تتوافر الكثير من المعلومات عن الحملة البريطانية التي انطلقت على الحبشة في عام ١٨٦٨. في ذلك الوقت، أصدرت حكومة دزرائيلي مجموعة تقارير مهمة تحتوي على كل شيء يتعلق بالحملة، عدا سبب إرسالها. كما كتب كل من الأسرى الذين كانت الحملة تهدف لإطلاق سراحهم، والمبعوثين الذين أُرسلوا من أجل التنفيذ — وكذلك ضباط الحملة — رواياتهم عن الأحداث من وجهات نظرهم المختلفة. ومنذ ذلك الحين والمؤرخون يقدمون روايات صحيحة وغير صحيحة عما حدث.

على النقيض، لا نملك سوى القليل من المعلومات عن حملة أخرى شنَّتها تركيا — عقب عامين فقط — على دولة وعرة بالمثل على الجانب الآخر من البحر الأحمر. إلا أن المغامرة العسكرية التركية في اليمن في ١٨٧١-١٨٧٢ لم تقل البتَّة عن الحملة البريطانية، سواء فيما يتعلق بسرعة التنفيذ — التي كانت سببًا رئيسيًّا في شهرة الحملة البريطانية — ولا نجاح النتائج.

ولقد كان لهذا الحدث، باعتباره حدثًا سياسيًّا، تبعات أكثر أهمية وأوسع تأثيرًا. فبينما وضعت الحملة البريطانية على الحبشة نهاية لسياسة فاشلة، ككيِّ جرح قديم، فإن استعادة تركيا لشبه الجزيرة العربية — التي كانت الحملات على اليمن المرحلة الحاسمة فيها — بدأت عهدًا جديدًا في الاستراتيجية العثمانية. لم يكن العرب والأتراك الخصوم الوحيدين، أو حتى الأساسيين، في هذا النزاع. فقد شمل أيضًا صراعًا بين القاهرة وإسطنبول، بل الأدهى أنه كان جزءًا من محاولة حل المشكلات المتعددة التي تعاني منها الدولة العثمانية من خلال نقل الإمبراطورية بأكملها إلى قاعدة جديدة.

في التاسع والعشرين من نوفمبر عام ١٨٦٩، وصل مبعوث من السلطان العثماني إلى القاهرة، حاملًا فرمانًا نهائيًّا يطالب الخديوي إسماعيل بتقديم شئونه المالية إلى الباب العالي لفحصها. وبلغت الأزمة الطويلة — القائمة بالفعل — بهذه الزيارة التهديدية ذروتها؛ إذ دفعت إلى انهيار العلاقات التي لم تكن يومًا طيبة بين الخديوي المصري والحكومة العثمانية طوال الأشهر الأربعة السابقة.

كان السبب الظاهري للخلاف هو الاستخفاف الدبلوماسي من إسماعيل بالسلطة العثمانية، من خلال إرسال دعاوي لملوك أوروبا في افتتاح قناة السويس دون استشارة السلطان. وخلف هذا الأمر تكمن قضايا أكبر. فمنذ تولي إسماعيل حكم مصر في عام ١٨٦٣، عمل على تحقيق الاستقلال التام عن الباب العالي — وهو ما فشل جده الأكبر محمد علي في تحقيقه — وبكل دهاء وبراعة استخدم كل الفرص المتاحة أمامه.

عمل ازدهار القطن الذي حدث في أوائل الستينيات من القرن التاسع عشر على ملء خزائنه وتقديم ضمانة لدائنيه؛ فأصبح من الممكن الحصول على قروض أجنبية. وكان كثير من العائدات ينفق على الموظفين الفاسدين لدى السلطان، فلم تكن أية قضية تتعلق بمصر تُعرض على مجلس الوزراء في إسطنبول دون انتقال الرشوات من يد لأخرى. وكان السلطان نفسه يستقبل هدايا سخية، وحصلت الصحف التركية على إعانات مالية سخية. وفي وقت الأزمة كان موظفون أقباط سرِّيون تابعون للحاكم المصري يتنقلون ذهابًا وإيابًا بين العاصمتين وبحوزتهم حقائب مملوءة بالذهب.

بعد ذلك استغل إسماعيل الضرورات العسكرية المتكررة لدى الحكومة العثمانية؛ فقد استدعت الثورة طويلة الأمد التي اشتعلت في جزيرة كريت في عام ١٨٦٦، والانتفاضة القبائلية التي حدثت في الحجاز في العام التالي، عرضَ السيادة المصرية الفوريَّ للمساعدات، لكن دون أن يخلو هذا من إضمار نوايا خفية. وخلال هذه السنوات، ضمن إسماعيل موافقة السلطان على خلافة الابن البكر في العائلة الحاكمة لمصر في البداية، ثم الحصول على لقب «الخديوي» الجديد؛ ومن ثمَّ رفع مكانته فوق مكانة الباشا العادي في الإمبراطورية العثمانية. صاحَب هذه المنح مزيد من الامتيازات العينية، مثل المزيد من السيطرة على الإدارة المدنية المصرية، والمزيد من الاستقلال في مجال التمويل بالغ الأهمية، والحصول على إذن بتوسيع قواته المسلحة.

مُنحت الامتيازات برضًا من جانب الوزراء في إسطنبول، فقد أدركوا أنهم بصدد أمر واقع لا يؤدي فيما يبدو إلى الضرر بالمصالح الرئيسية للباب العالي. إلا أن الموظفين المخلصين للدولة، مثل رئيس الوزراء علي باشا، كانوا منزعجين من نمو الجيش المصري وتزايُد تدفق الأسلحة الحديثة التي انهمرت على مصر في أواخر الستينيات من هذا القرن. وفي ١٨٦٦-١٨٦٧ بدأ إسماعيل يشتري مدفع كروب وبنادق رمنجتون. وفي عام ١٨٦٩ وسَّع إسماعيل جيشه كثيرًا؛ حيث اشترى ٢٠٠ ألف بندقية وأمر بشراء أربعة من أحدث أنواع السفن المدرعة.

في ذلك الحين، كانت الحرب النمساوية البروسية والحرب الأهلية الأمريكية قد بيَّنتا لتوِّهما أن الأسلحة القديمة لا يمكنها الصمود أمام الأسلحة التي توظف آخر التطورات التكنولوجية. وكان من الواضح أن إسماعيل سيصبح عما قريب في موقف يجعله يعلن استقلاله من خلال انقلاب عسكري. لذلك كان تقليل هذه الأسلحة — وعلى وجه الخصوص، إلغاء طلبات السفن المدرعة — في مقدمة طلبات الباب العالي عندما حدثت الأزمة في شهر أغسطس من عام ١٨٦٩. وقد كان لدى الباب العالي أسلحته الخاصة. كما كان تولي إسماعيل لإيالة مصر محل نزاع، وكان المرشحون المنافسون يدبرون له مؤامرات لا تنقطع في إسطنبول.

إضافةً إلى ذلك، ظلت للسلطان اليد العليا على إسماعيل ولم يتخلَّ تمامًا عن كل سلطاته؛ فبإمكانه منع الحكومة المصرية من إجراء المزيد من التعويم للقروض، وباستطاعته المطالبة بتقليل عدد الجيش المصري إلى الحد الأقصى المتفق عليه، وقد فعل الأمرين. إلا أنه كان بإمكانه أيضًا عزل إسماعيل، وأجبر التهديد بذلك الخديوي على التنازل عن رأيه في نوفمبر من عام ١٨٦٩.

بعد نحو عام من وقوع هذا الحادث، ساد إسطنبول نشاط صاخب جديد: فقد كان الوزراء في اجتماع سرِّيٍّ يصدرون أوامر عاجلة، ويجرون مقابلات مع الضباط ويمنحون تكليفات. وفي الميناء، تجمعت السفن الملكية والبواخر — التابعة لشركة لويد النمساوية — وصعدت القوات على متنها، متجهة إلى الموانئ الصغيرة في جدة والقنفذة على ساحل الحجاز. ووردت الأنباء عن أن رجال القبائل المثيرين للقلاقل طوال الوقت في منطقة عسير بجبال اليمن الملاصقة للحجاز يهددون مرة أخرى الحاميات التركية المنتشرة على الساحل العربي للبحر الأحمر.

لقد أعلن رجال القبائل الجهاد؛ وفي ٣٠ نوفمبر من عام ١٨٧٠، وصلت برقية بأن ٣٠ ألف فرد من هؤلاء كانوا على بوابات مدينة الحديدة، آخر حصن ضعيف في الحصون التركية في اليمن. وإذا سقطت الحديدة؛ فإن السلطة العثمانية — الشكلية إلى حدٍّ كبير — في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية سينتهي أمرها. وربما تصبح السيطرة التركية على الحجاز والمدينتين المقدستين موضع شك.

تحركت الحكومة العثمانية بسرعة مذهلة للتصدي لهذا التهديد. وفي الأول من ديسمبر عام ١٨٧٠، أُبلغ حاكم الحجاز أن الثوار سيدفعون ثمن ما قاموا به. وفي الثاني والعشرين من الشهر نفسه، كانت خمس سفن بخارية وثلاثة آلاف جندي قد عبروا بالفعل قناة السويس، وبنهاية الشهر كان الصف الأول من خمس كتائب محملة بالمدفعية الجبلية قد نزل بالفعل من السفن.

بعد هذا بفترة قصيرة، وصل الصف الثاني إلى القنفذة، وإجمالًا وصل إلى موقع الأحداث من ١٥ إلى ١٨ ألف جندي. وعندما وصلوا، وجدوا أن أهل عسير قد هاجموا بالفعل الحديدة، وقد تصدت لهم الحامية فانسحبوا إلى جبالهم، التي كانوا يحتلون فيها مواقع حصينة؛ حيث درءوا عن أنفسهم في عدة مرات سابقة كل هجمات الأتراك. إلا أنه في هذه المرة كانت الحكومة العثمانية جادة.

بحلول شهر مارس، كانت القوة التركية المفرطة على استعداد لإيقاع العقاب. وفي الثالث عشر من مارس، خرجت القوات من محايل متجهة إلى سفح جبال عسير. فيما يتعلق بالمعدات، لم تكن معداتهم متفوقة للغاية على معدات العرب، كما سيصبح الحال بعد مرور بضع سنوات. فقد تمثل عتادهم في ثلاث كتائب تركية فقط مسلحة ببنادق جديدة يتم حشو ذخيرتها من المؤخرة، أما الكتائب الباقية فكانت تحمل بنادق أقدم وأقل دقة تُحشى ذخيرتها من الفوهة. ومن بين سرايا المدفعية، تسلحت سرية واحدة بأحدث طراز من مدافع كروب عيار ٧٥ ملليمترًا، إلا أن هذه المدافع علقت في الرمال ولم يتمكنوا من استعمالها.

حملت سرية أخرى مدافع جبلية من نوع ويتفورد عيار ٣٥ ملليمترًا، لكنها كانت تنفجر عند الاستخدام. جرت هذه الحملة بأكملها — وقد كانت حاسمة — بمدافع قديمة تُحشى من الفوهة، إلا أن مهارة جنود المدفعية التركية الذين حصلوا على درجة عالية من التدريب جعلت لهذه المدافع تأثيرًا مدمرًا. وفي أحد الأيام، قذف أحد هذه المدافع ثلاثمائة قذيفة على موقع منيع للغاية. وكانت القوة المقابلة تتكون بالكامل من ساكني الجبال تحت قيادة الأمير العسيري محمد عايض؛ وكانوا رجالًا معتادين على الحروب ويمتازون بسرعة العثور على مخابئ في تلالهم المألوفة. وكانوا مسلحين في الأساس ببنادق فتيل قديمة، وإضافة إليها، كثير من المدافع التي خلَّفها محمد علي عندما انسحب من شبه الجزيرة العربية في عام ١٨٤٠.

كان هؤلاء يتلقون مساعدة من جنود المدفعية المصريين؛ مما سبب للأتراك بعض المعاناة. لكن هذا لا يقارن بالمشكلات التي سببتها وعورة المنطقة، فكان لزامًا على القوات شق طريقها لأعلى نحو منطقة العقبة الصخرية في مواجهة أشرس القوات المعارضة، بعد ذلك كان عليها تحريك الرجال والمدفعية على مرتفع جبلي ليس به طرق، وإخضاع حصون محصنة وقوية يلجأ إليها الثوار تحت سيطرتهم.

كانت المدفعية التركية في كل مكان هي العامل الحاسم. وانتهت هذه الحملة السريعة بالانقضاض على آخر حصن للثوار في مدينة رداع في الرابع من مايو، عقب حصار دام سبعة عشر يومًا وقصف عنيف، لقي على إثره محمد عايض وأخوه وسبعة عشر من الزعماء الرئيسيين و١٧٠ آخرون حتفهم في المعركة الأخيرة.

أصبح الآن الرجل المسئول عن الوضع في شمال اليمن هو أحمد مختار باشا، قائد القوات التركية. لقد كان نموذجًا للضباط الجدد الذين تعلموا وفقًا للأساليب الحديثة في المدارس العسكرية التركية، والذين كانوا على وشك البدء في تغيير كثير من أقسام الحياة العامة في الإمبراطورية العثمانية. كان هذا الرجل ابن شخصية مرموقة في مدينة بورصة، وقد تخلى عن حقه في ممتلكات العائلة من أجل الاشتغال بمهنة عسكرية.

تربى أحمد مختار منذ سن الثانية عشرة في المؤسسات العسكرية. وفي سن السابعة عشرة بدأ يدرس في المدرسة العسكرية الكبرى التي أقيمت في إسطنبول في عام ١٨٤٣. وبعد مرور سبع سنوات — بعد أن شهد حربًا بالفعل — عاد إليها كمدرس في مجالي الاستحكام الدفاعي وعلم الفلك. ومن ثمَّ — بعد اشتغاله بالعديد من وظائف التدريس — انتصر على أهل عسير، ومن الواضح أن انتصاره كان يعود إلى رجالٍ من أمثاله.

وبعد أن وضع أحمد مختار نظامًا جديدًا للإدارة في المناطق المهزومة، اتجه جنوبًا في عام ١٨٧٢. وفي إسطنبول، اعتقد السفير البريطاني أن الجيش كان سينسحب من عسير بمجرد توقيع العقوبة عليها، لكن تحركت قوات جديدة وأصبح واضحًا أن الخطوات التي اتخذها الباب العالي توجهها أشياء أخرى بخلاف مجرد استعادة الوضع الراهن. وفي يناير من عام ١٨٧٢، أصدر أحمد مختار بيانًا إلى أهل اليمن فحسب، قارن فيه بين موارد الدولة الطبيعية الهائلة وبين وضعها الحالي المتأخر.

ودعا إلى تعاون اليمنيين في إدخال الحضارة بلادهم، ووعد بتحسين أوضاع من يساعدون في هذه العملية. وتبعت الأفعالُ الأقوالَ على الفور؛ ففي خلال شهر وصل إلى الحديدة ثمانية آلاف جندي مشاة وألف فارس. وفي السادس من مارس تقدموا إلى مديرية مناخة وفيها الداعي السيد حسن بن إسماعيل، الذي تحكم من حصنه الجبلي في الطريق الرئيسي الممتد من السهول الساحلية إلى الهضاب الجبلية.

كان المركز الذي حصل عليه السيد حسن بن إسماعيل في اليمن يدل على الحالة المتردية التي وصلت إليها شبه الجزيرة العربية عشيةَ استعادة تركيا لها. ففي وسط شبه الجزيرة، كانت نيران حركة الإصلاح الوهابية قد خمدت بحلول ستينيات القرن التاسع عشر، وفي اليمن أخذت سلطة أئمة الزيدية في التراجع منذ القرن الثامن عشر إلى أن تلاشت فعليًّا. وكان صاحب هذا المركز — الذي كان مرموقًا في وقت ما — يعيش في فقر مدقع في أرضه، وكان الناس يتجاهلونه حتى في العاصمة صنعاء.

في جميع أنحاء الدولة كانت السلطة متفرقة، وساد كلَّ منطقة توازن غير مستقر بين خلفاء الإمامة المركزية الذين يسكنون المدن، ورجال القبائل العاشقين للحرية من ساكني التلال. بل إن العداء القديم الذي كان جزء منه دينيًّا وجزء منه سياسيًّا — بين الزيديين في الشمال والغرب، والمسلمين أتباع المذهب الشافعي في الجنوب والشرق — لم يكن له تأثير بالكاد في التجمعات السياسية التي تخللت الوضع المضطرب بوجه عام. في ظل هذه الظروف، أقحم السيد حسن بن إسماعيل — زعيم الطائفة الإسماعيلية كبيرة العدد في اليمن — نفسه وأتباعه من قبيلة بني يام في وسط شبكة الاتصالات اليمنية؛ قلعة مناخة.

لم تكن مديرية مناخة في حاجة إلى تحصينات صناعية، فقد حبتها الطبيعة — على نطاق واسع — بجدران وخنادق مائية ومنحدرات وأبراج. ومن هذه المنطقة، تصدى حسن بن إسماعيل — على عكس شيوخ القبائل المجاورين في إقليم تهامة — للغزاة العثمانيين. وأمام هذا المكان وما يدعمه من حصون عديدة، قاد أحمد مختار محاربيه القدامى من حملة عسير في مارس من عام ١٨٧٢.

كانت الحملة قصيرة وحددت مصير اليمن. كانت مدافع الأتراك الجبلية تعمل بفعالية في كل مكان، وأدى قصف استمرَّ يومًا ونصف اليوم إلى إخضاع الحصون الخارجية الرئيسية التي كانت تأوي حسن بن إسماعيل وأتباعه في منطقة الحوية تحت سيطرة الأتراك. واستمر حصار مناخة لمدة أربعة أيام، إلى أن سقطت هي الأخرى. وتعرض حسن بن إسماعيل للأسر، وتوفي في طريق العودة إلى الحديدة. قضى هذا على المعارضة، وأُرسلت فرق من القوات التركية من أجل تدمير الحصون الصامدة المتبقية، بينما بدأ الأعيان يتوافدون لتقديم ولائهم. وبذلك وضع أحمد مختار يده على هضبة اليمن، وقد اتخذ حينئذٍ من مناخة مقرًّا.

في الوقت نفسه، سادت في وسط اليمن فوضى عارمة؛ فقد أدى اقتراب الأتراك إلى إطلاق قوى الشغب في البلاد، فأصبح البدو يهددون صنعاء. وكانت الأقلية الحاكمة من المتعلمين والأعيان والتجار في المدينة على استعداد للترحيب بالأتراك بوصفهم أفضل وسيلة لحمايتهم من هؤلاء البدو الباحثين عن الغنائم. وقد فهمت تلك الأقلية الحاكمة — بلا شك — أن «الحضارة» التي تحدث عنها أحمد مختار تعني موقفهم الذي تشبثوا به فيما يخص صنعاء؛ تصديًا للأفعال التخريبية التي سيقوم بها ساكنو التلال الهمج من سلب ونهب.

بيد أنهم كانوا في سبيلهم لأن يدركوا حقيقة الأمر؛ فما كان يعنيه ضباط التجديد الأتراك ﺑ «الحضارة» كان مختلفًا تمامًا عن مفهومهم التقليدي لهذا المصطلح. ولم يشعروا بالإحباط إلا فيما بعد، عندما أحكم الأتراك سيطرتهم. لكن في أبريل عام ١٨٧٢، لم يكن الأعيان في صنعاء يدركون هذا، وقام ثمانية عشر منهم — ومن بينهم رجالٌ سيصبحون فيما بعد عناصر أساسية في الثورة ضد الأتراك — بدعوة أحمد مختار ليحتل العاصمة.

كان هذا نصرًا متوجًا للقائد التركي. وفي الرابع والعشرين من أبريل دخل صنعاء منتصرًا، ومعه ما يقرب من مائة رجل من زعماء المدينة، بينما أطلقت المدافع التركية مائة طلقة وطلقة تحية. وأُصدر بيان لكل زعماء اليمن يعلن احتلال صنعاء ويذكر مرة أخرى تفاصيل مهمة تركيا في نشر الحضارة في اليمن. وقال فيه أحمد مختار: إن السلطان يرغب في تحسين أوضاع الدولة وتوسيع نطاق الزراعة وتشجيع التجارة.

وورد في البيان أيضًا: إنَّ من ارتكبوا أعمال سلب ونهب في الطرقات ستُصادر أملاكهم وتُراق دماؤهم. وجاء فيه: «شعب صنعاء الواعي! اسمعوا، إن تجارتكم وزراعتكم ستزداد، وستشكرون سلطانكم على هذا.» ورغم أن هذه الكلمات تليق بأن تصدر عن حاكم استعماري بريطاني في منتصف العصر الفيكتوري، فلا داعي للشك في الرغبة الصادقة في إحداث التقدم، والتي بدرت عن هذا المدرس الذي كان يعمل من قبل في كلية إسطنبول العسكرية. وبذلك، بدأ التواصل بين المجتمع اليمني التقليدي المتخلف النامي وبين الكيان المضطرب — والمتقدم في نواحٍ عدة — المتمثل في الإمبراطورية العثمانية.

لم تكن حملتا عسير واليمن المغامرات الوحيدة التي قامت بها الحكومة التركية خلال السنوات العامرة بالأحداث التالية لافتتاح قناة السويس. فتقريبًا وفي نفس وقت إرسال الحملة على عسير، أرسلت أوامر إلى مدحت باشا، حاكم العراق، تكلِّفه بقيادة حملة ضد نجد في وسط شبه الجزيرة العربية. وكان مدحت باشا في الواقع أحد أبرز المصلحين في الإمبراطورية العثمانية، وسيضع فيما بعد دستور عام ١٨٧٦ الفاشل. لقد كان شغوفًا منذ وقت طويل بمواجهة العرب الوهابيين في نجد؛ الذين كانوا يعيقون تقدم سياسته التجديدية في العراق نفسها.

من ثَمَّ رحَّب بالأوامر الجديدة القادمة من إسطنبول. وبلا شك وافقت هواه التعليمات الإضافية بعدم الاقتصاد في النفقات عند إعداد حملة نجد. وقبل استبداله في النهاية في نوفمبر عام ١٨٧١، كان قد اجتاح بالفعل إقليم الأحساء على ساحل الخليج العربي، واستغل الانقسامات السياسية في نجد عن طريق تولية أحد المتنافسين — عبد الله بن فيصل — الأجزاء المتبقية من الدولة الوهابية، ولم يكن إلا عميلًا للأتراك. في الوقت نفسه، أعاد تنظيم أسطول صغير من السفن تحت قيادته في الخليج العربي.

أُصلحت السفن القديمة، وتم شراء سفن بخارية جديدة، وتم توسيع الميناء الموجود في البصرة، كما أُنشئت مستودعات فحم في مسقط وعدن وبوشهر وبندر عباس. وعلى الجانب الآخر من شبه الجزيرة، أُقيمت قاعدة دائمة من السفن التركية في البحر الأحمر. لقد كانت الإمبراطورية العثمانية تتحول إلى سلطة بحرية، وكانت قوة الدفع البخارية تتغلب على مخاطر الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي، وكان العلم التركي يرفرف على موانئ جنوب شبه الجزيرة، حيث كان نفوذ البريطانيين مبهمًا غير محدد.

ما الذي وصل إليه كل هذا النشاط؟ لقد كان يعني أن السياسة العثمانية اتخذت توجهًا جديدًا بالكامل. لم تكن هذه سلسلة من تحركات غير منسقة، ولم تكن مجرد حملات مقاومة ضد اعتداء البدو الثائرين على حدود الإمبراطورية، فقد كانت مصحوبة بإصرار شديد على حقوق العثمانيين في شبه الجزيرة العربية في المناقشات مع ممثلي القوى الأوروبية.

لم يتخلَّ الباب العالي قط عن ادعائه السيادة على شبه الجزيرة العربية؛ فقد ظلت على قائمة الإيالات العثمانية. غير أنه منذ القرن السابع عشر لم يعد لهذه الادعاءات أي معنًى حقيقي، وكان المفاوضون الأتراك حتى عام ١٨٧٠ على استعداد لقبول حلول وسط، متجاهلين نمو النفوذ البريطاني في جنوب الجزيرة، ومتغاضين بجَلَد عن الإهانات والمكائد التي يقوم بها عملاؤهم الشكليون من العرب في كل مكان آخر. وعقب عام ١٨٧٠، انعكست هذه السياسة.

في الواقع، قدَّم هذا القناع الجديد من حيوية الشباب — الذي كان «رجل أوروبا المريض» يرتديه في آسيا — مشهدًا غريبًا للناظرين. كانت حملات أحمد مختار مكلفة، ورغم أن قوته لم تكن مجهزة بسخاء، فإنها كانت أضخم فيما يتعلق بقوات الخطوط الأمامية من القوات التي قادها نابير إلى قرية مجدلة في عام ١٨٦٨. وقد أدينت مغامرة نابير هذه على نطاق واسع بسبب وضعه عبئًا لا يطاق على دافعي الضرائب البريطانيين. على أية حال، كانت حملة عسير واحدة فقط من عدد من المغامرات المشابهة الباهظة.

وبالنسبة لحكومةٍ كانت على وشك الوقوع فريسةً في مصيدة الإفلاس التام — وقد حدث ذلك بالفعل في عام ١٨٧٥ — لا بد أن هذه الحملات بدت كأنها حماقة بالغة. كما أن الاستيلاء على شبه الجزيرة العربية لم يبدُ استثمارًا مربحًا. فقد كان الجزء الأعظم من الجزيرة صحراويًّا، والواحات القليلة في وسط الجزيرة لم تكد توفر سبل الحياة لمن يعيشون فيها. كانت اليمن هي الدولة الوحيدة التي كان يمكن الاستفادة من إمكاناتها — التي لم تُكتشف بعد. وفي القرن التاسع عشر كان قد مر وقت طويل منذ أن تقدمت مزارع منافسة — أكثر كفاءة في البرازيل وجزيرة جاوة — على مزارع القهوة في اليمن، بعد أن كانت مزدهرة في وقت من الأوقات.

بالإضافة إلى ذلك، عُرف عن شعوب شبه الجزيرة أنه من الصعب إخضاعها للسيطرة. وبالنسبة إلى حكومة كانت تصارع بالفعل الرعايا الخائنين في البلقان، فإن فكرة توسيع نطاق التزاماتها بهذه الصورة تشير إما إلى المراحل الأخيرة من تدهور عقلي، أو إلى وجود أسباب ملحة للغاية جعلتها تحوِّل انتباهها نحو هذا الاتجاه الجديد.

كانت هذه الأسباب موجودة بالفعل، ومن الأرجح أنها كانت تسبب قلقًا لرجل الدولة المستبد — والماهر — رئيس الوزراء علي باشا. لقد كان علي باشا هو المسئول في المقام الأول عن هذا التحول الجديد في السياسة. فعندما وصلت أخبار الثورة في اليمن إلى إسطنبول في عام ١٨٧٠، كان علي باشا ووزير الدفاع هما الوزيرين الوحيدين المعارضين للتنازل عن هذا الإقليم. وبالنسبة لمدحت باشا، كشف علي باشا تصوراته عن إخضاع شبه الجزيرة بالكامل للسيطرة العثمانية.

لقد كان علي باشا مُجدِّدًا — شأنه شأن أحمد مختار ومدحت باشا — وكان تلميذًا سابقًا لصديق اللورد ستراتفورد دي ريدكليف؛ المصلح رشيد باشا. وقد ترقى من قسم الترجمة بالباب العالي إلى أعلى المناصب في الإمبراطورية بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر. كما كان أحد واضعي المرسوم الإصلاحي العظيم «الخط الهمايوني» في عام ١٨٥٦، وظل في طليعة أولئك الذين كانوا يُدخلون أساليب الإدارة الغربية في الدولة العثمانية. وفي عام ١٨٧٠-١٨٧١، دمج وظيفة رئيس الوزراء مع وزارتي الداخلية والخارجية وسيطر على الحكومة العثمانية.

إلا أنه بينما كانت القوات التركية تخترق شبه الجزيرة من جهة الشرق والغرب، كان علي باشا يناضل من أجل حياته في صراع مع سرطان المعدة إلى أن استسلم في النهاية وتوفي في سبتمبر عام ١٨٧١. كانت السياسة العربية الجديدة هي ميراثه الأخير للدولة العثمانية؛ وكانت تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع كثير مما سعى إلى تحقيقه خلال الجزء الأول من حياته.

لقد كان علي باشا دائمًا حسن النية تجاه البريطانيين منذ تعيينه الدبلوماسي الأول سفيرًا في لندن خلال الأزمة التي مر بها محمد علي في عام ١٨٤٠. لكن سياسته بشأن شبه الجزيرة العربية أدت إلى نشوب خلافات حادة بينه وبين الوزير البريطاني في الباب العالي. وكان قد تعرض من قبل لنقد شديد بسبب سعيه إلى المساواة بين رعايا السلطان المسيحيين والمسلمين. لكن بما أن الاستحواذ على شبه الجزيرة العربية كان القصد منه الدفاع عن الأماكن الإسلامية المقدسة وجعل عدد كبير من المسلمين الأكثر تزمتًا على اتصال بالإمبراطورية، فإن هذا الاستحواذ يشير إلى اتخاذ الإمبراطورية ككل موقفًا إسلاميًّا أكثر تشددًا. فكيف يمكن تفسير هذا التناقض الواضح؟

يمكن العثور على السبب الرئيسي وراء ذلك على الأرجح في موقف علي باشا من مصر. فقد كان دائم الشك في مطامع الخديوي إسماعيل؛ إذ خشي من أن يكون إسماعيل يهدف إلى الاستقلال التام، وبدت هذه المخاوف مبررة عندما وقعت أحداث خريف عام ١٨٦٩. وفي رأيه، كان انفصال مصر عن باقي أجزاء الإمبراطورية يعني التمزيق العنيف للوحدة الوطنية. وفي حوار له مع السفير الفرنسي في نوفمبر عام ١٨٦٩، تحدث عن هذا الأمر بأسلوب انفعالي؛ إذ كان فقدان مصر يعني فقدان كل الهيبة والشرف.

بالإضافة إلى ذلك، كان علي باشا مستاءً من الأنشطة الفاسدة لموظفي إسماعيل في إسطنبول؛ إذ كانت تربك جميع جوانب الحياة السياسية. ولنزاهته ويقظة ضميره، علم نقاط الضعف في زملائه. وفي مرحلة مبكرة من عام ١٨٧٠ عانى من محنة شخصية حينما اضطر إلى إدانة زوج ابنته بسبب تلقيه رشاوي من الخديوي. وأظهرت أزمة عام ١٨٦٩ المقدار الحقيقي للخطر المصري، ويمكن اعتبارها الحدث التمهيدي لاستعادة العثمانيين شبه الجزيرة العربية.

من ديسمبر عام ١٨٦٩ إلى ديسمبر عام ١٨٧٠، ظلت العلاقات بين إسطنبول والقاهرة متوترة، رغم جهود الخديوي لإحداث انفراجة. وقبل إرسال حملة عسير مباشرة، وصلت الأمور إلى ذروتها. لقد كان الباب العالي يواجه صعوبات شديدة؛ فقد أعلن الروس رسميًّا فسخ البنود المتعلقة بحياد البحر الأسود في معاهدة باريس في التاسع والعشرين من أكتوبر عام ١٨٧٠. ولم يكن من الممكن إعادة تكوين حلف حرب القرم بما أن بروسيا كانت تحتل فرنسا. فمَن يمكنه القول: إن الإمبراطورية العثمانية لم تكن على وشك الانهيار؟! اختار إسماعيل هذا التوقيت لتعزيز قواته سريعًا وللدخول في مفاوضات مع الروس.

إضافةً إلى ذلك، كان ثمة أسباب قوية لافتراض أنه إذا كان إسماعيل قد قرر إعلان استقلاله، فإنه كان سيأخذ شبه الجزيرة العربية مع مصر. وكثرت الأدلة التي تثبت حقيقة أن إسماعيل كان يتآمر مع أعداء السلطان في شبه الجزيرة العربية؛ إذ كان يراسل زعيم عسير، واكتشف أعضاء في حملة أحمد مختار أن إسماعيل كان يمد عسيرًا بأسلحة وأموال.

وانتشرت شائعة بأنه حرض أيضًا السيد حسن بن إسماعيل ليهاجم الأتراك في الحديدة. وبالضرورة سبقت الشكوك الحقائق اليقينية. لكن سواءٌ أمتلك الخديوي بالفعل خططًا بشأن السيطرة على شبه الجزيرة العربية أم لا، فقد كان كافيًا أن يعتقد الباب العالي بوجه عام بأنه بالفعل يمتلكها.

لم يكن هذا غريبًا؛ فقد كانت مصر دائمًا ذات وضع خاص في الإمبراطورية العثمانية فيما يتعلق بشبه الجزيرة العربية. فقد كان مماليك مصر المستقلون هم أوَّل من ساهم في استيلاء العثمانيين على شبه الجزيرة العربية في القرن السادس عشر، وظلت المساعدات تُقدم من مصر بعد أن أخضع السلطان سليم مصر نفسها تحت السيطرة العثمانية. وكان الفرع المصري في الإمبراطورية العثمانية مكلفًا دائمًا بمهمة دعم الأماكن المقدسة، فكان الجزء الأكبر من الخراج المصري مخصصًا لهذه الخدمة، واستمرت سفن الحبوب في تزويد مكة والمدينة بالمؤن حتى عقب الاحتلال البريطاني لمصر في عام ١٨٨٢.

وبعيدًا عن هذا الدعم المالي، كان من الأسهل إرسال قوات من القاهرة؛ لقمع الاضطرابات في الحجاز، عن إرسالها من إسطنبول. وعندما طُلب من محمد علي قمع الوهابيين في عام ١٨١٣، لم يكن أمرًا غريبًا أو مثيرًا للدهشة. ومن بين خلفاء محمد علي، حاول كلٌّ من عباس وإسماعيل في أوقات مختلفة أن يُعهد إليهما بشبه الجزيرة العربية.

بالإضافة إلى ذلك، كانت لغة مصر الرسمية هي اللغة العربية، بينما كانت تركيا تتحدث التركية، وأدى هذا إلى حدوث انجذاب ثقافي وطيد بين المراكز الفكرية المتفرقة في شبه الجزيرة العربية ومراكز التعليم القوية في مصر، والتي لا تزال قائمة حتى عصرنا الحالي. وكانت لدى محمد علي خطط لتكوين مملكة عربية، وافتراض أن إسماعيل كانت لديه خطط مشابهة ليس بعيدًا عن الاحتمال.

أثار هذا قضايا كبيرة وخطيرة؛ فإذا حُرمت السلطنة العثمانية من ممتلكاتها بشبه الجزيرة العربية، ستصبح كبقايا دولة إسلامية، لا علاقة لها بالكيان الرئيسي للشعوب الإسلامية والأماكن الدينية المقدسة. ولا بد أن يؤدي مثل هذا التوقع إلى بحث داخلي جاد عن طبيعة الإمبراطورية العثمانية وغايتها. وعلى وجه التحديد، أثناء استعادة شبه الجزيرة العربية، كان المتعلمون والساسة يناقشون هذه الموضوعات.

كان السيد جمال الدين الأفغاني في طليعة المناقشين، وهو علَّامة ومفكر راديكالي. ويرى الكتاب المحدثون — الذين يبحثون في أصول القومية العربية — أن السيد جمال الدين الأفغاني رجل يصعب تصنيفه؛ فقد نصح بالوحدة ومقاومة الزحف الأوروبي، وسعى إلى تجديد الفكر العربي وفقًا للاتجاهات الحديثة؛ لتمكينه من منافسة الأفكار الغربية التي تنهمر على الإمبراطورية. إلا أنه لم يكن قوميًّا مدنيًّا، فالأمة بالنسبة له لم تكن تتمثل في الشعب العربي ولا التركي، ولا سكان مصر أو الأناضول؛ لقد كانت الأمة تعبر في وجهة نظره عن كيان المتمسكين بالدين الإسلامي.

وأكد هذا الفيلسوف المؤثر على أنه إذا أمكن تحقيق الوحدة الإسلامية؛ فإن التقدم سيتبعها وسيتوقف الزحف الغربي، ومن ثمَّ كان يدعو بشغف لتحقيق الوحدة الإسلامية. لم يكن جمال الدين الأفغاني سلبيًّا، بل كان عضوًا عاملًا لم يجد غضاضة في التشجيع على الاغتيالات في سبيل تحقيق أهدافه الأيديولوجية. وقد شارك بنفسه في السياسة، وشجع أتباعه على المشاركة. وفي عام ١٨٧٠-١٨٧١ كان له نفوذ في إسطنبول، وكان هو نفسه تحت حماية رئيس الوزراء علي باشا نفسه.

لم يكن السيد جمال الدين الأفغاني وحده في هذا؛ فقد كان ثمة آخرون في إسطنبول يشاركونه الاهتمام نفسه بوضع الإسلام والإمبراطورية العثمانية. وكان من بين هؤلاء مصطفى فاضل، ولي عهد الإيالة المصرية حتى غيَّر إسماعيل ترتيب تولي الخلافة. وكان عدو الخديوي هذا قائد حركة العثمانيين الجدد، أو حركة العثمانيين الشباب التي تشكلت في ستينيات القرن التاسع عشر فيما بين الرجال التقدميين في الإمبراطورية. إن هذه الحركة، التي سبقت الحركة القومية الأكثر تميزًا — تركيا الفتاة (وتُعرف أيضًا بالأتراك الشباب) — كانت في ستينيات القرن التاسع عشر لا تزال تحاول الترويج لقومية أكثر شمولًا فيما بين جميع شعوب الإمبراطورية. وكانت هذه الحركة تدعم الوحدة العثمانية ومقاومة الزحف الأجنبي.

إذن، كانت حركة العثمانيين الشباب — مثل السيد جمال الدين الأفغاني — تنظر بازدراء إلى محاولات الخديوي كسر هذه الوحدة من خلال إعلان استقلاله. وفي سنواتٍ سابقة، لم يكن علي باشا على وفاق مع حركة العثمانيين الشباب، وكان يعمل على إخراج قائديها من الإمبراطورية. إلا أنه في عام ١٨٧٠ عاد الوفاق بينهما، وفي مارس عُين مصطفى فاضل في منصب رفيع. وكان لمصطفى فاضل تأثير كبير في مشاورات الباب العالي عندما وصلت الأزمة مع مصر إلى ذروتها، وكانت له آراء واضحة بشأن أهمية احتفاظ العثمانيين بشبه الجزيرة العربية.

لم يكن قادة حركة العثمانيين الشباب والسيد جمال الدين الأفغاني منشغلين بتكهنات تافهة، فما كانوا يقولونه كان له أساس قوي من المنطق، عندما نضع في اعتبارنا مأزق الإمبراطورية العثمانية قرابة عام ١٨٧٠. لقد كانت الإمبراطورية تضم مزيجًا من القوميات، ولم يكن من الممكن إضعافها إلا بقومية من النوع الأوروبي. من ناحية أخرى، كانت تمثل كيانًا دينيًّا متجانسًا على نحو مقبول، وقد زاد تجانسه بخروج شعوب البلقان المسيحية من الإمبراطورية.

كذلك يجب ألا ننسى أنه عندما كانت الدولة العثمانية تنهار — بوصفها كيانًا سياسيًّا — كان الإسلام كدين ينتشر في أفريقيا وإندونيسيا والهند. وإذا استطاعت الحكومة العثمانية ربط نفسها بالرقعة الإسلامية الآخذة في الاتساع، كانت ستنال المقدرة — بسهولة أكبر — على منافسة القوى الأوروبية الآخذة في فرض سيطرتها. فيما بعد، أدرك السلطان عبد الحميد الثاني هذا الأمر بوضوح، إلا أن السيد جمال الدين الأفغاني كان قد أشار بالفعل إلى المسار الصحيح في عام ١٨٧٠.

كانت استعادة شبه الجزيرة العربية على يد علي باشا متوافقة تمامًا مع التيار الفكري السائد؛ فقد دعمت الوحدة العثمانية من خلال إحباط الخطط الانفصالية التي كان يضمرها الخديوي. كذلك جعلت قلب العالم الإسلامي تحت سيطرة السلطان عن كثب. والأهم من ذلك أنها حالت دون إمكانية إقامة خلافة عربية منفصلة، من شأنها جعل باقي الإمبراطورية نظامًا سياسيًّا لا معنى له ولا هدف. لا عجب إذن أن حملتي عسير ونجد صاحبتهما جلبة دعائية في العالم الإسلامي كله في صحافة إسطنبول المدعمة من جهات رسمية.

نشرت صحيفة «بصيرة» في شهر فبراير من عام ١٨٧١ مقالًا يؤيد توحيد الإمبراطورية الإسلامية، وقيل: إن هذا المقال يعكس آراء علي باشا. بعد هذا بفترة قصيرة، صدرت صحيفة أخرى تحت اسم «تركيا» بآراء مشابهة للغاية لآراء السيد جمال الدين الأفغاني، وكأنها من تلافيف عقله. فالإسلام — كما ورد في الصحيفة — ليس دينًا فحسب، وإنما قومية؛ إذ يعتبر كل من العرب والأتراك أن السلطان الخليفة هو حاكمهم الشرعي، لذا يجب أن تصبح وحدتهم حقيقة.

الفرقة تعني الضعف، في حين أن إدراك العرب والأتراك انتماءهم إلى شعب واحد كبير من شأنه أن يمكنهم من منافسة إخوانهم المسيحيين في تطور الحضارة الحديثة. ولكن يصعب تصور أن نشر هذه الآراء تزامنًا مع توغل قوات أحمد مختار في جبال شمال اليمن شيء من قبيل المصادفة؛ وبالتأكيد لم يكن الخديوي المصري يعتبره كذلك.

لم تكن الحملات التركية في شبه الجزيرة العربية بين عامي ١٨٧٠ و١٨٧٣ مجرد ضربات عسكرية سريعة متعددة، رغم أنها كانت جديرة بالملاحظة من هذا المنظور. فلقد كانت نتاجًا لكمٍّ كبير من مجموعة تيارات فكرية جديدة تدفقت عبر جسد الإمبراطورية العثمانية الممدد على فراش الموت، فيما زُعم. وكانت الحملات نفسها ناجحة إلى حدٍّ كبير؛ لأن أصحاب الأفكار العصرية كانوا يعرفون كيفية استغلال الفرص المتاحة من التكنولوجيا المتطورة.

تعرضت اليمن من قبلُ للهزيمة في القرن السادس عشر على يد رجال مسلحين بأسلحة نارية لأول مرة. أما في هذه الحملة، فقد تحقق النصر بسبب قناة السويس والسفن البخارية والأسلحة الحديثة، والأهم من كل هذا مهارة مستخدميها، إذ تحرك الغزاة وفقًا لأجندة تجديد وتطوير.

ووراء هذه المغامرة بأكملها يكمن ضغط المفكرين التقدميين الذين فرضوا إعادة تقييم طبيعة الدولة العثمانية بأكملها، ونشروا فكرة إنشاء إمبراطورية تقدمية آخذة في الاتساع تحت هيمنة السلطان الخليفة الموحدة للدولة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.