منذ انتفاضة عام ٢٠١١ والإطاحة بزين العابدين بن علي، شهدت تونس ارتفاعًا حادًّا في معدلات البطالة والنشاط الإرهابي، بما في ذلك قتل ١٤ جنديًّا في يوليو على أيدي الجهاديين في منطقة جبل الشعانبي المتاخمة للجزائر، «وهذه أكبر خسارة في الأرواح مُني بها الجيش منذ الاستقلال عام ١٩٥٦»؛ وذلك وفقًا لتصريحات وزارة الدفاع.

معاودة الظهور: فسيفساء نبتون، قرطاج، القرن الأول الميلادي.
معاودة الظهور: فسيفساء نبتون، قرطاج، القرن الأول الميلادي.

عانت السياحة — وهي ثاني أكبر قطاع اقتصادي في تونس بعد الزراعة — من الركود عقب الثورة، ولم تستعِدْ مستويات عام ٢٠١٠. وتمر البلاد بمنعطف صعب فيما يخص التعامل مع ماضٍ جذَّاب للغاية للأجانب. فعلى عكس الطبقة السياسية الطاعنة في السن، فإن ما يقرب من نصف سكان تونس تحت سن الثلاثين، والمشكلات المهمة بالنسبة إليهم لا تشمل بالضرورة الهُوية التاريخية. وأشارت مدونة حديثة قائلة: «يتحدث النشطاء عن يومٍ يمكن فيه اجتثاث الأشجار التي نمت في تُرْبة بن علي وبورقيبة. وعندما يحدث ذلك، سيكون ذلك تحقيقًا لثورة حقيقية؛ ثورة سوف تنفصل عن الماضي بدلًا من التمسك بتاريخ سحيق.»

لا شيء من هذا يبشِّر بالخير بالنسبة إلى تراث البلاد الأثري الثري؛ فالمتاحف والمواقع الأثرية في تونس في حاجة ماسة إلى الحماية لمنع السرقة والتلف. وعلى النقيض من البلاد التي تمزِّقها الصراعات بشكل أكبر؛ حيث تخرج السياحة تمامًا من جداول الأعمال، يوجد هنا انقسام بين إمكانية تطوير أماكن مثيرة للاهتمام في إطار قطاع اقتصادي قائم، ومطالب إعطاء الأولوية للتعليم والرعاية الاجتماعية والبِنية التحتية.

أصبحت أوتيك — التي تأسَّست في القرن الثامن قبل الميلاد، والتي ربما كانت أول مستوطنة فينيقية على ساحل شمال أفريقيا — عاصمة الولاية الرومانية الأولى في أفريقيا عام ١٤٦ قبل الميلاد، وانتحر كاتو الأصغر هنا بعد ذلك بمائة عام، رافضًا الاستسلام ليوليوس قيصر. مع ذلك، يجذب موقع أوتيك أقل من أربعة آلاف زائر سنويًّا على الرغم من أهميته؛ ومن ثم فإنه من الممتع — رغم أنه يبعث على الشعور بالذنب — أن أتجوَّل منفردةً خلال الشوارع والمنازل الأثرية، ولكنني غير مرتاحة لعدم منعي من وطء أرضياتها العتيقة؛ مثل فيلة هانو التي أحدثت فوضى في المنطقة المحيطة عام ٢٤٠ قبل الميلاد، تقريبًا، خلال حرب المرتزقة. وتتناثر رقائق فسيفسائية من الأرصفة الفينيقية والرومانية في العشب في أرجاء الموقع.

تُعرض أروع الفسيفساء الرومانية المستخرَجة من أوتيك وقرطاج ودُقَّة وسوسة بأمانٍ في متحف باردو في تونس. وهي تُقدِّم سجلًّا مرئيًّا لتطور إمبراطورية شمال أفريقيا منذ أوائل العصر المسيحي حتى القرن السابع الميلادي. ومع ذلك، بما أنها معروضة كأعمال فنية على الجدران كما لو كانت لوحات؛ فإنه لا يوجد سياق لربطها بالمباني التي أُنشئت من أجلها.

الكنز التونسي: المسرح الروماني في دُقَّة. القرن الأول الميلادي.
الكنز التونسي: المسرح الروماني في دُقَّة. القرن الأول الميلادي.

يشكِّل جبل زغوان بجنوب تونس خلفية درامية لأنقاض معبد المياه، الذي بُني خلال عهد الإمبراطور هادريان (١١٧–١٣٨ ميلاديًّا) في بداية القناة الهائلة التي كانت تنقل الماء لقرطاج على بُعد ١٣٠ كيلومترًا. وعلى الرغم من وقوعه داخل منتزه وطني، فإن المعبد لا يزال يجذب العائلات التونسية وعددًا قليلًا من بائعي الألعاب، ولكن لا يوجد شيء تقريبًا في المنطقة المجاورة لشرح أهميته التاريخية. وقال المسئول الحكومي بالمنطقة ماكنين عبد الرحمن: «أود أن يُنشأ متحف في المنطقة، ولكن لدينا أولويات أخرى؛ فالهدف الرئيسي هو تنمية المنطقة، ثم الشئون الاجتماعية، ولكن سيحدث تغيير كبير بعد الانتخابات.»

إن أحدث اكتشاف أثري يعرفه عبد الرحمن هو ضريح يعود تاريخه إلى القرن الثاني، واكتُشِف عام ٢٠١١ على مقربة من المدينة الرومانية توبربو ماجوس. لا توجد حاليًّا أي خطط للتنقيب في هذه المنطقة، وهذا قد لا يكون شيئًا سيئًا؛ فلم يُكشف رسميًّا إلا عن حوالي ١٧ بالمائة من آثار تونس القديمة، ولكن تشير التقارير إلى أن أعدادًا متزايدة من المواقع المفتوحة يجري التنقيب بها على نحو غير مشروع، وتتعرَّض للسرقة.

أحد جوانب تراث البلاد، الذي يبدو مصونًا على نحو أكبر، هو التراث الموسيقي؛ حيث تقدِّم كلُّ الأشكال النقية من النوع العربي الأندلسي المعروف باسم «المالوف»، والكثير من الأنواع الهجينة إلى صغار السن وكبار السن وسيلةً للتعبير عن الهُويات التونسية المتميزة.

قبل ثمانين عامًا من هذا العام، إبان الاحتلال الفرنسي، تأسَّس معهد الرشيدية في تونس للمساعدة في الحفاظ على التراث الموسيقي العربي الأندلسي وإحيائه. وعلى الرغم من وفاة البارون رودولف ديرلانجي (١٨٧٢–١٩٣٢) — الذي كان بافاريَّ المولد وفنانًا وموسيقيًّا وباحثًا — قبل عام ١٩٣٤، فإنه كان واحدًا من القادة البارزين في الحركة التي أنشأت المعهد. أُسر الثَّرِيُّ ديرلانجي — الذي حصل على الجنسية الفرنسية — بمناخ الساحل الشمالي التونسي ومناظره الطبيعية. وفي سيدي بوسعيد — المطلة على خليج تونس — بين عامَي ١٩١٢ و١٩٢٢، كلَّف حِرفيِّينَ بارعِينَ من تونس والمغرب ومصر بإنشاء منزل رائع؛ وهو قصر «النجمة الزهراء»؛ تقديرًا لحبه للشرق الأوسط. وأصبح مقر إقامة البارون مركزًا للأبحاث والحفلات الموسيقية؛ حيث جمع ديرلانجي الآلات والموسيقيين من مختلف أنحاء المغرب العربي.

وأصبح منزل ديرلانجي السابق مركز الموسيقى العربية والمتوسطية بقرار رئاسي في عام ١٩٩١، في فترة وزارة الثقافة والمحافظة على التراث في عهد الرئيس زين العابدين بن علي، من أجل حماية وإحياء الموسيقى التونسية. ورأى البعض هذه الجهود وما تلاها كإجراءاتٍ من جانب النخبة خوفًا من فقدان التراث الموسيقي الذي عزَّز بقوة ركائز الهُوية الوطنية التونسية. ولكن واصل المركز ازدهاره بنشاط على مستوًى عالمي؛ فأقام الحفلات الموسيقية، ونظَّم دوراتٍ وأوقاتًا للدراسة، في الوقت الذي يُعدُّ فيه قصرُ النجمة الزهراء نفسُه ومجموعتُه مِن الأدوات مِن الكنوز في حد ذاتها.

في وقت سابق من هذا العام، في حفل أُقيم في القصر الرئاسي في قرطاج لتكريم الفنانين التونسيين، قال رئيس الوزراء المؤقت مهدي جمعة لجمهور الحاضرين: «نحن نعي الدور الرئيسي للفنانين في بناء تونس الجديدة …» واستطرد مشيرًا إلى أنه في الجمهورية الثانية: «… ستكون الثقافة رمزَ المفكرين وضميرَهم الحي.» ومن غير الواضح إلى أي مدًى ستُقبل هذه الرؤية أو تحظى بتأييد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.