من الأمور المخيبة للآمال بشأن الخلاف بين المحافظين الدينيين والعلمانيين الملحدين أن أطراف الخلاف نادرًا ما يتجادلون حول الموضوع ذاته. يهاجم الملحدون الحانقون من أمثال ريتشارد دوكينز تصورًا للإيمان بعيدًا كل البعد عن الواقع التاريخي أو اللاهوتي؛ فيقتطعون فقرات عشوائية من النصوص الدينية، أو يتناولون أحداثًا منفصلة عن سياقها في تاريخ الدين، ويعرضونها على المؤمنين طارحين أسئلة من قبيل: «كيف تعبدون ربًّا بهذا القدر من التقلُّب؟» أو «كيف ترتادون كنيسة بهذا القدر من القسوة؟»

المشكلة أن السجل التاريخي أكثر تعقيدًا بكثير مما يدَّعي المتشككون المحترفون. مثال ذلك موقف الكنيسة الكاثوليكية من العبودية في «العالم الجديد» الذي يُستشهد به عادةً دليلًا على وحشيتها. ففي عام ١٤٥٢، أصدر البابا نيقولا الخامس مرسومًا بابويًّا يمنح البرتغال وإسبانيا «تصريحًا كاملًا مطلقًا بغزو الملحدين وأعداء المسيح، والبحث عنهم، وأَسْرهم، واستعبادهم أينما كانوا … وتكبيلهم بأغلال العبودية الأبدية.» اعتُبر هذا المرسوم آنذاك — بل في يومنا هذا — إقرارًا مقيتًا باستعباد الأمريكيين.

المرسوم البابوي ليس بالضرورة إقرارًا عقائديًّا تدعمه التعاليم الكاثوليكية. ومع أنه يُفترض بالمراسيم البابوية أن تكون صحيحة من الناحية اللاهوتية، فمن الغريب أن قليلًا منها فقط هو ما مثل نموذجًا لعصمة البابا من الخطأ. واللافت للنظر في المرسوم تناقضه مع الكثير من الأمور الأخرى التي كان على روما التصريح بها بشأن العبودية، ما اعتبره القدِّيس توما الأكويني شرًّا مُهلِكًا.

عندما استعمر الإسبان جزر الكناري في الثلاثينيات من القرن الخامس عشر، أصدر البابا يوجين الرابع مرسومًا بابويًّا منح التجار الإسبان مهلة ١٥ يومًا فقط لإطلاق سراح كل من كانوا يستعبدون، وإلا واجهوا الحرمان الكنسي. وبالمثل، في الثلاثينيات من القرن السادس عشر، أصدر البابا بولس الثالث مراسيم يدين فيها العبودية في «العالم الجديد» مستخدمًا لهجة حادة. ففي رفض منه لادعاءات المستعمرين الأوروبيين بأن السكان الأصليين لهذه البلاد حيوانات لا روح لها، كتب في المرسوم الذي حمل عنوانًا بمعنى «الرب العظيم» عام ١٥٣٧ يقول: «بالإشارة إلى أن الهنود بشر فعليًّا على نحو غير قابل للجدل … [فإننا] نقر ونعلن بموجب هذه الرسائل أن هؤلاء الهنود وغيرهم من الشعوب الأخرى، حتى وإن لم يكونوا على ديننا … لا يجوز استعبادهم.»

إذا كانت وحشية العبودية في «العالم الجديد» تتناقض تناقضًا مفجعًا مع العقيدة الكاثوليكية، فلماذا إذن لم تبذل الكنيسة مزيدًا من الجهد للقضاء عليها؟ أولًا: عمل بالكنيسة رجال تملؤهم النقائص تحدَّوا في بعض الأحيان القواعد التي كانوا يرونها غير ملائمة، فالبابا إنوسنت الثامن (الذي أنجب أيضًا عددًا من الأبناء غير الشرعيين) قبل بصدر رحب هدية من مائة عبد في عام ١٤٨٨. ثانيًا: مع أن الكنيسة في القرون الوسطى تمتعت بسلطة روحية هائلة، فإن سطلتها الدنيوية لم تكن ساحقة أبدًا كما يزعم منتقدوها المعاصرون. ففي عام ١٥٢٧، تعرضت روما للنهب على يد ملك إسبانيا تشارلز الخامس، وزُجَّ بالبابا في سجون الملوك المستعمِرين. وتأكَّدَ ضعف سلطة الكنيسة بقيام حركة «الإصلاح البروتستانتي».

لذا، وتسليمًا من الكنيسة بحدود سلطتها، فإنها جنحت إلى قبول العبودية بوصفها واقعًا محزنًا لأحوال البشر (شأنها شأن الحرب أو النظام الإقطاعي)، والتركيز على تصحيح أسوأ ما يترتب عليها من تبعات. وبناءً عليه، عيَّنت الكنيسة مسئولًا يحمل لقب «حامي الهنود» في العقد الثاني من القرن السابع عشر، وساعدت في صياغة قوانين العمل المخصَّصة لتحديد حقوق العبيد ومسئوليات مالكيهم. وفي القرن السابع عشر، أسس اليسوعيون في باراجواي جمهورية ضخمة كان للسكان الأصليين فيها حرية ممارسة ثقافتهم (ما داموا اهتدوا إلى الكاثوليكية). وتلقى السكان الأصليون تعليمًا وتدريبًا على الصناعات المنزلية، ليحققوا بذلك درجة من الثراء والاستقلالية فريدة من نوعها في الأراضي الأمريكية الإسبانية. وبسبب تهديدات تجار العبيد، سمح الملك الإسباني لهم بتشكيل ميليشيات للدفاع عن مستوطناتهم. وعندما طُرِد اليسوعيون من الأمريكتين عام ١٧٦٧، عادت تجارة العبيد على أشُدِّها.

الصورة التي تتجلى أمامنا تبين المحاولة المضطربة غير الفعالة من جانب الكنيسة الكاثوليكية لفرض نظام أخلاقي على نطاق من العلاقات الإنسانية التي تكاد تكون غير قابلة للإصلاح. ومن العبث الحديث عن أن مؤامرة تاريخية انتهازية قد حيكت ضد حرية البشر. بالوضع في الاعتبار مدى القسوة التي كان إنسان العصور الوسطى يتسم بها، يمكننا القول إن الكنيسة كانت في حقيقة الأمر الصديق الحقيقي الوحيد لسكان البلاد الأصليين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.