عندما توفي محمد — نبي الإسلام — عام ٦٣٢ ميلادية كان الدين الجديد قد حقَّق بالفعل عددًا كبيرًا من الانتصارات المؤثرة في ميدان المعركة؛ إذ تمكَّنت جيوش الإسلام من فتح شبه الجزيرة العربية بسرعة وسهولة قبل التحرك للاستيلاء على أوطان مختلف جيرانها. ثم زحفت الجيوش خارج الجزيرة العربية عام ٦٣٩ وتمكَّنت من دخول مصر، البلد غير العربي، وبعد ذلك بثلاثة وأربعين عامًا وصلت إلى شواطئ الأطلنطي، ثم غزت إسبانيا عام ٧١١. أي في غضون ٧٠ عامًا فحسب كانت قد أخضعت شمال أفريقيا بالكامل مؤسِّسةً لنظام جديد، وقد كان هذا الفتح — الممتد من النيل إلى المحيط الأطلنطي — أكثر اكتمالًا من أي فتح آخر حقَّقه غزاة سابقون، وأثبتت التغيرات التي أحدثها قدرتها على البقاء.

صورة لمدينة الإسكندرية على الأرضية الفسيفسائية لكنيسة القديس جون في مدينة جرش بالأردن، تعود إلى القرن السادس.
صورة لمدينة الإسكندرية على الأرضية الفسيفسائية لكنيسة القديس جون في مدينة جرش بالأردن، تعود إلى القرن السادس.

قبل وصول العرب، كانت قبائل الوندال قد هُزمت عام ٥٣٣ — بعدما سكنت المنطقة طوال قرن — وطُردت على يد البيزنطيين الذين استردوا قوتهم جزئيًّا، إلا أن قبضتهم على المنطقة لم تكن قط بنفس قوة روما؛ نتيجة لذلك كانت العلاقات بين البربر والبيزنطيين تتخللها أحداثُ قهرٍ وانتفاضات شعبية وتمرُّدات. وهكذا شهد هذا القرن المفعم بالعداء الانهيارَ البطيء لنفوذ البيزنطيين في المنطقة. وعلى شرق البحر المتوسط والأراضي الأبعد تسبَّب عقدان من الحرب بين البيزنطيين والدولة الفارسية الساسانية في إنهاك الطرفين وإفقارهما، في حين أدت فترات الانتشار الدورية لوباء الطاعون الدبلي — لا سيما في بيزنطة — وأزمات وراثة العرش وما تُحدثه من انقسام، إلى إصابة الإمبراطوريات القديمة بمزيد من الضعف؛ ومن ثم كان التوقيت مناسبًا تمامًا لبزوغ قوة غازية جديدة انطلقت دون سابق إنذار من صحراء الجزيرة العربية التي لا تُثقِلها المدن ولا الأوبئة.

عقب إخضاع شبه الجزيرة العربية — إضافة إلى سوريا والعراق — للدين الجديد، وجَّه محاربو الإسلام الجُسورُ أنظارَهم ناحية الغرب. كان الغزو العربي لمصر مختلفًا عن فتوحاتهم السابقة؛ فعلى الرغم من أن شبه الجزيرة العربية كانت هي منطقة تمركزهم، حيث انتصروا على القبائل المنافسة، فإنهم ظلوا متمسكين بالبقاء بين أبناء جلدتهم. وعندما انطلق العرب نحو سوريا والعراق، كانوا يواجهون أناسًا — كثير منهم من العرب المستقرين بتلك المناطق — تعاملوا معهم زمنًا طويلًا، غالبًا عبر التجارة؛ فلم يكونوا — باستثناء وقتما دخلوا الدولة الفارسية الساسانية — وسط أناس غرباء تمامًا، لكن عندما عبروا شبه جزيرة سيناء وتقاتلوا مع المصريين، ألزم العرب أنفسهم بخوض حرب فتوحات في أراضٍ غير مألوفة ضد شعوب غير عربية.

عقب وفاة النبي محمد تولى أبو بكر المسن (٥٧٣–٦٣٤ تقريبًا) — الخليفة الأول — الحكم مدة عامين فقط قبل موته، وخلفه عمر بن الخطاب (٥٨٦–٦٤٤ تقريبًا)، الذي حكم منذ عام ٦٣٤ وتصفه المراجع العربية بالحاكم الصارم، بل والمتشدد، تدفعه الرغبة لتحقيق فتوحات أعظم من ذي قبل تحت لواء الإسلام.

كان عمر بن الخطاب رافضًا في البداية المخاطرة بغزو مصر البيزنطية، لكن عمرو بن العاص (٥٧٣–٦٦٤ تقريبًا) — الحاكم العسكري لفلسطين والحاكم المؤقت لبلاد الشام — أقنعه في النهاية بتنفيذ المهمة. كان عمرو بن العاص ينتمي لقبيلة قريش — قبيلة استوطنت مكة — مثله مثل النبي محمد وكثير من زعماء الإسلام البارزين. وبعدما تمكَّن بالفعل من تأمين فلسطين والشام، ومع الغارات المهمة التي شنَّها المسلمون منقضِّين على القوات البيزنطية في الأناضول، نجح عمرو بن العاص في إقناع عمر بن الخطاب بأن الوقت ليس مناسبًا فحسب لغزو مصر، بل إن تلك الخطوة ستؤمن الحدود الجنوبية للإمبراطورية الإسلامية الوليدة عبر مهاجمة الأراضي البيزنطية التي كان العرب أنفسهم يتوقعون تهديدًا منها في حال عدم غزوها.

منمنمة إسلامية من سوريا ترجع إلى القرن الثالث عشر تظهر مسافرين عربًا في طريقهم إلى مكة.
منمنمة إسلامية من سوريا ترجع إلى القرن الثالث عشر تظهر مسافرين عربًا في طريقهم إلى مكة.

كانت مصر غنيمةً عظيمةَ القيمة، بالرغم من الدمار الذي لحق بها جرَّاء الحروب الأخيرة وطوال أحد عشر عامًا من حكم الفرس، فضلًا عن مرات تفشي الطاعون، والوقت العصيب الذي مرَّت به أحوالها تحت حكم البيزنطيين الأجانب. كانت مصر دائمًا مطمع كثير من مؤسسي الإمبراطوريات القديمة وهدفهم؛ إذ ظلَّت مصدرًا رئيسيًّا لإنتاج الحبوب، لا سيما لأوروبا. واشتهرت أرض الفراعنة كذلك بكونها أرض الحكمة والأساطير والغموض؛ حتى إن الغزاة العرب اعتقدوا عندما رأوا الأهرامات لأول مرة أنهم اكتشفوا مخازن حبوب النبي يوسف.

مع ذلك كاد الغزو أن يتوقف قبل أن يبدأ؛ إذ تفكَّر عمر بن الخطاب في الأمر مرةً ثانية، فأرسل إلى عمرو بن العاص يأمره بعدم دخول الأراضي المصرية، معتقدًا — ولاعتقاده ما يبرره — أن الجيش القوي المكوَّن من أربعة آلاف من رجال القبائل اليمنية المصاحب لعمرو بن العاص يعاني من قلة العدد وسوء التجهيز مما لا يؤهله ليصلح جيشًا غازيًا. وفي رفح — قُبيل الحدود المصرية مباشرة — رأى عمرو بن العاص رسولَ الخليفة يعدو سريعًا بحصانه ناحيته، فخمَّن محتويات الرسالة التي يحملها، ومن ثم قال إنه لن يفتحها إلا بعد نهاية زحف اليوم، الذي قاده مع قواته متخطيًا الحدود المصرية فقط، وصولًا إلى مدينة العريش الصغيرة.

وفقًا للمؤرخ المصري ابن عبد الحكم (توفي عام ٨٧٠ تقريبًا)، أمر الخليفة في خطابه أن يرجع عمرو بن العاص إلى الوطن، لكنه تضمَّن كذلك حاشيةً نصُّها: «إذا بلغتك رسالتي قبل دخولك مصر فارجع، وإلا فسِرْ على بركة الله، وسأبعث إليك بأي تعزيزات قد تحتاجها.» ومن ثم أصبح عمرو بن العاص في ديسمبر عام ٦٣٩ حرًّا في مواصلة زحفه وتحقيق حلمه بفتح مصر.

كانت العقبة الأولى التي واجهت عمرو بن العاص هي مدينة الفرما المحصَّنة بالقرب من الساحل شرق بورسعيد. ومع أن المدينة اشتُهرت بأنها بوابة مصر الشرقية، فقد سقطت بعد حصار استمر شهرين فقط، بخسائر محدودة في الأرواح، والأهم من ذلك بالنسبة لعمرو بن العاص كان النقص الملحوظ في التعزيزات العسكرية البيزنطية؛ إذ بدا القادة البيزنطيون عازفين عن مواجهة العرب، أو غير قادرين على مواجهتهم، في حين زاد جيش العرب مع انضمام رجال القبائل البدوية من سيناء المتطلعين لاقتسام الغنائم العظيمة المتوقَّعة.

وبعد حصارٍ ثانٍ، أشد دموية، دام شهرًا، وبعد خوض معركة في مدينة بلبيس، زحف جيش العرب المنتصر إلى بابليون، بالقرب من موقع القاهرة الحديثة. كانت بابليون مدينة أكبر حجمًا وأشد تحصينًا من الفرما وبلبيس، وتحيط بها أسوار وخنادق دفاعية. أعدَّ البيزنطيون أنفسهم ها هنا لحصار طويل، وعقب بعض المناوشات الأوَّلية التي أظهرت تمتُّع المدافعين عن المدينة بالغلبة، سحب عمرو بن العاص قواته وأرسل في طلب تعزيزات من عمر بن الخطاب. وبحلول شهر سبتمبر — دون أي دلائل على تقدُّم جذري في الحصار — استقبل عمرو بن العاص تعزيزات بلغ عددها ٨ آلاف رجل معظمهم محاربون قدماء من حملة سوريا؛ ومن ثم أصبح يقود جيشًا قويًّا قوامه ١٢ ألف جندي.

وهكذا بدأ البيزنطيون يتفاوضون من أجل عقد معاهدة سلام، لكن لسوء حظِّهم شنَّ العرب — الذين ارتأوا أن المفاوضات تسير في طريق مسدود — هجومًا ناجحًا على بابليون خلال الليل، مستخدمين سلالم الحصار لتسلُّق الأسوار، وأوقعوا هزيمةً منكرةً بالمدافعين عن المدينة بعد ستة أشهر من الحصار.

بعد سقوط بابليون، التقى المقوقس حاكم مصر (توفي عام ٦٤١ تقريبًا) بعمرو بن العاص ليطلعه على شروط الاستسلام. إلى جانب أن المقوقس — الذي عيَّنه الإمبراطور البيزنطي هرقل (حكم من ٦١٠–٦٤١) نائبًا له في مصر — كان جنرالًا بيزنطيًّا رفيع المستوى، كان كذلك بطريرك الإسكندرية الخلدونيقي (نسبة إلى مجمع خلدونيقة)؛ ومن ثم كان يتفاوض نيابة عن كيانَيْن مختلفَيْن للغاية؛ أحدهما إمبراطوري والآخر روحي. لم يكن أمام المقوقس خيارًا عمليًّا آخر سوى تسليم مُلك مصر إلى دولة الخلافة تحت حكم عمر بن الخطاب، ووافق على دفع جزية مقدارها ديناران عن كل ذكر بالغ؛ وهي ضريبة دينية تُفرض على غير المسلمين كافة في شتى أنحاء الإمبراطورية الإسلامية المتَّسعة. كذلك أوضح المقوقس لعمرو بن العاص أنه رغم خضوع الشروط لموافقة مولاه — هرقل — فإن أتباع المقوقس سيلتزمون بالمعاهدة أيًّا كان قرار الإمبراطور.

إمبراطورية العرب في أقصى توسعاتها، في الفترة من عام ٧٠٠ إلى عام ٨٥٠ ميلادية.
إمبراطورية العرب في أقصى توسعاتها، في الفترة من عام ٧٠٠ إلى عام ٨٥٠ ميلادية.

اختلف رد فعل المصريين تجاه الغزو العربي؛ فقد كان هرقل — الذي استردَّ مصر من الفرس عام ٦٢٩ — يعمل على تحويل الأغلبية المسيحية القبطية قسرًا إلى طائفة المسيحية الخلدونيقية التي ينتمي إليها. وبما أن الفرس الزرادشتيين سمحوا للمصريين باتباع أي طائفة مسيحية يرغبونها، رحَّب كثير من المصريين بالغزاة المسلمين الذين منحوهم نفس الوعد بالحرية الدينية. وإذ سُمح للأقباط بممارسة طقوسهم الدينية والاحتفاظ بملكية الكنائس طالما دفعوا الجزية، فقد تمتعوا بحرية أكبر مما تمتعوا بها في ظل الحكام من أبناء دينهم القادمين من القسطنطينية. وكانت الجزية أحد الأسباب المهمة التي جنَّبت الجيوش المسلمة التي أخضعت شمال أفريقيا سياسة تحويل السكان المحليين قسرًا إلى الإسلام؛ فأي زيادة في السكان المسلمين بالأراضي المحتلة حديثًا كانت ستعني نقصًا في عائد الضرائب.

وعلى الجانب الآخر، عندما علم هرقل باستسلام المقوقس ثارت ثائرته وجرَّد جنراله من مناصبه المؤقتة، إلا أن المقوقس استمر بطريركًا للإسكندرية؛ لأن هرقل لا يسيطر على المناصب الدينية. وفي وجه رفض هرقل قبول شروط الاستسلام لم يجد عمرو بن العاص بدًّا من الزحف نحو الإسكندرية، عاصمة مصر البيزنطية. وطوال الطريق من بابليون حتى الإسكندرية تعرض جيشه لمناوشات من وحدات بيزنطية صغيرة أُرسلت لمحاربته باذلة أقصى ما في وسعها لمنع المصير المحتوم. مع ذلك وصل جيش العرب إلى الإسكندرية في مارس ٦٤١، وبدأ في فرض حصار على مدينة أخرى مُسوَّرة.

كانت الإسكندرية أشد تحصينًا من بابليون، تحميها أسوار مزدوجة في العديد من الأماكن؛ وعلاوة على ذلك كان في وسع المدينة تلقِّي الإمدادات دومًا من البحر؛ وهي قطعًا ميزة لمصلحة البيزنطيين. وفجأة وبينما كان هرقل يحضِّر القوة التي قال إنه سيقودها بنفسه إلى مصر، وافته المنية؛ ومن ثم تلاشت التعزيزات وتُركت الحامية العسكرية في الإسكندرية لمصيرها. وعلى الرغم من تلك النازلة، تمكَّنت الحامية البيزنطية التي تحطَّمت معنوياتها، من الصمود حتى سبتمبر، عندما شن العرب هجمةً ناجحة ضد المدينة المنهكة.

وبدلًا من ضرب أعناق المدافعين عن المدينة، منحهم عمرو بن العاص عفوًا عامًّا مدة ١١ شهرًا، سمح لهم فيها بحزم أمتعتهم وترك الإسكندرية على نحو منظَّم، حاملين معهم ممتلكاتهم عندما أبحروا صوب القسطنطينية. ومن أجل ضمانِ انتقالٍ سلسٍ من سلطة إلى أخرى، أبقى عمرو بن العاص على كثير من جامعي الضرائب وغيرهم من المسئولين الإداريين بالمدينة.

وفي ذلك الوقت كانت منارة الإسكندرية لا تزال قائمة خارج ميناء المدينة، فضلًا عن مسلَّتين داخل المدينة آنذاك يزيد عمرهما عن ألفَي عام. وقد ترك العرب تلك الأبنية على حالها؛ مما يشهد على ما حملوه من تقدير للحضارة المصرية المحلية. ولم تُزل المسلتان إلا بعد ذلك بألفٍ ومائتي عام عبر عمل هندسي وتخريبي استثنائي، ثم شُحنت إحداهما إلى حديقة سنترال بارك في نيويورك، بينما أُرسلت الأخرى إلى ضفاف نهر التيمز، ويُطلق عليها مسلة كليوباترا.

كان سقوط الإسكندرية مؤشرًا على انتهاء أي مقاومة حقيقية أمام العرب في مصر، وعلى الرغم من تمكُّن قوة بيزنطية من استعادة المدينة بعد أربع سنوات، فإن عمرو بن العاص استردها في العام التالي. وفي عام ٦٥٤ بعثت الإمبراطورية البيزنطية أسطولًا إلى المدينة، لكن تم التصدي له، وكانت تلك هي آخر محاولاتها لاستعادة المدينة التي ظلت العاصمة المتحدِّثة باليونانية لمصر قرابة ألف عام. ولو كان عمرو بن العاص قد نجح في إدارة الأمور كما أراد لظلَّت الإسكندرية هي العاصمة، لكن عمر بن الخطاب أخبره بأن موقعها البحري يجعلها عرضةً لهجمات مستقبلية تشنُّها القسطنطينية، وأمره بإيجاد موقع آخر لبناء عاصمة مصرية جديدة.

وتزعم الأساطير أنه قبل الزحف نحو الإسكندرية — بعد سقوط بابليون — وجد عمرو بن العاص طائرًا يعشش في خيمته، فأمر ألا يزعجه أحدٌ حتى يفقس بيضه ويتعلم الصغار الطيران؛ لأن الطائر قد لجأ إليه للحماية. وبعدما عاد من الإسكندرية في أواخر عام ٦٤١ أمر عمرو بن العاص أن تُأسس العاصمة الجديدة في المكان الذي احتلته خيمته؛ ومن ثم ظهرت مدينة الفسطاط — التي اشتُقَّ اسمها على الأرجح من أحد الألفاظ العربية المرادفة لكلمة خيمة — في تناغم مع الطبيعة بجوار نهر النيل، وبقيت المدينة قلب القاهرة القديمة التي لا تزال عاصمة مصر.

كذلك اقترح عمرو بن العاص مشروعًا آخر لاقى رفضًا من الخليفة؛ فعندما لاحظ المصلحة الاستراتيجية من حفر قناة تربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، رأى عمر بن الخطاب في ذلك تهديدًا محتملًا إضافيًّا لوطن العرب في شبه الجزيرة العربية من البحَّارة البيزنطيين. وعقب ذلك ﺑ ١٢٠٠ عام ستَطرح بريطانيا اعتراضات مماثلة عند حفر قناة السويس أخيرًا، تتلخص في أن فتح طريق كهذا سيجعل الهند البريطانية أكثر عرضة للهجوم.

وفي صيف عام ٦٤٢ أرسل عمرو بن العاص جيشًا إلى الجنوب لمهاجمة وإخضاع النوبة (السودان حاليًّا)، تحت قيادة ابن أخته عقبة بن نافع (٦٢٢–٦٨٣)، الذي أصبح فيما بعد أحد أشهر القادة العسكريين العرب الأوائل، ولُقِّب بفاتح أفريقيا (مرنك إفريقية) كما يورد المؤرخ الإنجليزي جيبون. إلا أن النوبيين سرعان ما أحبطوا مناورات العرب؛ لِما تمتعوا به من مهارات متقدمة في الرماية — التي أدَّت إلى إصابة الكثير من الجنود العرب بالعمى — وتفوُّق فرسانهم كذلك. وفي اعتراف نادر — ولو كان جزئيًّا — بالهزيمة، كتب عقبة إلى عمرو بن العاص يطلب منه الإذن برجوع القوات على الرغم من عدم إخضاع النوبيين بعد. برَّر عقبة طلبه بزعم أن النوبيين لا يمكن دحرهم، وهم يرفضون المواجهة وخوض قتال في أي معارك منظمة، وأضاف عقبة — ربما في محاولة لتخفيف وقع الأنباء السيئة — أن البلاد لا تحوي أي غنائم تستحق الاستيلاء عليها.

حوَّل عمرو بن العاص اهتمامه بعد فشله في النوبة إلى تأمين الحدود الغربية لمصر؛ ومن ثم زحف تجاه دولة ليبيا الآن. ويلقي حدث رحيله الضوء على صداقة غير متوقعة؛ فقد تكوَّنت صداقة قوية بين عمرو بن العاص والبطريرك القبطي بنيامين (٥٩٠–٦٦١) الذي عاد مؤخرًا إلى الإسكندرية بعدما قضى ١٣ عامًا في المنفى بصعيد مصر، ووصفه عمرو بن العاص بأنه أشد مَن قابَل تديُّنًا خلال سنوات فتحه للبلاد. وقبل انطلاقه نحو برقة وما بعدها من أراضٍ طلب عمرو بن العاص من بنيامين أن يصلي من أجله؛ وهي مهمة سعد البطريرك بأدائها أيما سعادة، كما يذهب كاتب سيرته الذاتية المسيحي. إن قيام رأس الكنيسة المسيحية في مصر بالصلاة من أجل نجاح الغزو الإسلامي لجيرانه المسيحيين يعدُّ أمرًا مثيرًا للاهتمام.

سار عمرو بن العاص عبر برقة حتى وصل إلى طرابلس وصبراتة مستوليًا على تلك المدن بعد مسيرة ألف ميل على طول الساحل الجنوبي للبحر المتوسط من مدينة الإسكندرية. ولم يشيِّد قاعدة عربية دائمة إلا في برقة، في شرق ليبيا (معيِّنًا عقبة حاكمًا عليها) قبل أن يُعفى من مهامه ويؤمر بالانسحاب إلى الفسطاط. ولا تعتبر تلك المهمة فتحًا، بل هي غارة استثنائية على نطاق غير تقليدي.

أما أول غزو حقيقي لشمال أفريقيا، باستثناء مصر، فقد شنَّه عام ٦٤٧ الخليفة الثالث عثمان بن عفان — أحد أفراد عائلة بني أمية ذات النفوذ — الذي خلف عمر بن الخطاب قبل الغزو بثلاث سنوات. ورث عثمان إمبراطورية، وكان شديد الحماس لبسط رقعتها، ومن ثم أرسل جيشًا يناهز العشرة آلاف جندي (أو العشرين ألفًا وفقًا لبعض المصادر) من الفسطاط في حملةٍ كان من المفترض أن تستغرق ١٥ شهرًا. زحف جيش عثمان عبر برقة وتقدَّم سريعًا عبر ليبيا دون مواجهة أي مقاومة جدية وصولًا إلى تونس. وأخيرًا واجهت قوة بيزنطية جيش العرب في مدينة سبيطلة، جنوب تونس. وقاد جريجوري — حاكم (أو إكسارخوس) أفريقيا؛ وهي الولاية الرومانية التي تشمل تقريبًا دولة تونس اليوم — قوات البيزنطيين في المعركة، لكنهم هزموا هزيمة ساحقة وانسحبوا إلى قرطاج.

كانت هذه المعركة هي المعركة الوحيدة بين العرب والقوات البيزنطية في شمال أفريقيا خارج مصر، وبعدها حارب العرب قبائل البربر المحلية من أجل الغنائم، لكن طوال العشرين عامًا التالية لم يبذلوا سوى جهد ضئيل للاستيلاء على مزيد من الأراضي، وبدوا راضين بقصر أنشطتهم على غارات سريعة ومربحة لسلب الغنائم والعودة بها إلى برقة أو نقاط تمركزهم الأخرى في الشرق.

أدَّى مقتل آخر خليفتَيْن من الخلفاء الراشدين — عثمان (من بني أمية) عام ٦٥٦ وخليفته علي (من قبيلة قريش) عام ٦٦١ — إلى صراع على الخلافة فرض مسألةً أشد إلحاحًا من توسيع رقعة الإمبراطورية العربية في شمال أفريقيا، وانتهت معركة السيادة بفوز بني أمية؛ مما أنهى عصر الخلفاء الراشدين. وما إن تولى معاوية (٦٠٢–٦٨٠) — مؤسس الدولة الأموية — الخلافة في دمشق حتى قرَّر تدعيم الإمبراطورية وتوسيع رقعتها؛ ومن ثم عيَّن عقبة — الذي فشل من قبل في إخضاع النوبة — حاكمًا لشمال أفريقيا بأسرها، لكنه خاضع لسيطرة حاكم مصر. وتمكَّن عقبة معتمدًا على خبرته بالمنطقة التي اكتسبها بمشقة من ضمان تقدُّم هذا الغزو العربي الثاني سريعًا عبر ليبيا مجددًا متوغلًا في إفريقية، وهو اللقب الذي أطلقه العرب على هذه الولاية الرومانية. وبعدما قطع عقبة ٨٠ ميلًا من مدينة قرطاج رأى أن موقف جيشه سيصبح أقوى إذا امتلك قاعدة حربية دائمة في هذه المنطقة؛ ومن ثم أسَّس عام ٦٧٠ مدينة القيروان.

بُنيت مدينة القيروان (التي تعني القافلة) في موقع معسكر قائم وفي ملتقى الطرق. لم تقتصر القيروان على كونها عاصمة إفريقية، بل كرَّست كذلك دورها بوصفها مركزَ تعليم إسلاميًّا ترك أثره على الشريعة الإسلامية طوال قرون.

وبعد تأسيس القيروان واصل عقبة مسيرته؛ إذ كانت المغرب — تلك الأراضي التي لم يرها مسلم من قبل كما أخبر أبناءه قبل انطلاقه — هي هدفه النهائي. نجح عقبة في هزيمة جميع القوات البيزنطية والبربرية التي واجهته وصولًا إلى مدينة طنجة، ثم تحرك جنوبًا عابرًا جبال أطلس متجهًا غربًا نحو الساحل.

يحكي لنا المؤرخ الأندلسي ابن عذاري المراكشي الذي عاش في القرن الرابع عشر، أن عقبة عندما وصل إلى مياه المحيط الأطلنطي ركب حصانه متجهًا إلى المحيط صائحًا: «يا رب، لولا أن البحر منعني لمضيت إلى مسلك ذي القرنين مدافعًا عن دينك مقاتلًا من كفر بك.» وهي مقولة مشكوك في صحتها على الأرجح، إلا أنها ظلت بحقٍّ واحدةً من أشهر المقولات وأكثرها تأثيرًا من تلك الحقبة، وتتسق تمامًا مع روح الفتوحات العربية.

قُتل عقبة بعد ذلك على يد كسيلة؛ وهو بربري اعتنق الإسلام وحليفٌ سابق لعقبة، امتلأت نفسه مرارة مما لاقاه منه من ازدراء للبربر — يصفه البعض بأنه احتقار — باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية مقارنة بأولئك المنتمين لسلالة العرب؛ ومن ثم قاد كسيلة تمردًا ضخمًا، بل ونجح في الاستيلاء على القيروان وحوَّلها إلى مدينة للبربر، وأعلن نفسه أميرًا على إفريقية والمغرب، لكن عقب ذلك بأربع سنوات، عام ٦٨٨، ردَّ جيش عربي الضربة وقتل كسيلة ودحر مؤيديه.

مع ذلك لم تقع الغزوة الإسلامية الثالثة لشمال أفريقيا التي حسمت أخيرًا قضية السيطرة النهائية على إفريقية سوى عام ٦٩٤؛ فبعد عقود بدا فيها العرب متجاهلين للوجود البيزنطي في قرطاج، هاجموا المدينة وطردوا المقيمين بها وهدموا أسوارها. وقد كان سقوط قرطاج حدثًا يضاهي في أهميته الهزيمة التي ألحقتها القوات الرومانية بالمدينة فيما مضى عام ١٤٦ قبل الميلاد؛ إذ أنهت النفوذ الروماني البيزنطي في شمال أفريقيا. وكما فعل العرب في مصر، تجاهلوا العاصمة الساحلية السابقة وارتضوا بحكم ولاية إفريقية من معقلهم الداخلي بمدينة القيروان.

مع ذلك، فإن إنهاء السيطرة البيزنطية لم يضع حدًّا لمقاومة حكم العرب، وطوال سنوات استمرت ثوراتُ البربر تزعج العرب؛ مما دفع حاكمًا عربيًّا إلى التصريح يائسًا بأن: «فتح إفريقية مستحيل؛ إذ لا نكاد نبيد قبيلة بربرية حتى تحلَّ قبيلة أخرى محلها.» وهكذا تحولت صفة «بربري» المهينة التي اشتقها الرومان للإشارة إلى غير الرومان، إلى اسم علم في اللغة العربية «البربر»؛ مما أدى إلى خلق هوية بربرية لشعب متَّحد لا مجرد قبائل صحراوية متفرقة.

وبدءًا من حقبة الثمانينيات في القرن السابع، كانت أشد الانتفاضات خطورة تلك التي قادتها الكاهنة الأسطورية، وهي على الأرجح امرأة بربرية يهودية أو مسيحية — يمكن تشبيهها ببوديكا ملكة إنجلترا — تحوَّلت عبر رغبتها في حماية قبيلتها من السيطرة الأجنبية إلى مصدر إلهام للآخرين في سلسلة من الثورات كان مصيرها في النهاية الفشل. ولما كانت الكاهنة تتمتع بجمال وقدرة على التنبؤ كما وُصِفت، فقد استغلت تلك المهارة الأخيرة استغلالًا حسنًا؛ إذ أدركت أن حركة المقاومة التي تقودها لن تنجح في النهاية؛ ومن ثم سلَّمت أبناءها إلى أعدائها العرب، حيث نشئوا ليصبحوا قادة ناجحين للجيوش العربية، وبذلك ضمنت للبربر نصيبًا من المجد في قصة لا تتضمن في نواحيها الأخرى سوى الهزيمة والقهر.

لقيت الكاهنة نفسها مصرعها وهي تحارب العرب عام ٧٠٠ تقريبًا، وقد وضع ذلك حدًّا فعليًّا لمقاومة البربر المنظمة. وقد تحولت منذ موتها إلى مصدر إلهام لمجموعة من الفرق المتباينة؛ بدءًا من القوميين البربر والعرب، والنسويين المغاربة، وحتى المستعمرين الفرنسيين.

في الوقت الذي شهد مصرع الكاهنة كان العرب قد أخضعوا شمال أفريقيا بالكامل تقريبًا، واتجهوا إلى تقسيم المنطقة إلى ثلاث ولايات: مصر وعاصمتها الفسطاط، وإفريقية وعاصمتها القيروان، والمغرب وعاصمتها فاس. فعندما جابه العرب متطلبات إدارة إمبراطورية على أرض الواقع، سرعان ما بدءوا في بناء المدن والاستقرار بها بعدما كانوا بدوًا فيما مضى. وفي كل حالة من تلك الحالات الثلاث أسَّس العرب عواصم جديدة تمامًا للولايات أتاحت لهم — بما أن أعدادهم كانت لا تزال قليلة نسبيًّا — السيطرة على السكان المحليين الذين يفوقونهم عددًا إلى حدٍّ بعيد، ومع ذلك العيش بمعزل عنهم والتمتع بمستوًى عالٍ من الحماية. ومن جديد في جميع الحالات الثلاث تجاهلت تلك العواصم الجديدة القواعد البحرية السابقة، مفضِّلةً الأمن الذي تتمتع به المواقع الداخلية الأكثر اتساقًا مع دواخل وطنهم بالجزيرة العربية.

استولت القوات العربية في ربيع عام ٧١٠ على مدينة طنجة، متمِّمةً مهمة فتح شمال أفريقيا، وفي العام التالي عبر جيش عربي تحت قيادة طارق بن زياد البحر من طنجة إلى شبه جزيرة أيبيريا، ورسا بالقرب من جبل طارق الذي سُمِّي على اسم قائد الجيش. وهكذا استغرقت جيوش الإسلام منذ أن دخلت مصر وحتى استولت على طنجة فترةً أقل من ٧٠ عامًا؛ مما يعدُّ إنجازًا مذهلًا في أي عصر، لا سيما مع الأخذ في الاعتبار المناطق الوعرة التي كان عليهم عبورها. ويعلِّق جيبون على ذلك قائلًا: «ربما بدت رمال برقة صعبة الاجتياز على فيلق روماني، لكن العرب صحبتهم جمالهم المخلصة، وبما أن الصحراء هي موطنهم فقد استقبلوا دون جزع سمات الأرض والمناخ المألوفة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (5)

  • default avatar
    Misra Medjeroub ·١٤ يوليو ٢٠١٥، ٤:٧ ص

    شكرا

  • default avatar
    Ayman Salih ·٣٠ يوليو ٢٠١٤، ١:٥١ ص

    موقع يستحق الثقة بجدارة وبامتياز. عندما كنت اقرا المقالة كأني اتخيل نفسي بين جلبات الخيول وهي تجري مسرعة عبر الاراضي الواسعة وصليل السيوف وهي تخرج من اغمادها وبين اصوات الجيوش العظيمة الملهمة بالايمان

  • default avatar
    Mohammed Ramadan ·٢٩ يوليو ٢٠١٤، ١٩:٥٩ م

    سرد رائع لتاريخ مجيد بس اختلف مع كاتب المقال بان المسلمين حاربوا من اجل الجزية والغنائم بل انهم حاربوا من اجل نشر الدعوة واهم الاسباب التى ادت لبسط نفوذهم في البلاد التى فتحوها اسلمت هذة البلاد

  • default avatar
    ناصر الصمود ·٢٩ يوليو ٢٠١٤، ١٥:٩ م

    شكرا لكم .والشكر قليل فيكم.بارك الله فيكم

  • default avatar
    EngAhmad Yusuf ·٢٩ يوليو ٢٠١٤، ١٣:٩ م

    السلام عليكم.. شكرا لهذا الموقع الرائع وبارك الله فيكم.