في البداية، كاد أُولِه زيهوزن يطير فرحًا عندما وجد سمكة صغيرة تتخبط بين خيوط شبكته في الربيع الماضي. بدت سمكة السكليد — ذات اللونين الأزرق والأسود وزعنفة الذيل البرتقالية المائلة إلى الصفرة — أشبه بأحد أنواع الأسماك البالغ عددها مائتين، التي راقب علماء الأحياء انقراضها على مر العقدين الماضيين في بحيرة فيكتوريا بشرق أفريقيا. وبدا الأمر وكأن نوع إسيكروميس بيتشياتوس قد بُعث من الموت. لكن عندما بدأ عالم الأحياء التطورية زيهوزن في فحص سماتها عن كَثَب، سرعان ما تلاشت فرحته؛ إذ كانت السمكة الصغيرة تشبه نوعًا هجينًا من نوعين من أسماك السكليد بالبحيرة. وكانت آخر دليل على المصير القاتم للتنوع الرائع لأسماك السكليد في بحيرة فيكتوريا، ما لم يتخذ نشطاء البيئة موقفًا سريعًا.

إذا كان زيهوزن وزملاؤه في جامعة هَل بالمملكة المتحدة على صواب، فإن نشطاء البيئة الذين يناضلون من أجل إنقاذ نحو ٣٠٠ نوع من أسماك السكليد الباقية بالبحيرة قد تجاهلوا عدوًّا خطيرًا. ولذا سيحتاجون إلى تغيير بؤرة اهتمامهم سريعًا قبل اختفاء هذه الأنواع الباقية، وسيتعين عليهم كذلك الإسراع في التحرك؛ لمنع التنوع الأكثر ثراءً الذي تتسم به الأسماك التي تستوطن باقي البحيرات العظمى بأفريقيا من التعرض لنفس المصير.

توجد القصة الشهيرة التي تحكي مراحل تطور أسماك السكليد ببحيرة فيكتوريا — أو بالأحرى مجموعة فرعية من عائلة السكليد تُدعى هابلوكرومينيس — في معظم مقررات علوم البيئة. فحتى بضعة عقود مضت، كانت البحيرة تأوي ما يزيد عن ٥٠٠ نوع من أسماك السكليد، تطور معظمها خلال الخمسة عشر ألف سنة الماضية، وهي أحد أكثر أمثلة التنوع الغزير إثارة للإعجاب في العالم. ففي فترة وجيزة، انتشرت هذه الأسماك داخل كل شبر يصلح موطنًا في البحيرة، وتميزت بوفرة الألوان والأشكال وأنماط المعيشة. وكان بعضها عجيبًا لدرجة لا تصدق؛ إذ كانت بعض الأسماك تغربل فتات الصخور من الفضلات في قاع البحيرة، والبعض يكشط الطحالب عن الصخور، وغيرها يزدرد العوالق الحيوانية الصغيرة من مياه البحيرة. وكانت إحدى مجموعات الأسماك الغريبة على نحو ملحوظ — وهي مفترسات الصغار — تأكل بيض أو يرقات أسماك السكليد الأخرى، عبر محاصرة رءوس الإناث التي تحتضن صغارها في فمها ذي الشفتين السميكتين المطاطيتين، ثم شفط الصغار من داخله.

وفيما بعد، كما تحكي القصة، بدأ وافد شرير في تدمير كل هذا التنوع؛ إنه قشر البياض — أحد أنواع الأسماك المتعددة التي أدْخِلتْ إلى بحيرة فيكتوريا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي للتعويض عن الصيد الجائر للأسماك المستوطنة الصالحة للأكل — والذي يمكنه النمو حتى طول مترين ووزن مائة كيلو جرام، ويتغذى على أسماك السكليد. وبعدما احتجب قشر البياض عن الأنظار بضعة عقود، انفجر تعداده خلال سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي. وفي نفس الفترة، انخفض تعداد السكليد سريعًا، حتى اختفى ٤٠٪ على الأقل من أنواع أسماك السكليد المعروفة بالبحيرة اختفاءً كاملًا في أقل من عقد.

كان الحدث واحدًا من أكبر وأسرع أحداث الانقراض الجماعي لحيوان فقاري على مر التاريخ. إن قصة مأساة جهود الحماية التي تُسرد ويعاد سردها منذ ذلك الوقت تتميز ببساطتها الشديدة، حتى إنها توشك على التحول إلى قصة رمزية تحكي عن استنزاف جمال الطبيعة المتألق والرقيق بفعل وحش ضخم فاغر الفم يُدعى التدخل البشري.

لكن في الآونة الأخيرة اكتسبت هذه القصة البسيطة مزيدًا من التعقيد. فمع بداية حقبة التسعينيات، كان علماء الأحياء في المصايد يكتشفون أول العلامات الدالة على أن الصيد الجائر قد بدأ يقلل أعداد قشر البياض في بحيرة فيكتوريا. وطوال العقد الماضي، تراجع إجمالي حصيلة صيد قشر البياض، وانخفض متوسط حجم قشر البياض المصطاد، في حين تزايد عدد الأسماك غير مكتملة النمو التي يصطادها الصيادون، ويعدُّ ذلك كله من علامات الصيد الجائر التقليدية.

بموجب القصة المعتادة، من المفترض أن يؤدي هذا إلى التقليل من وطأة الافتراس والسماح لما تبقَّى في البحيرة من أسماك السكليد الصغيرة المتألقة باسترداد عافيتها. وهو ما حدث فعلًا، لكنه تضمَّن تطورًا غير متوقع. فبينما ارتفعت بالفعل أعداد بعض الأنواع التي كانت قد أضحت شديدة الندرة، وأعِيدَ اكتشاف بضعة أنواع كان يعتقد أنها انقرضت، لم تكن الأنواع التي عاودت الظهور في الأغلب هي أنواعَ السكليد الأصلية، بل أنواعًا وسيطة يحتمل كونها هجينة.

وفي نفس الوقت، كان العلماء يدركون حقائق مدهشة عن موضوع بدا غير ذي صلة، ألا وهو نوع من أنواع تلوث المياه يُعرف باسم التتريف. وهو في الأساس يشير إلى الزيادة المفرطة في الغذاء في المياه، ويرجع في أغلب الأحيان إلى تدفق المغذيات إلى المياه؛ نتيجة لإزالة الغابات والزراعة والصرف الصحي المدني وغيرها من الأنشطة البشرية. ويؤدي فائض المغذيات إلى انتشار هائل للطحالب والعوالق النباتية فتصبح المياه عكرة ذات لون بني مخضر منفِّر.

أما في بحيرة فيكتوريا، فقد ظهرت أسوأ مظاهر التتريف تقريبًا في نفس الوقت الذي شهد الزيادة السريعة لأسماك قشر البياض؛ أي في أوائل الثمانينيات. من ضمن تلك المظاهر كان الانتشار الكبير لبعض أنواع الطحالب، حتى أصبح في إمكان أي مراقب تحديد نوعها من على شاطئ البحيرة. وفي البداية، ظن العلماء أن البحيرة أصبحت متخمة بالمغذيات تدريجيًّا، مع زيادة عمليات إزالة الغابات من حوض البحيرة، وتحول الغطاء النباتي الطبيعي إلى الزراعة الكثيفة والنمو السكاني خلال القرن العشرين.

لكن مع بداية التسعينيات، عندما حلل عالم المسطحات المائية روبرت هيكي — من جامعة واترلو في أونتاريو بكندا — مع زملائه عينة جوفية من الرواسب في قاع البحيرة، توصلوا إلى استنتاج مختلف. فعلى الرغم من أن نسب المغذيات في البحيرة بدأت حقًّا في الازدياد مع بداية القرن، فإن النمو الكثيف للطحالب وغيرها من العلامات الدالة على التتريف التام حدث فجأة في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي مما يثير الشك؛ نظرًا لقرب هذه الفترة من وقت تدهور أنواع السكليد.

بعد بضع سنوات، بدأ زيهوزن وزملاؤه ربط أنواع السكليد الهجينة الجديدة بظاهرة التتريف، ووجدوا أن إناث السكليد تدقق كثيرًا عند اختيار شركاء التزاوج، وتستخدم علامات بصرية مثل ألوان الذكور المتألقة للتعرف على الذكر المناسب من نفس نوعها (مجلة نيو ساينتيست، ١٤ يونيو ٢٠٠٣، صفحة ٣٦). ويعتمد كلٌّ من الذكر والأنثى على حاسة البصر للعثور على الطعام وانتقائه. باختصار، كان للتغير في نوعية المياه تأثير مدمر على حياة السكليد.

وصف زيهوزن وزملاؤه هذه الظاهرة في بحث علمي نشر بمجلة ساينس عام ١٩٩٧ بالعبارة التالية: «عندما يتسبب التتريف في إعتام البحيرة؛ فإن التعدد البيئي والنوعي يتلاشى سريعًا.» وذكروا أن الأجزاء التي تعكرت فيها المياه بالبحيرة اشتملت في المتوسط على نوع واحد من أنواع أسماك السكليد لكل جنس، بينما اكتظَّت الأجزاء الصافية بأعداد تصل إلى ستة أنواع. كذلك أوضحوا أن في المناطق الصافية من البحيرة، تتميز ذكور نوع محدد من السكليد بلون أزرق ساطع، بينما تتميز ذكور أحد الأنواع الأخرى بلون أحمر ساطع. لكن في المياه العكرة، كان لون كلا النوعين من الذكور بنيًّا باهتًا، وبدا أنه قد حدث تهجين بين النوع الأحمر ونوع أزرق قريب منه. وفي المختبر، اختارت أنواع الأسماك شركاء التزاوج دون تمييز في ظل إضاءة تحاكي المياه المتخمة بالمغذيات.

يقدم ذلك دليلًا قويًّا عرضيًّا على الدور الذي لعبه التتريف في هلاك السكليد، لكنه ليس قاطعًا بالنظر إلى نقص المعرفة المتوافرة حول كيفية تفاعل تلك العوامل فعليًّا داخل البحيرة، ومن ثم ظل الشك يساور العديد من العلماء.

إلا أن أبحاثًا جديدة بدأت تطرد شكوكهم. ففي إحدى الدراسات — التي لم تنشر بعد — حلل زيهوزن وزملاؤه الحمض النووي للأسماك الحمراء والزرقاء؛ من أجل إثبات التهجين الذي حدث بين النوعين. ففي المياه الصافية، لا توجد أي أدلة على انسياب الجينات، وعلى ما يبدو تختار الإناث من أحد النوعين دائمًا التزاوج مع الذكور الزرقاء، بينما تختار الإناث من النوع الآخر الذكور الحمراء دائمًا. لكن مع تناقص وضوح الرؤية، يتزايد انسياب الجينات بين النوعين؛ ومن ثم تتشارك الأسماك في أشد المياه تعكيرًا تجميعة جينات واحدة غير متمايزة.

وفي دراسة أخرى تعاونت مجموعة زيهوزن مع مختبر هيكي بهدف دراسة النظام الغذائي للأسماك. وتوضح هذه الدراسة — التي لم تنشر بعد أيضًا — أن فقدان هذين النوعين من الأسماك لعاداتهما الغذائية المميزة للغاية يصاحب بَهَت ألوانهما. ففي المياه الصافية، يبحث النوع الأزرق عن الطعام بمحاذاة القاع بين الصخور القريبة من الجزر بالبحيرة، بينما يتغذَّى النوع الأحمر في مستويات أعلى في العمود المائي فوق الصخور. لكن مع تزايد تعكُّر المياه؛ تزايد التداخل بين العادات الغذائية لكلا النوعين حتى تعذَّر تمييزها في المناطق الأشد تعكيرًا. وهكذا اندمج مقامان بيئيان — كانا يومًا مختلفَين — في مقام واحد فحسب.

كلما تمعَّن الباحثون في دراسة هذه الظاهرة؛ تزايد إدراكهم أن هذين المجرمين — قشر البياض والتتريف — متواطئان معًا، إذ يضخم كل منهما من تأثير الآخر بهدف التقليل من تنوع أسماك السكليد. على سبيل المثال، يستفيد قشر البياض من ظاهرة التتريف عند اصطياد ضحيته من أسماك السكليد؛ نظرًا لتمتعه برؤية أفضل في الضوء الخافت. كما يساعد الافتراس على تهجين الأنواع عبر تقليل أعداد السكليد والتسبب في ندرة شركاء التزاوج وصعوبة إيجادهم. في نفس الوقت، تؤدي قلة عدد السكليد التي تتغذى على الطحالب إلى الانتشار الطحلبي وازدياد تعكر المياه.

يرى زيهوزن أن جميع خيوط اللغز بدأت تتفكك، ومن ثم أصبح في وسعه إعداد رسم بياني يوضح سير تلك التفاعلات (انظر الرسم). وهكذا تحول الآن ما كان في يوم من الأيام قصة بسيطة عن أسماك كبيرة تلتهم أسماكًا صغيرة إلى سلسلة معقدة من العلاقات المتشابكة والدورية بين قشر البياض والسكليد والبيئة التي يعيشون فيها. يعلق زيهوزن على ذلك قائلًا: «إن التفاعل بين قشر البياض والتتريف هو ما يجعل الضرر بهذه الضخامة.»

ضربة مزدوجة لأسماك السكليد

كان للتلوث وإدخال قشر البياض إلى بحيرة فيكتوريا مجتمعَين أثرٌ مدمر.

ومع توافر صورة أدق لمكمن الخطأ في البحيرة، أصبح لدى العلماء الآن تصور أفضل حول كيفية حل المشكلة. ولحسن الحظ، ما زالت غالبية الأنواع البيئية الرئيسية لأسماك السكليد أو «طوائفها» — كالأنواع التي تأكل السرطان أو تكشط الطحالب من على الصخور أو تكسر صدف القواقع وغيرها — موجودة في البحيرة ذاتها أو في البرك التابعة المحيطة بها. كذلك لا تزال جميع الأفرع الرئيسة في شجرة التطور موجودة بالمنطقة، فالعديد من أنواع السكليد التي حسبها العلماء منقرضة قد عاودت الظهور، من بينها الأنواع التي تتغذى على فتات الصخور، والأنواع المفترسة التي تلتهم أسماك السكليد الصغيرة، بالإضافة إلى جنس من الأسماك التي تُحطِّم صدف القواقع والتي اختفت وظهرت الآن مجددًا. قد تتحول تلك الأنواع الباقية إلى نواة ينطلق منها انبعاث حقيقي وشامل لتنوع أسماك السكليد.

لكنَّ هذا الإدراك الجديد يضاعف الضرورة الملحَّة لجهود الإنقاذ؛ إذ ما زالت ظاهرة التتريف تتفاقم في بحيرة فيكتوريا، وكذلك كثرت مصايد قشر البياض، واجتذبت الصناعة التحويلية المزيد من السكان إلى المدن المجاورة لشاطئ البحيرة. وفي نفس الوقت تتسبَّب الشِّباك والمُعدَّات الأخرى غالية الثمن — اللازمة لصيد قشر البياض — في تحوُّل بعض الصيادين التقليديين محدودي الإمكانيات إلى زراعة الأراضي المحيطة بالبحيرة بكثافة متزايدة؛ مما يؤدي إلى مزيد من إزالة الغابات ومزيد من تآكل التربة ومزيد من الصرف الزراعي.

وعلاوةً على ذلك، يعتقد العلماء أن تحت سطح تلك المياه — التي يتزايد تعكيرها — لا يزال امتزاج الأنواع يلعب دورًا في انخفاض تنوُّع السكليد. فمع امتزاج تجميعات الجينات، اختلطت الرموز الجينية المتحدة المسئولة عن العادات الغذائية المميزة، مثل كشط القشور والْتقاط الفطريات. وتميل أسماك السكليد المهجنة إلى كونها أنواعًا غير متخصصة بيئيًّا، وهي الأنواع التي تمارس العديد من أنماط التغذية المختلفة، لكنها لا تجيد أيًّا منها على وجه الخصوص. وإذا استمر هذا التوجه، فلن يتبقَّ من تشكيلة الأنواع الثرية التي تربو عن الخمسمائة نوع بالبحيرة سوى قلة باهتة. وهو ما يعلق عليه زيهوزن قائلًا: «سنخسر التعقيد البيئي للمنظومة.»

واعتمادًا على العلاقات الملحوظة بين نقاء المياه وعدد الأنواع في أجزاء مختلفة من البحيرة، يقدِّر زيهوزن أنه في حالة استمرار ظاهرة التتريف بنفس المعدل الحالي، فسوف يختفي نحو ٦٠٪ من تشكيلة أسماك السكليد الباقية في البحيرة في غضون خمسين عامًا. وفي أسوأ الاحتمالات، قد لا يتبقَّى ببحيرة فيكتوريا في نهاية المطاف سوى عشرة أنواع من أسماك السكليد.

بعبارة أخرى: تواجه البحيرة الآن نقطة تحول في قصتها. فقد تشهد السنوات القادمة إرساء الأسس اللازمة للاسترداد الحقيقي لتشكيلة الأنواع بها؛ وإلا سيضيع هذا الكنز التطوري إلى الأبد.

وقد تبنَّت مؤخرًا حكومات الدول الثلاث المطلَّة على شاطئ البحيرة — كينيا وأوغندا وتنزانيا — قوانين لتنظيم عملية الصيد، وهي ما يأملون أن تحقق توازنًا يتيح ازدهار كلٍّ من قشر البياض وأسماك السكليد. لكن مع الاستنزاف الشديد لأعداد قشر البياض في الوقت الحالي، لم يتبقَّ الكثير لفعله فيما يتعلق بالمصايد. يقول زيهوزن: «من أجل زيادة التنوع ليتجاوز النسبة الموجودة حاليًّا؛ ينبغي لنا تحسين نقاء المياه.»

من أجل تقليل فائض المغذيات في البحيرة، ستحتاج المدن بمحاذاة الشاطئ إلى وحدات حديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي، بطاقة تكفي للتعامل مع النمو السكاني في المستقبل. وسيجب على المزارعين في شتَّى أنحاء حوض البحيرة تغيير ممارساتهم كي تقل نسب النيتروجين والفسفور المتسربة إليها. كذلك لا بد من حماية مستنقعات البردي والأهوار العشبية المحيطة بالبحيرة وإعادتها إلى حالتها الأصلية كي تعمل كمرشحات طبيعية، وإعادة التشجير بمحاذاة البحيرات والجداول المحيطة بحوض البحيرة من أجل التحكم في التعرية.

على الرغم من ذلك، يظل هذا الحل بسيطًا من المنظور العلمي لكن في غاية الصعوبة عمليًّا، مثله مثل الحلول المقدمة للعديد من المشاكل البيئية. إذ تتسبب الحدود الدولية وندرة الموارد في تعقيد التجهيزات اللازمة لتنفيذ جهود مكثفة لإعادة بحيرة بحجم سويسرا إلى حالتها الأصلية. يضيف هيكي: «من الصعب عكس تأثير ظاهرة التتريف، بجانب أننا لم نقم بتلك العملية في بحيرة استوائية ضخمة من قبل.»

لكن ما زال هناك سبب يدعو للتفاؤل؛ إذ نُفذ عدد من المشروعات الصغيرة لإعادة التشجير باستخدام الأشجار الأصلية بالمنطقة، وذلك في البلدان الثلاثة المطلة على شاطئ البحيرة. فضلًا عن أن كثيرًا من التغييرات في الممارسات الزراعية لصالح البحيرة ستصب كذلك في مصلحة المُزارع، فيقول هيكي: «إذا أدرك جميع المزارعين في أفريقيا كمَّ الفسفور الذي تفقده التربة في أراضيهم؛ فسيتوقفون عن طيب خاطر.» وراقب هيكي تنفيذ تلك التغييرات في المزارع الفردية، ويعمل العلماء حاليًّا على نشر هذه الممارسات على نطاق أوسع.

تأتي العديد من هذه الأنشطة محدودة النطاق — التي نُفذت حتى الآن — كجزء من مشروع إدارة البيئة في بحيرة فيكتوريا، وهو مسعى إصلاحي دام طوال خمس سنوات واكتمل مؤخرًا وشارك في تمويله كل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ومرفق البيئة العالمية التابع للأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي. ويجري حاليًّا مناقشة مرحلة ثانية من هذا المشروع تمتد حتى ١٥ عامًا؛ قد تتيح الفرصة لزيادة أنشطة إعادة التشجير وغيرها من المجهودات.

ومن الأمور المبشرة أنه من المحتمل ألا تتطلب مياه البحيرة استرداد حالتها الفطرية؛ إذ يقدر زيهوزن — معتمدًا مرة أخرى على العلاقات الملحوظة بين نقاء المياه ووفرة الأنواع — أن في حالة خفض مستويات المغذيات إلى نسبها في أوائل السبعينيات، فإن الزيادة المقابلة في نقاء المياه ستسمح ببقاء العديد من أنواع السكليد.

مع ذلك، يمتد تهديد ظاهرة التتريف ليتجاوز بحيرة فيكتوريا، ويقول هيكي موضحًا: «قد تحدث نفس الظاهرة في بحيرات أخرى بأفريقيا.» فبحيرة فيكتوريا هي أقل البحيرات العظمى الأفريقية عمقًا، فضلًا عن أن التأثيرات الناجمة عن التتريف تنتشر وتتضخم سريعًا عبر المنظومة البيئية. وحتى الآن، لا تزال بحيرتا تنجانيقا ومالاوي معزولتين عن زيادة المغذيات فيهما؛ نتيجة لعمق مياههما، والانخفاض الطبيعي في مستويات المغذيات، وسواحلهما الشبيهة بسواحل المجاري المائية الضيقة التي تُقصر المشاكل على مناطق محددة من البحيرة. ومن ثم، ما زال تعداد أسماك السكليد فيهما غير منقوص إلى حدٍّ بعيد؛ إذ تشتمل بحيرة تنجانيقا على عدد يتراوح بين ١٦٠ إلى ١٨٠ نوعًا، في حين تضم بحيرة مالاوي ٦٠٠ نوع تقريبًا.

مع ذلك بدأ العلماء يشيرون إلى حدوث تهجين بين الأنواع في هاتين البحيرتين، وإن كان على نطاق أضيق كثيرًا. ووفقًا لزيهوزن: «يبدو أن التهجين بين أسراب أنواع السكليد يحدث كظاهرة عامة أكثر من كونه ظاهرة مقتصرة على بحيرة فيكتوريا فحسب.» وبناءً على ذلك، تواجه البحيرات خطر تدهور مماثل لتنوع أسماك السكليد.

هذا هو ما يخشاه هيكي على وجه التحديد: «أشعر بالقلق؛ لأنه إذا اعتقد الناس أن قشر البياض فحسب هو سبب المشكلة، فلن يدركوا الخطر الذي يمثله التتريف على البحيرات العظمى الأخرى.» ومن ثم فالوقاية هي الخيار الوحيد: «أمامنا تحدٍّ ضخم لمحاولة عكس تأثير ظاهرة التتريف في بحيرة واحدة من البحيرات العظمى، ولا يسعنا تخيل محاولة تحقيق ذلك في ثلاث بحيرات.» فإذا لم نتحرك جِديًّا لمنع تراكم المغذيات، فسيستمر العلماء في توثيق ضياع كنوز البحيرة البيئية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.