أنت شخص فريد لا نظير لك.
أنت شخص فريد لا نظير لك.

إذا نظرنا إلى البشر من حولنا فلن تخطئ أعيننا مدى الاختلاف بينهم؛ فوجوههم وأجسامهم وسلوكهم وشخصياتهم كلها تبدو فريدة تختلف من شخص لآخر.

الآن فكر في البشرية جمعاء؛ هناك سبعة مليارات شخص يعيشون في الوقت الحاضر على الأرض، وتشير بعض التقديرات إلى أن عدد الأشخاص الذين عاشوا وماتوا في الخمسين ألف سنة الماضية يصل إلى مائة مليار شخص. وعلى حد علمنا، كل شخص منهم يختلف تمامًا عن معاصريه، وحتى عن سابقيه. والأمر عينه يسري على من لم يولد بعد.

يخلق ذلك كمًّا مذهلًا من التباين داخل ذلك النموذج الذي نطلق عليه «الإنسان». وكلما تعمقنا أكثر في بيولوجيا البشر وبحثنا عن طرق أكثر تعقيدًا لإثبات الهوية الذاتية للأشخاص، تتكشف أمامنا السمات التي تميز كلًّا منا عن الآخر. ومع أن بعضها واضح لنا مثل الحمض النووي وبصمات الأصابع، فإن البعض الآخر أقل وضوحًا.

نعم، والدتك على حق؛ فأنت بالفعل شخص بلا نظير. لكن لا تعتمد على هذا الرأي وحده؛ فهناك إحدى عشرة سمة تجعلك مختلفًا عن غيرك.

الحمض النووي

تلك هي البداية البديهية. إنه لمن الصحيح أن الحمض النووي يجعلك مختلفًا عن الآخرين، إلى حد ما. ولنتعرف على مقدار الاختلاف الوراثي بين كل شخص وغيره، دعونا نلقِ نظرة فاحصة على هذه الأرقام.

في عام ٢٠٠١ أفاد مشروع الجينوم البشري أن الحمض النووي متماثل لدى جميع البشر بنسبة ٩٩٫٩٪، مما يعني أن نسبة ٠٫١٪ فقط من الحمض النووي هي المسئولة عن كل تلك الاختلافات الشاسعة بين البشر. وفي العقد الأخير رُوجعت هذه النسبة وزيدت إلى ٠٫٥٪، لكن حتى بعد هذه الزيادة لا تزال هذه النسبة لا تمثل سوى قدر يسير جدًّا من الجينوم. فهل هذه النسبة تكفي لإحداث كم التباين الذي نراه؟

نظريًّا، يمكن أن تُحدث هذه النسبة اختلافًا كبيرًا. يحتوي الجينوم البشري على ٣٫٢ مليارات حرف من حروف شفرة الحمض النووي، و٠٫٥٪ منه تمثل حوالي ١٦ مليون حرف. تحتوي الشفرة الوراثية على أربعة أحرف، وبهذا يكون عدد التوليفات الممكنة هو حاصل ضرب ١٦ مليون في نفسه أربع مرات، وهو ما يعني وجود عدد هائل من الجينومات البشرية يفوق بكثير عدد البشر الذين عاشوا على الأرض. وبهذا يكون احتمال تطابق الجينوم البشري لشخص آخر معك منعدمًا.

تنطبق هذه القاعدة أيضًا على التوءمين المتماثلين. فعلى الرغم من تطابقهما الوراثي الكامل لحظة تلقيح البويضة، يبدأ الجينوم الخاص بكل منهما في السير في طريق مختلف منذ تلك اللحظة. وكلما تقدم بهما العمر، زاد تفرد سمات كل منهما (أمريكان جورنال أوف هيومان جينيتكس، مجلد ٩٠، ص١).

تنتج الاختلافات في حالة التوءمين المتماثلين (وفي بقية الحالات أيضًا) من التغيرات الطفيفة والطفرات العشوائية التي تحدث في كل مرة يُنسخ فيها الحمض النووي. وتتسبب هذه التغيرات والطفرات فيما يعرف بالتغيرات الفردية متعددة الأشكال للنيوكليوتيد؛ معنى ذلك تغير حرف واحد فقط من الشفرة الوراثية، وأيضًا في تنوع الأعداد المستنسخة؛ حين تتضاعف مقاطع طويلة من الحمض النووي أو تُمحى بالكامل.

يحدث شيء مماثل مع ما يعرف بواسمات التكوين المتعاقب؛ التي تساعد في تنظيم طريقة التعبير عن الجينات. وهنا يسير كل واحد من التوءمين المتماثلين في طريقه الخاص منذ مراحل الحياة المبكرة (بروسيدينجز أوف ذي ناشونال أكاديمي أوف ساينس، مجلد ١٠٢، ص١٠٦٠٤)، مثلما يحدث أيضًا مع كل واحد فينا، مما يضيف مساحة شاسعة أخرى من التباينات الجينية المحتملة.

ما نجهله إلى اليوم هو مقدار هذه التباينات الجينية التي تجعل كلًّا منا يختلف عن الآخرين. تقع العديد من هذه التباينات في غير مناطق الشفرات، التي لا تنتج أي بروتينات أو تنظم التعبير الجيني. وحتى لو وقعت هذه التباينات في مناطق الشفرات، فالأرجح أن الكثير منها يكون محايدًا، أي لا يُحوِّر أحد الجينات ولا يحور كيفية التعبير عنه.

لكننا نعلم أن الاختلافات الجينية الطفيفة يمكن أن تؤثر بشدة على السمات البدنية كلون العينين أو قابلية الإصابة بمرض معين. لذا فلن نكون مخطئين إذا قلنا إن تفردنا كأشخاص يبدأ من الجينوم.

لكن ليس الجينوم هو العامل الوحيد الحاسم في هذه القصة؛ فهناك عوامل أخرى كثيرة تسهم في تباين البشر: كالبيئة والقوى الفيزيائية التي تعرضنا لها ونحن أجنة داخل أرحام أمهاتنا إلى جانب قدر كبير من العشوائية. ومن أمثلة هذا التباين بصمات الأصابع.

بصمات الأصابع

كلنا يعرف أن كل شخص يتميز ببصمات أصابع مختلفة، لذا قد لا نندهش إذا علمنا أن حجم وشكل البصمات يعتمد بدرجة كبيرة على الجينات. لكن بصمات أصابع الجنين تتشكل أيضًا من خلال بعض العوامل الدقيقة مثل الضغط الذي يحدثه جدار الرحم أو كيفية تدفق السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين.

هذا يعني أنه مع كون بصمات أصابع التوءمين المتماثلين متشابهة للغاية، توجد الكثير من الاختلافات التي تكفي للتميز بين بصمات كل منهما. تعرف هذه الاختلافات في مجال بصمات الأصابع ﺑ «السمات الدقيقة»، وتتضمن تباينات مثل وجود اختلاف طفيف في مكان انفصال أحد الأقواس في بصمة أحد التوءمين عن مكان انفصاله على إصبع الطفل الآخر، أو صغر المسافة قليلًا بين دوائر أحد الأشكال الحلزونية في بصمة واحد منهما عنها في بصمة الآخر. وينطبق الأمر عينه على بصمات أصابع الأقدام.

باستثناء أهمية بصمات الأصابع كدليل جنائي، لا أحد يعرف سبب أهميتها. أظهرت إحدى الدراسات الحديثة أن البصمات، على عكس الاعتقاد السائد، لا تساعد في الإمساك بالأشياء لأنها لا تزيد من الاحتكاك، بل تقلله (ذي جورنال أوف إكسبريمنتال بيولوجي، مجلد ٢١٢، ص٢٠١٦). أما الافتراضات الأخرى لأهمية البصمات فتتمثل في أنها تحمي الجلد بأن تجعله أكثر مرونة وتحسن من حاسة اللمس عن طريق تضخيم الذبذبات.

أيًّا كان الغرض منها، فهي ليست ضرورية لبقاء الإنسان حيًّا. في أوائل هذا العام توصل الباحثون إلى إحدى الطفرات الجينية التي تسببت في أن يولد حفنة من الأشخاص في خمس عائلات فقط دون بصمات أصابع (أمريكان جورنال أوف هيومان جينيتكس، مجلد ٨٩، ص٣٠٢). يبدو أن أحوالهم تسير على ما يرام، لكنهم بالطبع يواجهون مشكلات عند مراكز مراقبة الحدود أثناء السفر، وتعرف هذه الحالة أيضًا باسم «مرض تأخير الهجرة».

الوجه

الوجوه هي أوضح إمارات الهوية الذاتية، وكلنا يستطيع بسهولة أن يميز بين الأشخاص من خلال وجوههم فقط، لكن ربما لا تكون الوجوه متباينة مثلما نعتقد. فإذا نحينا التوائم المتماثلة جانبًا، فسنجد أن هناك الكثير من الوجوه المتشابهة حولنا. وقد توصل تحليل حديث أجري على عدة آلاف من وجوه المواطنين النرويجيين إلى أنه في ٩٢٪ من الحالات كان هناك شخص واحد على الأقل يشبه الشخص الخاضع للتحليل إلى درجة جعلت برامج التعرف على ملامح الوجه، بل حتى الأشخاص الآخرين يواجهون صعوبة في التفريق بينهما (لكتشرز إن كمبيوتر ساينس، مجلد ٣٨٣٢، ص٣٣).

وفي دراسة أخرى تضمنت عرض صورتين لوجهين متشابهين إلى حد بعيد، سأل الباحثون هل الصورتان لشخص واحد، ولكن الإجابات، سواء تلك الصادرة من الأشخاص أو الآلات، كانت كلها مجرد تخمينات مبنية على المصادفة. ولم يجب الأشخاص إجابات صحيحة إلا مع ٥٦٪ فقط من الوجوه غير المألوفة، و٦٦٪ من الوجوه المألوفة، وهي نسب منخفضة على نحو مدهش في ضوء الارتباط بين هويتنا ووجوهنا.

طريقة المشي

منذ أن سار أسلافنا على قدمين على الأرض لأول مرة منذ ١٫٥ مليون عام والبشر يسيرون بنفس الطريقة تقريبًا: قدم تخطو أمام الأخرى، مع أرجحة الورك وانتقال الضغط من العَقِب إلى أصابع القدم. ومن المدهش أن كل شخص خطا على الأرض منذ تلك اللحظة لديه أسلوبه الخاص في المشي الذي يختلف قليلًا عن الآخرين.

ومع أننا لا يمكن أن نكون على يقين من أن كلًّا منا لديه أسلوبه المميز في المشي، أشارت الدراسات التي ترجع إلى سبعينيات القرن الماضي إلى أن طريقة المشي تختلف من شخص لآخر حتى إننا نستطيع تمييز الأشخاص الذين نعرفهم من طريقة مشيهم فيما لا يقل عن ٩٠٪ من الحالات.

تتغير طريقة المشي خلال فترة الطفولة، لكنها تستقر مع توقف مرحلة النمو. ومن ثم، تتضافر عوامل مثل اختلاف أطوال أرجلنا وعرض مفصل الحوض لدى كل شخص، بالإضافة إلى العوامل البيئية مثل كمية العضلات التي نكتسبها من خلال التمرينات الرياضية، كي تمنح كلًّا منا طريقة مميزة للمشي.

يقول مارك نيكسون، الباحث في مجال طرق السير بجامعة ساوثهامبتون ببريطانيا، إن هذا الأمر من السهل ملاحظته، لكن من الصعب أن يُوصف، فنحن لا نملك الكلمات التي يمكن أن تصف أنواع الحركة.

أبلت أجهزة الكمبيوتر بلاء أفضل في هذا المجال عن طريق تتبع خطوط الأطراف وتحويل حركاتها إلى أرقام، أو تعقب حركة النقاط المختلفة مثل الردفين والركبتين والقدمين وقياس علاقتها المتغيرة أثناء تحركها.

هناك طريقة أخرى لتحديد أسلوب المشي، وهي أن تجعل أحد الأشخاص يسير فوق سطح حساس للضغط وتسجل وقع خطواته المميز. طور الفريق المعاون لتود باتاكي، الباحث بجامعة سينشو باليابان، هذه الطريقة التي من الممكن استخدامها لتعقب المسافرين بالمطارات بسرعة.

وهناك فكرة أخرى لا تزال في مهدها وهي استخدام مستشعرات الحركة الموجودة بالهواتف النقالة. عند ربط هذه المستشعرات بالقدم يمكنها أن تقيس السرعة ومقدار زيادتها والدوران. ويمكن استخدام هذه التقنية كوسيلة تأمين للهواتف النقالة بحيث لا يعمل الجهاز إلا عندما يحمله صاحبه.

الأذنان

ربما لم يعر أحدنا اهتمامًا كبيرًا لشكل أذنيه، ولكن إذا نظرت في المرآه وجذبت أذنيك إلى الخارج فسوف تلاحظ أن إحداهما مختلفة قليلًا عن الأخرى. والأكثر من ذلك أن كل واحدة من أذنيك تختلف عن أذني أي شخص آخر.

يرجع ذلك إلى أن أصل الأذن هو ستة نتوءات صغيرة تظهر على كلا جانبي الرأس بعد خمسة أسابيع من حدوث الحمل، ثم تبدأ هذه النتوءات في التلاحم تدريجيًّا. وبينما ترسم الجينات الشكل العام للأذنين، تؤثر بيئة الرحم — التي تتضمن مثلًا وضع الجنين — على الشكل الذي تظهران به. وفور أن تتشكل الأذن لا يتغير شكلها أبدًا مع نمونا، ونموها، ومع تقدم العمر.

يعمل الكثير من الباحثين حاليًّا على التوصل إلى طرق للتعرف على الأشخاص عن طريق أشكال آذانهم، وقد أثبت أحد التحليلات الحديثة أن تمييز شكل الأذن يكون على نفس مستوى دقة التعرف على الوجه عند محاولة التعرف على الأشخاص من خلال الصور الفوتوغرافية (آي تريبل إي ترانس أكشنز أون باترن أناليسيز آند ماشين إنتليجنس، مجلد٢٥، ص١١٦٠).

في الولايات المتحدة وهولندا أُدين بعض الأشخاص على أساس «بصمة أذن» تُركت في مسرح الجريمة. ومع ذلك يحيط الجدل بعلم التعرف على الأشخاص من خلال بصمة الأذن، إذ إن شكل البصمة يتغير تبعًا لكمية واتجاه الضغط الذي تتعرض له الأذن. وثمة شخص واحد على الأقل في الولايات المتحدة أُطلق سراحه في جلسة استئناف بعد أن ارتأت المحكمة أن تحليل بصمة الأذن الخاص به لا يمكن أن يكون محل ثقة لديها.

العينان

يتميز سكان بعض الدول، مثل بريطانيا والولايات المتحدة وكندا، بقزحية عين فريدة بما يكفي بحيث يمكن أن نقبل بالمسح الضوئي للقزحية كدليل على هويتهم. لكن كلنا يعرف، وخاصة هؤلاء الذين ورثوا أشكال عيونهم من آبائهم، أن الأجيال داخل عائلة ما تتوارث شكل القزحية، فكيف إذن تكون عينا شخص يتشابه شكلهما مع عيون بقية أفراد عائلته شيئًا فريدًا يميزه عن الآخرين؟

تكمن إجابة هذا السؤال في التركيب المعقد للقزحية؛ فهي شبكة متداخلة من العضلات والأربطة والأوعية الدموية والخلايا الصبغية التي تعطيها اللون والعمق والتجعدات والتعرجات والبقع اللونية.

يتحدد لون القزحية ونسيجها العام من خلال الجينات، لذا تتشابه أشكال العيون فيما بين أفراد العائلة الواحدة وتبدو العين اليسرى واليمنى لشخص ما متشابهتين إلى حد بعيد. لكن أنظمة التعرف على الأشخاص من خلال القزحية، المستخدمة في المطارات، تتجاهل اللون والنسيج وتركز على تفاصيل التعرجات والتجعدات والبقع اللونية. تعتمد هذه التفاصيل على أماكن الأربطة والعضلات والخلايا الصبغية التي تتحدد في حين تكون القزحية في طور النمو قبل الولادة، ولا يتم ذلك من خلال الجينات ولكن يحدث بصورة عشوائية. وبناء على ذلك تختلف كل عين من عينيك عن الأخرى وعن عين أي شخص آخر.

الصوت

يعد الصوت الذي يخرج منا عندما نتكلم نتاجًا لمجموعة من العوامل: الضوضاء التي يحدثها الهواء عندما يهتز خلال الحنجرة، وكيفية تحركه خلال الفم والأنف، وكيف يتشكل إلى كلمات عن طريق سقف الحلق واللسان والشفتين والوجنتين.

وبما أنه من الصعب جدًّا أن يتشابه حجم وشكل حنجرة وفم وأنف وأسنان وعضلات شخص ما مع شخص آخر، يكون الصوت الخارج من الفم مميزًا لصاحبه ويسهل التعرف عليه.

لكن على عكس بصمات الأصابع أو شكل قزحية العين، يمكن للأشخاص أن يغيروا أصواتهم عن عمد عن طريق تعديل طريقة استخدامهم لعضلات الوجه والحنجرة من أجل تحديد مستوى جهارة الصوت وطبقته ونبرته. وترى صوفي سكوت، عالمة الأعصاب بكلية لندن، أن الأشخاص يجيدون تغيير أصواتهم حينما يريدون ذلك، وحينما لا يريدون أيضًا؛ إذ إن أصواتنا تتغير عادة تبعًا لتجاوبنا مع المواقف الاجتماعية المختلفة بطرق لا نعيها.

يبرع بعض الأشخاص في تغيير الأصوات عن عمد أكثر من غيرهم. تعكف صوفي سكوت على دراسة الكيفية التي يستطيع من خلالها الفنانون الفكاهيون أن يقلدوا أصوات غيرهم ويقنعون الجمهور بها. لم تتوصل صوفي بعد إلى إجابة واضحة عن هذا السؤال، ولكنها تقول إن الفنانين البارعين يبدو أنهم مولعون بالموسيقى ويحاكون الطريقة العامة للتحدث والتصرف وليس الصوت فحسب.

نستخلص من كل ما سبق أنه لا توجد طريقة موثوق بها للتعرف على صوت شخص ما عن طريق مقارنة أشكال الموجات أو طبقة الصوت ونبرته. ومع أن الأسواق شهدت طرح عدد قليل من أنظمة التوقيع بالبصمة الصوتية، غالبًا ما تكون هذه الأنظمة مدعمة ببطاقة هوية أو كلمة مرور حتى لا يستخدمها أشخاص آخرون غير أصحابها عن طريق تقليد أصواتهم.

الرائحة

لا يمكن أن تتشابه رائحة شخص مع آخر، هذه هي الحقيقة التي فطنت إليها الكلاب بغريزتها واستطاع العلم في هذا العصر أن يثبتها. لكن هل يمكن أن تتسع مساحة التباين لتعطي كل شخص من سكان الأرض الذين يصل عددهم إلى سبعة مليارات شخص رائحة مميزة؟ يرى جورج برِتي الباحث بمركز مونيل لكيمياء الحواس في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا أن هذا مؤكد. يقول: «فقط فكر فيما تفعله الطبيعة باستخدام أربعة مواد قاعدية فقط من الحمض النووي. هناك أكثر من عشرين مادة عطرية على الأقل في منطقة تحت الإبط، وربما تحتوي هذه المنطقة على عدد أكبر، ويمكننا أيضًا أن نحصل على مقدار كبير من التباين في الروائح باختلاف الكميات والتركيز.»

لا يتمتع جسم الإنسان بالطبع برائحة واحدة فحسب. فالخبايا والثنيات الموجودة به تنتج كميات وأنواعًا مختلفة من الإفرازات، وتئوي أنواعًا مختلفة من البكتيريا التي تحول إفرازات الجسم منعدمة الرائحة تقريبًا إلى مواد ذات روائح.

أُجريت حديثًا تجربة تضمنت فحص المواد العضوية الطيارة الموجودة في العرق المستخلص من ٢٠٠ متطوع. خضع خليط مكون من ٥٠٠٠ حمض ومادة كحولية وكيتون وألدهيد للفحص وتبين أن نسبة التباين الموجودة في ٤٤ فقط من هذه المواد تكفي لتكوين هوية كيميائية عن الشخص يمكن التعرف عليها مثلما يُتَعَرّف على بصمة الإصبع (جورنال أوف ذي رويال سوسايتي إنترفيس، مجلد ٤، ص٣٣١). العديد من هذه المركبات ليس لها أي وظيفة أخرى سوى إكسابنا رائحة، ويرى جورج برِتي أنها تسهم في عملية تعرف بعضنا على بعض.

لم يتوصل أي شخص إلى طريقة للحصول على الرائحة العامة للفرد واستخدامها في التعرف عليه، لكن يُقال إن حكومة الولايات المتحدة مهتمة بالحصول على مثل هذه التقنية، ويعمل جورج برِتي عليها هو الآخر.

ضربات القلب

يروج مطربو الأغاني العاطفية لفكرة أن قلبين من الممكن أن ينبضا معًا كقلب واحد. لكن في الواقع لا يمكن أن تتشابه ضربات قلب شخص ما مع شخص آخر. لن تلحظ ذلك إذا وضعت أذنك فوق صدر أحد الأشخاص، لكن من الممكن أن نفرق بين قلب وآخر من خلال تسجيل النبضات الكهربائية لكل منهما.

يسجل جهاز رسم القلب ثلاث قمم للموجات: الموجة P؛ النبضة التي تؤدي إلى انقباض الأذينين. والمركب QRS؛ ينتج عنه انقباض البطينين الأقوى. أما القمة الثالثة فهي أقل بكثير من سابقتيها وتعرف بالموجة T؛ التي تتولد مع ارتخاء القلب.

يختلف قلب كل إنسان من حيث الحجم والشكل، ومن ثم يختلف طول وارتفاع قمم الموجات وتختلف أيضًا المسافة بينها. ومع تسارع معدل ضربات القلب نتيجة التوتر أو ممارسة التمرينات الرياضية يحدث اختلاف في المسافات التي تفصل قمم الموجات، ومع هذا يظل الحصول على رسم مميز لكل شخص ممكنًا.

ولأن ضربات القلب من العمليات التي يقوم بها الجسم لاإراديًّا، لا يمكن لأي شخص أن يغير من نمط ضربات قلبه، لذا تعمل حفنة من شركات الإحصاء الحيوي على إنتاج ماسحات يمكنها التأكد من هوية الأفراد. تعمل شركة أبل أيضًا على التوصل إلى تقنية لاستخدام ضربات القلب ككلمة مرور لحماية المعلومات الخاصة. ومن المؤكد أن تسير شركات أخرى في ركبها مع الوقت.

موجات المخ

هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر خصوصية من الطريقة التي تفكر بها؟ يبدو ذلك أمرًا بديهيًّا، لكن الدلائل العلمية على وجود فروقات يمكن قياسها لم تظهر إلا حديثًا.

يكون عدد الخلايا العصبية هائلًا عند الولادة، ومن المثير للدهشة أن المخ يتخلص من نصف عدد هذه الخلايا خلال مرحلتي الرضاعة والطفولة، وما يتبقى من خلايا بعد هذه العميلة طويلة الأمد — التي تكون الخبرة هي المحرك الأساسي لها — يمنح كلًّا منا مخًّا متميزًا يقوم بنفس الوظائف ولكن بطريقة مختلفة قليلًا عن الآخرين. ويمكننا أن نتوصل إلى هذه الفروقات الدقيقة بين شخص وآخر من خلال تسجيل النشاط الكهربي للمخ بجهاز رسم المخ.

في عام ٢٠٠١، وجدت دراسة أجراها رامان بارانجبيه، الباحث بجامعة ريجينا في ساسكاتشوان بكندا، على أربعين شخصًا اختلافًا في موجات ألفا — وهي إحدى الموجات الصادرة عن نشاط المخ — يكفي لتمييز الأشخاص. وتوصلت دراسة أخرى إلى أن قوة ذبذبات نوع آخر من موجات المخ — تعرف بموجات جاما — اختلفت بين ١٠٠ شخص أثناء تأديتهم لاختبار عادي للتعرف على الأشياء.

هل يمكن أن يوضح لنا اختلاف نشاط الدماغ من شخص لآخر لماذا يمتلك كل منا شخصية مختلفة؟ ربما يمكن أن يحدث ذلك، ولكن الشيء الذي ما نزال نجهله إلى الآن هو هل من الممكن تمييز موجات المخ لدى شخص ما إذا ما سُجلت في أيام مختلفة أو حتى بعد عدة أعوام أم لا. ودون هذه المعلومة لا يمكن أن نعرف هل موجات المخ علامة خاصة ثابتة كبصمة الإصبع أم أنها تميز شخصًا عن الآخر فقط في لحظة محددة من الوقت.

الميكروبات وتفعالاتها الوراثية والبيئية

أحد العوامل التي تسهم في تميزك عن الآخرين ليست بالفعل جزءًا منك، ولكنها تنبثق من المائة تريليون بكتيريا التي تعيش داخل جسمك وعليه. تفوق أعداد البكتيريا خلايا الجسم بنسبة ١٠ إلى ١، وهي تملك أيضًا اليد العليا من الناحية الوراثية، فالجسم به ثلاثة وعشرون ألف جين فقط، وهو رقم هزيل مقارنة بجينات الميكروبات التي يبلغ مجموعها ٣٫٣ ملايين جين. ومعنى ذلك أننا بشر بنسبة ٠٫٧٪ فقط، على حد قول جيريمي نيكولسون، باحث الكيمياء الحيوية بكلية لندن الإمبراطورية.

يبلغ عدد أنواع الميكروبات التي تعيش داخل الجسم البشري وخارجه أكثر من ألف نوع، ويئوي جسم كل منا ١٥٠ نوعًا منها في الأمعاء وحدها (نيتشر، مجلد ٤٦٤، ص٥٦). ويتميز المجتمع البكتيري لكل منا بمجموعة متفردة من الخصائص.

تتباين بكتيريا الجلد أيضًا من شخص لآخر، مع أنها تستقر بشكل ملحوظ مع الوقت. توصلت دراسة حديثة إلى أن هناك بصمة إصبع بكتيرية مميزة تنتقل من أصابعنا إلى الأشياء التي نلمسها مثل لوحة المفاتيح أو الفأرة، وتظل عالقة بهذه الأشياء فترة تصل إلى أسبوعين (بروسيدينجز أوف ذي ناشونال أكاديمي أوف ساينس، مجلد ١٠٧، ص٦٤٧٧). حتى التوءمان المتماثلان اللذان يصعب التفريق بينهما بناءً على الحمض النووي، يمكن أن نفرق بينهما بسهولة من خلال الكشف عن البكتيريا القاطنة بجسميهما.

أيضًا تسهم البكتيريا في إكسابنا ميزة التفرد من خلال تغيير عملية التمثيل الغذائي. الكيمياء الحيوية لكل البشر واحدة، لكن توجد كيمياء حيوية أخرى فوقها أكثر تنوعًا؛ هي تلك الخاصة بالميكروبات. وتؤثر المواد التي تنتجها عملية التمثيل الغذائي للميكروبات على قطاع كبير من الأشياء منها الكوليسترول وعملية تمثيل الإستيرويدات.

يقول جيريمي نيكولسون: «هناك آلاف قليلة من التفاعلات الإنزيمية الأساسية في الجسم، وتوجد عشرات الآلاف من المواد الناتجة عن عملية التمثيل الغذائي؛ سبب هذا هو تفاعل عملية التمثيل الغذائي التي تتم في أجسامنا مع عملية التمثيل الغذائي للميكروبات.» ونستخلص من ذلك أنه دون هذا العامل غير البشري لن نكون على ما نحن عليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.