إن من ضمن المقتنيات الثمينة في مكتبة الجمعية الملكية للطبِّ مجموعةَ دايموند التي تضم ٢٢ صورة فوتوغرافية التقطها هيو ويلش دايموند (تقريبًا في الفترة بين عامَيْ ١٨٠٩ و١٨٨٦)، وهو طبيب وعضو مؤسِّس لما يُعرَف حاليًّا باسم الجمعية الملكية للتصوير الفوتوغرافي. يُعَدُّ دايموند أقدم مصوِّر بريطاني في مجال الطب، حيث كان أول مَن التقَطَ صورًا لعدد كبير من النزلاء في مستشفًى للأمراض العقلية، وهي صور عُرِضت في المعرض الأول للصور الفوتوغرافية الذي أُقِيم بالجمعية الملكية للفنون في عام ١٨٥٢. توافَقَتْ أعماله مع وجهة النظر السائدة في هذا الوقت، القائلة أن باستطاعة المرء تشخيص المرض العقلي بالنظر إلى وجه المريض، وهو توجُّه كان يعتمد حتى هذا الوقت على الرسومات واللوحات. وقد أخذ دايموند هذا التوجُّه إلى ما كان يُرَى آنذاك على أنه آفاق جديدة، حيث تحدَّثَتْ مجلة «كورنهيل» في عام ١٨٦١ عن: «بزوغ عهد جديد … سيصبح فيه التوثيق الأمين للكاميرا … علمًا حقيقيًّا.» إلا أن دايموند تخطَّى عملية التشخيص، فقد طرح آراءً تتعلق باستخدام الصور في العلاج. رغم أن كثيرًا مما كانت تعبِّر عنه صوره لم يَعُدْ له وجود الآن — تمامًا مثل علم فراسة الدماغ — فإن أعماله تظل علامةً مميزةً لعصره.

مريضة في مستشفى الأمراض العقلية بمقاطعة سُري، تقريبًا في فترة ما بين عامَيْ ١٨٥٠ و١٨٥٨، وهي صورة التقطها هيو ويلش دايموند.
مريضة في مستشفى الأمراض العقلية بمقاطعة سُري، تقريبًا في فترة ما بين عامَيْ ١٨٥٠ و١٨٥٨، وهي صورة التقطها هيو ويلش دايموند.

السنوات الأولى من حياته

وُلِد دايموند في قرية جودهيرست في مقاطعة كِنت في عام ١٨٠٩ تقريبًا، وكان والده هو ويليام دايموند الذي ادَّعَى انتماءه للبروتستانتية الفرنسية. عمل ويليام في وقتٍ ما جرَّاحًا في شركة الهند الشرقية، لكنه أصبح فيما بعدُ يمتلك مستشفًى للأمراض العقلية افتتحه في لندن عام ١٨٢٠ في موقع ما يُعرَف حاليًّا بمحطة سانت بانكراس. عاشت الأسرة فوق محل عمل الأب، وسار كلٌّ من هيو وابنه الأكبر وارين هاستينجز دايموند على خُطَا ويليام.

لأسباب غير معروفة التحَقَ هيو بمدرسة نوريتش الثانوية قبل أن يبدأ في تلقِّي تدريبه في مجال الطب. ليس ثمة تفاصيل كثيرة عن دراسته. في ذلك الوقت كان الهيكل الطبي منقسمًا إلى ثلاثة أقسام: أطباء (تلقَّى الصفوة منهم تعليمًا جامعيًّا)، وجراحين (تلقَّوا تدريبًا مهنيًّا مثل أي حِرَفيٍّ في ذاك الوقت)، وصيادلة كان باستطاعتهم، وفقًا لقانون الصيادلة لعام ١٨١٥، تقديم مشورة طبية ووصف عقاقير. قضى هيو خمس سنوات في التدريب داخل مصحة والده. عند افتتاح صيدلية غرب كِنت في عام ١٨٣٠ انتُدِبَ للعمل في وظيفة إدارية هي وظيفة صيدلي مقيم براتب ٦٠ جنيهًا استرلينيًّا في السنة. عقب تسعة أشهر أسَّسَ عيادته الخاصة بالقرب من ميدان سوهو في لندن، حيث واجَهَ في عام ١٨٣٢ وباءَ الكوليرا. حصل على زمالة الكلية الملكية للجرَّاحين في عام ١٨٣٤ (وهو العام نفسه الذي انتُخِبَ فيه زميلًا لجمعية الأثريين)، إلا أن سجلات الكلية لم يَرِدْ بها أي ذِكْر له، حيث يُزعَم أحيانًا أنه لم يكن زميلًا فيها. تشير أدلة أخرى على وجود صلة بينه وبين مستشفى سانت بارثولوميو (بارتس)، حيث يرجَّح أنه تابع المرضى هناك وحضر محاضرات من وقتٍ لآخَر. في عام ١٨٤٢ بدأ دراسة المرض العقلي في مستشفى بيثليم تحت إشراف السير جورج توتهل. يبدو أيضًا أنه حصل على درجة الدكتوراه في مجال الطب في مدينة كيل، وهي مدينة ألمانية كانت تتبع ملك الدنمارك، حيث كانت أطروحته عن الاختلال العقلي، رغم عدم وجود أي أثر لهذا في السجلات هناك. مع هذا فإن لقبه في عام ١٨٤٨ كان السيد دايموند، وأصبح في عام ١٨٤٩ الدكتور دايموند. في الاجتماع الافتتاحي لجمعية التصوير الفوتوغرافي في عام ١٨٥٣ ورَدَ اسمه في القائمة «حضرة الطبيب إتش دايموند».

أفكاره عن الاختلال العقلي

عايَشَ دايموند ولاحَظَ الزيادة المضطردة في عدد مستشفيات الأمراض العقلية التي حدثَتْ في القرن التاسع عشر. في عام ١٧٧٤ عندما دخل القانون البرلماني لتنظيم عمل المصحات العقلية في إنجلترا وويلز حيِّزَ التنفيذ، كان هناك ١٦ مصحة عقلية مرخَّصًا لها في المناطق الحضرية. بحلول عام ١٨١٩ أصبح هناك ٤٠ مصحة عقلية، لكن عدد النزلاء في مصحات إنجلترا وفرنسا مجتمعتين كان لا يزيد حينذاك عن بضع مئات فقط، وفي أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر وصل العدد إلى مئات الآلاف.

لم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل كان ثمة وعي متزايد بالحاجة إلى تلبية احتياجات المرضى العقليين؛ فالمصحات كانت أيضًا أماكن مناسِبة لنفي أفراد من العائلة. يقول جون كونولي (١٧٩٤–١٨٦٦) أول أستاذ للطب في جامعة لندن التي كانت حديثة العهد آنذاك، في كتابه «استقصاء عن دلائل الاختلال العقلي، مع اقتراحات لتوفير حماية ورعاية أفضل للمختلين عقليًّا» الذي نُشِر عام ١٨٣٠: «دعونا نستبعد فكرة أنه حتى في وقتنا هذا من المستحيل أو من الصعب عزلُ شخصٍ غريبِ الأطوار، أو أنه من السهل عليه — بمجرد احتجازه — أن يستعيد حريته.» أشار كونولي أيضًا إلى أنه «خلال الفصل الدراسي المخصَّص لدراسة الطب، لا يرى الطالبُ أبدًا حالةً من الاختلال العقلي، إلا بمحض المصادفة نادرة الحدوث. ففي حين تكون جميع المستشفيات مفتوحة أمامه، تكون أبواب المصحات العقلية موصدة أمامه.» بالطبع كانت الأبواب مفتوحة أمام دايموند بفضل والده.

بالتأكيد سمع دايموند بالطرق السائدة في القرن التاسع عشر للتعامُل مع المرضى المختلين عقليًّا في كثير من المؤسسات، وشاهَدَ تلك الطرق بنفسه أيضًا؛ فهو لم يلحظ فحسب الحاجة إلى ضرب وتقييد النزلاء — الأكثر جموحًا منهم على الأقل — الذين كان يُنظَر إليهم على أنهم حيوانات، لكنه لاحَظَ أيضًا كَمْ كان يُعَدُّ أمرًا فعَّالًا أن يُحمَل المرضى على التقيُّؤ أو تُجرَى عملية فصدٍ لهم. الأرجح أنه قد علم أيضًا بطريقة الصعق بالكهرباء الجديدة. تأسَّسَ أول مستوصف كهربائي في لندن عام ١٧٩٣، وعالَجَ ٣٢٧٤ مريضًا في أول سنة له، ويُزعم أنه قد نجح في شفاء ١٤٠١ و«تخفيف معاناة» ١٢٣٢ من المرضى.

يمكن تتبع مسألة الارتباط بين الحالة العقلية والعضوية للإنسان وصولًا إلى عصر أرسطو وفكرة الأخلاط الأربعة. في منتصف القرن الثامن عشر كان التفكير الفلسفي بشأن علاج الجنون من هذا المنطلق في زيادة مضطردة؛ فقد وجَّهَ كتابُ «أطروحة عن الجنون» لمؤلِّفه ويليام باتي الذي نُشِر عام ١٧٥٨ الاهتمامَ إلى مسألة الحاجة إلى ملاحظة المريض — الذي عادةً ما يتحسَّن عند توقُّف الإسهال والنزيف — ثم التعامل معه. أشار كتاب «تحقيق في العقل البشري وأُسُس الحس السليم» لمؤلِّفه توماس ريد الذي نُشِر في عام ١٧٦٤، إلى أن أساس فهم الاختلال العقلي يكمن في الدراسة المباشِرة لعمل العقل عن طريق التحليل وفحص الأفكار والدوافع. تنبَّأ ريد بظهور «تشريح للعقل» وأن يكون في نفس أهمية تشريح الجسد. أيَّد هذه الفكرة طلب جون جريجوري في عام ١٧٦٥ بالنظر في العلاقة بين العقل والجسم، فقال: «إن العقل والجسم مرتبطان ارتباطًا وثيقًا … بحيث يستحيل تمامًا فهم تركيب أيٍّ منهما بدقةٍ إذا أُجرِي فحصٌ لأيٍّ منهما على نحوٍ منفصل عن الآخَر.»

ربما يكون دايموند قد سمع أيضًا بالتغيُّرات الشاملة التي حدثت بالتزامن مع الثورة الفرنسية، عندما استُعِيض عن السلاسل والقسوة والإهمال في مستشفيات الأمراض العقلية — بدرجةٍ ما — ببعض الأساليب الأكثر لطفًا بالمرضى. إن كتاب «أطروحة طبية فلسفية عن المرض العقلي أو الهوس» لمؤلِّفه الطبيب الفرنسي فيليب بينيل الذي نُشِر عام ١٨٠١ (وتُرجِم إلى الإنجليزية تحت عنوان «أطروحة عن الاختلال العقلي» عام ١٨٠٦)، كان له تأثير هائل على كلٍّ من الأطباء الفرنسيين والأمريكيين الذين من أصل إنجليزي خلال القرن التاسع عشر. لم يكن هذا لمجرد أن بينيل نادَى بإزالة السلاسل التي كان يُقيَّد بها المرضى، بل حاوَلَ أيضًا تطبيقَ الأسس العلمية على الملاحظات النفسية بدلًا من مجرد التكهُّن. شكَّل جمعه للحقائق العملية أكبر كيان من نوعه حتى وقتنا هذا، بناءً على ملاحظات أُجرِيت على نحو ٨٠٠ مريض في مستشفى بيسيتر في باريس. أكَّدَ بينيل أيضًا على أن دور الأسباب العقلية يفوق دور الأسباب العضوية في حدوث الاختلال العقلي، وكانت طريقته «الأخلاقية» المفضَّلَة للعلاج تستهدف المشاعِر بقدرِ استهدافها للذهن.

في بريطانيا أيضًا كانت مجموعة اللجان المختارة لمجلس العموم والاستجوابات البرلمانية في الفترة من عام ١٨٠٧ إلى عام ١٨٣٩ بمنزلة تحوُّلٍ من فكرة معاملة المختلين عقليًّا مثل الحيوانات، إلى النظر إليهم على أنهم بشر يمكن علاجُ كثيرين منهم. إلا أنه ظل هناك مَن يؤيدون فكرةَ معرفة أسباب المرض بناءً على حالة الجسم بدلًا من العقل. فقد كتب أحد الأطباء في عام ١٨٢٨ يقول:

لقد ضلَّلَتِ المناقشاتُ والأطروحات النفسية البعضَ … حيث جعلتهم يزعمون أننا نستطيع اختراقَ تلك الفوضى الداخلية التي نشأ منها الاختلال العقلي … ثم باستخدام علم المنطق أو التفكير المنطقي لكونهما علاجًا مناسبًا، سيتحقق الشفاء … إنني أرفض بشدة المزاعِمَ القائلة بأنه ليس هناك أحد بإمكانه علاج الاختلال العقلي سوى الفلاسفة … فمحاولة علاج شخص مختلٍّ عقليًّا بهذه الطريقة ستؤدي إلى تفاقُم حالة المريض.

دايموند في مستشفى سبرينجفيلد للأمراض العقلية

في عام ١٨٤٩ عُيِّن دايموند للعمل كمشرف طبي لقسم السيدات في مستشفى مقاطعة سري للأمراض العقلية، حيث كان مسئولًا عن ٤٠٠ مريضة فقيرة. كان دايموند قد تقدَّمَ في الأساس بطلبٍ في عام ١٨٤٨ من أجل الإشراف على قسم الرجال، لكنْ فُضِّلَ عليه السيد سنيب لشغل هذا المنصب. يمكننا أن نستشفَّ لمحةً عن نمط حياة دايموند في هذا المنصب من واقِع سجلاتٍ تتعلَّق بالسيد سنيب. لقد كان سنيب يستمتع بالحصول على هدايا من فحم وشموع ومحاصيل من مزرعة المستشفى بجانب راتبه الذي يُقدَّر بنحو ٣٥٠ جنيهًا استرلينيًّا في السنة، واستطاع سنيب الإنفاقَ على زوجته وأطفاله الثلاثة وامرأة عزباء من أفراد أسرته، وكذلك تحمَّلَ نفقةَ خادم وخادمة ومربية أطفال وممرضة.

صورة لسيدة مختلة عقليًّا في الفترة ما بين عامَيْ ١٨٥٢ و١٨٥٤، التقطها هيو ويلش دايموند.
صورة لسيدة مختلة عقليًّا في الفترة ما بين عامَيْ ١٨٥٢ و١٨٥٤، التقطها هيو ويلش دايموند.

كان النزلاء في مستشفى سبرينجفيلد إلى حدٍّ كبير هم مَن لا يُتوقَّع تحسُّنُ حالتهم، أما القابلون للشفاء فكانوا يُرسَلون إلى مستشفى سانت لوقا أو إلى مستشفى بيثليم. ذهب كثير منهم إلى الإصلاحيات المحلية وعادوا منها، وقد أشار دايموند نفسه إلى هذا قائلًا: «كثيرًا ما كان يحدث أن يُوجَّه تهديدٌ لنزيل مثير للمشكلات نوعًا ما في الإصلاحية بأنه سيتم إعادته إلى المستشفى … وعادةً ما كانوا يعودون إلينا بنفس الحالة العقلية التي كانوا عليها عند مغادرتهم.»

يمكن استنباط أسلوبه في العلاج مما كتبه للجنة التحقيق في الجنون عام ١٨٥٤، ومفاده: «داخل مبنًى ملائم، ومع وجود عدد كافٍ من المرافقين المناسبين، لا يكون التقييد ضروريًّا على الإطلاق، كما لا يكون مُبرَّرًا، وعادةً ما يكون مهينًا في جميع حالات الاختلال العقلي أيًّا كانت.»

لكن على الرغم من أن السلاسل التي يُقيَّد بها المرضى قد تمَّ التخلُّص منها إلى حدٍّ كبير مع افتتاح مستشفى سبرينجفيلد في عام ١٨٤٠، وفي حين كان ثمة تأكيد على العلاج الأخلاقي والتنشئة الاجتماعية والعمل، فإن النزلاء ظلُّوا عرضةً للغمر بالماء البارد والعزل والكرسي الدوار (الذي يتم تدويره حتى يتقيَّأ المريض). كانت مهام دايموند كمشرف طبي تتمثَّل في «فصد المريض وإجراء جميع العمليات الجراحية، وقراءة صلوات الصباح والمساء.»

تصوير الجنون

حتى نتمكَّن من فهم تصوير دايموند الفوتوغرافي علينا تأمُّلُ فكرةِ الموضوعية في التصوير الفوتوغرافي، وفهم مدى توافُقِها مع الأفكار السائدة لعلم الفراسة والطب النفسي.

أشار الطبيب تشارلز بيل (١٧٧٤–١٨٤٢) في كتابه «مقالات حول تشريح تعبيرات الرسم» (١٨٠٦) إلى أن سرَّ التشخيصِ يكمن في الوجه؛ فمظهرُ الإنسان المجنون تغلب عليه الهمجيةُ نتيجةً لما يعانيه من اختلال عقلي، فهو لا يختلف كثيرًا عن حيوان جامح؛ لذا يفتقر إلى بعض الملامح البشرية الأساسية في الوجه. يرى بيل أن عضلات الحاجبين والعينين، التي ترمز إلى العقل، تكون معطَّلة في أوجه المختلين عقليًّا. يرى بيل أن الشخص المختل عقليًّا تكون لديه عادةً عينان محدِّقتان وفم مليء بالرغاوي، وبذلك يكون بشعًا في منظره في المعتاد. اشتمل كتاب «أطروحة عن الاختلال العقلي» لمؤلِّفه بينيل الذي صدر في العام نفسه على لوحتين؛ تقارِن الأولى بين جمجمة إنسان طبيعي وجمجمة شخص مختلٍّ عقليًّا، والثانية تصوِّر شخصًا مختلًّا وشخصًا أبله.

رسم الفنان الفرنسي تيودور جيريكو (١٧٩١–١٨٢٤) لوحاتٍ لعشرة مرضى في مستشفى سالبيترييه بين عامَيْ ١٨٢١ و١٨٢٤، أصبح بعضها مشهورًا في حدِّ ذاته. لقد كلَّفَه إتيانُ جون جورجيه — أحد أتباع بينيل — بالقيام بهذا العمل في عام ١٨٢٠ — حيث كان جورجيه يصرُّ على أن الملاحظة المباشِرَة للمختلِّ عقليًّا ضرورية إذا أردنا فهم ملامح وجهه، إلا أن جيريكو نفسه زعم أنه لا يستطيع التمييز بين شخص تمَّ تشخيصه على أنه مختلٌّ عقليًّا وشخصٍ آخَر في حالة طبيعية.

ضمَّتِ الطبعةُ الثانية من كتاب الطبيب الاسكتلندي ألكسندر موريسون (١٧٧٩–١٨٦٦) الذي بعنوان «مختصر محاضرات عن الأمراض العقلية» (١٨٢٦)؛ ١٣ نقشًا من النقوش المستوحاة من لوحات مستشفى سالبيترييه، مرفَقًا بها ملحوظة تقول: «من المعروف أن شكل الوجه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة العقل، ويعتمد عليها.»

وقد صاحَبَ هذا ظهورَ علم فِراسة الدماغ، وهو أحد أشكال علم الفِراسة نشأ تقريبًا في عام ١٨٠٠ على يد الطبيبَيْن الألمانيَّيْن فرانتس يوزف جال ويوهان شبورتسايم، وأصبح هذا العلم مشهورًا للغاية. عندما كان جال طالبًا في المدرسة لاحَظَ أن زميلًا له في الفصل كان يتمتع بذاكرة جيدة على نحو استثنائي، كانت لديه أيضًا عينان جاحظتان، ومن هذه الملاحظة البسيطة جاءت فكرة أن العقل أحجية تتألف من «أعضاء» منفصلة تحتلُّ مساحاتٍ معيَّنَةً من قشرة الدماغ. وحيث إن حجم العضو يتحكَّم في أداء وظائفه، وبما أن أبعاد الرأس تعطي فكرةً عن أبعاد بنية المخ، فإن فهم الجمجمة وتفحُّصها يمكن أن يمدَّنا بمعلومات عن شخصية الإنسان.

بدأ اهتمام دايموند بالتصوير الفوتوغرافي في وقت مبكر للغاية؛ فقد التقط أولى صوره المطبوعة فوتوغرافيًّا — كانت لشريط زينة وريشتين — في الثامن من أبريل عام ١٨٣٩، عقب ثلاثة أشهر فقط من إعلان ويليام فوكس تالبوت للعالم عن عملية التحميض باستخراج صورة موجبة من نسخة سالبة. ومن خلال اتصال دايموند بأفراد آخَرين، أسهم إسهامًا مهمًّا — رغم كونه غير مباشِر — في تطوير تقنيات التصوير الفوتوغرافي؛ فهو مَن علَّم فريدريك سكوت آرتشر التصوير الفوتوغرافي، الذي كان أحد مرضاه عندما كان ممارِسًا عامًّا. مضى آرتشر قُدمًا ليبتكر عملية الكولوديون الرطب، التي أعطَتْ تفاصيلَ أكثر دقةً قلَّلَتْ من فترة التعريض من دقائق إلى ثوانٍ، وهو ما يمكن أن يُوصَف بأنه كان أعظمَ إسهامٍ في تطوير التصوير الفوتوغرافي خلال السنوات العشرين الأُوَل من ظهوره. عرض آرتشر طريقته على دايموند في عام ١٨٥٠ قبل أن يعرضها على العامة في العام التالي.

عندما ذهب دايموند إلى العمل في مستشفى سبرينجفيلد استغل مهارته، وبدأ يصوِّر المرضى. وعلى الرغم من التوجُّه على ما يبدو نحو منح المرضى المزيد من الخصوصية في أوائل القرن التاسع عشر، فإن مسألة طلب إذنٍ منهم لتصويرهم أو لعرض صُورٍ لهم لم تُثَرْ.

وبالرغم من أن أسلوب التصوير الفوتوغرافي الذي انتهجه دايموند مكَّنَه من تقليل فترات التعريض مقارَنةً بما كان متاحًا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، فإنه ظلَّ من الضروري التأكُّد من بقاء الجالِس ساكنًا لفترةٍ تصل إلى دقيقة أو دقيقتين، ومن الملاحظ أن صوره كانت جميعها لأشخاص في حالة ثبات ولا يتحركون. ثمة أوجه تشابُه بينها وبين لوحات لويس كارول صديق دايموند.

في شهر مايو من عام ١٨٥٦ قدَّمَ دايموند بحثًا للجمعية الملكية بعنوان «تطبيق التصوير الفوتوغرافي على علم الفِراسة وظاهرة الاختلال العقلي.» اقترَحَ البحثُ ثلاثةَ استخدامات طبية للتصوير الفوتوغرافي. الاستخدام الأول هو تسجيل ملامح الوجه:

يحرص المصوِّر على التقاط المظاهر الخارجية لكلِّ عاطفة بدقةٍ لا هامشَ للخطأ فيها، بوصفها الإشارة الأكيدة لوجود خللٍ داخلي، ويظهر للعين التجاوُبُ المعروف بين العقل المريض وأعضاء الجسم والملامح الخارجية للجسم.

أما الاستخدام الثاني للصور فهو استخدامها كوسيلة للعلاج، وهي فكرة مستحدَثَة. فقد وصَفَ سيدةً تعاني من أوهامٍ وتعتقد أنها ملكة، لذا جعلها تشاهِد صورًا لعدد من النساء المرضى اللائي كنَّ يتخيَّلْنَ أنفسهن ملكات ومن أصول ملكية، «وقد كانت هذه هي الخطوة الأولى الحاسمة في التحسُّن التدريجي لحالة تلك المرأة.»

كما أشار إلى أن مجرد عرض صورة المريض على المريض نفسه قد يكون له نتائج علاجية. «في كثير من الأحيان يفحص المرضى صورهم بمتعةٍ واهتمامٍ كبيرين.» يبدو أن الصورة الفوتوغرافية بوصفها أداةً لتعزيز تقدير الذات قد أصبحَتْ أمرًا يُعتدُّ به.

كذلك أشار إلى صورة لسيدة شابة «تعانِي من هوسٍ أحادي انتحاري»، هذه الصورة وصفها الصحفي الفرنسي إرنست لاكو على النحو التالي:

ومع هذا، كم تخفي هاتان العينان من حزن وشكوى وإحباطات! وما أكثر ما يحتويه هذا الفم من مرارة وحزن مكبوت وتأوُّهات مكتومة! لا بد أن ابتسامته في الماضي كانت في غاية البهاء!

يتمثَّل الاستخدام الثالث للتصوير الفوتوغرافي العلاجي الذي اقترحه دايموند في التعرُّف على هوية المرضى في حالة عودتهم مرةً أخرى إلى المستشفى. لقد اعتبر الصور الفوتوغرافية أكثرَ إفادةً من الملاحظات المكتوبة في تذكُّر السمات الأساسية لمرضاه.

تأثير أوسع نطاقًا

أثارَ عمل دايموند اهتمامًا كبيرًا بعالَمَي الطب والتصوير الفوتوغرافي على حدٍّ سواء.

شدَّدَ تي إن براشفيلد من مستشفى مقاطعة تشيستر على القيمة العلاجية للصور، مشيرًا في عام ١٨٥٧ إلى أن:

المرضى يشعرون بكثيرٍ من الرضا عند رؤية صورهم … في الأسبوع الماضي توسَّلَتْ مريضة من أجل التقاط صورةٍ لها حتى ترسلها إلى ابنها، الذي يعيش في أيرلندا، حتى تُظهِر له مدى التحسُّن في حالتها.

أشار جون كونولي في أبحاثه «حول ملامح الوجه في الاختلال العقلي» التي نُشِرت في دورية «ميديكال تايمز آند جازيت» في عامَيْ ١٨٥٨ و١٨٥٩ إلى وجود ملامح وجه يسهل التعرُّف عليها لكلِّ نوع من الجنون. لم تكن صور دايموند الفوتوغرافية تصلح بسهولة للنَّسْخ؛ لذا استخدَمَ كونولي صورًا مطبوعةً على حجر بناءً عليها، لكنها في بعض الأحيان لم تكن مطابِقةً لها تمامًا. مع هذا كان مُدرِكًا لعيوب هذه الصور. «تحقِّق الصورة الفوتوغرافية التي تُلتقَط بحِرْفيةٍ درجةً استثنائيةً من التطابق مع الأصل، بحيث تنقل الصورةُ آخِرَ انفعال انعكس على عضلات الوجه، وهو أمر نادرًا ما تتمكَّن مهارة النحَّات من الاحتفاظ به.»

أضاف كونولي أيضًا ملاحظات تتعلق بحالات مرضية، ومن هذه الملاحظات يمكن أخذ لمحة عن أسلوب دايموند الطبي. في مجموعة من اللقطات المتتالية نتعرَّف على أربع مراحل للتحسُّن مرَّتْ بها واحدة من المرضى كانت تعانِي من اكتئابِ ما بعد الولادة. التُقِطت الصورةُ الثانية بعد التقاط الصورة الأولى بثمانية أيام، والتُقِطت الصورةُ الثالثة بعد الثانية بفترةٍ تتراوح ما بين أربعة إلى خمسة أسابيع، والرابعة بعد الثالثة بشهرين أو ثلاثة أشهر، عند خروجها من المستشفى.

في كتاب «التعبير عن العواطف لدى الإنسان والحيوان» (١٨٧٢) عرض داروين، الذي كان متأثِّرًا للغاية بتشارلز بيل، قصةَ تطوُّرِ وجهِ المصاب بخلل عقلي. كان داروين يرى أن تعبيرات الوجه قد تطوَّرت، تمامًا مثل الأجزاء الأخرى من جسم الإنسان، مشيرًا إلى أنه حتى أكثر السمات المميِّزة للبشر، وهي تعبيراتُ الوجه، مستمَدَّة من الحيوانات. لقد ركَّزَ على المختلِّين عقليًّا؛ لأنهم «عرضة لأقوى الانفعالات، ولا يمكنهم التحكُّم فيها أو كَبْتها.» وكان هذا أحد الكتب العلمية الأولى التي تُنشَر وبداخلها صور فوتوغرافية.

أحد الشخصيات الرئيسية في تأليف هذا الكتاب هو جيمس كرايتون براون (١٨٤٠–١٩٣٨)، وهو أحد الأطباء النفسيين المتميزين في القرن التاسع عشر. نظرًا لكونه مصورًا فوتوغرافيًّا، فلا بد أنه كان على علم بأعمال دايموند. لقد أرسل لداروين ٤١ صورة فوتوغرافية التقطها لمرضاه، كثير منها يحتوي على تعليقات. نسخ داروين واحدةً فقط في كتابه، ربما لأنه — مثل جيريكو — لم يستطع رؤية وجه الاختلاف بين مَن يُصوَّرون بوصفهم مختلِّين عقليًّا ومَن يُعتقَد أنهم طبيعيون.

مستشفى سبرينجفيلد وما أعقبه

استقال دايموند من وظيفته في مستشفى سري للأمراض العقلية عام ١٨٥٨. عادةً ما يُخفَى سبب ذلك، فما حدث كان أمرًا محزنًا. في شهر أبريل عام ١٨٥٦ تعرَّضَ زميله السيد سنيب إلى الضربِ على يد أحد المرضى، فأمر سنيب أن يتعرَّض هذا المريض إلى نصف ساعة من الاستحمام بالماء البارد، الأمر الذي اقتضى سكب نحو ٦١٨ جالونًا من الماء البارد عليه، تلا هذا حصوله على «جرعة جيدة من الطرطير المسبِّب للقيء». بعد بضع دقائق أصابت المريض حالةٌ من التشنُّج ومات.

زعم سنيب أن المريض قد تُوفي بسبب مرض في القلب، وطلب من وارين — ابن دايموند — الذي كان قد تأهَّلَ حينذاك ليصبح جرَّاحًا، أن يزيل القلب من الجثة. رأى سنيب في القلب تنكسًا دهنيًّا، في حين رأى دايموند الأب قلبًا سليمًا، وكان في اعتقاده أن الحمام البارد والدواء المسبِّب للقيئ كانَا سببَ الوفاة. في النهاية وُجِّهَتْ إلى سنيب تهمةُ القتل غير العمد واتضح عندها أن دايموند، بمبادرة شخصية منه، احتفَظَ بالقلب ليوم أو نحوه، وعرضَه على أطباء آخَرين ثم حرقه. عقب المحاكمة في محكمة «أولد بيلي» تمَّتْ تبرئة ساحة سنيب في شهر يوليو من عام ١٨٥٦؛ لقد تمت تبرئته من التهمة لكنه أفلس ماديًّا. بعد ذلك كتبت لجنة المفتشين تقريرها عن الحادث تعنِّف فيه دايموند بشدة لأنه «جعل نفسه عرضةً لاستهجان شديد». استقال دايموند وأسَّسَ مستشفاه الخاص للنساء في مدينة تويكنهام.

يبدو أن مصحة دايموند كانت تعتني في العموم بفئة محدودة من العملاء المترفين، وقد وُصِف كثير من المرضى في تعداد السكان بلقب «الليدي» أو «من ذوي الأملاك». وفي أوقات متفرقة كان من بين النزلاء ابنة مارشال وابنة محامٍ، وزميلة بجامعة كامبريدج و«سيدة مختلة من النبلاء». من ناحية أخرى، ضمَّ المستشفى أيضًا أرملة أمين مخزن، وزوجة بقال، وأرملة بائع خردوات.

توقَّفَ دايموند عن عرض الصور عندما افتتح مستشفى تويكنهام؛ فقد تلقَّى أول نقد سلبي لصوره، حيث ذكرت مجلة فوتوجرافيك نيوز في عددها الصادر بتاريخ ٤ فبراير ١٨٥٩ أن مثل هذه الصور «يُفترَض بها أن تزيِّن جدران مكتب هذا الطبيب، لكنها بالتأكيد لا تصلح أن تُعلَّق على جدران معرض جماهيري … فهي بشعة للغاية.»

في حين أن ذلك لم يَرُقْ كثيرًا له، فإنه على الأرجح قد توقَّف عن تصوير مرضاه عندما انتقل من مستشفًى حكومي به مئات النزلاء إلى مستشفًى خاص به عدد قليل من المرضى. أوضحت صحيفة ريتشموند آند تويكنهام تايمز في عددها الصادر بتاريخ ٢٦ يونيو ١٨٨٦ قائلة: «إن ما كان يُسمَح به في المؤسسة الحكومية لا يُسمَح به في منشأة خاصة.»

رؤًى مستمرة

إذا لم يستطع كلٌّ من جيريكو وداروين بالفعل رؤية وجه الاختلاف بين صور المختلين عقليًّا والأشخاص الطبيعيين، فكيف يمكننا تفسير وجهات نظر دايموند وغيره؟ يشير سايمون كروس إلى أن كل فترة تاريخية لها مفهومها عن الجنون، ومن ثَمَّ يكون فيها للجنون طبيعة خاصة وسمات مميزة، كما يرى كروس أن الأمر يرتبط أيضًا بمَن يضع تعريفًا للجنون؛ فالمرء يرى ما يحب رؤيته، وقد تمسَّكَ أنصارُ علم الفِراسة — الذين يفتقرون إلى عناصر أخرى تدعم تشخيصهم — بما كانوا يستطيعون رؤيته. ورغم آمال مجلة «كورنهيل»، فإن قوة صور دايموند المعالَجة ببراعة ومهارة بحيث تجذب الأنظار إليها تكمن — على حدِّ قول المؤرِّخة شارونا بيرل — على وجه الدقة في أنها لم تكن نسخًا طبق الأصل، بل كانت نسخًا من صنع المصوِّر، الذي استطاع إبراز الرموز التي لها معنًى في علم الفِراسة، بما يشمل الملابس والشعر وأجسام مرضاه، وليس ملامح الوجه فحسب.

بوصفي عالِمًا نفسيًّا محترِفًا ومصوِّرًا هاويًا أودُّ التفكُّر في الارتباط بين دايموند وداروين؛ بين التصوير والطب النفسي وعلم النفس. لم نَعُدْ نحترم علم فراسة الدماغ؛ فحاليًّا يمكن للتصوير بالرنين المغناطيسي أن يمدنا بمعلومات عن المخ أكثر من التصوير الفوتوغرافي، لكن لا يسعنا إلا الشعور بالامتنان إزاء ما قام به دايموند.

قراءات إضافية

  • J. Browne, ‘Darwin and the Face of Madness’. W. F. Bynum, R. Porter & M. Sheperd [eds], The Anatomy of Madness Vol 1. (Tavistock Press, 1985).
  • A. Burrows & I. Schumacher, Portraits of the Insane: The Case of Dr Diamond (Quartet Books, 1990).
  • S. Cross, Mediating Madness (Palgrave Macmillan, 2010).
  • S. L. Gilman (ed), The Face of Madness (Brunner/Mazel, 1976).
  • R. Hunter & I. MacAlpine, Three Hundred Years of Psychiatry (Oxford University Press, 1970).
  • S. Pearl, ‘Through a Mediated Mirror: The Photographic Physiognomy of Dr Hugh Welch Diamond’ in History of Photography, 33, 288–305, 2009.
  • A. Scull, The Most Solitary of Afflictions: Madness and Society in Britain 1700–1900 (Yale University Press, 1993).
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.