لا تزال معظم الثقافات تُقِرُّ «حقَّ» التحكم في الأنواع الأخرى واستغلالها.
لا تزال معظم الثقافات تُقِرُّ «حقَّ» التحكم في الأنواع الأخرى واستغلالها.

كتب الفيلسوف والمعلِّق الاجتماعي تيودور أدورنو متفكِّرًا في الهولوكوست، يقول: «تبدأ معسكرات التعذيب على شاكلة معسكر أوشفيتز عندما ينظر أحدهم إلى المجزر ويفكر قائلًا في نفسه: إنها مجرد حيوانات.» وهو يرى أن البشر يذلون غيرهم من الأشخاص «مبخوسي القيمة» ويستغلونهم ويقتلونهم عمدًا بمجرد اعتبارهم أشبه بالحيوانات. ومن ثَمَّ، يمكن أن تحدث الإبادات الجماعية حين ننظر إلى أفراد الجماعات الأخرى — غير المنتمين إلى جماعتنا — على أنهم أقل آدمية منا، وهذه العملية تُطلِق العِنَان لقدرٍ كبيرٍ من السلبية؛ لأن الحماية الأخلاقية التي من الطبيعي أن تُمنَح للإنسان تُطرَح جانبًا.

إنَّ لنا باعًا طويلًا في الشعور بالتفوق البالغ على الحيوانات الأخرى، ليس فقط من حيث اللغة والثقافة والذكاء والقدرة على الإحساس، لكن أيضًا من خلال الحق المزعوم في السيطرة على باقي الأنواع. يُجِيز «سِفْر التكوين» ذلك؛ إذ نَصَّ على أن آدم وُهِبَ الحيوانات لتلبية احتياجاته وتحقيق أهدافه. لكننا أيضًا لنا تاريخ طويل ومؤسِف مع ممارسة التمييز وبثِّ الكراهية والبؤس، وحتى ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بنوعنا البشري نفسه، بشكلٍ لا نظير له بين الحيوانات غير الآدمية.

وقد دفعت هذه الملاحظات الباحثين في موضوع التحيُّز في جامعة بروك في أونتاريو بكندا، بما فيهم نحن، لوَضْع افتراضَيْن مبتكَرَيْن حول طبيعة التحيُّز وتجريد الإنسان من إنسانيته. الافتراض الأول هو أن إدراك وجود فارقٍ شاسعٍ بين البشر والحيوانات يغذِّي التحيُّز ضد الأشخاص غير المنتمين لجماعتنا الاجتماعية، كالمهاجرين والأقليات العنصرية. أما الافتراض الثاني فمفاده أن تأثير هذا الفَرْق بين الإنسان والحيوان يتضح من خلال التجريد المتزايد لأفراد الجماعات الأخرى من صفاتهم الإنسانية، الذي يُعَدُّ بدوره نتيجةً مباشِرةً للحطِّ من شأن الحيوانات بالنسبة للإنسان. ويعزز هذين الافتراضين نظريةٌ نطلق عليها نموذج التحيُّز بين الأنواع.

إننا لا نعلم إلا القليل جدًّا عن أصول تجريد الإنسان من إنسانيته، ولا نعلم الكثير عن الآليات التي يتحوَّل بها إلى تحيُّزٍ، لكننا وباحثين في معامل أخرى وجدنا أدلةً واضحة على أن تجريد الآخَرين من إنسانيتهم يُنبِئ بالتحيز لدى البالغين. وقد حوَّلْنا اهتمامنا حديثًا إلى تفسير سلوك التحيُّز لدى الأطفال من منظور التجريد من الإنسانية. ويمثل هذا البحث دليلًا حاسمًا يربط بين علاقة الإنسان بالحيوان والتحيز ضد غير المنتمين للجماعة الاجتماعية، وربما يُلقِي هذا البحث الضوء على استراتيجيات للتدخل للحيلولة دون تلك السلوكيات في مرحلة مبكرة.

وبالاستناد إلى التجارب التي أُجرِيَت على طلاب الجامعات، تضمَّنت دراساتنا الأخيرة أطفالًا كنديين بِيضًا تتراوح أعمارهم بين ٦ إلى ١٠ أعوام وآباءهم؛ حيث عرضنا على الأطفال صورًا فوتوغرافية لفتيان وفتيات بيض وسود وصورًا لحيوانات مختلفة. وطُلِب من المشاركين أن ينسبوا لصور الأطفال عواطف تُعتبَر — على نطاق واسع — خاصة بالبشر (التعاطف والحب والحرج والذنب)، وعواطف أخرى تُعتبَر غير قاصرة على البشر (السعادة والإثارة والحزن والخوف). وطلبنا منهم أن ينسبوا للأطفال المستهدفين سماتٍ شخصيةً خاصةً بالبشر (الفضول والإبداع واللامبالاة والاضطراب)، وسمات أخرى غير قاصرة على البشر (العصبية والهدوء والود والدناءة).

وللتعرف على معتقدات الأطفال فيما يتعلق باختلاف البشر عن الحيوانات، طلبنا منهم وَضْع صورِ الأشخاص مختلفي الأعراق والحيوانات ذات الأنواع المختلفة بعضها أقرب إلى بعض أو أبعد على لوح أفقي، بحيث يعكس وجود مسافة أكبر بين صور البشر والحيوانات درجة أقوى من الإيمان بوجود فارق بينهما لدى الطفل. واستُخدِم لوح رأسي لتقييم تصورات الأطفال حول تفوُّق البشر على الحيوانات، على أن يعكس وجود مسافات أوسع بين صور المستهدَفين درجةً أقوى من الاعتقاد في تفوُّق البشر على الحيوانات.

وجاءت النتائج مدهشة، مما يقدِّم أول دليل مباشِر على أن الأطفال صغار السن يجردون غيرهم من الأطفال من إنسانيتهم حسب انتماءاتهم العنصرية. ومن الأهمية بمكان أن الأطفال الأقوى إيمانًا بتفوُّق البشر على الحيوانات أظهروا أعلى معدلات لتجريد الآخرين من صفاتهم الإنسانية؛ حيث إنهم كانوا ينظرون للأطفال السود على أنهم يملكون عددًا أقل من السمات الخاصة بالبشر، مما يدل بدوره على تحيُّزهم الزائد ضد الأطفال السود.

وقد اتَّضَح أيضًا أن إشراك الآباء في الدراسة مهم جدًّا. وباستخدام معايير مخصَّصة للبالغين، كرَّرنا هذه الأنماط مع الآباء، وأجرينا بعض الاختبارات القياسية لاكتشاف التحاملات العنصرية الموجودة مُسبَقًا، وهل لديهم تفضيلات أيديولوجية للعلاقات التدرجية أو تلك القائمة على المساواة بين الجماعات. وقد اندهشنا لاكتشاف أن الآباء الذين يدعمون التدرج الاجتماعي وعدم المساواة يُنشئون أطفالًا أكثر إيمانًا بوجود فرق شاسع ما بين الإنسان والحيوان، الأمر الذي يعزِّز — كما ذكرنا سابقًا — تجريد الآخرين من إنسانيتهم والتحيز العنصري.

ومن خلال دراسات عديدة أُجرِيت في معملنا، وجدنا أن الارتباط بين الفرق المُدرك بين الإنسان والحيوان والتحيُّز ضد المهاجرين مثلًا بنفس قوة الارتباط بين عدد من العوامل السيكولوجية الأخرى التي سلَّطَتْ عليها الضوءَ أبحاثٌ أخرى. على سبيل المثال، من المعروف أن مقدار التواصل بين الجماعات دافع مهم لتحيُّز أفرادها بعضهم ضد بعض، كما هو الحال مع الصور النمطية الثقافية، وتصوُّر أن جماعةً ما تشكِّل تهديدًا لجماعة أخرى.

إذن ما نتائج بحثنا؟ حسنًا، يبدو أن حدس أدورنو كان صادقًا: تجريد الأشخاص المنتمين لجماعات أخرى من إنسانيتهم ينبع إلى حدٍّ بعيدٍ من إحساسنا بتفوقنا على الحيوانات، وزيادة أهميتنا وقيمتنا بالمقارنة بها. فالتجريد من الإنسانية لا يمكن أن «يفلح» إلا إذا وافقنا على أن الحيوانات أقل شأنًا منا بطبيعة الحال. ولحسن الحظ، تبيِّنُ النتائجُ التي توصَّلْنا إليها أيضًا طرقًا للحدِّ من سلوك تجريد أي إنسان من إنسانيته.

في العديد من التجارب، وجدنا أن وضع الحيوان في مرتبة قريبة من مرتبة البشر (الارتقاء بالحيوانات إلى مستوى البشر) يوقف سلوك تجريد الآخرين من إنسانيتهم ويحدُّ من التحيز بدرجة ملحوظة، ويوسع نطاق الاهتمام الأخلاقي ليشمل الجماعات المهمشة. وعلى النقيض، اتساقًا مع منطق نموذجنا المطروح، التأكيد على تشبيه البشر بالحيوانات — وهو ما يعني من منظورٍ سيكولوجيٍّ الحط من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان «الأقل شأنًا» — يزيد من السلبية تمامًا مثل التأكيد على وجود فَرْق شاسع بين الإنسان والحيوان.

ومن حسن الحظ أن تقديم عروض وسائطية تؤكد على التشابه بين الإنسان والحيوان للأطفال يقلِّل من إحساسهم بتفوُّق البشر الطبيعي على الحيوانات. لكن هذه العروض لم تُثبِت قدرتها على تقليل سلوك تجريد الآخرين من إنسانيتهم أو التحيُّز ضدهم، مما يرجِّح أننا قد نحتاج إلى استخدام استراتيجيات ملموسة بدرجة أكبر، بما في ذلك دفع الأطفال إلى التفاعل مع الحيوانات.

وتجدر الإشارة إلى أننا لسنا بصدد مناقشة هل البشر يتفوقون على الحيوانات من الناحية الموضوعية أم لا. إن قدراتنا تتفوق على قدرات الحيوان في العديد من النواحي، لكننا أقل منهم بشكلٍ واضحٍ في نواحٍ أخرى، ولكن حقوقنا كبشر لا ينبغي أن تفوق حقوق الحيوانات الأخرى لمجرد أننا نملك بعض القدرات المتفوقة في بعض المناحي. فرغم كل شيء، لم نَعُدْ نتَّبِع هذه القاعدة كجنسٍ بشريٍ؛ فنحن نحمي — لأسباب أخلاقية وقانونية — الأشخاص ناقصي القدرة العقلية، والأشخاص ذوي الإعاقات البدنية والصغار والعجائز.

إننا نكافح من أجل حقوق الحيوان مثلما فعلنا من أجل الحقوق المدنية، وحقوق المرأة، وحقوق الشواذ، وحقوق الأطفال. وبالنظر إلى التاريخ، نرى أننا قاومنا إلغاء الرق على أساس أن الأضرار الاقتصادية ستكون غير محتمَلة، والآن نسمع ذات الجدل فيما يتعلق بحقوق الحيوان. وعوضًا عن اعتبار السلوكيات الأخلاقية رفاهية، نحن بحاجة إلى الشجاعة لإعادة إحياء أفكار «عصر التنوير» لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. وهذا شيء منطقي على المستويَيْن الأخلاقي والعلمي؛ فالكيفية التي نعامل بها الحيوانات لا تُخبر بالكثير عنا كجنس بشري فحسب، بل إنها تؤثر أيضًا تأثيرًا مباشرًا على كيفية تعاملنا بعضنا مع بعض.

لمحة عن المقال

هذا المقال يستند إلى دراسات من كتاب «تطورات في فهم الإنسانية وتجريد الإنسان من إنسانيته» (سيكولوجي برس)، ومن دورية «بريتيش جورنال أوف سوشال سيكولوجي».

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.