يمكن لأي كائن فضائي يراقب كوكبنا على مرِّ العصور أن يرى أن الأرض تمر بسلسلة من التغيرات الجديدة والجذرية، وقد اتضح ذلك بالفعل منذ ٧٥ عامًا، حين كتب الجيوكيميائي الروسي فلاديمير فيرنادسكي الآتي: «أدى ظهور الجهاز العصبي المركزي إلى زيادة الدور الجيولوجي الذي تضطلع به المادة الحية».

في الفترة الأخيرة، اقترح بعض الجيولوجيين — إذ أدركوا أن الإنسان صار قوة جيولوجية كبرى، وأن الأحجار المتبقية من عصرنا ستحمل العديد من الآثار الفريدة — استخدام مصطلح «الأنثروبوسين» عنوانًا رسميًّا للطبقة التي يمثِّلها عصرنا في العمود الطبقي، وهذا يحثنا بقوة على أن نتخيل استخراج تلك الأحجار يومًا ما ودراستها. ولكن متى سيحدث ذلك، ومن سيقوم به؟

ما الأهمية التي ستحملها طبقة صخور الأنثروبوسين، والميراث الأخير للجنس البشري، عندما يعود نجمنا — خلال ٢٣٠ مليون سنة، بعد أن تتمَّ سنة مجريَّة أخرى — إلى ربع الدائرة الذي نسبح فيه حاليًّا؟ هل سنترك وراءنا مجرد طبقة رفيعة غنية بالفلزات المنقَّاة وأغلفة الحلوى، تستهلُّ عصرًا خاليًا من الشُّعب المرجانية، أم أننا سنترك آثارًا أكثر خلودًا في هذا العالم؟

هل سيكون الأنثروبوسين «عصرًا» أم «حَدَثًا»؟ مثَّلت نهاية العصر الطباشيري «حَدَثًا» نتيجة وقوع اصطدام مدمر بكويكب، وهو ما خلَّف طبقة طينية سمكها سنتيمتر حول الكرة الأرضية. وما تبع ذلك مباشرةً كان «عصرًا»، وهو العصر الباليوسيني الذي دام ١٠ ملايين عام، وانتهى أخيرًا بفترة من الاحترار العالمي الشديد.

فهل يكون من التهور أن نتخيل أن التغيرات التي نصنعها يمكن أن تكون أكثر من مجرد حدث بالنسبة لهذا العالم؟ على كل حال، أنواع الكائنات تأتي وترحل، فما الذي يجعلنا مختلفين؟ فعلى الرغم من وجود بعض الأنواع المعمِّرة مثل أسماك القرش، فإن ذلك يغفل السمة المحورية الملحوظة في الأنثروبوسين؛ ألا وهي أن الحضارة الإنسانية أضافت قوى جديدة إلى ديناميكيات الأرض وإلى التطور ذاته.

فالماضي لم يعد مفتاح الحاضر لأن قواعد اللعبة تغيرت، ولكن ليس لصالحنا بالضرورة؛ فعلينا أن نجد سبيلًا لتغذية حضارتنا المتنامية دون تخريب بيئتنا، وإن كان هذا ليس إلا طليعة سلسلة من التحديات التي تطرحها الأعداد المتزايدة من البشر، واتساع النطاق الذي تصل إليه التكنولوجيا التي نبتكرها على كوكب محدود الحجم والموارد، ولكن رغم ذلك يمكننا أيضًا أن نرى نشأة إمكانات قد تيسِّر مسألة البقاء بسبل لم تكن ممكنة من قبل؛ فنحن — على سبيل المثال — في سبيلنا إلى النجاح في إقامة دفاعات فعالة ضد هجمات الكويكبات المستقبلية، ومن المتوقع أن يتعرَّض مناخ الأرض يومًا ما لتقلُّبات خَطِرة من تلقاء نفسه، ولكننا حينها قد نكون توصلنا إلى العلم الكافي للتصرُّف إزاء تلك المسألة.

فهل سيمثِّل عصرنا حدثًا أم عصرًا؟ في الحقيقة ثمة احتمال ثالث، وهو أن يكون «مرحلة انتقالية»؛ فنشأة الحياة — حدث التأكسد الكبير الذي وقع منذ ٢٫٤ مليار سنة — والانفجار الكمبري يمثلان نموذجين لمراحل انتقالية غيَّرت وجه الأرض بصورة جذرية إلى الأبد، فمن الممكن أن يمثل عصر الأنثروبوسين مرحلة انتقالية لا تقل أهمية عن سابقتها. وإذا نجحنا في اجتياز القرون القليلة القادمة، فسيرجع ذلك إلى صقل مهارات البقاء لدينا حتى تصبح فعَّالة على مستوى الكوكب؛ فبعد مرور سنة مجريَّة من الآن، سيمثل ميراث حضارتنا إما طبقة غريبة ضمن طبقات الأرض، وإما طليعة شيء أكثر خلودًا وروعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.