ذات مرة، أعلن أسامة بن لادن أن العالم كان منقسمًا إلى مناصري الإسلام ومناصري «الحملات الصليبية»؛ أيْ القمع الإمبريالي الغربي للمسلمين. وهذا التقسيم الصارخ بيننا وبينهم متوقَع من الجهاديين المتشددين، ولكن لغة الاستقطاب التي استخدمها بن لادن تجد انعكاسًا غريبًا في الكثير من الكتب والأفلام وبرامج التليفزيون المكتوبة والمعروضة باللغة الإنجليزية والتي يتواصل إنتاجها حول الحملات الصليبية في القرون الوسطى. ومع إعادة صياغة القصة الدرامية التي تحكي عن الكفاح من أجل حكم أورشليم والأرض المقدسة في الفترة من عام ١٠٥٩ حتى عام ١٢٩١، يظهر افتراض — ضمني في بعض الأوقات وصريح في أوقات أخرى — بأن الصراع بين هذين العدوين المتشددين والمختلفين أيديولوجيًّا كان دائمًا ولا سبيل إلى تسويته، حتى إنه يتواصل في صورة التوتر الحادث بين الإسلام والغرب اليوم.

هذا الافتراض مضلِّل، فالحرب المتواصلة ليست ظاهرة موجودة في تاريخ البشرية. فمهما كان الصراع مريرًا، إذا لم يستطع أيٌّ من الطرفين تحقيقَ انتصار تام وسريع (ونادرًا ما يحدث ذلك)، فعاجلًا أو آجلًا سوف يضطر الطرفان إلى إيجاد نوع من التوافق، حتى لو لم يكن إلا لتخفيف العواقب الوخيمة للصراع على الحياة اليومية. فكان على مسيحيي القرون الوسطى والمسلمين إيجادُ طريقةٍ ما للتعايش المشترك، تمامًا كما يفعلون اليوم. وخلال هذه العملية، كان الطرفان يكتشفان من حين لآخَر أشياءَ في معتقدات وثقافة عدوهم المتوارث، يُعجَبان ببعضها ويزدريان البعض الآخَر. وتتضح هذه النقطة وضوحًا شديدًا عندما ندرس تفاعل الإمبراطورية البيزنطية المسيحية — المعروفة أيضًا ببيزنطة — مع الخلافة العباسية الإسلامية في قرابة الفترة من ٧٥٠ حتى ١٠٥٠ بعد الميلاد.

نشوب حرب شبه مستمرة بين هذين المجتمعَيْن أمرٌ لا ينكره أحد. فخلال القرن الذي تلا وفاة النبي محمد في عام ٦٣٢ بعد الميلاد، غزا العرب حديثو العهد بالإسلام مساحةً شاسعة من الأراضي، وكان معظمها من أراضي الدولة البيزنطية. فاستحوذوا على المقاطعات الشرقية من الإمبراطورية، متمثلةً في مصر وسوريا وفلسطين، بما في ذلك مدينة أورشليم المقدَّسة، حتى إنهم أوشكوا على الاستيلاء على عاصمة الإمبراطورية، القسطنطينية. وبحلول عام ٧٥٠، عندما سيطرت الأسرة العباسية على العالم الإسلامي، كانت الحدود بين بيزنطة والخلافة العباسية — ومن ثَمَّ بين المسيحية والإسلام — قد استقرت في شرق آسيا الصغرى وشمال سوريا. ويبدو أن الطرفين تخلَّيَا عن فكرة محاولة القضاء تمامًا على الآخَر، ولكن تواصلت الحروب على الحدود، ووصلت الاشتباكات أحيانًا إلى مستوى من الوحشية يضاهي أسوأ تجاوزات الحروب الصليبية. وخلال القرنين الثامن والتاسع، كانت المبادرة في الأغلب في أيدي المسلمين الذين عبروا الحدود في غاراتهم التي كانت تُشَنُّ كل عام تقريبًا.

وفي عام ٨٣٨، قاد الخليفة المعتصم (الذي حكم في الفترة من ٨٣٣ حتى ٨٤٢) جيشه إلى قلب الأراضي البيزنطية حيث استولى على مدينة عمورية ونهبها؛ وهي المدينة الرئيسية في إقليم الأناضول. وحينها، سِيقَ آلاف الأسرى المسيحيين سيرًا على الأقدام لأربعين ميلًا على طول طريق جدب في شمس أغسطس الحارقة، فلقي قرابة ٦٠٠٠ أسير حتفهم على الطريق. ولكن بعد عام ٩٠٠ تقريبًا، صار العكس هو الصحيح، حيث بدأت الخلافة العباسية تفقد سيطرتها على أراضيها الشاسعة، وأصبح البيزنطيون قادرين على الاستفادة من هذا الضعف. فتقدَّم الجنرال البيزنطي والإمبراطور المستقبلي نقفور فوكاس إلى سوريا في عام ٩٦٢، وقيل إنه دمَّر كل شيء في طريقه وأعمل السيف والنار، فخرَّب الحقول وأسر سكان حلب وغيرها من المدن. وتوغَّلَ خليفة فوكاس — يوحنا الأول تزيميسكس (الذي حكم في الفترة من ٩٦٩ حتى ٩٧٦) — في عام ٩٧٥ أكثر نحو الجنوب، مغتصبًا غنائم مالية ضخمة من المدن الإسلامية في طريقه، وكاد يستولي على أورشليم، قبل الحملة الصليبية الأولى بأكثر من مائة عام.

حروب مبررة

سوَّغ البيزنطيون والعرب كلاهما حملات النهب الوحشية تلك بأنها حروب مبررة ضد الكفار. ووفقًا لروايات المسلمين، كانت الهجمات الناجحة مصحوبةً دائمًا بعبارة «النصر من عند الله»، بيد أن يوحنا الأول تزيميسكس أعلن أنه بسبب حملته على سوريا «زاد انتشار المسيحية». وتجاوزت المنافسة الدينية ميدان المعركة، حيث كان المفكرون البيزنطيون والعرب شغوفين بتدوين شجب كل طرف لمعتقدات الآخر بعنف. إن المثير للدهشة في هذه المجادلات ليس العدائية التي يبديها الطرفان، وإنما الجهل الذي يظهرانه. فعلى سبيل المثال، كان الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع (الذي حكم في الفترة من ٩٤٥ حتى ٩٥٩) يظن خطأً أن المسلمين يعبدون كوكب الزهرة:

فهم يصلون لكوكب الزهرة، كوكب الإلهة أفروديت، والذي يطلقون عليه أكبر، وفي تضرعاتهم يقولون «الله وأكبر»، بمعنى «الإله وأفروديت»، إذ يطلقون على الإله «الله» ويستخدمون حرف العطف «و» في التضرعات ويطلقون على أفروديت «أكبر»، فيقولون «الله وأكبر».

من الواضح أن الإمبراطور المتعلم أساء فهم العبارة العربية «الله أكبر». واستنكر البيزنطي الآخر، نيكيتاس بيزنطينوس (الذي اشتهر في الفترة ٨٤٢ حتى ٨٦٧)، اعتقاد المسلمين بأن الله خلق الإنسان من علقة؛ إذ ضللته نسخته اليونانية من القرآن، والتي ترجمت على نحو خطأ كلمة «علق» (وهو تجمع دموي) في الآية الثانية من سورة العلق. ولم يكن المسلمون أكثر معرفة بالمسيحية، فكان أبو عثمان الجاحظ البصري (٧٨١–٨٦٩/٨٦٨) يعتقد أن البيزنطيين يعبدون ثلاثة آلهة، وهذا سوء فهم واضح — وربما ناتج عن عملية الحساب — لعقيدة «الثالوث المقدس».

التعامل مع الانقسام

بالرغم من العنف والكلمات الجارحة، كان لدى الطرفين اهتمام بتخفيف الصراع، كما هو الحال مع أكثر الخصوم عداوةً. وكان أحد الاهتمامات الأساسية المشتركة هو افتداء الأسرى، مثل التعساء الذين سيقوا من عمورية وحلب. وأخذ الأسرى عملٌ قديم قِدم الصراع البشري، وقد سعت كل مجموعة من المقاتلين نحو إرساء نوع من الإجراءات التي يضمن بها الطرفان تبادل الأسرى، وغالبًا ما كان الأمر يحدث عبر جسر، لكي يتمكن الطرفان من التقابل ويكون بينهما حلقة وصل فعلية، على أن يفصل بينهما على سبيل المثال نهر. وقد استخدم الأمريكيون والروس خلال الحرب الباردة جسر جلينيك فوق نهر هافل في ضواحي برلين. وأقام البيزنطيون والعباسيون عملية تبادل الأسرى بينهم عند نهر اللامس بالقرب من طرسوس على الحدود بينهما. في اليوم المحدد، كان كل طرف يرسل أسيرًا في الوقت ذاته ليعبر النهر لكي يَمُرَّا ويتقابَلَا في منتصف الجسر. وبهذه الطريقة، صار ممكنًا ضمان تبادل الأسير بمن هو مثله، ولا يستطيع طرف من الطرفين أن يظفر بمبادلة رجل عجوز بآخر مقاتل. ومن ناحية أخرى، إذا كان أحد الطرفين يحتجز أسرى أكثر من الطرف الآخر، كان يمكن دفع فدية. فعلى سبيل المثال، في ٢١ سبتمبر عام ٨٩٦، دُفعت فدية للبيزنطيين مقابل استرداد ما يزيد عن ألفي مسلم من الرجال والنساء والأطفال عند جسر نهر اللامس.

كان تبادل الأسرى ضرورة بغيضة نشأت عن الحروب، ولكن كان هناك نطاق كامل من التفاعل السلمي يحدث بالتوازي مع الحروب، إذ كان المجتمعان يتاجران بعضُهما مع بعض على نحو متواصل تقريبًا. ونؤكد هنا أن هذه الظاهرة لم تكن فريدة؛ فالتجارة بين بريطانيا وفرنسا استمرت بالرغم من الحروب النابليونية، حتى إن الجيش الفرنسي الذي غزا روسيا في عام ١٨١٢ كان أغلبه يرتدي أحذية بريطانية طويلة، وكان الإمبراطور نفسه يحلق بموسى حلاقة مصنوعٍ في بيرمينجهام. وكانت العاصمة العباسية بغدادُ، والمدنُ الكبيرة على غرار دمشق والقسطنطينية؛ محطاتٍ على طريق التجارة العالمي الممتد من الصين، والذي كان يُستخدم على نحو رئيسي لنقل منتجات الشرق إلى الغرب، لا سيما التوابل والحرير والخزف والزجاج، بصرف النظر عن الحدود الأيديولوجية أو السياسية. وكان بعض هذه البضائع يضيع أثناء النقل، ولكنها حُفظت، وأعاد علماء الآثار اكتشافها. فمثلًا، خلال ثلاثينيات القرن الحادي عشر، شقت سفينة تجارية صغيرة طريقها في بحر إيجة، وعندما حل الليل وهاجت الرياح ألقى طاقمها المرساة بالقرب من الشاطئ. ولسوء الحظ، في خضم العاصفة اللاحقة، كُسر أحد أجزاء المرساة وغرقت السفينة عند مرفأ سيرشي على الساحل الصخري في آسيا الصغرى. ويوجد الحطام والحمولة — المكتشفة في سبعينيات القرن العشرين — حاليًّا في معهد الآثار البحرية في بودروم بتركيا. كانت السفينة تحمل مصنوعات زجاجية عربية — على الأرجح من سوريا — لتباع في أسواق القسطنطينية.

التجارة الحرة

شجع الحكام المسلمون والمسيحيون على حد سواء التدفق الحر للبضائع لأنهم كان بإمكانهم فرض الضرائب على التجارة. وكان هذا ينطبق بصفة خاصة على الإمبراطور البيزنطي، فكانت القسطنطينية مستودعًا تصل إليه البضائع من جميع أنحاء العالم ويمكن بيعها فيها، ذلك بفضل موقعها في آخر طريق التجارة. وكان التجار الإيطاليون والروس حريصين أيما حرص على شراء التوابل والحرير التي كان يمكن بيعها بأسعار فلكية في أوطانهم. وكان التجار العرب بدورهم يرغبون في الحصول على القصدير والفراء والخشب والعنبر التي يجلبها الإيطاليون والروس. وفرض الإمبراطور رسومًا جمركية بلغت عشرة بالمائة على كل البضائع التي جلبها التجار إلى القسطنطينية، وكل شيء يشترونه منها، وذلك إضافةً إلى الرسوم المتنوعة ورسوم المرفأ. ولإمكانية التعرض للخسارة المالية الفادحة، كان من مصلحة الإمبراطور بذل ما في وسعه لدفع التجار إلى الشعور بالترحيب بهم إلى أقصى حد ممكن. فوفر للإيطاليين كنائس تقيم صلوات القداس باللاتينية بدلًا من اليونانية، وأتاح للتجار المسلمين الزائرين مكانًا للعبادة. واختير موقع المسجد التابع لسكن المسلمين بعناية خارج أسوار المدينة المطلة على البحر مباشرةً، بالقرب من المنطقة التجارية المعروفة بالقرن الذهبي.

كانت الضرورة هي الدافع وراء تبادل الأسرى، وكان الأمل في المكسب المادي هو الدافع وراء التجارة. وبالرغم من أن كلا النشاطين يخففان صورة العداء المفرط والمتواصل بين الطرفين، فإنهما لا يغيرانه. ومع ذلك، فإن أشكال التفاعل المحدودة هذه بين المجتمعين مكَّنت النخب الحاكمة بالفعل من تعرُّف بعضهم على بعض وحتى الإعجاب ببعض الأمور. ونتيجة لتبادل الأسرى والصلات التجارية، كان هناك تواصل دبلوماسي بين البيزنطيين والعرب من خلال السفراء الذين ما انفكوا عن السفر ذهابًا وإيابًا بين بغداد والقسطنطينية. فدخلوا في مفاوضات عسيرة، وبطرق شتى كانت المنافسة بين البيزنطيين والعباسيين شديدة من الناحية الدبلوماسية بنفس قدر ضراوة الحرب بينهما في ميدان المعركة.

على سبيل المثال، في عام ٨٢٩، أُرسِل يوحنا السابع المعروف أيضًا باسم يوحنا النحوي — وهو أحد رجال الحاشية البيزنطية — في بعثة إلى بلاط الخليفة المأمون (حكم في الفترة من ٨١٣ حتى ٨٣٣) في بغداد. كان الغرض الظاهري من زيارته هو إعلام الخليفة بارتقاء إمبراطور بيزنطي جديد إلى الحكم، هو الإمبراطور ثيوفيلوس (حكم في الفترة من ٨٢٩ حتى ٨٤٢)، وترتيب أمور تبادل الأسرى. غير أنه كان هناك غرض آخَر للبعثة؛ إذ أراد ثيوفيلوس أن يطبع في ذهن العرب مدى ثرائه وقوته. فعُهد إلى يوحنا بصناديق كبيرة عديدة مليئة بالعملات الذهبية، وما إن وصل إلى هناك حتى نثر العملات «كأنها رمال» على سبيل الهدية للخليفة ووزرائه ورجال حاشيته. حتى إنه ذهب إلى افتعال موقف سخيف كثير التفاصيل في مأدبةٍ أقامها في مسكنه في إحدى الليالي من أجل التأكيد على أن خزائن الإمبراطور لا تنضب. فقُدِّم للعرب في المأدبة خمرٌ من إناء فضي جميل، ولكن في وسط المأدبة، أمر يوحنا خدمه بإخفائه. فشعر الضيوف بالذعر لفقدان هذا الإناء غالي الثمن وعرضوا إرسال فِرَق بحث لاستعادته. ولم يكن من المضيف إلا أنه هز كتفيه غير مبالٍ، وأمر خدمه بإحضار إناء آخَر، جميل وغالٍ كسابقه. ولما كان الخليفة حريصًا على الرد بالمثل، أطلق سراح مائة أسير بيزنطي، ولكنْ رفَضَ يوحنا قبولهم، وقال إنه سيقبلهم فقط عندما تُدفع فدية مناسبة. ووصلت رسالته، وإن كان ذلك بتكلف. كانت الخطة موضوعة بلا شك لإثناء العباسيين عن الهجوم على الحدود البيزنطية، وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تنجح: إذ إنه خلال فترة حكم ثيوفيلوس، حقق العرب أكبر نجاحاتهم بالاستيلاء على عمورية.

من ناحية أخرى، مكَّنت بعثات، مثل بعثة يوحنا النحوي، السفراء من التعرف على البيئة المحيطة بهم بينما يقيمون في البلاط الملكي لدى الأعداء. ففي ذات الوقت الذي كان يوحنا النحوي يُقنِع العرب فيه بقوة بيزنطة وثرائها، وجد نفسه معجبًا بعجائب بغداد دونما إفصاح عن إعجابه، فهي مدينة يبلغ عدد سكانها مئات الآلاف، وكانت مركز العصر الذهبي الإسلامي. وكان يوحنا شديد الانبهار بقصر الخليفة، الذي تكوَّن فيما يبدو من مجموعة مبانٍ لا حصر لها، مشتملة على ساحات ظليلة وحدائق وارفة الأشجار. وما لبث أن عاد إلى القسطنطينية حتى أقنع الإمبراطور ببناء منزل ريفي لنفسه بالتصميم ذاته، مع اختلاف واحد وهو وجود كنيستين به.

كان معظم السفراء مشغولين للغاية بتفاصيل بعثاتهم لدرجة أنهم لم يتمكَّنوا من قضاء الكثير من الوقت في مشاهدة معالم المدينة. وترك ابن شهرام — الذي ذهب إلى القسطنطينية في عامي ٩٨١ و٩٨٢ — وصفًا تفصيليًّا للمفاوضات العسيرة حول السيطرة التامة على حلب وامتلاك القلاع الحدودية. وفي مرحلة ما، قال له الإمبراطور باسيل الثاني (الذي حكم في الفترة من ٩٧٦ حتى ١٠٢٥) إنه جاء في «مهمة مستهجَنَة» وينبغي له أن يقبل المعاهدات السابقة وإلا يرحل. وكان لدى غيره من العرب الزائرين الوقت للإعجاب بالقسطنطينية؛ ففي أوائل القرن العاشر وصل هارون بن يحيى إلى العاصمة البيزنطية أسيرًا وليس سفيرًا. فعندما أُلقي القبض عليه مع كثيرين غيره عند الحدود، أُحضر إلى القسطنطينية، انتظارًا لفدية أو مبادلته مع غيره بلا شك. ويبدو أنه لقي معاملة حسنة ومن المؤكد أنه لم يكن حبيسًا؛ إذ ترك وصفًا مفصلًا لما رآه خلال فترة بقائه. ومن الواضح أنه كان شديد الإعجاب بحسن معاملته، ولا يوجد دليل على أنه كان يضمر أي عداء للبيزنطيين بسبب دينهم. فوصف أسوار المدينة، ومضمار سباق الخيل حيث كانت الأحداث العامة تُقام، والقصر الإمبراطوري، والتماثيل التي اصطفت على جانبي الشوارع. وكان أحدَ الأشياء التي أدهشت هارون بشدة موكبٌ رآه، إذ كان البيزنطيون ماهرين في تقديم العروض الرائعة، وكان من المعتاد في الاحتفالات الدينية الكبرى أن يسير الإمبراطور في موكب من قصره عبر الميدان المركزي في القسطنطينية — ميدان أوجوستيون — إلى كاتدرائية «الحكمة المقدسة»، المعروفة باسم «هاجيا صوفيا». وشهد هارون أحد هذه الاحتفالات، وما أدهشه هو الأعداد الكبيرة للمشاركين في الاحتفال، ومظاهر البذخ والملابس الملونة التي كانوا يرتدونها. وعلى النقيض، أشار بسخرية أحد الإيطاليين مسيحيي الديانة، والذي شهد حدثًا مماثلًا بعد ذلك ببضعة أعوام، إلى أن الملابس التي ارتداها المشاركون قديمة ورخيصة الثمن.

على الرغم من وجود حرب متواصلة بين البيزنطيين والعرب ورؤية كل طرف لدين الآخر أنه حماقات مغلوطة، يبدو بوضوح أنه كانت هناك علاقات دبلوماسية وتجارية سلمية بينهما، والتي بدورها منحت كلًّا منهما نبذات عن الجوانب الإيجابية في معسكر العدو. وحتى خلال فترة الحروب الصليبية — ذروة الصراع بين المسلمين والمسيحيين — تاجرت الحكومات اللاتينية لسوريا وفلسطين مع جيرانها المسلمين وأجرت معهم المفاوضات، وهناك أدلة أيضًا على المحاكاة الفنية والتهجين الثقافي. مع ذلك، ففي حالة البيزنطيين والعباسيين، يوجد عنصر آخَر في المعادلة، عنصر غير موجود بالمرة في أي تفاعلات بين الصليبيين والمسلمين. فعلى الأقل، حينما كان يتعلق الأمر بالبلاط الملكي في بغداد والقسطنطينية وأحداثه، كان هناك شيء مشترك بينهما؛ فرغم اختلاف اللغة والدين، تشارك الجانبان الإعجاب بأدب الإغريق وأفكارهم.

حب الإغريق

ليس من المدهش أن يتعين على المفكرين البيزنطيين استقاء الإلهام من اليونانيين. فعلى أي حال، كانت اليونانية هي لغة الإمبراطورية وكانت أثينا والمدن الأخرى التي نشأت فيها الحضارة الهلينية في الأساس تقع ضمن حدود الإمبراطورية. وعندما أصبحت القسطنطينية عاصمة للإمبراطورية البيزنطية، صارت أيضًا مركزًا تعليميًّا وثقافيًّا يُدرس فيه أدب الإغريق من هوميروس (نحو عام ٧٥٠ قبل الميلاد) حتى لوسيان (نحو عام ١٥٠ بعد الميلاد). فشكلت هذه النصوص أساس التعليم العالي البيزنطي والمعرفة بهم، وكانت القدرة على الكتابة بالأسلوب نفسه شرطًا لتبوُّء المناصب التي تُدِرُّ المال الوفير في الخدمة المدنية. وبذلك، كان الطلب على الكتب الكلاسيكية يؤكد أن القسطنطينية كانت مركزًا لإنتاج الكتب، وكان الناسخون ينسخون بجدية مؤلفات ثوسيديدس أو أرسطوفانس أو يوربيدس للعملاء الأثرياء. ولأن هؤلاء المؤلفين كانوا جميعًا وثنيين، كان بعضهم يُفضَّل على الآخر. وكان يمكن أن يؤدي إظهار الإعجاب المفرِط بأفكار أفلاطون أو متبعي الأفلاطونية الحديثة — الذين يصعب توفيق أفكارهم مع المسيحية — إلى مناظرة بحثية مع السلطات الكنسية، وربما حتى إلى الوصم بالعار أو السجن. ومن جهة أخرى، شكَّلت مؤلفات جالينوس وديسقوريدوس أساس الطب البيزنطي. وبخلاف النصوص العلمية والفلسفية، كان البيزنطيون معجبين بالكلاسيكيات أساسًا بسبب أسلوبها وليس بسبب محتواها، وكانت لغتها القديمة بمنزلة الشفرة التي يعلمها رجال الحاشية المتعلمون فقط دون غيرهم.

أخذ العرب أيضًا نصيبهم من هذا التراث الكلاسيكي. فعندما غزوا المقاطعات البيزنطية الشرقية خلال القرن السابع، وضعوا أيديهم على عدة مراكز للثقافة اليونانية، لا سيما الإسكندرية، وامتلكوا مستودعاتها من الكتب التي يعود تاريخها لقرون. فاستغلوا هذه المصادر بطريقة مختلفة عن طريقة البيزنطيين، حيث تمحور اهتمامهم الأساسي حول علوم الفلسفة والرياضيات والطب التي احتوتها هذه الكتب، وليس السمات اللغوية والأدبية. وشجع الخلفاء، لا سيما هارون الرشيد (الذي حكم في الفترة من ٧٨٦ حتى ٨٠٩)، على ترجمة هذه الكتب إلى اللغة العربية لكي يستطيع علماء المسلمين دراستها بسهولة. وكان الخليفة المأمون — ابن هارون — مهتمًّا شخصيًّا بعلوم الإغريق، وبالهندسة خاصةً. وأضاف علماء المسلمين في بعض المجالات إضافات كبيرة على علوم الإغريق، لا سيما في الرياضيات، إذ اخترعوا الأرقام التي أصبحت عالمية في الوقت الحالي.

وعلى الرغم من أن البيزنطيين والعرب استخدموا التراث الكلاسيكي بطريقتين مختلفتين، فإن المعرفة التي تشاركوا فيها أحدثت فارقًا في طريقة تعامل النخب الحاكمة. فعلى مستوى ما، قدَّمت هذه المعرفة أداة دبلوماسية مفيدة، وسرعان ما أدرك البيزنطيون أنهم في عيون عموم المفكرين المسلمين حرَّاسًا لمعارف الإغريق. فقد قال الجاحظ أيضًا — الذي ذكرت سابقًا تأكيده على أن البيزنطيين يعبدون ثلاثة آلهة — إنهم «شعب يعج بفلاسفة الدين والأطباء والفلكيين والدبلوماسيين وعلماء الحساب والوزراء ويتقنون كل فروع المعرفة». واستغل الأباطرة ومستشاروهم هذا التصور من خلال إرسال نُسَخٍ جيدة التغليف من مؤلفات جالينوس وديسقوريدوس على سبيل الهدية للحكام المسلمين. مع ذلك، كان هناك حدٌّ لما يمكن للبيزنطيين إرساله من هذا الميراث الكلاسيكي. ويُزعَم أن الخليفة المأمون عرض على الإمبراطور ثيوفيلوس ألفَيْ رطل من الذهب وصلحًا دائمًا، فقط إذا سمح لواحد من أحد أفضل أساتذة الهندسة — ليو عالِم الرياضيات — بالإقامة لفترة قصيرة في بغداد. والمثير في الأمر أن الإمبراطور رفض العرض لأنه رأى أنه «ليس من المناسب تعليم الكفار هذه المعرفة حول طبيعة الأشياء والتي كانت تميِّز الجنس الروماني [البيزنطي]».

الأخوَّة

لم يكن الجميع يشارك ثيوفيلوس وجهة النظر حول التميُّز الفريد الذي حظيت به بيزنطة. فكان يوجد مَن يؤمن أن الدولة البيزنطية والخلافة العباسية كلتيهما — رغم اختلافهما في الدين — كانتا متميزتين عن الشعوب الأخرى بعلمهما وحكمتهما. وأبرز دليل على ذلك خطابٌ كتبه بطريرك القسطنطينية نيكولاس ميستيكوس (٩٠١–٩٠٧ و٩١٢–٩٢٥) إلى خليفة عباسي على الأرجح، وصف فيه المجتمعَيْن بأنهما المملكتان «اللتان تعلوان على كل الممالك الأخرى على الأرض». فقد تلقَّيَتَا هذه السلطة من الرب، ومن ثَمَّ فإنهما «أختان تتفوقان ومفضَّلتان على كل أخواتهن». وطالب البطريرك بأنه لهذا السبب ينبغي للبيزنطيين والعرب أن يتصرفوا كإخوة وأن يتواصلوا بعضهم مع بعض. فهذه الرسالة غير عادية ولا تتطابق بأي حال من الأحوال مع نهج رجال الدين البيزنطيين مع حكام المسلمين، ويجب وضع سياقها في الاعتبار أيضًا؛ إذ كان نيكولاس يكتبها أملًا في إطلاق الخليفة لسراح بعض الأسرى المسيحيين، لذا ليس من المفاجئ أن يكون متملقًا. غير أن الرسالة بمثابة تصريح مقنع بالاعتقاد في أن البيزنطيين والعرب — على الرغم من العداء المرير بينهما في أغلب الأحيان — كانوا أسمى بطريقة ما من العالَم البربري المحيط بهما.

وهكذا، قد تبدو العلاقة بين هاتين القوتين متناقضة أيما تناقض؛ فمن ناحية، اتهمت كلٌّ منهما الأخرى بالكفر، وتقاتلتا قتالًا مريرًا على حدودهما. ومن ناحية أخرى، كانت النُّخَب الحاكمة فيهما راضية عن اعتقادها أن الله حَبَا كلًّا منهما بحكمة وسلطة خاصة. مع ذلك، لا ينطوي الأمر على أي تناقض؛ فالاختلاف الأيديولوجي الكامل والحرب المتواصلة بينهما هما الاستثناء وليس القاعدة في التاريخ البشري، وكلاهما نادران ولا يستمران إلا لفترة قصيرة نسبيًّا، لأن استمرارهما أمرٌ لا يقدر عليه الطرفان، وكذلك ليس في مصلحتهما. فعاجلًا أو آجلًا، إن لم يوقف الإنهاكُ الصراعَ، فعلى الأقل سوف تعمل الضرورات أو الأمل في إحراز مكاسب، أو حتى الإعجاب بعدو مذموم على مضض، على تخفيف حدته.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mohamed Hassan Alsamurai ·١٠ ديسمبر ٢٠١٣، ٩:٢٦ ص

    شكراً لكم