كان القرن الثامن عشر مصيريًّا في تطور كلٍّ من بريطانيا، وأمريكا الشمالية. فقد كان للسيادة البحرية وما صاحبها من هيمنة تجارية على شمال الأطلنطي دور محوري في نمو الاقتصاد البريطاني، وتركيزه على التجارة — لا سيما التجارة بعيدة المدى — وفي فرص التصدير، والوظائف، والسيولة، ودخل الاستثمار والجمارك؛ وكل ذلك على خلفية الثورة الصناعية.

إضافةً إلى ذلك فقد كفلت هزيمة فرنسا آخر الأمر في أمريكا الشمالية سيادة الثقافة، والأيديولوجية، والديانة البريطانية هناك، مما كان له تبعات مهمة على تاريخ العالم. والحق أن العديد من جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في الولايات المتحدة وكندا في زمننا المعاصر، يمكن رد أصولها إلى تاريخ القرنين التاسع عشر والعشرين؛ لكن ما حدث قبلهما كان مهمًّا أيضًا، لا سيما فيما يتعلق بتوجه الولايات المتحدة السياسي في المستقبل.

لذا تعنينا حروب القرن الثامن عشر ومعاهداته؛ لأنها أسفرت عن نتيجة لم تكن حتمية عام ١٦٩٠ عندما حازت فرنسا — بأسطولها الأكبر في العالم — السيادة على القناة الإنجليزية في معركة «بيتشي هيد»، وساندت جيمس الثاني ضد ويليام الثالث في سعيه إلى تولي زمام السلطة في أيرلندا. كان أمن بريطانيا يواجه خطرًا محدقًا، كما اتضح من حالات الذعر المتعددة التي انتابتها — بعضها مبرر والبعض الآخر أقل تبريرًا — إزاء أخبار الهجمات الفرنسية. وحتى في عام ١٧٥٩ — «عام الانتصارات» في بريطانيا — عندما هُزِمت فرنسا في ميندن (على يد القوات الألمانية والبريطانية) وفي كِيبك، لم تتوقف إحدى خطط الغزو الفرنسي الجادة إلا بفعل انتصارات بحرية كبرى حققتها بريطانيا: في لاجوس بالبرتغال في شهر أغسطس، وفي خليج كيبيرو قبالة الساحل الفرنسي على مقربة من سان نازير في شهر نوفمبر.

كانت الحروب، والحملات، والمعارك الفردية مهمة، لكن الخيارات المتخَّذة في المفاوضات الدبلوماسية التي تلتها كانت مهمة هي الأخرى. ففي عام ١٧١٣ في أوترخت، بدت وزارة المحافظين البريطانية — بزعامة الفيكونت هنري — عاقدة العزم على تحقيق مكاسب استعمارية وتجارية في أمريكا الشمالية، وجزر الهند الغربية. وكان لويس الرابع عشر ملك فرنسا مستعدًّا للتنازل عن بعض الأراضي مقابل ضمان توازن القوى في أوروبا. أما التناقض الصارخ بين بريطانيا وفرنسا في النظام السياسي والثقافة السائدين فكان مهمًّا في تحديد الشكل والمحتوى لمعاهدة سلام ساعدت بدورها في تحديد توجه كل دولة في توسعات ما بعد الحرب. ويتجلَّى هذا التناقض أيضًا في موقف كل دولة من الهجرة والهرطقة الدينية. ففرنسا — التي اتسمت بالتحكم والمركزية — لم ترحب في مستعمراتها سوى بالمهاجرين الفرنسيين الكاثوليك. أما موقف بريطانيا فكان أقل تشددًا. وكلتاهما رحَّلت أعدادًا كبيرة من الرقيق.

يلقي رد الفعل على معاهدتي السلام الضوء أيضًا على طبيعة الثقافة العامة البريطانية في القرن الثامن عشر، التي شهدت نقاشًا موسَّعًا حول مدى استحسان السلام وشروطه، بما في ذلك درجة من انتقاد الحكومة لم يكن يُسمَح بها في معظم الدول الأوروبية الأخرى. فقد صار رفض معاهدة عام ١٧١٣ التجارية مع فرنسا ومعارضة ويليام بيت الأكبر عامي ١٧٦٢ و١٧٦٣ لمعاهدة باريس محور النقاش العام. كلتا الواقعتين ساهمتا في توجيه نقد لاحق للساسة المعنيين: حزب المحافظين في حالة معاهدة أوترخت، وجون — إيرل بيوت الثالث — الذي كان يحظى بالأفضلية لدى جورج الثالث في حالة معاهدة باريس.

مثَّلت معاهدة أوترخت — التي أنهت حرب الخلافة الإسبانية (١٧٠١–١٧١٤) رسميًّا بالنسبة إلى بعض الأطراف المتحاربة — وليس كلها — تطورًا كبيرًا في وضع بريطانيا في المحيط الأطلنطي من ناحيتين؛ أولًا: انتقل حق إمداد أمريكا الإسبانية بالرقيق إلى بريطانيا؛ إذ منحه حفيد لويس الرابع عشر — فيليب الخامس ملك إسبانيا (الذي حكم من عام ١٧٠٠ حتى ١٧٤٦) — لشركة غينيا الفرنسية عام ١٧٠١. وإضافةً إلى ذلك مُنحت بريطانيا «إذن» سنوي بإرسال حمولة بحرية، مما أتاح لها قدرًا محدودًا من الإتجار مع أمريكا الإسبانية. أدى ذلك فيما بعد إلى فتح الطريق أمام بريطانيا للمشاركة في أسواق أمريكا الإسبانية المربحة، في إطار منافسة قوية مع فرنسا. وقد أبدت وزارة المحافظين التي تفاوضت على تلك المعاهدة اهتمامًا بالمحيط الهادئ والأراضي المحيطة بنهر بليت أيضًا، لكن تلك الطموحات لم تكن ممكنة من النواحي العسكرية، والاقتصادية، واللوجستية.

ثانيًا: حققت بريطانيا مكاسب إقليمية مهمة على حساب فرنسا، وهو ما عكس طبيعة الوضع القائم في نهاية الحرب. فقد أخفقت العملية البرمائية التي نفذتها بريطانيا ضد كيبك عام ١٧١١ نتيجة جنوح سفن النقل في مصب نهر سان لورنس، مما أسفر عن وفاة نحو ٩٠٠ رجل. إلا أن أكاديا (نوفا سكوشا حاليًّا) كانت قد فُتِحت عام ١٧١٠، وأُعيد تسمية القاعدة الفرنسية الرئيسية بورت رويال إلى أنابوليس رويال تكريمًا للملكة آن. مُنِحت نوفا سكوشا إلى بريطانيا كجزء من التسوية. إضافةً إلى ذلك، جرى الاعتراف بمكانة بريطانيا في المناطق المحيطة بخليج هادسون وفي جزيرة نيوفاوندلاند، وإن احتفظت فرنسا ببعض الحقوق الشاطئية هناك. ظلت فرنسا محتفظة بوادي سان لورنس — نواة مستعمرتها نيو فرانس — إلى جانب لويزيانا التي تملكتها حديثًا. فبريطانيا لم تهاجم لويزيانا ولم تكن لتهاجمها حتى أخفقت العملية البرمائية التي شنتها ضد نيو أورليانز — التي كانت أمريكية آنذاك — عام ١٨١٥. كانت لويزيانا بعيدة عن مراكز القوة البريطانية؛ وكانت قاعدة سان أوجستين الإسبانية بفلوريدا تمثِّل تهديدًا لمستعمرات بريطانيا في الجنوب.

استتبع حصول بريطانيا على نوفا سكوشا أن صار هدفها الجديد في كندا هو لويسبورج بجزيرة كيب بريتون. سقطت تلك القلعة والقاعدة البحرية الفرنسية في أيدي بريطانيا أخيرًا عام ١٧٤٥، إثر حملة غالبية أفرادها من ميليشيات محلية تدعمها كتيبة بريطانية. وأعيدت القلعة في إطار معاهدة إكس لا شابيل، التي أنهت حرب الخلافة النمساوية (١٧٤٠–١٧٤٨). وقد قامت المعاهدة على أساس مبدأ «وضع ما قبل الحرب»، الذي ترتب عليه أيضًا رد فرنسا مكاسبها في «البلدان المنخفضة» وإعادة مدينة مَدراس الهندية إلى بريطانيا. إلا أن إعادة لويسبرج أثارت عاصفة من الغضب في أوساط الدوائر السياسية المعارضة في بريطانيا، وساهمت مزاعم الخيانة في درجة الارتياب الجنوني الملحوظة في نيو إنجلاند التي تجلَّت إلى أبعد الحدود في القرن الثامن عشر. وقعت لويسبرج تحت قبضة الاحتلال من جديد عام ١٧٥٨ — أثناء «حرب الأعوام السبعة» — في حملة برمائية كبرى وقع فيها معظم القتال على عاتق الوحدات البريطانية. كانت خسارة فرنسا لأحد المرافئ الرئيسية ولسفنها الحربية في القاعدة تمهيدًا مهمًّا لسقوط كيبك في يد بريطانيا عام ١٧٥٩ ومونتريال عام ١٧٦٠.

عام ١٧٦٣، أسدلت معاهدة باريس الستار على «حرب الأعوام السبعة». كانت بريطانيا — بعد تحقيقها انتصارات أوضح — في وضع أفضل للإصرار على مصالحها أكثر مما كانت عليه عام ١٧١٣. ومرة أخرى احتلت الطموحات التجارية والاستعمارية مركز الصدارة. وكما حدث عام ١٧١٣، كان القرار الرئيسي هو السعي وراء الطموحات الإقليمية، على حساب فرنسا في المقام الأول. وفي ١٧٦٣، أُعيدت جزر جوادلوب ومارتينيك التي كانت قد تعرضت للغزو الفرنسي، وهو ما عكس رغبة فرنسا في عدم التنافس مع اقتصادات الزراعة في المستعمرات البريطانية القائمة في جزر الهند الغربية؛ لا سيما جامايكا وباربادوس.

حصلت بريطانيا من فرنسا على كندا التي كانت قد فتحتها بالفعل، وأيضًا فلوريدا — التي لم تكن قد هاجمتها — من إسبانيا. وفي مستعمرة ويست فلوريدا الجديدة، امتد ذلك التنازل إلى الميسيسيبي، ومن ثم تضمَّن الجزء الشرقي من مستعمرة لويزيانا الفرنسية. وقد تنازلت فرنسا لإسبانيا عن معظم لويزيانا حتى تقنع إسبانيا بقبول خسارة فلوريدا ومينوركا لصالح بريطانيا، على الرغم من استردادها كوبا، التي كانت بريطانيا قد استولت عليها عام ١٧٦٢، الذي كان عامًا حافلًا بالانتصارات لا يقل تميزًا عن عام العجائب ١٧٥٩.

أكدت معاهدة باريس تأكيدًا واضحًا على النجاح الذي كُلِّلت به جهود بريطانيا وقت الحرب، حيث حصلت أيضًا على السنغال — مركز رئيسي لتجارة الرقيق — فضلًا عن الجزر الزراعية الكاريبية واقتصادات الرقيق في غرناطة، وتوباجو، ودومينيكا، وسان فينسنت. كانت تلك أفضل شروط حصلت عليها بريطانيا في أي معاهدة سلام حتى مؤتمر فيينا (١٨١٤-١٨١٥)، حيث تسنَّى لها أن تضطلع بدور رئيسي في إعادة تنظيم أوروبا، وكذلك في توطيد أقدامها بصفتها القوة الاستعمارية الأوروبية الرائدة.

لم تقتصر أهمية تبعات معاهدة باريس على بريطانيا فحسب، وإنما امتدت لمستعمراتها الأمريكية. ففي بريطانيا نفسها أسفر النصر عن انتشار الإيمان بالتفوق الوطني المدفوع بالعناية الإلهية، الذي تجسد في التفوق المتأصل في النظام السياسي البريطاني. وقد دارت نقاشات حول مزايا شروط المعاهدة، ولكن لم يكن ثمة خلاف حول تحقق النصر. والواقع أن بيت الأكبر — الذي تحول إلى صف المعارضة — كان ممتعضًا من فكرة السماح لفرنسا بالصيد قبالة ساحل نيوفاوندلاند؛ وكان قد سبق له معارضة إعادة جوادلوب ومارتينيك، إذ زعم أنها تتيح لفرنسا سبيلًا للتعافي مما تكبدته من خسائر. إلا أن البرلمان أقر معاهدة السلام ذاتها بأغلبية كبيرة يوم ٩ ديسمبر من عام ١٧٦٢؛ حيث قُبل خطاب الشكر من جانب ٣١٩ عضوًا في مجلس العموم مقابل رفض ٦٥ عضوًا.

وقد تجلَّت الثقة التي غرسها النصر في الاعتقاد الشائع بأن بريطانيا قد خلَفت الإمبراطورية الرومانية باعتبارها القوة الرائدة في العالم والمحرك الرئيسي للمصير التاريخي. كان لتلك الثقة دور كبير في تنمية الشعور بأن عهد جورج الثالث — الذي تُوِّج عام ١٧٦٠ — مثَّل فرصة جديدة للتنمية الوطنية، وهو رأي شاع في أرجاء المستعمرات كما شاع في بريطانيا. وبتقديم جورج نفسه ملكًا للأمة منعزلًا عن مشاغل إمارة هانوفر ومعتزمًا تجاوز الفصائل والأحزاب في حكمه، فإنه لمس وترًا حساسًا لدى الرأي العام، وزادت انتصاراته في الخارج من مصداقيته.

وقد نال هجوم بيت على شروط معاهدة السلام من تلك الثقة، وإن كان ثمة تخلٍّ أكثر خطورة عن الثقة نابع من الأزمة الوزارية المرتبطة بمحاباة جورج لجون — إيرل بيوت — وبانهيار وزارة بيوت عام ١٧٦٣. كانت المخاوف المتعلقة بطبيعة الحكومة ونواياها أكثر أهمية من المكاسب المترتبة على معاهدة باريس، وقد أثرت تلك المخاوف على الرأي العام في المستعمرات أيضًا. فقد سلكت المستعمرات — في أمريكا الشمالية وجزر الهند الغربية على حد سواء — منحًى راديكاليًّا إلى حد ما في أزمة قانون الطوابع عام ١٧٦٥. وقد أدت محاولة دفع تكاليف الحرب الأخيرة إلى ارتفاع الضرائب مما أثار تساؤلات حول طبيعة التمثيل داخل الإمبراطورية.

إذن فقد كانت ثمة صلات مهمة بين حرب الأعوام السبعة وبين التفكك التالي للرابطة الإمبريالية في أمريكا الشمالية، كان من بينها السؤال المتعلق بكيفية الإدارة المثلى للأقاليم الجديدة المكتسَبة رسميًّا عام ١٧٦٣. وارتبط ذلك بكل من كيبك والأراضي الواقعة وراء جبال الأبالاش، التي كان أغلب سكانها من الأمريكيين الأصليين. لم يجر التشاور مع السكان الأصليين في المفاوضات المؤدية إلى معاهدة باريس، مثلما لم يتم التشاور معهم في معاهدة أوترخت، أو المعاهدتين اللتين كان يُفترض بهما إنهاء حرب الاستقلال الأمريكية عام ١٧٦٣ وحرب عام ١٨١٢ خلال عامي ١٨١٤ و١٨١٥. وفي عامي ١٧٦٤ و١٧٦٥ اندلع نزاع واسع النطاق غرب جبال الأبالاش فيما عُرف باسم حرب بونتياك. عكس مسار حرب بونتياك نجاح بريطانيا في غزو كندا الفرنسية، إذ لم يعد قائمًا احتمال حصول سكان أمريكا الأصليين المعارضين لبريطانيا على الإمدادات والدعم من الشمال مثلما فعلت قبيلة الأبيناكي في فيرمونت في عشرينيات القرن الثامن عشر. وعلى وجه الخصوص، كان ثمة نقص في البارود لدى سكان أمريكا الأصليين، وهي مسألة ثبتت أهميتها في إضعاف مقاومة قبيلة الشيروكي للبريطانيين عامي ١٧٦٠ و١٧٦١.

ومع أن الإخفاق في التشاور مع الأمريكيين الأصليين كان مثالًا واضحًا على السياسات العنصرية للدبلوماسية في القرن الثامن عشر، الشبيهة — لكن على صعيد مختلف — بأثر الإذن الذي منحته الحكومة الإسبانية للدول الأخرى ببيع العبيد إلى المستعمرات الإسبانية على اتخاذ تجارة الرقيق منحًى أشد قسوة، فإن تخصيص جزء كبير من الداخل الأمريكي لكيبك، فضلًا عن التسامح الكاثوليكي — بموجب قانون كيبك لعام ١٧٧٤ — أثار المخاوف في أمريكا، ولا سيما في نيو إنجلاند بشأن المذهب الكاثوليكي وتهديد الشمال لنيو إنجلاند والمستعمرات الوسطى. وقد أسهمت القضايا التي أثيرت في ستينيات القرن الثامن عشر إسهامًا كبيرًا في أزمة السبعينيات.

لا ينبغي النظر إلى معاهدتي أوترخت وباريس للسلام كجانبين قائمين بذاتهما من تاريخ دبلوماسي بائد، بل كجزأين رئيسيين من العمليات التي شكَّلت الجغرافيا السياسية، والسياسات العرقية، والحوكمة الإمبريالية، والثقافة السياسية لشمال الأطلنطي البريطاني. ومن المؤكد أن من عاصروا المعاهدتين في بريطانيا وأمريكا الشمالية نظروا إليهما من هذا المنطلق. كانت الحرب وكذا السلام عنصرين رئيسيين مختلفين لكن مترابطين. لقد أعادا تشكيل العالم الغربي في القرن الثامن عشر، ولا تزال تبعاتهما باقية إلى الآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.