كثيرًا ما يتم التقليل من شأن بلجيكا بافتراض أنها دولة مصطنعة بلا هوية واضحة. لكنه في الواقع منذ العصر الذهبي لأدواق بيرجندي في القرن الخامس عشر ظلت مدن ومقاطعات فلاندرز وبرابانت وبروكسل وبروج وأنتويرب ضمن مراكز الجذب الاقتصادي والثقافي في أوروبا. وكان في وسع وطن يضم فنانين مثل فان أيك، وفان ديك، وروبنس منافسة دوقيات مثل توسكانا أو إيل دو فرانس في الإبداع. وعقب القرن السادس عشر برزت هذه الهوية البيرجندية — أو الفلمنكية كما كانت تسمى في ذلك الوقت — وتميَّزت عن هوية شمال هولندا عبر تعرضها لتأثير كل من حركة الإصلاح الكاثوليكي والحكم الإسباني، ثم الحكم النمساوي بعد عام ١٧١٣. ومن ثم بدأت تتكوَّن صورة البلجيكي الكاثوليكي الكادح الذوَّاقة صاحب الحس الساخر ذي الطابع البلجيكي الخاص.

أصبحت بلجيكا دولة مستقلة لأول مرة عام ١٧٩٠. عقد الإمبراطور جوزيف الثاني (حكم من ١٧٦٥ حتى ١٧٩٠) العزم على دمج الأمم والمقاطعات المختلفة التي تقع ضمن إمبراطورية هابسبورج ضمن ما أطلق عليه — بزهو إمبراطوري — «حشد واحد موجَّه بنفس الأسلوب». وفي عام ١٧٨٧ استبدل بالامتيازات والتقاليد التي كانت متبعة في فلاندرز وبرابانت منذ العصور الوسطى إدارة موحدة حديثة. فعلى سبيل المثال أمر أن تُقَام جميع أسواق القرى في نفس اليوم. لكنَّ سكان هولندا النمساوية تمردوا على الإمبراطور، بدايةً من الكاردينال كبير أساقفة مالين.

لم يظهر المتمردون أيًّا من علامات نقص الهوية التي يُتهم بها البلجيكيون اليوم؛ إذ بدءوا يُطلقون على أنفسهم اسم «الأمة البلجيكية» (وهو اسم مستوحًى من الاسم اللاتيني للمقاطعات) ويكونون مجموعات من متطوعين مسلحين يرتدون أزياء موحدة ويلوِّحون بأعلام مكونة من اللون الأحمر والأسود والأصفر، وهي ألوان علم مقاطعتَيْ فلاندرز وبرابانت وألوان علم بلجيكا الآن. وفي اختيار حاسم للمسميات استأثر المتمردون البلجيكيون لأنفسهم بلقب «الوطنيين»، بينما ندَّد النبيل المحلي والجنرال النمساوي الشهير تشارلز جوزيف دي ليني «بلقب «الوطني» السخيف ذاك، الذي كان محلَّ إعجابٍ كبيرٍ في يوم من الأيام.»

عكست منشورات «الوطنيين» إحساسًا قويًّا بالهوية البلجيكية، القائمة على التاريخ والجغرافيا المشتركة وعلى حب الحرية وكراهية التوحيد الإداري. ورد في أحد هذه المنشورات أن «الأمة البلجيكية قد ميزت نفسها دومًا عبر روحها.» ومدح «هذه الروح الطيبة التي جعلت الأمة تفضل دومًا مبادئها القديمة على الأنظمة المستحدثة.» وهي المبادئ التي حفظها ميثاق الحقوق الذي أقسم عليه كلُّ مَن تولَّى منصب دوق برابانت منذ عام ١٣٥٦، فضلًا عن مواثيق المقاطعات والمدن المختلفة: «لقد ضاعت حرية البلجيكيين مع مرور الزمن …»

وفي المقابل، كان جوزيف الثاني مكروهًا باعتباره طاغية حنث بتعهداته. وكانت ثورة برابانت — كما سُميت — كاثوليكية ومتمسكة بالتقاليد، وجمهورية؛ نظرًا لعدم توفر أسرة ملكية حاكمة. وهكذا أُجبرت القوات النمساوية على الجلاء من بروكسل في ١٢ ديسمبر ١٧٨٩. وشهد يوم ١٠ يناير عام ١٧٩٠ عزل الإمبراطور والإعلان عن دولة مستقلة تُدعَى الولايات المتحدة البلجيكية، يحكمها مجلس نواب ذو سيادة، استنادًا إلى دستور صِيغَ جزئيًّا وفقًا لدستور الولايات المتحدة الأمريكية. وحلَّ شعارُ قَلَنْسُوَة الحرية الحمراء محَلَّ النسر الأسود ذي الرأسين — شعار أسرة هابسبورج — على المباني العامة؛ ومِن ثَمَّ كانت أول جمهورية حديثة في أوروبا بلجيكية لا فرنسية.

لكنَّ تلك الجمهورية لم تَدُمْ إلا أقلَّ من عام؛ إذ مزَّقتْها الصراعات بين دعاة التمسك بالتقاليد ودعاة التحديث؛ مما أدَّى إلى نجاح القوات النمساوية في استعادتها بسهولة في ديسمبر ١٧٩٠ كي تَفقِدها لصالح جيوش الجمهورية الفرنسية في نوفمبر ١٧٩٢، ثم تستعيدها مجددًا النمسا في ربيع ١٧٩٣. لكن في صيف عام ١٧٩٤ استعادتْها فرنسا مرة أخرى. وطوال العشرين عامًا التالية قُسِّمتْ مقاطعتا فلاندرز وبرابانت القديمتان إلى أقاليم فرنسية.

وعلى الرغم من الاحتلال الفرنسي — أو بسببه — لم يتلاشَ الشعور القومي البلجيكي. وكما لاحظ الحاكم الذي عيَّنه نابليون على بروكسل السيد دي لا تور دو بان: «إن هذا الشعب ليس إنجليزيًّا ولا نمساويًّا ولا معاديًا لفرنسا … بل هو شعب بلجيكي.» بعد سقوط الإمبراطورية الفرنسية، لم يرغب أحد تقريبًا في البقاء داخل الإطار الفرنسي. وهكذا أصبحت بلجيكا — كما كان يطلق عليها عادةً في ذلك الوقت — عام ١٨١٥ جزءًا من مملكة هولندا التي تأسستْ مؤخرًا على يَدِ فيلَم الأول المنتمي لعائلة أوريني-ناسو (حكم من ١٨١٣ حتى ١٨٤٠). لم يكن لدى المملكة الجديدة عاصمة واحدة مثل المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا؛ إذ كان حس الهوية البلجيكي قويًّا؛ حتى إن العاصمة كانت تنقل بالتناوب — ومعها من ستمائة إلى سبعمائة موظف مدني ودبلوماسي محتجٍّ — كل عام بين بروكسل ولاهاي.

إذا كان القليل من البلجيكيين يرغبون في أن يصبحوا فرنسيين، فإن عددًا أقلَّ رغب في الاحتفاظ بالهوية الهولندية، وحتى في المقاطعات المتحدثة بالفلمنكية ظلت الفرنسية — باعتبارها لغة النُّخَب المثقَّفة واللغة المستخدمة في الجامعات — جزءًا لا غنى عنه من الهوية القومية البلجيكية؛ إذ أخبر المحامون العاملون في مدينة جنت الملك فيلَم الأول عام ١٨٢٢: «أن استخدام اللغة الفرنسية أصبح شائعًا، وهي إلى حدٍّ ما اللغة القومية لطبقات المجتمع العليا.» وكانت محاولات المَلِك لجعل الهولندية لغة الحكومة الرسمية في المقاطعات المتحدثة بالفلمنكية غير مقبولة في عشرينيات القرن التاسع عشر بنفس الدرجة التي أصبحت فيها مقبولة عندما وضع البلجيكيون تشريعاتهم الخاصة لفرض هذه اللغة بعد قرن من الزمان. ومن الأسباب الأخرى لكراهية العامة للمَلِك — الذي أطلقوا عليه اسم السيد جيوم — قناعتُه بأن سلطته لا تخضع للدستور، وانتماؤه للمذهب البروتستانتي ومحاولاته لتقييد سلطة البرلمان والصحافة واستقلالهما، رغم كونهما أقلَّ بمراحل من وضعهما في فرنسا تحت حكم شارل العاشر.

يا حبي المقدس لوطني!

امنحنا الشجاعة والكبرياء!

حياتي ملك لوطني،

ووطني يدين لي بالحرية.

عبَّرت الأوبرا التي تضمنت هذه الأغنية تعبيرًا دقيقًا عن الروح الليبرالية والقومية لهذا العصر، حتى إنها اختيرت لتقدم عند إعادة افتتاح دار الأوبرا بباريس بعد ثورة يوليو ١٨٣٠. لم تتسبَّب هذه الأوبرا وحدها في إشعال الثورة في بروكسل يوم عرضها في ٢٥ أغسطس عام ١٨٣٠؛ فقد سبق عرضها هناك عام ١٨٢٩ أمام الملك فيلَم الأول، بل كان توقيت عرضها الذي تلا ثورة باريس مباشرةً سببًا رئيسيًّا؛ إذ انفجر الجمهور هاتفًا «إلى القتال! إلى القتال!» و«تحيا فرنسا!» وتدفق إلى الميدان بالخارج منضمًّا إلى حشود من الشباب المسلَّحين بالعصي. تعرضت بيوت موظفي الدولة وضباط الشرطة المنتمين لعائلة أوريني للنهب والحرق. ثم تشكَّلت قوة حراسة مدنية.

فلنكن أنفسنا، فلنكن بلجيكيين، فلتكن لنا مجالسنا التشريعية البلجيكية ودستورنا البلجيكي وجيشنا البلجيكي، فنحن نملك أفضل وأغنى بلد في العالم.

ومع انتشار الأخبار بقدوم جيشٍ هولندي آخر في ١٩ سبتمبر اقتحمت الجماهير مجلس مدينة بروكسل بحثًا عن السلاح والمال. ومن ٢٣ حتى ٢٧ سبتمبر، شهدت مدينة بروكسل معركة البلجيكيين ضد القوات الهولندية التي أُجبرتْ على الانسحاب؛ ومِن ثَمَّ برهنت الدولة على وجودها في شوارع عاصمتها. أُسست حكومة مؤقتة يوم ٢٦ سبتمبر، وفي الرابع من أكتوبر أَعلنتِ استقلالَ بلجيكا، وفي نفس الشهر طلب الملك فيلَم تدخل القوى العظمى، استنادًا إلى التحالف الرباعي الذي عُقد عام ١٨١٤ ومؤتمر آخن عام ١٨١٨ الذي ضمن حماية حدود هولندا واستقلالَها؛ ومِن ثَمَّ أصبح مصيرُ بلجيكا في يد أوروبا عقب شهر فحسب من تأسيسها.

وخلافًا لما حدث في عام ١٧٩٠ — عندما تصرفت القوى العظمى منفردة ورفضت الاعتراف بالولايات المتحدة البلجيكية — نسَّقتْ تلك القوى سياساتها عام ١٨٣٠، وكانت فرنسا وإنجلترا الدولتين الفاعلتين. فعلى العكس من تقوقعها الحالي كانت بريطانيا في هذا الوقت قوة أوروبية بمعنى الكلمة؛ إذ تعاونت عام ١٨٢٧ مع فرنسا وروسيا لإنقاذ اليونان من محاولة استردادها من قبل العثمانيين؛ ومِن ثَمَّ أصبحتْ فرنسا — منذ معركة نافارين التي دمَّرَتْ أثناءها تلك القواتُ المتحالفة الأسطولَ المصري التركي — أبعدَ ما تكون عن العدو المعتاد لإنجلترا، بل أصبحتْ حليفتَها التقليدية، حتى إن دوق ولنجتون نفسه — رئيس الوزراء من ١٨٢٨ حتى ١٨٣٠ — كان يعتبر الحفاظ على التحالف مع فرنسا شاغل بريطانيا الرئيسي بعد حلول السلام. وهكذا أصبح دعم فرنسا سمة إنجليزية جنبًا إلى جنب مع تحدث الفرنسية جيدًا.

سجل بالمرستون — وزير الخارجية منذ عام ١٨٣٠ — إعجابه بثورة يوليو ١٨٣٠؛ إذ استخدم لأول مرة في ٣١ مايو ١٨٣١ أمام مجلس العموم تعبير «الائتلاف الودي»، أما زميله اللورد هولاند فقد اعتبر أن التحالف بين فرنسا وبريطانيا هو التحالف المقدس الحقيقي.

كانت فرنسا هي أشدَّ الدول تبنِّيًا للنزعة القومية عام ١٨٣٠، وسادت توقعات بأنها ستشن حربًا. وفي محاولة لإرضاء الرأي العام، عمل الوزراء الفرنسيون على «إعادة توحيد» بلجيكا كليًّا أو جزئيًّا مع فرنسا؛ ومِن ثَمَّ أعلن تاليران — الذي عُيِّن سفيرًا لفرنسا في لندن في سبتمبر عام ١٨٣٠ — أن بلجيكا «ليست أمة، وأبدًا لن يجعلها مائتا بروتوكول أمة.» وكان يؤيد استيلاء فرنسا على مناطق ماريامبور وفيليبفيل ولوكسمبورج وغيرها.

كان ملك فرنسا الجديد لويس فيليب يقول:

أنا مواطن عالمي بلا جذور، ولست أبالي بالمكان الذي أعيش فيه، لا فارق عندي بين باليرمو وباريس وتويكنم (حيث عاش من ١٨٠٠ حتى ١٨٠٨)، بين نهر السين ونهر التايمز.

وكان يأمل بعد عام ١٨٣٠ — كما أخبر أحد السفراء البريطانيين — أن يمحو روح المجد والانتصار العسكري في فرنسا ويستبدل بها روح التجارة والمشروعات الصناعية.

وتماشيًا مع الشراكة الفرنسية البريطانية، بدأ رئيس الوزراء البريطاني ولنجتون من سبتمبر عام ١٨٣٠ يستشير فرنسا فيما يتعلق بمستقبل بلجيكا من أجل «أمن أوروبا». تخلَّى ولنجتون عن الملك فيلَم الأول باعتباره قضية خاسرة، رغم أن تكوين هولندا المتحدة في الفترة بين ١٨١٣ إلى ١٨١٥ كان بمبادرة بريطانية لخلق حاجز أمام فرنسا، وأصرَّ على اجتماع القوى العظمى الخمس جميعًا — بما فيها فرنسا — في لندن.

من العوامل الأخرى التي دعمت استقلال بلجيكا — بينما توقع الرأيُ العام في جميع أنحاء أوروبا نشوبَ حرب شاملة — كان ضعف القوى العظمى الأخرى؛ إذ كانت روسيا وبروسيا والنمسا مشغولة بمواجهة تمرد في بولندا وقعتْ أحداثُه في نوفمبر ١٨٣٠، ويرجع سببه جزئيًّا إلى مخاوف الضباط البولنديين من أن يستدعيهم القيصر نيقولا الأول لقمع الانتفاضة في بلجيكا. وهكذا عانت القوى العظمى الثلاث من نقص الأموال.

تلقت أوروبا إشارة عملية إضافية عقب انتخاب دوق نمور — الابن الثاني للويس فيليب — ملكًا من قبل المجلس الوطني البلجيكي، أول برلمان أو كونجرس بلجيكي. إلا أن لويس فيليب وضع سلام أوروبا قبل مصالح بلده وأسرته الحاكمة ورفض العرض؛ إذ كان مؤتمر لندن — أو تحديدًا بالمرستون واللورد جراي رئيس الوزراء والسفير الروسي الأمير ليفين — قد عَقَد العزمَ بالفعل على مرشح آخر لمنصب المَلِك القادم ألَا وهو ليوبولد أمير ساكس-كوبورج، بعدما التقى به القائمون على المؤتمر في عطلة صيد يومَيْ ١٠ و١١ ديسمبر في كليرمونت، في بيت الأمير الريفي في مقاطعة سَري. رأى مؤتمر لندن أن حق أوروبا — ممثلة نفسها — في اختيار أول ملك للبلجيكيين يفوق حقَّ المجلس الوطني البلجيكي؛ إذ كانت مهمة اختيار الملك أخطر من أن تُترَك للعامة. ينص البروتوكول رقم ١٩ لمعاهدة فبراير ١٨٣٢ الخاصة بتأسيس بلجيكا على ما يلي:

لكل أمة حقوقها الخاصة، لكن لأوروبا أيضًا حقوقها، وهي الحقوق التي منحها إيَّاها النظام الاجتماعي.

إذا كان مؤتمر لندن يعكس شكلًا من أشكال العمل الفيدرالي الأوروبي على مستوى الوزراء والدبلوماسيين، فإن أسرة كوبورج — وهي فرع صغير من السلالة الحاكمة في ساكسونيا — تعكس شكلًا آخر؛ إذ لم يدع الأمير ليوبولد، الذي وُلد في مدينة كوبورج الصغيرة، عاصمة دوقية ساكس-كوبورج-سالفيلد عام ١٧٩٠، الحدودَ القومية تقيِّد طموحه أبدًا. ففي عام ١٨٠٩ كان يفكر في أن يصبح مساعدًا لنابليون، لكن في عام ١٨١٣ خدم في الجيش الروسي ضد نابليون. تزوج الأمير عام ١٨١٦ من شارلوت أميرة ويلز ابنة الأمير الوصي على العرش ووريثة عرش المملكة المتحدة؛ ومِن ثَمَّ أصبح أميرًا بريطانيًّا صاحب دَخْل يُقدَّر بخمسين ألف جنيه إسترليني سنويًّا. وبعد وفاة زوجته قضى فترة طويلة من عدم النشاط والسفر. تزوجتْ إحدى أخواته دوق كنت وأنجبتْ عام ١٨١٩ الأميرة التي أصبحتْ لاحقًا الملكة فيكتوريا. كان الأمير ليوبولد ليبراليًّا يؤمن بأن الملكية الدستورية — لا الحكم الديكتاتوري المطلق — هي أفضل ضمان لاستقرار أوروبا. وقد قَبِل عرش بلجيكا «كي ينقذ السلام العام ويدعم قضية الملكية الدستورية في أوروبا»، كما سيذكِّره سكرتيره البارون ستوكمار، وكان شرط قبوله أن يوافق مؤتمر لندن على ترشحه للمنصب وأن يضمن حدود الدولة الجديدة.

بعدما انتُخب ليوبولد ملكًا من قِبَل المجلس الوطني البلجيكي، وبعدما تخلى عن مكانته ومعاشه كأمير إنجليزي، دخل بروكسل يوم ٢١ يوليو ١٨٣١. وفي ميدان بالاس رويال الذي نُثرتْ عبرَه الزهور وزيِّن بالعرش وشجرة الحرية، أقسم ليوبولد أن «يلتزم بالدستور وقوانين الشعب البلجيكي وأن يحافظ على الاستقلال القومي ووحدة أراضي البلاد.» عندئذٍ حَيَّت الجماهيرُ الملكَ ليوبولد الأول بهتافات «يعيش الملك» وصيحات تدعوه للجلوس على العرش. أطلقتْ في هذه المناسبة ١٠١ طلقة تحية للملك، وقرعت أجراس الكنيسة، ووصفت صحيفة التايمز الحدث قائلةً: «اعتلى المَلِك عرشه وقدَّم له جميع رعاياه الولاء.»

لم يكن ليوبولد الأول مرشح بريطانيا فحسب لعرش بلجيكا، بل أعلنتْ فرنسا موافقتَها عليه عندما تزوج ابنة الملك لويس فيليب الكبرى لويز-ماري في مدينة كومبينيا يوم ٩ أغسطس ١٨٣٢. وهكذا أدَّى تأسيس بلجيكا إلى تمتُّع فرنسا بجارة صديقة لا معادية على حدودها الشمالية، وهو ما اعتبره أحد الدبلوماسيين الفرنسيين «ضمانًا لحدودنا الشمالية الشرقية وحماية لنا … وهي الحدود التي بنى عليها دوق ولنجتون سلسلة من الحصون المعادية بتكلفة باهظة.» كانت فرنسا تستعد بالفعل عام ١٨٣٠ لخوض حرب حال اقتحام الجيش البروسي لبلجيكا، وهي الحرب التي ستخوضها بالتعاون مع إنجلترا في النهاية عام ١٩١٤.

وأدَّى تعاون ناجح آخر بين بريطانيا وفرنسا إلى جلاء القوات الهولندية من أنتويرب في ٢٣ ديسمبر، ١٨٣٢ عبر عملية عسكرية برية وبحرية. ضمنت معاهدة ١٨٣٩ النهائية اعتراف الهولنديين بالدولة الجديدة، رغم رغبة البلجيكيين في الاحتفاظ بالجزء الجنوبي من مقاطعة زيلند، ومدينة ماسترخت، وأجزاء من ليمبورج ولوكسمبورج. تعهدت القوى الأوروبية العظمى — ومن ضمنها بروسيا — بضمان الحياد البلجيكي الدائم؛ إذ كان موقف أوروبا في بلجيكا — مثلما كان في دول أخرى كاليونان ورومانيا — بعيدًا كلَّ البعد عن معارضة الهوية القومية، بل ساعد في تكوينها والحفاظ عليها.

نجحت الملكية الدستورية البلجيكية أيَّما نجاح حتى أصبحتْ نموذجًا أوروبيًّا يُحتذى به. بل إن إسبانيا والبرتغال وهولندا نفسها اعتمدتْ على دستور بلجيكا عند وضع دساتيرها. بدأت أسرة كوبورج تلعب دورًا في أوروبا نظرًا لصلتها ببريطانيا وفرنسا على حدٍّ سواء، ففي عام ١٨٣٦ ساعد الملك ليوبولد الأول والبارون ستوكمار في ترتيب زواج ابن أخي الملك الأمير فرديناند من الملكة ماريا الشابة ملكة البرتغال. وفيما بعدُ أشرف الأمير ألبرت «على جميع دراساته وساعده في جميع مهامه».

يعكس الملك ليوبولد الأول جزءًا من الدور الأوروبي المنسي في تاريخ بريطانيا، والذي كان مهمًّا مثل تقاليدها الانعزالية. فبصفته خال الملكة فيكتوريا استطاع — مثله مثل ملك أوروبي آخر عظيم وهو ويليام الثالث (حكم من ١٦٨٨ حتى ١٧٠٢) — تحديث الملكية البريطانية ومنحها الطابع الأوروبي والدستوري؛ أي باختصار منحها طابع أسرة كوبورج.

فكثيرًا ما كان يزور ابنة أخته في إنجلترا — وكان يقيم في قلعة وندسور في سبتمبر عام ١٨٣٧ بعد اعتلائها العرش مباشرة — ويعلمها كيف تصبح ملكة دستورية. فنصحها أن تراعي دومًا «إظهار الاهتمام الصادق بالكنيسة»، وأن تتجنب قطع العلاقة الودية مع أمها، وأن تكون حازمة وثابتة العزم لا أداة في يد أحد، وأن تمدح إنجلترا ومواطنيها دومًا بما أن «في أوروبا أمتين يكاد يبلغ مدحهما المبالغ فيه لأنفسهما بحق حد السخافة، وهما الأمة الفرنسية والأمة الإنجليزية»، وأن تعي أن «التمتع بنزعة قومية شيء عظيم.» آمن ليوبولد أن الرجال يتبعون أهواءهم أكثر مما يتبعون مصالحهم، وقد أحبتْه الملكة مثل أبيها، وغالبًا ما كانت تتبع نصيحته.

كان المصدر الرئيسي لنفوذ الملك ليوبولد في لندن — قبل زواج الملكة من ابن أخيه الأمير ألبرت عام ١٨٤٠ — هو البارون ستوكمار، الذي ولد عام ١٧٨٧ في كوبورج، وكان المراقب المالي للقصر الملكي ومسئول المخصصات الملكية لدى ليوبولد. كان البارون ستوكمار أوروبيًّا قولًا وفعلًا، وقد لفتَ أنظارَ الأمير أول مرة عندما رفض إعطاء الأولوية للجرحى الألمان على الجرحى الفرنسيين في المستشفى التي كان يُديرها أثناء الحروب النابليونية. ظل ستوكمار دومًا — على حد قول ليوبولد للملكة فيكتوريا — «تحت تصرفها»، فكان معها في وقت الإفطار في يوم حكمها الأول، وكان «موسوعة تمشي على قدمين تحوي جميع القضايا العلمية والسياسية التي حدثت على مدار الثلاثين عامًا الأخيرة.» كان ستوكمار كذلك معجبًا بالدستور الإنجليزي ووجَّه دراسات الملكة في مجالات التاريخ والقانون والأدب. كتبتِ الملكة إلى ليوبولد الأول في ١٩ يونيو عام ١٨٣٧ قائلةً: «تأكَّد يا خالي العزيز أنه يحظى بثقتي الكاملة.» وبعد عام ١٨٤٠ لعب ستوكي — كما كانت الملكة تدعوه والذي وصفتْه بكونه «واعيًا لكل شيء ومتعلقًا جدًّا بك يا خالي» — الدور نفسه مع الأمير ألبرت الذي كان يحبه حب الأب لابنه. وعلى حد تعبير الملكة، كان يساعد في «تنظيم تحركاتهم وأسلوب حياتهم عامةً وفي توجيه تعليم أطفالهم»، بالإضافة إلى تهدئة الخلافات العديدة التي تنشب بين الزوجين الملكيين. وفي قصر باكنجهام وقلعة وندسور وبيت أوزبورن الملكي كانت توجد غرف مستعدة دومًا لاستقبال ستوكمار، ونظرًا لمعاناته من الطقس البارد، لم يُفرض عليه ارتداء البنطال الذي كان يمتد حتى الركبة فقط أثناء العشاء.

كان ليوبولد الأول وستوكمار نموذجًا أوليًّا لمسئولي الاتحاد الأوروبي اليوم؛ إذ أرادا أن تكون الملكية في بريطانيا دائمًا فوق الحزب، وأن يكون واجبها على حد وصف ستوكمار «مراقبة أداء الحكومة وتوجيهه»، وهو ما فعله الأمير ألبرت إلى حدٍّ ما، وتذمرت منه بعض الصحف. وفي أوروبا عمل كلاهما على تعزيز التحالف الفرنسي البريطاني. ومع معرفه الملك ليوبولد — على حد قوله — ﻟ «جميع الإجراءات التي يتخذها الملك لويس فيليب ومجلس وزرائه أكثر مما أعرفه عن حكومتك (حكومة الملكة فيكتوريا)، ومع اطلاعي الدائم والشامل على جميع المراسلات الرسمية»، حثَّ الملك الحكومة الفرنسية على «أن توصل — قدر استطاعتها — جميع الرسائل الرسمية التي يبعثها الدبلوماسيون الفرنسيون إلى الحكومة الإنجليزية». وعلاوة على ذلك عمل على دعم خيار السلام عام ١٨٤٠ عندما كادت الحرب تنشب بين فرنسا وباقي أوروبا حيال مصير الإمبراطورية العثمانية.

من ناحية أخرى كان الملك لويس فيليب حريصًا للغاية على دعم «الائتلاف الودي» حتى إنه خرق التقليد الفرنسي وزوَّج أربعة من أبنائه إلى بروتستانتيين، جميعهم من أسرة كوبورج. وقد أحبَّتِ الملكة فيكتوريا ما أطلقت عليه «العائلة الفرنسية العزيزة»، التي كانت تربطها بها العديد من الزيجات. واستجابة لتشجيع ليوبولد، زارتْهم في قصر دي أو المقام على ساحل نورماندي عام ١٨٤٣، بينما زارها الملك لويس فيليب في قلعة وندسور عام ١٨٤٤.

بل إن بروسيا نفسها ربما اصطبغت كذلك بطابع أسرة كوبورج أو الطابع البلجيكي عبر سبيل مضمون وهو الزواج الملكي. ففي عام ١٨٥٨ تزوجتْ فيكي الابنة الكبرى للملكة فيكتوريا وألبرت من وريث عرش بروسيا الأمير فريدريش فيلَم. وكانت فيكتوريا وألبرت وليوبولد الأول يأملون في أن يساعد الزوجان الشابان على تحويل بروسيا إلى ملكية دستورية مثل بريطانيا أو بلجيكا. وأصبح إرنست بن ستوكمار السكرتير الخاص لفيكي وسرعان ما أصبح المستشار السياسي الأول لزوجها. لكن المأساة حدثتْ مع موت فريدريش فيلَم عام ١٨٨٨ بعد شهور قليلة فحسب من جلوسه على العرش، وتفوقت جينات آل هونزالرن لدى ابنه فيلهلم الثاني على ما ورثه من آل كوبورج. أو بالأحرى اجتُثَّ هذا الميراث على يد بسمارك ومدربيه العسكريين البروسيين، الذين خشُوا أيَّ أثر لنفوذ بريطاني أو كوبورجي. وقد كتبتْ أمه قائلة: «ليت ويلي تشبَّث بستوكمار العزيز كما نفعل نحن.» لكنه تبنَّى عوضًا عن ذلك ما أطلقت عليه أمه «الآراء الساذجة التي يعتنقها أي ملازم جيش». وظهرت تلك الآراء الساذجة للعيان في أغسطس عام ١٩١٤. عندما اعتبرت ألمانيا معاهدة عام ١٨٣٩ التي تضمن حياد بلجيكا مجرد «حبر على ورق» واحتلت بلجيكا كي تهاجم فرنسا. وهكذا دخلت بريطانيا الحرب العالمية الأولى.

وعلى الرغم من ضياع بروسيا من آل كوبورج، فإنهم احتفظوا ببريطانيا وبلجيكا. وإذا اعتبرنا الماضي دليلنا نحو المستقبل، فسنجد أن أوروبا كانت قوة سياسية فاعلة، تضمن الهويات والحريات القومية. فقبل انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي بزمن طويل، كانت أوروبا حاضرة في لندن، وفي قصر باكنجهام، وفي وزارة الخارجية، وفي البرلمان، وفي قلب مدينة لندن، فضلًا عن حضورها في التاريخ والثقافة الإنجليزية. إن أوروبا حاضرة في ماضينا وفي مستقبلنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.