كتب ألدوس هكسلي عام ١٩٥٤: «لا يقل التدخين في تلقائيته وطبيعيته عن تناول الطعام.» إن هذا الأمر لم يعد صحيحًا الآن؛ فالتدخين يمكنه أن يودي بحياتك، وقبل أن يقضي عليك، تُعِيد مكوناتُه النشطة برمجةَ مخك، فيجعلك تتلهف إليه. إنه غير طبيعي بالمرة. بل وحتى تناول الطعام، الذي جردته الوفرة الغربية من وظيفته الطبيعية على مرِّ التاريخ باعتباره ضرورة غذائية، أصبح موضع شك؛ إذ يزعم العلماء أن السكر سامٌّ للكبد مثله مثل الكحول، وكلاهما ينبغي أن يخضع لمزيد من الضرائب والقيود كما يقترح الأطباء والساسة.

إعلان أمريكي يشيد بمتعة سجائر «كامِل» في عام ١٩٣٦.
إعلان أمريكي يشيد بمتعة سجائر «كامِل» في عام ١٩٣٦.

وعلى النقيض، تغيرت النظرة لعقاقير الهلوسة، على الأقل في الصحافة؛ ففطر السيلوسيبين يساعد في علاج الاكتئاب، ويخفِّف عقَّارا إكستاسي وثنائي إيثيلاميد حمض الليسرجيك (إل إس دي) اضطرابَ إجهاد ما بعد الصدمة. ويقلل القنَّب أيضًا آلام السرطان ويحتوي على زيوت مُقلصة للأورام. وفي فبراير ٢٠١٢، دعا السير ريتشارد برانسون لجنة الشئون الداخلية التابعة لمجلس العموم إلى تخفيف قوانين المخدرات، وعندما سُئل برانسون عن رأيه فيما يتعلق باستخدامه الشخصي للقنب في الماضي، ردَّ: «لو كنت أدخن السجائر، لساورني القلق الشديد.»

ثمة عدد من التفاسير التاريخية الجذابة لهذا التحول، يؤكد تاريخ التطور العلمي أنه طيلة قرون قادت المعرفة الجديدة إلى إعادة تقييم المسائل العلمية المختلفة، بما فيها المواد المخدرة. من المنظور الاقتصادي، يستطيع المرء أن يؤكد أن الشركات الكبيرة التي حاولت في الأوقات المعاصرة أن تجعلنا بدناء، وثمالى، ومدمني سجائر، إما أنه قد حل محلها شركات أدوية، أو أنها تَعتبِر الآن موادَّ مخدِّرة أخرى مصادر أفضل للربح. ويرجح نهج سياسي أن هوس الولايات المتحدة في القرن العشرين بتطبيق حظر عالمي على المخدرات قد انتهى، ففي النهاية تحدَّت هيمنتها السياسية بعض المنظمات بما فيها «اللجنة العالمية المعنية بسياسات المخدرات»، التي أعلن تقريرها لعام ٢٠١١ أن «الحرب على المخدرات» التي شنها الرئيس نيكسون عام ١٩٧١ فشلت. بدلًا من ذلك، لعبت التقارير الصحفية بشأن تخفيف قوانين المخدرات دورًا كمجرد ملهيات عن تشديد القيود على المواد المخدرة المصرح بها.

وفيما تتضح هذه العوامل العلمية، والاقتصادية، والأيديولوجية، يتضح أيضًا أن حظر المخدرات «في طريقه للاختفاء»، في حين أن تقليل الضرر وإلغاء تجريم تعاطي وحيازة المواد المخدرة «في طريقه للظهور».

وقد شكَّل النمط السائد — بمعنى القبول الدوري لمواد مخدرة بعينها ورفض مواد أخرى — تاريخَ تناول المواد المخدرة المسجل بأكمله. وفي الفترة الحديثة زادت سرعة هذه الدورات كنتيجة للعولمة المتزايدة، التي عرَّفتنا بمواد من أجزاء أخرى من العالم؛ ونتيجة للتكنولوجيا المتطورة التي أتاحت لنا أن نصنع مواد مخدرة جديدة بالمرة. والنمط السائد جانب هام من جوانب الثقافة البشرية والذي كثيرًا ما يجري إغفاله، وهو في غاية الأهمية لتاريخ المواد المخدرة والمُسكِرة كذلك. فقد رأينا في العالم الغربي ولعًا بالبهارات، والقهوة، والشوكولاتة، والشاي، بالإضافة إلى مواد مكتوب عليها اليوم على نحو أكثر شيوعًا مواد مخدرة، وكذلك هلعًا أخلاقيًّا ضدها. ولم يعد يتمتع العلماء والساسة ورجال الأعمال بحصانة ضد الأنماط السائدة أكثر من أي أفراد أو جماعات آخرين. لقد تضافرت كل هذه العناصر الفاعلة في أوقات متنوعة من التاريخ لخلق «الصرعة الكبيرة التالية»، و«القاتل الأكبر التالي».

على سبيل المثال، كان لألمانيا — التي أنتجت صناعتها في مجال الأدوية إبان أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين الكثيرَ من الأدوية المحظورة في وقتنا الحالي — أنماطٌ سائدةٌ واضحة في مجال المواد المخدرة؛ حيث شكلت الاستشارات المهنية والاستراتيجيات التجارية آراء المستخدمين وتشكلت بها. ففي عام ١٨٩٧ أنتجت شركة باير للأدوية عقَّارين جديدين: أحدهما لعلاج الآلام، والآخر مهدئ للسعال. أولهما، الأسبرين، كان بديلًا نافعًا إلى حد ما لحامض الساليسيليك، الذي كان يتسبب في مشكلات في المعدة، لكن لم يُسوَّق له على نطاق واسع. وبخلاف مخاوف تأثير الأسبرين على القلب، كان لشركة باير موضع تركيز آخر: الهيروين. لقد كان ببساطة شديدة دواءً سحريًّا؛ لكونه فعالًا أكثر عشر مرات من الكودايين في تهدئة السعال في عصر تفشى فيه مرض السُلِّ، واعتُبِر غير مسبب للإدمان عند مقارنته بالأفيون والمورفين.

لمَ الاستعجال في التسويق لدواء شديد القرب من المواد المعروفة بأنها مسببة للإدمان؟ من الناحية العلمية كان هذا مثيرًا وسد احتياجًا ملحًّا؛ ومن الناحية الأيديولوجية بشَّر الهيروين بتقليل ويلات «إدمان المورفين»؛ ومن الناحية الاقتصادية بدا من المحتمل أن يُدرَّ أرباحًا طائلة لمنتجيه. وقد راق التقديمُ المُعقم للحقنة التي تحتوي عليه ومفعولها السريع، لكلٍّ من المرضى والمُجربين الأوائل له من أجل المتعة على السواء. تلك الطريقة الجديدة للتعاطي التي كانت أكثر حداثة بكثير من الحبوب. ورغم الظهور السريع لمخاطر الهيروين، فإنها لم تكن التعليل الوحيد لنهايته الطبية؛ وإنما قلل من أهميته اكتشاف لقاح جديد لعلاج السلِّ عام ١٩٠٦. ومع ذلك لا يزال الهيروين يُستخدَم في الرعاية التلطيفية. لماذا لا تُنشَر هذه المعلومة على نطاق أوسع؟ يرجع هذا إلى أن العلاقة بين الهيروين ومدمني المخدرات ووضعه الجنائي الدولي، تجعل من فائدته العلاجية أمرًا مزعجًا من الناحية السياسية.

ولطالما حاولت ألمانيا أن تتجنب تجريم استخدام المخدرات — مثل الهيروين — أو حيازتها، وإنما رأت أنه من الأفضل التحكم في تجارتها؛ فتجريم منتجات صناعتها الدوائية، الذي اشتمل أيضًا على الكوكايين والأمفيتامينات، سيمثل كارثة اقتصادية. لكن ألمانيا كان لها أيضًا عبر التاريخ مفهوم مختلف عن المواد المخدرة والمسكرة أيضًا، مما حدا بها أن تلقي باللائمة على أنماط سلوكية معينة للمستخدمين وليس على المادة المتناولة؛ فتعاطي مثل هذه المواد ليس مشينًا في جوهره، وإنما كانت بعض أنماط الاستخدام غير صحية، وأنماط أخرى جزءًا من السلوك السوي للجماعة. إلى حدٍّ كبير، سهَّل البناء الحكومي الألماني الذي يتدخل بشدة في كل شئون الدولة التحكمَ في ممارسات التعاطي وتداول المنتجات بين الشركات والمواطنين وجعلها مقبولة نسبيًّا. وعلى النقيض، نجد أن المملكة المتحدة نتيجة لتقليدها الفردي الليبرالي، ركزت على الحيازة والاستهلاك الشخصي لتلك المواد، ولأنها لم تعتَد التدخل بشكل منتظم في الحياة الشخصية لمواطنيها، لم تستطع السيطرة على السلوكيات المسببة للمشكلات سوى من خلال منع المواد المسببة لهذه المشكلات.

أصبحت هذه الصياغة المختلفة للمفاهيم واضحة بدرجة خاصة إبان القرن التاسع عشر، عندما أنشأت بريطانيا حركة الاعتدال في معاقرة المواد المسكرة، بينما لم تفعل ألمانيا ذلك. من وجهة نظر البريطانيين، فإن توافر المواد المخدرة الحديثة التي عالجت الأمراض — ومن ثم زادت من إنتاجية الفرد، شأنها شأن القهوة والشاي — ناقضَ بوضوح شديد تأثيرات الكحول غير الصحية التي تضعف الإدراك. ولم تحرم حركة الاعتدال تناول المواد المسكرة والمخدرة في حد ذاتها، وإنما بالأحرى مادة مسكرة بعينها اعتبرها النمط السائد خطيرة، يرجع هذا إلى حد ما إلى أن الإنتاج الصناعي جعلها أكثر تأثيرًا. كثيرًا ما يتعارض النقد الداخلي الحالي لثقافة معاقرة المسكرات في بريطانيا مع الثقافات القارية التي يُفترَض أنها «صحية» مثل ثقافة ألمانيا التي تميزت بصناعة قوية في مجال المشروبات الكحولية على مرِّ التاريخ. توضِّح مثل هذه المناقشات، إلى جانب رغبات في تحسين سمعة مواد مخدرة مُخلَّقة بعينها، أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، على الأقل فيما يتعلق بالمواد المخدرة والمسكرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.