اكتسب العمى وتاريخه رواجًا؛ فقد شهد شهر أغسطس افتتاح معرض «لمس الكتاب» في كلية بيركبيك، بجامعة لندن؛ ليسرد تاريخ القراءة البارزة قبل اختراع طريقة برايل. وفي وقت لاحق من هذا العام سيخصص معرضُ الصور الوطني قاعةً لعرض لوحات «مواجهة العمى»، وهي عبارة عن لوحات لمكفوفين ومعاقين بصريًّا. وفي شهر يونيو حضر أكثر من ١٠٠ أكاديميٍّ أحدَ أولى المؤتمرات الدولية الكبرى المعنيَّة بتاريخ العمى، والمكفوفين، وضعاف البصر.

ليل وظلام: فتاة عمياء تقرأ لعائلتها في رسم من القرن التاسع عشر.
ليل وظلام: فتاة عمياء تقرأ لعائلتها في رسم من القرن التاسع عشر.

لا عجب في أن يخضع العمى — سواء الحالة البدنية أو الفكرة المجازية — للدراسة المتمعنة من جانب المؤرخين؛ فبالانتقال من تاريخ العلوم إلى الفلسفة إلى الدراسات الاجتماعية والطب وتاريخ الأديان والأدب والتحليل النفسي، خلَّف المؤتمر انطباعًا بمدى الاتساع وبُعد التأثير اللذين صار عليهما العمى باعتباره موضوع دراسة. ومن ضمن الأبحاث المقدمة في المؤتمر أبحاث حملت عناوين: «طرقًا مختلفة للرؤية في العصور الوسطى»، و«العمى والتعلم والسياسات الإذاعية في فرنسا خلال فترة ما بين الحربين»، و«ما رآه رجل أعمى في المعرض الدولي لعام ١٨٦٢»؛ مما نسف الأسطورة التي مفادها أن العميان ضحايا لحالتهم، بُكْمٌ وعاجزون عن التعبير. وخُصِّصت أمسية كاملة لموضوع «المؤسسات والمجتمع في الشرق الأوسط والشرق الأدنى».

عُقِدت مؤتمرات للمكفوفين على نطاق أضيق في الماضي. وعادةً ما كانت تركِّز على النجوم المشاهير والموثوقين في تاريخ العمى؛ مثل: جون ميلتون، وهيلين كيلر، ولويس برايل، إلا أن فورة الاهتمام الجديدة مختلفة عن سابقاتها. ففي الماضي، كانت تلك الندوات قائمة على فكرة «التغلب على المِحَن» التي عادةً ما تُنصِّب المكفوفين أبطالًا وبطلاتٍ تغلبوا على مأساة العمى، وبعضها لم يكن مُهيئًا سوى لحضور ممثلين عن المكفوفين أو ضعاف البصر وحديثهم؛ ترسيخًا لفكرة انعزال كل من المبصرين والمكفوفين بحياتيهما وخبراتيهما في عالمين منفصلين. والآن صارت فكرة كتابة تاريخ منفصل للمكفوفين بالية؛ فالحجة السائدة الآن هي أننا جميعًا جزء من تاريخ واحد، سواء كُنَّا مكفوفين أو مبصرين.

فما الذي تغير؟ إلى حدٍّ ما صار المؤرخون ينظرون للسجلات نظرة مختلفة؛ فسجلات المستشفيات إلى جانب المسرحيات والأعمال الأدبية ومذكرات مديري المؤسسات آخذة في إزالة الغبار عن مجموعة كبيرة من المصادر. وأثبت رُوَّاد ذلك المجال؛ مثل: زينا فيجان في باريس، وكاثي كَدليك في سان فرانسيسكو. أن التنقيب في الخَزانات القديمة في مؤسسات المكفوفين قد يتيح لك العثور على مذكرات قديمة؛ إحداها — ترجع إلى عام ١٨٢٤ — كتبتها امرأة كفيفة تُدعى أديل أوسون، تحدثت بصراحة عن نظرة المبصرين للمكفوفين:

ينظر الناس إلى البصر على أنه أحد أعظم النِّعَم. لا يمكنني أن أتفق مع هذا الرأي؛ فقد حُرِمت من بصري في سن تسعة شهور، وها قد بلغت لتوِّي عامِي الثاني والعشرين وما زلتُ لا أذكر يومًا خالجني فيه شعور واحد بالندم على فقدان بصري قط … والأشخاص الذين يواسونني يأملون في التخفيف عني، ولكنهم لا يزيدون الأمر إلا سوءًا للأسف.

هذه المذكرة لا تُثبِت أن المكفوفين كانوا يُفصِحون عن آرائهم فحسب، وإنما يثبتون أنهم كانوا يثورون على الآراء المتحجرة المُتَّخَذة إزاءهم أيضًا، وبيَّنتْ أيضًا أن المكفوفين كانوا يدخلون المؤسسات بكامل إرادتهم؛ إذ استوعبوا أن المدرسة — وإن كانت منعزلة — من شأنها أن توفر لهم فرصةً ومكانًا أكثر أمانًا في المجتمع.

إضافةً إلى ذلك ثمة تحوُّل عام في المزاج السائد في كل من الأوساط الأكاديمية والإعلامية؛ فقد تعلمنا من ميشيل فوكو أن ننظر إلى كيفية معاملة المجتمعات لسكانها المختلين عقليًّا والمجرمين لكي نكشف عن اتجاهاتها إزاء البشرية، وكذلك كتب هنري جاك ستيكر عمله الخلَّاق المعني بكيفية خلق المجتمع للإعاقة. فأخيرًا تسرَّبت أفكارهم إلى دارسي الخبرات المادية الأخرى، ومن ثم يمكن أن يكشف العمى خلال القرن التاسع عشر كيف أدى الفكر الإمبريالي، الذي ساد في بريطانيا، إلى إنشاء مدارس المكفوفين ومصحاتهم ومؤسساتهم على نطاق واسع في منتصف العقد الأول من القرن التاسع عشر. وثمة شخصيات أكاديمية بارزة من المكفوفين وضعاف البصر؛ مثل: جورجينا كليج بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وهانا طومسون بكلية رويال هولواي. يكتبون بانتظام عن تجربتهم مع العمى أو ضعف الإبصار، مُزيلِينَ الغموض عن فكرة أن العمى «مختلف». وإن موضوع العمى والإعاقة آخذ في الابتعاد عن كونه موضوعًا يختص به قلة من الناس؛ فما هو إلا موضوع واحد ضمن موضوعات عدة يمكن للمؤرخين أن يتطرَّقوا إليها.

وتنطوي تلك القصة على مفاجأة واحدة؛ وهي أنها استغرقت وقتًا طويلًا جدًّا. يذهب الكثيرون إلى أن ذاك يُعزَى إلى صعوبة تحديد موضع لمسألة العمى وتاريخه بوصفه موضوع دراسة؛ فليس ثمة فرع معرفة تقليدي يتسع له، ولكن جزءًا من السبب أيضًا يتمثل في وجود بعض العوائق أمام الوصول للسجلات ومعرفة حقيقة وضع ما قبل برايل، إن جاز التعبير. وكلما تصدر الساحة المزيد والمزيد من الأبحاث، بدا أن طبيعة العمى وغيره من الإعاقات ستمدنا بمفتاح التفكير في فهمنا الحالي للأشخاص المكفوفين وضعاف البصر، والأهم من ذلك أنها ستسمح لقصص المكفوفين بالخروج من الظلال، والظهور تحت أضواء التاريخ المبهرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.