في ركن هادئ من أركان إسطنبول، وبالقرب من أسوار المدينة القديمة يقبع مبنًى قرميدي صغير بسيط يُستخدم حاليًّا كمتحف رغم أنه كان في الماضي مسجدًا كما تشهد مِئذنته. إلا أن هذا المبنى كان قد أُنشئ في البداية ككنيسة، عندما كانت إسطنبول تُدعى القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

تأسست القسطنطينية على يد الإمبراطور الروماني قسطنطين (حكم من ٣٠٦ حتى ٣٣٧) في موقع كانت تحتلُّه مدينة أقدم تُدعى بيزنطة؛ وذلك بهدف تجهيز مركز للحكومة في الجزء الشرقي من إمبراطوريته. وفي غضون مِائة عام تضخَّم عدد سكانها ليصل إلى ٥٠٠ ألف نَسمة على الأقل، وامتدت الضواحي بعيدًا إلى ما وراء الأسوار الأصلية لمدينة القسطنطينية. كانت تلك المناطق المحيطة بالمدينة هي الموقع الذي شهد بناء كنيسة ودير تعظيمًا للسيد المسيح، وكانت تُلقَّب ﺑ «خورا»؛ وهي كلمة تعني «في الريف»، واحتفظت بنفس الاسم رغم بناء مجموعة جديدة من الأسوار عام ٤١٣، والتي ضمت الدير إلى داخل حدود المدينة.

تقلَّبت مقادير الدير بين صعود وانحدار مع مرور السنوات؛ إذ نُزعت قدسيته على يد الإمبراطور قسطنطين الخامس (حكم من ٧٤١ حتى ٧٧٥) الذي لم يكن على علاقة طيبة مع الرهبان. لكن الدير تمكَّن بطريقة أو بأخرى من البقاء، وحالفه قدرٌ كافٍ من الحظ في أواخر القرن الحادي عشر كي يجتذب دعم راعية إمبراطورية، ألا وهي ماريا دوقاينا حماة الإمبراطور أليكسيوس الأول (حكم من ١٠٨١ حتى ١١١٨)، والتي أعادت بناء الكنيسة بالكامل. إلا أن راعيَ كنيسة خورا الأكثر سخاءً لم يكن عضوًا بالعائلة الملكية، بل كان ثيودور ميتوخيتيس (١٢٧٠–١٣٣٢) رئيس الوزراء في عهد الإمبراطور أندرونيكُس الثاني (حكم من ١٢٨٢ حتى ١٣٢٨).

كان ميتوخيتيس سياسيًّا مثقفًا يتمتع بشخصية مسيطِرة هيمنت على البلاط البيزنطي، واستطاع تجميع ثروة ضخمة خلال فترةِ تَوَلِّيه منصبه رغم أن البعض زعم — وكانوا على الأرجح محقِّين — أنه كوَّنها من خلال بيع المناصب وقبول الرشاوى. أنفق ميتوخيتيس قدرًا وافرًا من ثروته لبناء قصر جديد فخم له ولعائلته بالقرب من دير خورا، مشتملًا على أرضيات رخامية وحدائق وأنابيب لتوصيل المياه وحمامات وأروقة مزيَّنة بالأعمدة.

ربما كان هدف ميتوخيتيس هو إراحة ضميره المعذَّب عندما شرع في تنفيذ مهمة تتسم بالورع، ألا وهي تجديد دير خورا الذي عانى من الإهمال بعض الشيء طوال السنوات الأخيرة. وهكذا زود الدير بمكتبة أصبحت فيما بعد من أكبر مكتبات القسطنطينية، وفي الفترة ما بين عامَي ١٣١٦ و١٣٢١ تمكَّن من إعادة بناء الكنيسة بالكامل، وكسا جدرانها الداخلية وسقوفها بفيض من زخارف الفسيفساء التي تصور حياة السيد المسيح ومريم العذراء. ولأن ميتوخيتيس كان مغرورًا ومحبًّا لنفسه فإنه لم يستطع مقاومة فكرة الانضمام إلى المشهد؛ لذا أمر بتصميم لوحة شخصية ضخمة له من الفسيفساء في ردهة الكنيسة تصوره بلحيته ذات الطابع البيزنطي، بينما يرتدي إزارًا طويلًا مزخرفًا بعناية، ويعتمر قبعة عجيبة مبهرجة. يظهر رئيس الوزراء في اللوحة راكعًا أمام السيد المسيح مانحًا إياه الكنيسة التي رممها بنفقات باهظة.

عمل ميتوخيتيس كذلك على توسعة نطاق الكنيسة عبر إضافة كنيسة جانبية صغيرة لتضم قبره، وزيَّنها بالقدر اللائق برسوم ليوم البعث والحساب، ولكن بدلًا من استخدام الفسيفساء التقليدية اختار ميتوخيتيس تنفيذ التصميمات مستخدِمًا الجص الملوَّن توفيرًا للمال على الأرجح. أيًّا كان السبب الدافع لهذا الاختيار فإن اللوحات الجصية تعدُّ تُحَفًا فنية. والصور التي يعجُّ بها السقف للملائكة والقديسين ومَن حازوا الخلاص ومن لُعنوا تبدو — بجمال ألوانها وحيويتها — على النقيض التام من الأوضاع الجامدة التي تميز لوحات الفسيفساء؛ إذ تبدو الصور وكأنها توشك أن تتحرك. ومن أكثر الصور إبهارًا تلك التي تصوِّر تخليص المسيح للأرواح العالقة في الجحيم على قبة الكنيسة نصف الدائرية؛ إذ تُظهر المسيح الصاعد من الجحيم ساحبًا معه آدم وحواء من النار، ويرقد الشيطان مقيد القدمين، بينما تنهار أبواب الجحيم — مع مجموعة متنوعة من الصواميل والبراغيِّ والمفاتيح — في الفراغ المحيط. تستحقُّ تلك اللوحات الجصية مضاهاتها بلوحات الرسام والمعماري جيوتو (١٢٦٧–١٣٣٧ تقريبًا) الذي كان يعمل في إيطاليا في الوقت نفسه بالضبط. لسوء الحظ لم يُسجَّل اسم الفنان الذي أبدع لوحات كنيسة خورا في أي موضع، ولم يحفظ التاريخ سوى اسم الرجل الذي دفع له مقابل فنه.

لا شك أن ميتوخيتيس كان يأمل أن يُدفن أخيرًا في مقبرته عقب حياة مهنية متألقة وفترة تقاعد مريحة، لكن ذلك لم يحدث؛ فقد شهد عهد أندرونيكُس الثاني كارثة عسكرية؛ إذ أُخرج البيزنطيون من مقاطعاتهم الشرقية في آسيا الصغرى نتيجة للتقدم العنيد للأتراك. وفي مايو ١٣٢٨ عُزل الإمبراطور العجوز في انقلاب بقيادة حكومته، وعُين ابن أخيه أندرونيكُس الثالث بدلًا منه (حكم من ١٣٢٨ حتى ١٣٤١). ونظرًا لصلة ميتوخيتيس الراسخة بالنظام القديم، ومع رحيل راعيه الإمبراطوري؛ فَقَدَ منصبه، وهاجم الرعاعُ قصرَه وجرَّدوه من كل ثمين، ثم دمَّروه عن آخره، وحتى الأرضيات الرخامية انتزعوها ونقلوها على عربات. أما ميتوخيتيس نفسه فقد نُفي إلى بلدة صغيرة في تراقيا، حيث أُجبر على تحمُّل أحوالٍ معيشية لا بد وأنها كانت مؤلمة إذا قورنت بما كان يتمتع به من الرفاهية يومًا ما. وبعد عامين سُمح له بالعودة إلى القسطنطينية والعيش في هدوء بدير خورا، وكانت أيامه الأخيرة تعيسة؛ حيث أضناه المرض والمنظر من نافذته التي تطلُّ حيث كان منزله الجميل قائمًا في يومٍ من الأيام. تُوفِّي ميتوخيتيس في ١٣ مارس عام ١٣٣٢ — بعد شهر واحد من وفاة مولاه السابق أندرونيكُس الثاني — ودُفن في المقبرة التي أعدها في الكنسية الصغيرة الملحَقة بكنيسة خورا.

وخلال القرن الذي تلا وفاة ميتوخيتيس سارت الاضطرابات التي كانت تتشكل في عهده بخطًى ثابتة نحو الأسوأ؛ إذ أتت بالأتراك العثمانيين حتى أبواب القسطنطينية ذاتها. وفي المدينة المحاصَرة أودع الناس أملهم في حماية مريم العذراء للمدينة؛ إذ ساد الاعتقاد بأنها أنقذت المدينة في حوادث عدة في الماضي، بل شوهدت تقاتل في صف المدافعين عند أسوار المدينة. واحتفظ البيزنطيون بدليل مرئيٍّ على حمايتها للمدينة، ألا وهو صورة أو أيقونة آمَن العامة بكونها رُسمت لها أثناء حياتها بِيد القديس لوقا الإنجيلي شخصيًّا. وتُظهر الصورة مريم العذراء وهي تحمل المسيح على ذراعها اليسرى وتشير إليه بيدها اليمنى؛ لذا أصبحت الأيقونة معروفة باسم أيقونة العذراء القائدة Hodegetria («هي التي تشير إلى الطريق») بما أن العذراء كانت تشير في الأيقونة إلى طريق الخلاص، ألا وهو السيد المسيح.

وفي أبريل عام ١٤٥٣، عندما وقف الجيش التركي المكوَّن من ٨٠ ألف رجل أمام أسوار القسطنطينية استعدادًا للحصار، نُقلت الأيقونة إلى كنيسة القديس المخلص في خورا، والتي اختِيرت نظرًا لقربها من الأسوار المهددة، على أمل أن تعين في صد المهاجمين. ورغم ذلك تشكك بعض الأفراد في فعالية الأيقونة نتيجة لظهور علامات منذرة بالسخط الإلهي. فعندما حملت عبر المدينة انزلقت فجأة من بين أيدي حامليها ووقعت على الأرض، ولم تُرفع مرة أخرى إلا بصعوبة بالغة. وعندما استأنف الموكب سيره حوصر وسط موجة عنيفة من الأمطار الغزيرة، ولم تصل الأيقونة سالمة إلى الكنيسة إلا بصعوبة جمة.

ثبت أن المتشككين كانوا على حق؛ ففي الساعات الأولى من يوم ٢٩ مايو عام ١٤٥٣، وعقب قصف الأسوار بالمدافع طوال ستة أسابيع، اقتحم الأتراك المدينة من نقطة بالقرب من دير خورا. كانت الكنيسة من أوائل الأماكن التي صادفها الجنود المنتصرون بينما يمشطون المدينة بحثًا عن الغنائم. ربما ترددوا للحظة عند اقتحام الكنيسة أمام مشهد أيقونة العذراء القائدة فوق المذبح محاطة بوميض الشموع، لكن ترددهم لم يستمر طويلًا؛ إذ انتزعت مجموعة منهم الأيقونة وحطموها إلى أربعة أجزاء كي يتمكَّنوا من اقتسام إطارها الذهبي الثمين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.