كانت تلك إحدى اللحظات الساحرة، حين ثبّت منظاري ثنائي العدسات على طائر رفراف — ربما كان مهاجرًا من أوروبا — بينما ترددت أصداء الأذان بجمال فوق البركة.

وبجواري في مأوى مراقبة الطيور، كان المرشد السياحي حسين يتمتم في ضيق. هل كان قلقًا من أن يتركني هناك حتى يتسنى له الانصراف للصلاة؟

في تلك اللحظة اندفع من بين الخيزران طائر كبير يرفرف بقوة بلونيه الأبيض والأزرق. لم يكن هذا طائرًا مهاجرًا، وإنما كان طائر رفراف ذا رقبة بيضاء من فصيلة آسيوية تعد تلك البقعة هي الحدود الغربية لمنطقة وجودها. قال حسين مفسرًا ضيقه وهو يومئ باتجاه المسجد القريب: «إنه دائمًا ما يفزع.» كان هذا ما أزعجه: كان حسين يعلم أن الأذان يخيف هذا الطائر وكان يخشى أن نفقده.

منذ بضعة أعوام مضت ما كان الأذان ليزعجه؛ حيث كانت طيور الرفراف متوافرة بكثرة. حسين هو مرشد مراقبة الطيور المقيم في «محمية الأزرق المائية»، والأزرق واحة صغيرة تقع في الصحراء الأردنية على مسافة نحو ١٠٠ كيلومتر شرق العاصمة عمان. إننا نادرًا ما نسمع عن الدمار البيئي وسط المآسي الإنسانية التي تقع في الشرق الأوسط، ولكن هنا — وفي أماكن أخرى — تتأثر البيئة بالأضرار الناجمة عن الصراعات. وكما تؤدي ندرة المياه إلى الحروب، تؤدي الحروب أيضًا إلى ندرة المياه.

الأزرق هي الواحة الدائمة الوحيدة في محيط ١٢٠٠٠ متر مربع من الصحراء، أو بالأحرى كانت كذلك. تحمل صخور البازلت المسامية مياه الأمطار من جبال في سوريا إلى هنا، وهو ما أنتج ٢٥ كيلومترًا مربعًا من الأرض الرطبة التي ظلت على مدار قرون طويلة ملاذًا للبشر والأحياء البرية.

يرجع تاريخ الدلائل التي تشير إلى أن البشر عمروا هذه المنطقة — «ومنها دوائر حجرية غامضة تمتد لنحو ٧٠ مترًا» — إلى العصر الحجري القديم. كانت الأرض الرطبة تمثل مفترق طرق حيويًّا للقوافل في سفرها الطويل، كما ظلت لزمن طويل نقطة استراحة تستضيف الطيور المهاجرة، التي بلغ عددها في يوم واحد وفقًا لدراسة استقصائية أُجريت عام ١٩٦٧ نحو ٣٥٠ ألف طائر.

ثم اختل توازن المياه. تتسم الأردن ببيئة جافة، ولكنها تحاول إدارة مواردها النادرة بحكمة. ظلت معدلات النمو السكاني تتباطأ مع زيادة الرخاء الاقتصادي، وكان يمكن للتنمية الحذرة أن تحقق الاكتفاء للجميع دون تدمير البيئة. ولكن الأردن تعاني مشكلة إضافية؛ ألا وهي التدفق المتكرر والمفاجئ لوفود اللاجئين.

يمثل اللاجئون الفلسطينيون نتيجة الصراعات الإسرائيلية المتتالية قرابة ثلث سكان الدولة البالغ عدد سكانها ٦٫٥ ملايين نسمة. وجاءت أيضًا موجات أقل شهرة من اللاجئين العراقيين عامي ١٩٩٠ و٢٠٠٣؛ قدّرت الحكومة الأردنية «عدد الباقين منهم بنحو ٤٥٠ ألف شخص». وحاليًّا يتوافد اللاجئون من سوريا.

يجب توفير سبل المعيشة لتلك الوفود البشرية المباغتة على وجه السرعة. يقول حازم الخريشا — مدير المحمية — إن الأردن بدأت في ضخ المياه من مستودع الأزرق الجوفي لسد حاجات الفلسطينيين. وعام ١٩٨٢ استطاعت «الجمعية الملكية لحماية الطبيعة» بالأردن إقناع الحكومة بالتوقف عن الضخ. وبعد بضعة شهور، لم يكن ثمة بديل عن إعادة الضخ مرة أخرى.

أشار تقرير علمي صدر العام الماضي إلى أن هذا المستودع الجوفي يستطيع أن يوفر على نحو دائم ومنتظم ٢٠ مليون متر مكعب من المياه العذبة سنويًّا. ولكن المياه التي تُضخ من المستودع الجوفي تبلغ ٥٦ مليون متر مكعب في العام؛ حيث يوفر ربع احتياجات العاصمة عمان من مياه الشرب، وتظهر في صور الأقمار الصناعية للمحمية آبار غير شرعية تغذي المزارع.

يتناقص مخزون المستودع الجوفي بمعدل متر واحد تقريبًا كل عام، مما يهدد بفنائه كمصدر للمياه العذبة. وتوجد أسفله طبقة أخرى من الصخور التي تملؤها المياه المالحة القديمة، ويسمح التغير في تدفق المياه لتلك المياه المالحة بالتسرب لتختلط بالمياه العذبة الموجودة فوقها. لذا ارتفعت نسبة الملوحة بما يزيد على الضعف منذ عام ١٩٩٠.

في عام ١٩٩٢ انخفض منسوب المياه في المستودع انخفاضًا حادًّا أدى إلى جفاف الأرض الرطبة. نفق جاموس البحر وكذلك فصيلة أسماك لا مثيل لها في البرية، لم ينجُ منها سوى ما يعيش في حدائق الأسماك. وكان تعداد الطيور عام ٢٠٠٠ لا يتعدى ١٢٠٠ طائر كانت أغلبها طيور عابرة. ولم يسلم السكان المحليون كذلك من المعاناة.

وفي عام ١٩٩٤ أعادت إدارة المحميات ضخ بعض المياه لإحياء البرك. والهدف هو استعادة عُشر الأراضي الرطبة المفقودة، ولكن ما تمت استعادته هو بالكاد نصف هذه المساحة. غير أن هذه الجهود أثمرت عن إعادة جاموس الماء وبعض الطيور.

قد يخفف هذا من حدة المشكلة مؤقتًا. فعلى الرغم من كل أعمال الضخ تلك، فقد تنضب المياه في صنابير عمان صيفًا. ومن يملك المال يستطيع أن يملأ خزانًا للمياه فوق سطح بيته بواسطة شاحنات تأتي كل أسبوعين. أما الفقراء الذين لا يملكون المال، فيكدحون للحصول على الماء. يفوق الطلب على المياه الإمدادات المتوفرة منها، وكان الفرع الذي رأيته من نهر الأردن جافًّا.

والآن يفر السوريون إلى الأردن. تضم المدن عشرة آلاف منهم بالفعل، ونظرًا لإخفاق جهود السلام حتى الآن تنتظر المخيمات توافد آلاف أخرى. وكانت خزانات المياه هي أول ما شيده الأردنيون.

من المرجح أن تستمد هذه الخزانات مياهها من نهر اليرموك، وهو فرع رئيسي من نهر الأردن تتشاركه سوريا والأردن وإسرائيل. كانت السيطرة على هذا النهر أحد مغانم حرب الستة أيام عام ١٩٦٧، التي دفعت أيضًا باللاجئين إلى الأردن.

وتستمر تلك الدائرة المفرغة؛ الصراعات وأزمة اللاجئين وعجز المياه. ومع تزايد المحتاجين إلى المياه في الأردن، ستقل المياه المتوفرة للفلاحين الذين يعانون بالفعل الجفاف. وتقف تلك الأرض الرطبة التي عادت للحياة حديثًا في الأزرق في نهاية صف انتظار طويل يسعى لري ظمئه، وسيكون من حسن حظها هي ومستودع المياه الجوفية بها إن كتبت لهما النجاة.

غير أن الأردن تتبع العديد من الإجراءات الصائبة؛ فهي تعيد تدوير مياه الصرف الصحي المعالَجة، وتشرك السكان المحليين في إنقاذ الأزرق، ووقعّت اتفاقيات مع بعض البلدان المجاورة لها حول مصادر المياه المشتركة. وتطالب الخطة الوطنية للمياه التي انطلقت عام ٢٠٠٩ بخفض ضخ المياه الجوفية إلى مستويات قابلة للاستدامة، اعتمادًا على مشروعات مبتكرة مثل تحلية المياه.

قد تنجح الأردن في مساعيها، ولكن الخطط عرضة لخطر الانهيار بسبب موجة جديدة من اللاجئين اليائسين. وعلاوةً على كل هذا، يلوح في الأفق خطر تغير المناخ والجفاف المستمر.

أرى حسينًا ورفاقه أناسًا يقاتلون من أجل شيء يؤمنون به، وهو قتال جدير بأن يخوضوه وبنفس أهمية أي صراع آخر في بلدان الربيع العربي. أتمنى أن تُكتب النجاة لواحة الأزرق؛ فالبشر يحتاجونها بقدر ما تحتاجها طيور الرفراف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.