجه فعلًا. ويلخِّص لوك تابي — وهو متخصِّص في علم الوظائف الفسيولوجية في جامعة لوزان بسويسرا — الأمر قائلًا: «لا يمكنك العيش من دون الدهون الأساسية، ولا يمكنك العيش من دون البروتينات، وسيكون من الصعب الحصول على ما يكفي من الطاقة إذا لم تتناول بعض الكربوهيدرات، ولكن من دون سكر، لا توجد مشكلة؛ فهو غذاء يمكن الاستغناء عنه تمامًا.»

يضيف كل هذا السكر غير اللازم سعراتٍ حراريةً إلى نظامنا الغذائي؛ لذلك فإنه ليس من المستغرب أن زيادة الاستهلاك تزامَنَتْ مع ارتفاع نسبة البدانة والمشاكل التي ترتبط بها، مثل مرض السكر من النوع الثاني. ففي عام ١٩٦٠، كان واحدٌ تقريبًا من كلِّ ثمانية بالغين في الولايات المتحدة يعاني من السِّمْنَة؛ واليوم أصبح أكثر من ثلث السكان يعانيها. ومنذ عام ١٩٨٠، تضاعَفَتْ مستويات السمنة في العالم النامي أربعة أضعاف، فوصلت لما يقرب من مليار شخص. وقد كشفت دراسة حديثة أن كل زيادة مقدارها ١٥٠ سُعْرًا حراريًّا إضافيًّا من السكر يوميًّا في بلدٍ ما، ترتبط بارتفاع في مرض السكري نسبته ١٫١ بالمائة.

الأمر حتى الآن بهذه البساطة، ولكن بعض الباحثين لديهم رؤية أكثر تشاؤمًا؛ فالسكر بالنسبة لهم ليس مجرد مصدر للسعرات الحرارية الزائدة، وإنما هو سمٌّ.

وأكثر مَن صرَّحَ بذلك هو البروفيسور روبرت لاستِج، وهو أستاذ متخصِّص في الغدد الصماء في جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو. وأكثر ما يحاربه لاستِج — الذي يصفه بعضُ أقرانه بأنه داعِيةٌ مناهِض للسكر — هو الفركتوز؛ وهو سكر بسيط يوجد في الفواكه على نحوٍ طبيعي، ولكنه أيضًا مكوِّن من مكونات السكروز وشراب الذرة عالي الفركتوز.

ترجع أسباب الحرب على الفركتوز إلى حقيقة أنه لا يلعب دورًا أساسيًّا في عملية الأيض البشري، وذلك على النقيض من الجلوكوز (ولكنَّ هذا لا يعني أننا بحاجة لتناول الجلوكوز؛ فأنواع الكربوهيدرات المعقَّدة مثل النِّشا تمدُّنا بالجلوكوز الذي نحتاجه للأيض). وكان أسلافنا يتناولون الفركتوز في الفواكه، ولكن ليس بالكميات التي نتناولها اليوم؛ لذلك يتمثَّل جزءٌ من الحجة في أن أجسادنا ببساطةٍ ليست مهيَّأة لمعالجته.

بدايةً، يخضع الفركتوز للأيض على نحوٍ حصريٍّ تقريبًا في الكبد. ويشير لاستِج وآخَرون إلى أنه عندما نتناول الكثير منه، يتحوَّل معظمه إلى دهون، ويمكن أن تؤدي الدهون المتراكمة في الكبد إلى حدوث التهاب وندوب، وربما يتطوَّر ذلك إلى تليُّف في الكبد. كما وُجِد أنه ثمة علاقة بين الكبد الدهني ومقاومة الأنسولين، وهي النذير الأول لمرض السكري.

هجوم سامٌّ

يتحوَّل الفركتوز إلى طاقة، ولكن لاستِج يزعم أن هذا التحوُّل — على عكس عملية تحلُّل الجلوكوز — يُنتِج الكثيرَ من شوارد الأكسجين، وهي مواد كيميائية متفاعِلة على نحوٍ خطيرٍ تهاجِم أجسامنا وتسبِّب الشيخوخةَ. ويتطلَّب التخلُّصُ من هذه الشوارد تناوُلَ مضادات الأكسدة، ولكنَّ الكمية التي تحصل عليها غالبًا ما تعتمد على نوعية نظامك الغذائي. ويقول لاستِج: «الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمُّل تكلفة نوعية غذاء أفضل لا يحصلون على مضادات الأكسدة، وهو الأمر الذي يشكِّل أحد أسباب مرض مَن ينتمون إلى الطبقات الاجتماعية والاقتصادية الدنيا، عند تناول الجرعة نفسها من السكر.»

والأكثر من ذلك أن الأنسولين لا ينظِّم الفركتوز خلافًا لما يفعله مع الجلوكوز؛ فهذا الهرمون يحافظ على استقرار مستويات السكر في الدم ويحفز إنتاج هرمون اللبتين، وهو الهرمون الذي يجعلك تشعر بالامتلاء. أما الفركتوز فلا يؤثِّر على إنتاج هرمون اللبتين، كما تشير دراسة صغيرة إلى أنه يرفع من مستوى الهرمون المقابِل له ويُسمَّى الجريلين؛ وهو الهرمون المسئول عن الشعور بالجوع. بعبارة أخرى، يعزِّز الفركتوز من الإفراط في تناول الطعام.

أخيرًا، أثبتَتِ الدراساتُ التي أُجرِيت على الحيوانات والبشر أن تناوُلَ الكثير من الفركتوز يزيد من مستويات الدهون الثلاثية في الدم؛ مما يزيد من خطر الإصابة بتصلُّبِ الشرايين وأمراض القلب.

تُعتبَر محاضرة لاستِج التي ألقاها في عام ٢٠٠٩ وشُوهِدت أكثر من ٤ ملايين مرة على موقع يوتيوب، حجةً مقنِعةً تمامًا وآسِرة للعقول. ومع ذلك، لا يزال العديد من علماء التغذية غير مقتنعين؛ حيث أخفق عدد من الدراسات في إيجاد دليل على أن الفركتوز ضارٌّ؛ على الرغم من أن هذه الدراسات قد تعرَّضت لانتقادات بسبب تلقِّي مؤلِّفيها تمويلًا من شركات الأغذية والمشروبات.

الأكثر مصداقيةً من ذلك ما قام به تابي في عام ٢٠١٢ من مراجعةٍ لمسألة أضرار الفركتوز لصالح دورية بي إم سي بيولوجي، وتوصَّلَ إلى استنتاج أنه رغم وجود مدعاة للقلق عند الأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات التمثيل الغذائي أو المعرَّضون لخطر الإصابة بأحد هذه الاضطرابات، فلا يوجد دليل على أن الفركتوز هو السبب الوحيد — أو حتى كونه السبب الرئيسي — لهذه الأمراض. ولكن تظل القضية مفتوحة، يقول تابي في هذا الشأن: «ثمة الكثير من الأسئلة التي لم نجد لها إجابات.»

أحد الادعاءات السيئة الأخرى بأضرار السكر هو أنه يغيِّر عادات تناوُل الطعام عن طريق تغيير كيمياء المخ؛ مما يجعلنا نرغب في المزيد. لسنوات عديدة وجد علماءُ الأعصاب أنه من المفيد مقارنة الأطعمة الغنية بالطاقة مع المواد التي تسبِّب الإدمان مثل الكوكايين — على الأقل بالمعنى المجازي — لأن ذلك يمدُّهم بوسائل فهم خصائص تلك المواد في تشكيل العادات. ولكن هل يتجاوز الأمر كونه مجرد تشبيه؟

أظهر العديد من الدراسات التي أُجرِيت على الفئران أن دفقة من السكر في الجسم تؤثِّر على نظام المكافأة في المخ بطريقة مشابِهة للكوكايين. حتى إن إحدى الدراسات قدَّمَتْ للفئران المدمنة على الكوكايين الخيارَ بين الكوكايين والسكر الذائب في الماء. ويقول الدكتور سيرج أحمد الذي أجرى الدراسة: «معظم الفئران أعرضوا عن المخدرات وتوجَّهوا للمكافأة الحلوة.»

يبدو هذا مُهلِكًا، ولكن هل ينطبق هذا الأمر أيضًا على البشر؟ من المعروف أن الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات تحفِّز نظام المكافأة لدينا من خلال زيادة مستويات الدوبامين، تمامًا مثلما تفعل المواد المسبِّبة للإدمان. وثمة أبحاث تشير إلى أن معظم الأشخاص المصابين بأمراض مثل اضطراب الإفراط في تناول الطعام، تبدو عليهم السمات النفسية ذاتها الموجودة لدى مَن يعانون من مشاكل إدمان المخدرات. ولكن هل يكفي هذا لإدانة السكر بأنه مسبِّب للإدمان؟ وكيف يمكنك التمييز بين إغراء السكر وإغراء الدهون والأملاح في هذه الأطعمة؟

على الرغم من أن بعض الأطباء وجدوا أدلةً مقنِعةً بما يكفي، حتى إنهم بدءوا علاج السمنة باستخدام أساليب علاج الإدمان، فإن المسألة العلمية لإدمان الطعام ما زالت بعيدة عن التأكيد. على سبيل المثال، قام مشروع «نيوروفاست» في العام الماضي — وهو مشروع مستقِلٌّ للتعاون المشترك بين ثلاث عشرة جامعة، يموِّله الاتحاد الأوروبي ويصدر «بيانات موحَّدَة» حول القضايا المثيرة للجدل في علم التغذية — بمراجعة جميع الأدلة ذات الصلة من الدراسات التي أُجرِيت على البشر، وكان استنتاجه النهائي: «لا يوجد دليل» على أن الطعام يمكن أن يسبِّب الإدمان.

وعلى نحوٍ لا يثير الدهشة وافَقَتِ الجماعة الضاغطة المؤيِّدة للسكر على تلك النتيجة. فتقول جلينيس جونز من مؤسسة «شوجر نوتريشن يو كيه» والتي تتلقَّى تمويلها أساسًا من الشركات المصنِّعة للسكر في المملكة المتحدة: «لا توفِّر لنا الدراساتُ التي أُجرِيت على البشر أدلةً كافيةً، وهي دراسات أُجرِيت بطريقةٍ تمثِّل كيفيةَ استهلاك الطعام كجزء من الحياة اليومية.»

إذا لم نستطع أن نخرج بنتيجةٍ هي أن الفركتوز هو سبب المشكلة أو أن السكر مسبِّب للإدمان، فإلى أين نصل من هذا؟ هل الأمر يقتصر ببساطة على أن الكثير من السكر يساوي الكثير من السعرات الحرارية؟ أم أن القضية برمتها مبالَغ فيها؟

هذا السؤال الآن بين يدَيْ منظمة الصحة العالمية؛ حيث شرعت المجموعة الاستشارية لخبراء الإرشاد الغذائي — مدفوعةً بتقارير حول مخاطر السكر — في إجراء مراجعة للأدلة، بهدف تقديم بعض التوصيات.

وكجزء من هذه العملية، راجعت ليزا تي مورينجا — باحثة في مجال التغذية البشرية في جامعة أوتاجو بنيوزيلندا — في العام الماضي ما أُجرِيَ من أبحاث عن العلاقة بين السكر ووزن الجسم، وخلصت إلى أن الإفراطَ في تناوُلِ السكر لا يؤدِّي بالضرورة إلى السمنة، ولكنه الإفراط في تناوُلِ كلِّ شيء. وعن ذلك تقول: «لم يوجد فرق بين السكريات الكثيرة والقليلة عند تساوي قدر ما يستهلكه الأشخاص من الطاقة.» بعبارة أخرى، إذا كان إجمالي السعرات الحرارية خاضعًا للسيطرة، فإن الأشخاص لا يزيد وزنهم إذا ما أتت الزيادة في تلك السعرات الحرارية من السكر. وقد لاقت هذه النتائج أيضًا ترحيبًا من قِبَل قطاع صناعة السكر.

إذن، هل تنجو تلك المادة البيضاء من اللوم؟ ليس بهذه السرعة؛ عندما راجعت تي مورينجا الدراسات التي تحاكي على نحوٍ وثيقٍ الخياراتِ الغذائيةَ في الحياة الحقيقية — أي عندما كانت السعرات الحرارية التي يتناولها المشاركون غير محدَّدة — كانت النتيجة أنَّ مَن ارتفع لديهم استهلاك السكر كانوا ممَّن يميلون إلى استهلاك المزيد من السعرات الحرارية إجمالًا، وزاد وزنهم. وقد شكَّلت المشروبات الغنية بالسكر أهم مصدر للسكر، وهي التي ظلت على رأس قائمة اهتمامات نشطاء مكافحة السمنة لسنوات، وكان هذا دليلًا إضافيًّا على أن المشروبات المحلَّاة تسبِّب بالفعل زيادةَ الوزن؛ وهو السبب الأقوى لتوجيه أصابع الاتهام نحو السكر.

وما الضرر إذا كنَّا نتناول السعرات الحرارية في صورة سائلة بدلًا من صورتها الصلبة؟ فكِّرْ في الأمر بهذه الطريقة: يتطلب عملُ كوبٍ من عصير البرتقال حوالي برتقالتين ونصف، ولكن شرب كوب من العصير لا يجعلك تشعر بالامتلاء مثل تناوُل البرتقالتين والنصف؛ وذلك لأن الألياف الموجودة في الفاكهة تجعلك تشعر بالشبع لفترة أطول.

وكما تقول تي مورينجا حول هذا: «كل ما تفعله المشروبات المحلَّاة بالسكر حقًّا هو إضافة سعرات حرارية إلى النظام الغذائي.» ولكن دون أن تُشعِرك بالشبع. ويرجع هذا جزئيًّا إلى أن الفركتوز — والذي يمكن أن يشكِّل ٦٥ بالمائة من السكر الموجود في المشروبات الغازية — لا ينشط هرمون الشبع «الليبتين».

إن افتقاد الشبع من المشروبات الغنية بالسكر يجعل استهلاك سعرات حرارية في وجبة واحدة أكثر بكثير مما يمكن أن تستهلكه في طعام آخَر. فعلى سبيل المثال، شرب مشروب غني بالسكر مع وجبة الطعام، لا يقلِّل من كمية ما تأكله (واستبداله مشروبًا مخصَّصًا للحمية لا يفيد؛ انظر مربع «دفقة واحدة فقط»).

ويبدو أن افتقاد الشبع هذا مقابل ارتفاع السعرات الحرارية له عواقبُ طويلة المدى؛ إذ ربطت العديد من الدراسات الوبائية تناوُلَ المشروبات الغنية بالسكر بزيادة خطر الإصابة بالسِّمْنة ومرض السكري من النوع الثاني وأمراض القلب، وهو ما يجعل المشروبات الغازية أهم ما يستهدفه مسئولو الصحة العامة؛ فقد حاوَلَ المشرِّعون حتى الآن في ٣٠ ولاية أمريكية تقييدَ مبيعاتها بطريقةٍ ما، ولكنهم فشلوا، وأشهر هذه المحاولات المحاولة الفاشلة في مدينة نيويورك العام الماضي لحظر المشروبات الغازية فائقة الحجم.

يمكن أن نعزو هذا الفشل جزئيًّا إلى الحملات التي يقوم بها مصنِّعو المواد الغذائية، ممَّن لهم تاريخ طويل في شن الحروب ضد التهديدات التي تتعرض لها أرباحُهم؛ وهو أمر تعلمه منظمة الصحة العالمية جيدًا.

لن تكون توجيهات منظمة الصحة العالمية القادمة بخصوص السكر الأولى من نوعها؛ فقبل عشر سنوات قدَّمَتْ شيئًا من هذا القبيل. فبعد مراجعة الأدلة خَلَصَتْ إلى أن السعرات الحرارية التي يحصل عليها الأشخاص من «السكريات الحرة» لا يجب أن تزيد عن ١٠ بالمائة من إجمالي سعراتهم الحرارية، وإلا فلن يكون نظامهم الغذائي متوازنًا. وفي الواقع كان ذلك يشكِّل حوالي نصف ما كان يتناوله الأشخاص في ذلك الوقت.

تهديدات قطاع صناعة السكر

استشاط قطاع صناعة السكر غضبًا؛ فكتبت جمعية صناعة السكر الأمريكية إلى المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، مشيرةً إلى تقرير من معهد الطب الأمريكي يشير إلى أن تناول ٢٥ بالمائة من السعرات الحرارية اليومية من السكر أمر مقبول، مهدِّدة بإجراءٍ يقوِّض التمويل الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية إذا عُمِّم التقرير على نطاق واسع. وأرسلت رسالةً مماثِلةً إلى وزير الصحة الأمريكي آنذاك تومي تومسون.

مع ذلك، نُشِرَ التقرير بما يتضمنه من نسبة العشرة بالمائة، ولكنه لم يُحدِث ضجةً كبيرةً؛ ومرَّ تقريبًا دون أي تأثير. كان العديد من الباحثين ممَّنْ اتصلت بهم نيو ساينتيست غيرَ متأكدين إن كان التقرير قد نُشِر من الأساس، وما إن كانت نسبة العشرة بالمائة قد ذُكِرت فيه، إن كان قد نُشر.

لا تزال التوجيهات الإرشادية الجديدة لمنظمة الصحة العالمية قيد الإعداد، ولكن ثمة تسريب مبكر يشير إلى أنها من المرجح أن تتمادى أكثر من ذلك، وتوصي بما لا يزيد عن خمسة بالمائة فقط من السعرات الحرارية اليومية من السكريات الحرة. وسيعني ذلك خفض الاستهلاك الحالي بمقدار الثلثين؛ أي إلى حوالي ثماني ملاعق صغيرة يوميًّا للرجال، وست ملاعق للنساء. وعلى سبيل المقارنة، تحتوي العبوة الواحدة من الكولا العادية على عشر ملاعق صغيرة.

لن يلقى هذا الرقم قبولًا لدى قطاع صناعة السكر. وتتوقع ماريون نستله — أستاذة التغذية والدراسات الغذائية والصحة العامة في جامعة نيويورك — أن يعودوا لأساليبهم الملتوية مرة أخرى، مستشهِدة بأوجه التشابه بين أساليبهم الحالية وتلك التي لجأ إليها مصنِّعُو التبغ بالأمس القريب.

وعن ذلك تقول: «يتعلق الأمر بالتسويق. فهم يضغطون من وراء الكواليس للتأكُّد من عدم إصدار أية جهة حكومية لقوانين في غير صالحهم، ويموِّلون الحملات الانتخابية لنفس السبب، ويهاجمون النقَّاد.» وأكدت مديرة منظمة الصحة العالمية مارجريت تشان على مخاوف نستله قائلة: إنهم يحاولون أيضًا التأثير على العلم؛ «بصفة عامة ترعى شركات الأغذية الأبحاث لتقدِّم لها النتائج التي تريدها.»

إذن، ما الذي يمكن عمله؟ ثمة دلائل تشير إلى أن منظمة الصحة العالمية تعلَّمَتْ دروسًا من عام ٢٠٠٣. فيبدو أن نسبة الخمسة بالمائة المتوقَّعة من الاستهلاك لا تستند إلى أدلةٍ حول ارتباط السكر بالسمنة، ولكنها تستند إلى حالة مرضية أقل إثارةً للجدل، أَلَا وهي تسوُّس الأسنان.

تناولت إحدى تحليلات منظمة الصحة العالمية العلاقة بين السكر وتسوُّس الأسنان، وخلَصت الدراسة — التي أُجرِيت بقيادة بولا موينهان أستاذة التغذية وصحة الفم في جامعة نيوكاسل بالمملكة المتحدة — إلى أنه توجد أدلةٌ لتبرير خفض تناوُل السعرات من السكر إلى خمسة بالمائة للحدِّ من خطر تسوُّس الأسنان؛ حتى لو كانت أدلةً ضعيفةً.

إذا كان ذلك صحيحًا، ربما يبدو ذلك تكتيكًا ذكيًّا من قِبَل منظمة الصحة العالمية؛ إذ سيكون من الصعب مهاجمة هذه التوصية، حيث إن الجميع يعلم أن السكر يُفسِد الأسنان. ولكنَّ ضعف الأدلة يترك مجالًا واسعًا أمام قطاع صناعة السكر للمناورة.

ومع ذلك، ليست كلُّ حملات مناهَضَة السكر تنظر لمصنِّعي السكر نظرةً عدائيةً. فعلى مدى العقدين الماضيين، قاد جراهام ماكجريجور، من معهد وولفسون للطب الوقائي في لندن، حملةً عالميةً ضد ملح الطعام، وقد نجح هو وزملاؤه في إقناع قطاع الصناعات الغذائية بالحدِّ من الملح المضاف بنحو ثلاثين بالمائة، وهم يحاولون في الوقت الراهن فعل الشيء نفسه مع مصنِّعِي السكر. ويشير قائلًا: «لا جدوى من الصراخ في وجه هذا القطاع، فلا طائل من ذلك، بل عليك أن تعمل معه.»

غير أنه مشروع طويل المدى، وهذا هو السبب في تأييد العديد من الباحثين في مجال الصحة العامة للأساليب الأكثر عداءً. فعلى سبيل المثال، نشرت المجلة الطبية البريطانية في أكتوبر توقُّعاتٍ بأن فرض ضريبة تبلغ عشرين بالمائة على المشروبات الغنية بالسكر يمكن أن يقلِّل من عدد الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة في المملكة المتحدة بما يوازي ١٨٠ ألفًا.

تضع الضرائب — بطبيعة الحال — هذا النقاش على نحوٍ مُنصِف في نطاق سياسي مألوف: الدولة الحامية مقابِل المسئولية الفردية. هل من واجب الحكومات التدخُّل أم أن المواطنين مسئولون عن حماية أنفسهم؟

تي مورينجا غير مقتنعة بأن السكر هو سبب المشكلة فيما نعانيه من مشكلات صحية، ولكنها واثقة من أن طريقة تسويق الأطعمة الغنية بالسكر تجعلنا نأكل أكثر مما نحتاج. وكما تقول: «ربما يجب على الناس تحمُّل المزيد من المسئولية الشخصية. لكننا نسمح لشركات الأغذية بإنفاق ملايين الدولارات لإقناع الناس بشراء منتجاتها، أو أن تناوُل المشروبات الغازية مع وجبة الطعام أمر عادي للغاية.»

وبينما يقيِّم الساسةُ خياراتهم، فإن النصيحة البسيطة للغاية للأفراد هي محاولة الحدِّ من كمية السكر التي يستهلكونها، وقبل كل شيء، تجنُّب المشروبات الغنية بالسكر. يقول تابي: «إنه أسهل شيء نفعله.»

بطبيعة الحال، سوف يتصدَّى منتقِدُو جهود الحد من استهلاك السكر لذلك بالقول إنه إذا كنتَ ببساطة تتناول الطعام الصحي وتمارس التمارين الرياضية، فإن المشروبات الغنية بالسكر والوجبات الخفيفة يمكن أن تكون رفاهية مقبولة. هذا صحيح إلى حدٍّ ما، ولكن ثمة حقيقة بسيطة أخرى عن السكر: أيًّا كانت الكمية التي ترغبها، فإنك لا تحتاجه حقًّا.

دفقة واحدة فقط

تتمثل إحدى الطرق الواضحة لخفض استهلاك السكر في التحوُّل إلى مواد التحلية الاصطناعية. ولكن الأبحاث الحديثة للأسف ألقت بظلال من الشك حول فعاليتها (دورية تريندس إن إيندوكرينولوجي آند ميتابوليزم، المجلد ٢٤، صفحة ٤٣١).

فبدلًا من مساعدتنا على تقليل السعرات الحرارية بينما نحصل على القدر نفسه من الحلاوة، فإن المُحلِّيات الاصطناعية تدفعنا لتناول المزيد من الطعام؛ وذلك لأن السكر الحقيقي يمنحنا دفقتين من الحلاوة؛ أولًا: ينشِّط مستقبلاتِ الطعم الحلو على لسانك؛ مما يحفِّز إفراز الدوبامين في المخ، وبعد ذلك — وبينما يُمتَص الجلوكوز أثناء عملية الهضم — يحصل نظام المكافأة في المخ على الدفقة الثانية، بينما مع المُحليات الاصطناعية تحصل فحسب على الدفقة الأولى. وهكذا، من خلال فصل حلاوة الطعم عن الشعور بالرضا، ربما يبقى الأشخاص غيرَ راضين، ويعوضون ذلك من خلال تناوُل المزيد من الطعام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.