أقطن على مسافة بضع بنايات من جيران من نوع خاص: ثلاثة من قردة الشمبانزي التي تستخدم لغة الإشارة الأمريكية بطلاقة. أسماؤها هي: تاتو، ودار، ولوليز، وكانت واشو، العضو الأشهر في عائلتهم، أول كائن غير بشري يكتسب لغة بشرية. كان منزلهم هو «معهد اتصال الشمبانزي والإنسان»، الواقع في حرم جامعة «سنترال واشنطن» بمدينة إلينسبورج بولاية واشنطن، حيث أعمل محاضرًا متطوعًا (مدرس عام) منذ عام ٢٠٠٧.

ظلت القدرات اللغوية للقردة غير البشرية موضع بحث العديد من المشاريع المهمة، وبأساليب متنوعة تنوعًا كبيرًا. وفي هذا المقال سأركز على واشو وعائلتها. إنني مؤمن بأن قردة الشمبانزي هذه تستخدم اللغة استخدامًا أصيلًا، وأن الكثير من المقاومة الفلسفية لهذا الرأي ترجع إلى سوء فهم الأبحاث ونتائجها. ينبع سوء الفهم والشكوك من مصدرين على الأقل: أولهما، أن بعض الفلاسفة وعلماء اللغة يعتنقون النظريات التي تنادي بأن البشر وحدهم هم القادرون على تعلم اللغة. غير أنه لا بد أن توضع نتائج الأبحاث التجريبية في الاعتبار كما هي، مهما كانت تبعاتها على النظريات المعتَنَقة من قبل. ثانيهما، عادة ما يشكك الصحفيون الذين يخاطبون جمهورًا من القراء غير المتخصصين فيما إذا كان استخدام واشو للغة قد ثبت حقًّا. فأحيانًا يفترضون أن جميع الأبحاث التي تُجرى على القردة المُستخدِمة للغة يجب أن تسفر عن النتائج عينها. على سبيل المثال: كانت مناقشة مشروع واشو تقترن عادة بشمبانزي آخر هو نيم تشيمبسكي، الذي شارك أيضًا في مشروع بحثي يستخدم لغة الإشارة الأمريكية. فعلى الرغم من أن المشروعين كانا متشابهين بطريقة أو بأخرى، فإن طريقة البحث التي استخدمها فريقا البحث اختلفت اختلافًا عظيمًا، كما اختلفت النتائج. إن أية استنتاجات حول مشروع بعينه لاستخدام القردة للغة لا ينبغي افتراض أنه يمكن تطبيقها على مشاريع أخرى.

سألخص هنا بعض نتائج الأبحاث التي اشتركت فيها واشو وعائلتها. ثم سأتناول في عجالة ما قد تعنيه هذه النتائج لقضية ما إذا كان البشر يملكون استعدادًا فطريًّا لاكتساب اللغة.

القردة والتجسيم

من منظور طوائف الأنواع، ينتمي كل من الإنسان والشمبانزي إلى فصيلة القردة ذات الأجسام الكبيرة (أو العليا)، التي تضم أيضًا البونوبو والغوريلا والأورانج أوتان. داخل هذه الفصيلة، أقرب أقرباء الشمبانزي هو البونوبو، يليه الإنسان. ومع أن معظمنا يألف فكرة أن البشر «أقارب» القردة، لا تزال حقيقة أننا قردة تثير دهشتنا. إن فكرة وجود خط فاصل واضح بين «البشر» و«الحيوانات» مغروسة غرسًا عميقًا في ثقافتنا. وهذا التحيز الثقافي ييسر علينا تصديق المزاعم القائلة إن البشر مميزون، ويصعّب علينا الإقرار بأن أي أجناس أخرى قد تكون مشابهة لنا.

إذا كانت قناعتك المبدئية هي الفصل الواضح بين طائفتي «البشر» و«الحيوانات وحسب»، عندئذ سيبدو إسناد أي صفات بشرية إلى «الحيوانات وحسب» محض تجسيم عاطفي. من ناحية أخرى، إذا بدأنا بالإقرار بالعلاقة الوثيقة بين البشر وأقربائنا القردة، عندئذ لن يصير مثيرًا للدهشة أن تتمتع أنواع القردة الأخرى بصفات نعدها عادة صفات بشرية. ومن ثم عندما نتعرض لمسألة ما إذا كان بمقدور القردة تعلم اللغة، من المفيد أن نضع في حسباننا أن جميع المشاركين في الحوار — من باحثين، وكُتاب، ومعلقين، وجميعهم من البشر — هم قردة تستخدم اللغة.

وضعًا في الاعتبار صلة القرابة القوية بين البشر والشمبانزي، ليس من المدهش إذن أن يتشابه النوعان في مناحٍ عدة. فالشمبانزي يستخدم الأدوات، ومنها أفرع الشجر لاصطياد النمل الأبيض، والمطرقة والسندان الحجريين لتكسير البندق، ورُصد في حالات معدودة أنه يسن الرماح الخشبية من أجل الصيد. أظهر الشمبانزي أيضًا ممارسات ثقافية تقتصر على مجموعات عائلية معينة وتُنقل من الآباء للأبناء، بما في ذلك طرق عمل الأدوات واستخدامها، وممارسات الصيد، والإيماءات المستخدمة في التواصل. وبناءً عليه، إذا تعين رسم خط واضح بين «الحيوانات» و«البشر»، فلا يمكن رسمه على أساس أن «البشر وحدهم هم مستخدمو الأدوات»، أو أن «البشر وحدهم لديهم ثقافة»؛ نظرًا لأن الشمبانزي يتمتع بهذه السمات أيضًا. ينادي البعض بأن الصفة المتفردة التي يتمتع بها الإنسان هي أننا نستخدم اللغة إلى حدها الأقصى. غير أنني أرى أن واشو وعائلتها أثبتوا أن الشمبانزي قادر على تعلم لغة البشر واستخدامها.

مشروعات الحضانة المختلطة

بدأ اكتساب واشو للغة الإشارة الأمريكية في مشروع للحضانة المختلطة في عام ١٩٦٦، عندما كانت في شهرها العاشر. يقصد بالحضانة المختلطة تربية رضيع من أحد الأنواع في كنف راشدين من نوع آخر. وفي هذه الحالة تولى تربية واشو بشر عاملوها كما لو كانت طفلًا بشريًّا؛ فكانت ترتدي الحفاضات والملابس، وتتناول طعامها في الكرسي المخصص للأطفال، وتلعب بالدُمى، وتعلمت أن تغسل أسنانها بالفرشاة، ودُربت على استخدام النونيّة. لم يستخدم القائمون على رعايتها أي لغة منطوقة في حضورها، وإنما لغة الإشارة الأمريكية فحسب للتواصل بعضهم مع بعض، ومعها أيضًا.

تعلمت واشو أولًا الثرثرة بالإشارات لنفسها دون نظام، ثم استخدمتها استخدامًا سليمًا في سياق. وعندما اكتسبت ثمان إشارات فعالة وموثوقة، بدأت في جمع إشارتين معًا كي تكوّن عبارات بسيطة مثل «افتح الباب» (عندما يكون الباب مغلقًا)، أو «مداعبة أكثر» (عندما يتوقف أحد القائمين على الرعاية عن مداعبتها). (انظر «تطور العبارات في نطق الأطفال والشمبانزي الخاضع لحضانة مختلطة»، من إعداد القائمَين على رعاية واشو، بياتريكس تي جاردنر وآر ألن جاردنر، في كتاب «الجذور الإيثولوجية للثقافة» ١٩٩٤.) وبعدما أظهرت واشوا نجاحًا في تعلم لغة الإشارة الأمريكية، بدأ مشروع حضانة مختلطة آخر في عام ١٩٧٢، رُبي فيه عدد من رضع الشمبانزي معًا كأشقاء. وقد شارك كل من تاتو ودار، اثنان من النزلاء الحاليين في «معهد اتصال الشمبانزي والإنسان» في هذه الدراسة. ولم يتعلم هذان القردان الإشارات كما فعلت واشو فحسب، وإنما أيضًا استخدماها في التواصل بعضهما مع بعض، وليس فقط مع القائمين على رعايتهما.

حين صارت واشو راشدة، تساءل فريق البحث هل ستعلم الإشارات التي تستخدمها لرضيع يتربى في كنفها؟ وبالفعل صار لوليز ابنًا لواشو «بالتبني» في عام ١٩٧٩. في ذلك الوقت، حصر القائمون على الرعاية لغة الإشارة التي يستخدمونها أمام واشو ولوليز في قائمة قصيرة مكونة من سبع إشارات هي: أيهما، ماذا، أريد، أين، من، إشارة، اسم. وكانت الفكرة هي أنه إذا لاحظ القائمون على الرعاية أن لوليز يستخدم أي إشارات ليست ضمن هذه القائمة القصيرة، عندئذ سيعرف الباحثون أنه قد تعلمها من واشو.

شوهد لوليز وهو يؤدي أولى إشاراته بعد مرور ثمانية أيام على وجوده مع واشو. كانت الإشارة تخص اسم أحد القائمين على الرعاية، وليست واحدة من الإشارات السبع المدرجة في القائمة التي رأى البشر يستخدمونها. وبعد انقضاء ثمانية عشر شهرًا، كان قد تعلم بالفعل نحو أربع وعشرين إشارة. (لمزيد من التفاصيل حول المشروعات الثلاثة التي ذكرتها، انظر «أقرب الأقرباء: حواراتي مع الشمبانزي»، لروجر فوتس بالاشتراك مع ستيفن تاكل ميلز، ١٩٩٧.)

تُوفيت واشو في عام ٢٠٠٧ عن عمر يناهز الاثنين والأربعين عامًا، ولا يزال لوليز ودار وتاتو يعيشون في المعهد.

إشارات اللغة

للغة تعريفات مختلفة عند الفلاسفة، ومن ثم هناك معايير مختلفة يُحكم وفقًا لها على الظاهرة المرصودة بأنها استخدام للغة. وسأطرح هنا أهم النقاط التي أرى أنها توضح أن واشو وعائلتها يستخدمون اللغة استخدامًا أصيلًا. وسأناقش النقاط الثلاث الأولى معًا:

(١) يستخدم الشمبانزي الإشارة حتى عندما لا يحثه البشر على فعل ذلك (بل وحتى دون وعي).
(٢) يتحدث الشمبانزي في موضوعات مختلفة، بما في ذلك وصف الأشياء المحيطة وبدء الألعاب. ولا يقتصر استخدام لغة الإشارة على طلب الطعام بالأساس.
(٣) يستطيع المراقبون المستقلون الطلقاء في لغة الإشارة الأمريكية فهم إشارات الشمبانزي وتمييزها.

يُزعم أحيانًا أن الشمبانزي لا يعي بحق الإشارات التي يقوم بها، لكنه تعلم فقط أن يصدر إشارات معينة للباحثين البشر كرد فعل لتلميحات معينة، شأن الحصان أو الكلب الذي تعلم القيام بحركة معينة عند تلقي الأمر بذلك. لدحض مثل هذه المزاعم نُفذت مشاريع بحثية عديدة لإثبات أن واشو وعائلتها لا يستخدمون الإشارات استجابة للتحفيز البشري وحسب.

في عمر الرابعة، خضعت واشو لدراسة مزدوجة التعمية صُممت بغية دحض احتمال تلقيها لتلميحات لاواعية من البشر. طُلب منها أن تذكر اسم شيء موجود في الحجرة أو صورة على شريحة عرض، ولم يكن بمقدور الباحث الذي يشير إلى واشو ويسجل استجاباتها أن يرى الشيء أو الصورة، ولم يكن على دراية بالإجابة الصحيحة. كانت الإجابة تعد صحيحة فقط في حال اتفاق اثنين من المراقبين البشريين المستقلين على الإشارة التي أصدرتها (انظر كتاب «أقرب الأقرباء» ص٩٨–١٠١).

أحسنت واشو الصغيرة الأداء إلى حدٍّ بعيد في هذه الاختبارات. ففي اختبار مكون من أربع وستين محاولة، جاءت ٨٦٪ من إجاباتها صحيحة. واكتشف الباحثون أن مكافأتها بهدايا مثل الزبيب يضر بأدائها؛ إذ إنها صارت أكثر شغفًا بالإشارة بكلمة «زبيب» عن الإجابة عن أسئلة الاختبار! لكن عندما مُنعت عنها المكافآت، صارت أكثر تركيزًا على الاختبار ذاته، وزادت احتمالية تسميتها للشيء أو الصورة على نحو صحيح.

وفي بحث لاحق أُجري بين عامي ١٩٨٣ و١٩٨٥، استُخدمت كاميرات مراقبة يجري التحكم فيها عن بعد لرصد الحوارات التي تدور بين واشو وأفراد عائلتها. سُجلت ثلاثة أجزاء على مدار اليوم مدة كل جزء منها عشرون دقيقة وذلك في أوقات عشوائية. ولم يكن أي إنسان حاضرًا أثناء التسجيل.

التقطت الخمس عشرة ساعة الأولى أكثر من مائتي مثال على الإشارات المتبادلة بين الشمبانزي. عُرضت هذه الشرائط على مراقبين مستقلين محترفين في لغة الإشارة الأمريكية. واتفق المراقبون في تسع من كل عشر مرات على معنى الحوارات المسجلة التي دارت بين الشمبانزي (انظر كتاب «أقرب الأقرباء»، ص٣٠٢–٣٠٤).

إجمالًا، سجلت الدراسة وصنفت ما يزيد عن ٥٢٠٠ تفاعل بين الشمبانزي، جميعها وقع دون أي تواجد بشري في الموقف. صُنف ٨٨٪ من هذه الحوارات تحت بند ألعاب، وتفاعل اجتماعي، وطمأنة. فعلى سبيل المثال: تكرر استخدام إشارة كلمة «مطاردة» من أجل بدء اللعب، وإشارة كلمة «حضن/حب» من أجل الطمأنة. أما نسبة اﻟ ١٢٪ الباقية من المحادثات، فوقعت تحت بند الطعام، والعناية بمظهرها، والإشارة إلى النفس، والتنظيف، والتهذيب. مثلت إشارات الطعام وحدها نحو ٥٪ فحسب من الحوارات. (انظر مقال «استخدام الشمبانزي للغة الإشارة» لروجر إس فوتس وديبورا إتش فوتس، www.animal-rights-library.com/texts-m/fouts01.htm)

(٤) يستخدم الشمبانزي الإشارات استخدامًا مبدعًا وفي سياقات جديدة.

بدأت واشو استخدام إشاراتها في سياقات جديدة في وقت مبكر للغاية. على سبيل المثال: تعلمت إشارة كلمة «افتح» من القائمين على رعايتها، الذين كانوا يشيرون بها فيما كانوا يفتحون الباب لإخراجها إلى الساحة الخارجية. وبعدما فهمت الإشارة، كانوا ينتظرون حتى تطلب هي هذا قبل أن يفتحوا الباب. بعدئذ نقلت واشو نفسها الإشارة إلى سياق جديد؛ حين طلبت من القائمين على رعايتها أن «يفتحوا» إحدى الحقائب. وبعدها طلبت شربة ماء من خلال الإشارة ﺑ «فتح» صنبور الماء، الأمر الذي لم يسبق لها أن رأت البشر القائمين على رعايتها يفعلونه (قارن «الدليل على وجود عناصر الجملة في النطق المبكر لدى الأطفال والشمبانزي»، جاردنر وجاردنر، صحيفة «جورنال أوف إكسبريمنتال سيكولوجي: المقالات العامة»، ١٩٧٥، المجلد ١٠٤، الإصدار رقم ٣).

في مشروع بحثي أُجري عام ١٩٨٩ حول اللعب التخيلي وجد الباحثون أمثلة على أنواع متعددة للاستخدام الإبداعي للغة من جانب واشو وعائلتها؛ فعلى سبيل المثال: أحيانًا كان الشمبانزي يعاملون الدمى كما لو كانت من الأحياء، مثلما لعب دار لعبة «بيكابو» مع دمية دب (وهي لعبة تُلعب مع الأطفال الصغار حين يخفي المرء وجهه بكفيه ثم يظهره فجأة ويقول «بيكابو».) قد يتظاهر الشمبانزي أيضًا أن شيئًا ما هو شيء آخر؛ مثلما فعل لوليز عندما وضع قالبًا من الخشب على رأسه وأشار بكلمة «قبعة» (انظر كتاب مقال فوتس، وفوتس مرة أخرى).

(٥) يستطيع الشمبانزي أن يضم الإشارات بطرق خلاقة، وبذا يكّون تعبيرات وجملًا جديدة.

بدأت واشو في عمر مبكرة تبتكر أسماء للأشياء. فرغم أن القائمين على رعايتها أشاروا إلى الثلاجة ﺑ «الصندوق البارد»، أشارت هي إليها ﺑ «افتح طعام شراب». كما علموها اسم «مقعد النونية» إشارة إلى مرحاضها، غير أنها ابتكرت الاسم «الشيء القذر». أيضًا عندما قُدم الثوم المعمر إلى لوليز، ابتكر له اسمًا من خلال مزج إشارتين مألوفتين هما «عُشب البصل».

تشابهت أنواع العبارات التي استخدمها صغار الشمبانزي مع العبارات التي يستخدمها الأطفال الصغار؛ إذ تعلموا أنماط عبارات مثل «الفعل + المفعول به»، ثم استخدموا هذا النمط في إنتاج عبارات جديدة. على سبيل المثال: عبارتي «نظف دار» و«طارد سوزان» مكونتان من فعل + مفعول به. (جاردنر، وجاردنر في «الجذور الإيثولوجية للثقافة».)

(٦) الشمبانزي يفهم ويستخدم القواعد اللغوية السليمة للغة الإشارة الأمريكية، التي تعتمد على التصريف وتعبيرات الوجه.

ليست القواعد اللغوية للغة الإشارة الأمريكية مماثلة لقواعد اللغة الإنجليزية. يمكن أن يبدو النقل الحرفي للغة الإشارة الأمريكية إلى اللغة الإنجليزية كحديث الأطفال. على سبيل المثال: لا تتضمن لغة الإشارة الأمريكية فعل الكينونة “to be” أو أدوات التعريف والتنكير مثل “the”. ويعد ترتيب الكلمات أهم بكثير في اللغة الإنجليزية عنه في لغة الإشارة الأمريكية. ومع ذلك، ليست لغة الإشارة الأمريكية مجرد نسخة طفولية أو بدائية من اللغة الإنجليزية: فهي لغة مستقلة لها خواصها المتفردة. وهي تقوم على التصريف وتعبيرات الوجه لنقل جزء من معنى الإشارات؛ على سبيل المثال: الإشارة بكلمة «يذهب» مع رفع الحاجبين تشير إلى سؤال مثل: «أيجدر بنا أن نذهب؟» في حين أن الإشارة عينها إذا استُخدمت مع تعبير وجه مختلف يمكن أن تشير إلى فعل أمر. وعلى هذا قد تكون الإشارة بكلمة «يساعد» دون أي تصريف مبهمة، لكن توجيه الإشارة صوب شخص ما توضح أن المعنى المقصود هو «ساعده».

يعي الشمبانزي كثيرًا أهمية تعبيرات الوجه والتصريف، ويستخدمها على نحو مماثل للبشر الذين يستخدمون لغة الإشارة. ثمة دليل أيضًا على أن الشمبانزي يفهم الفئات الدلالية. لُوحظ على سبيل المثال أن إجاباتهم عن الأسئلة التي تبدأ بأدوات الاستفهام (من، وماذا، وأين، ولماذا، ومتى) تكون عادة في الفئة الدلالية الصحيحة حتى حين تكون الإجابة نفسها غير صحيحة. على سبيل المثال: يجيب القردة عن الأسئلة التي تبدأ بأداة الاستفهام «من» بأسماء، وعن الأسئلة التي تبدأ بالأداة «أين» بأماكن. (جاردنر، وجاردنر، «جورنال أوف إكسبريمنتال سيكولوجي»: المقالات العامة، ١٠٤، ٣.)

وحدة لغة بالمخ؟

إحدى النظريات الفلسفية الرئيسية التي تأثرت بالأدلة المستمدة من بحوث اللغة غير البشرية هي النظرية القائلة إن القدرة اللغوية فطرية.

تخيل أنك التحقت بدورة دراسية لبدء تعلم لغة أجنبية. في هذه الفصول الدراسية لن يشرح لك أحدهم قواعد اللغة أو يترجم الكلمات إلى لغتك الأم. وإنما سيتحدث متحدثون أصليون لهذه اللغة إليك، وبعضهم إلى بعض، باللغة المراد تعلمها. ربما يبطئون من سرعتهم في التحدث، أو يكررون الجمل التي لا تفهمها، أو قد لا يفعلون ذلك بالمرة، ولك مطلق الحرية في أن تحاول التحدث باللغة متى شعرت بالاستعداد لذلك. أحيانًا قد يصحح المتحدثون الأصليون للغة أي أخطاء وقعت فيها، وفي أوقات أخرى قد لا تتلقى تقريبًا أي تلميح عما إذا كنت تتحدث على نحو صحيح أم خاطئ.

سيبدو تعلم اللغة في هذا الفصل ضربًا من المستحيل: ومع ذلك ينجز الأطفال الصغار عادة هذه المهمة بنجاح؛ فالأطفال الصغار سرعان ما يتعلمون تحدث اللغة التي ينغمسون فيها. فهم يتشربون بقواعد التركيب اللغوي حتى عندما لا يشرحها لهم أي من الكبار. وقد يصحح لهم الكبار الأخطاء اللغوية أو لا يفعلون ذلك. وقد يبدو عسيرًا على التصديق كيف أنه في ظل هذه الظروف الفوضوية المُربكة يمكن لأي طفل أن يعرف كيف يبني جمل مفهومة. ومع ذلك، ينجح جميع الأطفال تقريبًا في إتقان لغاتهم الأصلية، بما في ذلك استخدام القواعد اللغوية من أجل بناء جمل جديدة لم يخبرهم بها أحد من قبل. وعادة ما اعتبر الفلاسفة (والآباء) هذا عملًا فذًّا.

عمدت نظرية «الفطرية» إلى تفسير النجاح المذهل الذي يحققه الأطفال في تعلم اللغة. ويؤمن أنصار هذه النظرية أننا وُلدنا بقدرة عقلية متخصصة لتعلم للغة. وأحيانًا يشير الفلاسفة إلى هذه القدرة على أنها «عضو» أو «وحدة» للغة في المخ. ولهذه الوحدة قواعد عالمية أساسية من التراكيب اللغوية المغروسة في البنية الأساسية للمخ (بمعنى أنها تكونت مع تكون المخ). بطبيعة الحال، تعتمد اللغة التي يتعلمها الطفل على بيئته. وعندما يتعرض الفرد للغة معينة، يمكن للوحدة أن تتعرف على قواعد التراكيب الخاصة بهذه اللغة وتطبقها.

لعل عالم اللغويات نعوم تشومسكي هو أشهر مؤيد لفكرة أن استخدام اللغة يعتمد على مقدرة فطرية يُولد بها الإنسان. وفي ذلك يقول تشومسكي إن أمخاخ البشر فقط هي التي يوجد فيها منطقة خاصة باكتساب اللغة. وهذا يعلل في رأيه لماذا يقتصر تعلم اللغة واستخدامها على البشر. وبالعكس، إذا اتضح أن الحيوانات يمكنها تعلم لغة، فهذا سيعني أن القدرة اللغوية لا تعتمد على وحدة لغوية يملكها البشر وحدهم.

لا ريب أن مخ الشمبانزي يشبه مخ الإنسان إلى حدٍّ بعيد. وإذا كان مخ الإنسان يحتوي على منطقة خاصة باكتساب اللغة، فقد يقترح هذا أن مخ الشمبانزي يحتوي على منطقة مشابهة، الأمر الذي يعلل قدرته على اكتساب لغة ما في ظل الظروف المواتية. لكن إذا كان الحال كذلك، فلماذا لم يطور الشمبانزي لغته الخاصة؟ يرى تشومسكي أنه: «إذا كانت القردة تتمتع بهذه القدرة (اللغوية) المذهلة، التي هي بلا شك عنصر أساسي في النجاح البيولوجي الهائل للإنسان (من المنظور التقني)، فلماذا إذن لم تستخدمها؟ يشبه هذا القول إن باستطاعة الإنسان الطيران، لكنه لم يعرف ذلك إلى أن جاءه مدرب ليعلمه.» (من مقال بعنوان «حول خرافة لغة القردة»، والمقال متاح على الموقع التالي: www.chomsky.info/interviews.) للشمبانزي في البرية طرق التواصل الخاصة به من خلال الإيماءات وإصدار الأصوات، لكن لا يبدو أن أيًّا من هذه الطرق يشكل لغة كاملة. لقد اكتسب الشمبانزي اللغة في ظل ظروف خاصة وحسب، في وجود بشر قاموا بدور المعلمين ونماذج لاستخدام اللغة.

إن الحجة المؤيدة لوجود وحدة لغوية بالمخ هي أن هذا هو التفسير المحتمل الوحيد لقدرة الأطفال على تعلم اللغة. لكن إذا كان بمقدور الشمبانزي أن يتعلم لغة ما، حتى لو لم يملك وحدة لغوية، فمن الواضح إذن أن الوحدة اللغوية ليست التعليل الوحيد للقدرة اللغوية. والعكس صحيح؛ فالشخص الذي يعتبر أنه لا يمكن تعلم اللغة إلا بواسطة كائنات تملك وحدات لغوية في أمخاخها لا بد أن ينكر أن القردة بمقدورهم تعلم لغة، للسبب عينه الذي طرحه تشومسكي.

من هو مستخدم اللغة؟

حاولت أن أطرح بعض الأدلة التي تشير إلى أن عائلة واشو تستخدم اللغة استخدامًا أصيلًا. بالطبع قد يكون هناك بعض المعايير التي تحدد ما يعد استخدامًا للغة لم أتناولها هنا. على أن النهج الذي ينهجه الباحثون القائمون على دراسة هذه العائلة كان يقوم عادة على مقارنة تعلم صغار الشمبانزي للغة الإشارة وتعلم صغار البشر للغة العادية. فقد وجدوا أن صغار الشمبانزي تطور استخدامها للغة بطرق مشابهة لتلك التي يستخدمها الأطفال، وإن لم يكن بالمعدل نفسه. وعند وضع معايير لتعريف استخدام اللغة، ينبغي أن نحرص على ألا نجعل القواعد شديدة الصرامة لدرجة تجبرنا على الحكم بأن الطفل ذا الأربعة أعوام ليس مستخدمًا للغة.

إننا نميل إلى صياغة السؤال بحيث تكون الإجابة هي إما الكل أو لا شيء؛ إما نعم أو لا: هل يمكن لنوع ما أن يستخدم اللغة أم لا؟ قد لا تكون هذه هي أكثر الطرق المثمرة للتفكير في القضية. فثمة طرق ومستويات مختلفة من استخدام اللغة، اعتمادًا على هل المتحدث طفل صغير، أم شاعر، أم أستاذ فلسفة؟

إذا تصورنا وجود مقياس للقدرة اللغوية يتدرج من الأدنى إلى الأعلى، أيعني هذا أننا لا بد أن نتخلى عن فكرة إننا نولد بوحدة لغوية؟ نظريًّا، لا يوجد ما يمنع امتلاك نوع معين لقدرة فطرية غير مستخدمة. فالإنسان لن يطور اللغة ما لم يتعرض لها. لكن البشرية طورت اللغة دون أي معلمين، في حين أن نوع الشمبانزي من الواضح أنه لم يفعل. لعلنا نستطيع أن نفترض وجود وحدة لغوية مختلفة اختلافًا طفيفًا، أقل تطورًا، وأقل كفاءة في مخ الشمبانزي. فكر فيما يلي: في مرحلة ما من مراحل تطورنا، هل ظهر قطاع اللغة الفطري الموجود بالمخ إلى حيز الوجود على نحو مفاجئ، أم أنه تطور مع تطور المخ؟ إذا كان قد تطور، فمن المؤكد وجود نسخة أقل كفاءة منه في مرحلة ما من مراحل تاريخ نوعنا؛ ربما امتلكها آخر سلف مشترك للشمبانزي والإنسان.

إذا انتقلنا إلى التفكير في استخدام اللغة باعتباره مسألة درجات، فليس من الواضح ما إذا كانت فكرة الوحدة اللغوية المتخصصة لا تزال مجدية أم لا. وبدلًا من ذلك يمكننا أن نختار التحدث عن قدرات فكرية عامة يمكن استخدامها لاكتساب اللغة، إلى جانب أنواع أخرى من التعلم والتكيف. في كلتا الحالتين، على المنظّر الذي يريد الدفع بأن واشو وعائلتها لا تستخدم اللغة استخدامًا أصيلًا أن يطرح تحديات محددة أمام هذه الفكرة. فلم يعد مقبولًا إنكار قدراتها اللغوية دون مبرر.

أتوجه بالشكر إلى فريق العمل بالمعهد للمساعدة في البحث، وشكر خاص لكل من ليزا ليونز وجاسون والين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.