قبل فترة ليست بالطويلة، كانت توجد إجابة بسيطة وغير قابلة للجدل — على ما كان يبدو — عن السؤال حول كيفية وصول المستوطنين الأوائل إلى الأمريكتين ووقته. فقبل ١٣ ألف عام مضى، عبرت مجموعة من البشر القادمين من آسيا جسر اليابسة الذي كان يربط بين سيبيريا وألاسكا واتجهت جنوبًا.

هؤلاء الأشخاص — المعروفون بالكلوفيس — كانوا صناع أدوات وصيادين مَهَرة. وقد ازدهر شعب الكلوفيس — الذي كان أفراده يقتاتون بصورة أساسية على فرائسهم من الحيوانات الضخمة التي كانوا يصطادونها بحراب الحجر الصوان التي اشتهروا بصنعها — وانتشروا في جميع أنحاء القارة.

ظل هذا هو المعتقَد السائد لعقود. وكانت نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل» مقنعة للغاية لدرجة أن قليلًا من علماء الآثار فكروا في بديل لها. وبعض من كانت لديهم الجرأة على القيام بذلك شَكَوا من تصميم «حراس نظرية الكلوفيس» على إخراس كل من يخالفهم.

لكن لم يعد الأمر كذلك؛ فبفضل الاكتشافات الأخيرة، أصبحت هوية الأمريكيين الأوائل قضية مفتوحة للنقاش مرة أخرى. لم تثبت نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل» فشلها تمامًا، لكن معظم الباحثين الآن يعتقدون أنها لم تعد تتناسب جيدًا مع الأدلة. ومن ثم، فإن السؤال يجب أن يُطرَح مرة أخرى: متى كان أول استيطان للأمريكتين، ومن الذي استوطنهما؟

لطالما ظل استعمار الأمريكتين يدهش علماء الآثار ويعجزهم. لقد كانت تلك هي آخرَ هجرة بشرية كبرى؛ آخرَ مرحلة من رحلتنا خروجًا من أفريقيا للمطالبة بحقنا في قارات الأرض الصالحة للسكنى. ودائمًا ما كان صيادو الحيوانات الضخمة الآسيويون هم المرشحين المرجح كونهم أول من استعمروا الأمريكتين، لكن حتى منتصف ستينيات القرن العشرين لم تكن هذه الفكرة قد صيغت في نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل» — وقد كان عالم الآثار سي فانس هينز من جامعة أريزونا في توسون هو أولَ من صاغها.

وفقًا لنظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل»، قبل حوالي ١٣٥٠٠ عام — قرب نهاية العصر الجليدي الأخير — أتيحت أخيرًا فرصة قصيرة الأمد للناس لدخول أمريكا الشمالية. فمع احتباس كمية كبيرة جدًّا من الماء في القمم الجليدية، كان مستوى البحر أكثرَ انخفاضًا مما هو عليه اليوم، وكانت سيبيريا وألاسكا متصلتين بجسر يابسة يسمى بيرنجيا، والذي أصبح الآن مغمورًا بالمياه. بينما بدأت درجة حرارة العالم في الارتفاع، بدأت الأغطية الجليدية التي تحول دون دخول أمريكا الشمالية في الانحسار، منشقةً — كما انشق البحر الأحمر لنبي الله موسى — لتشكل ممرًّا خاليًا من الجليد إلى شرق جبال روكي (انظر الخريطة). فدخل الكلوفيس إلى أمريكا الشمالية.

إن انتشار الأدوات الحجرية المميزة في جميع أنحاء الولايات المتحدة والمكسيك الشمالية يدعم النظرية، كما يدعمها أيضًا توقيت انقراض أكثر من ٣٠ مجموعة من الثدييات العملاقة، بما في ذلك أفيال الماموث وبعض أنواع الجِمال والسنوريات سيفية الأسنان؛ وهذا يتزامن تمامًا مع وصول صيادي الكلوفيس، ومن الممكن أن يكون من صنع أيديهم.

لكن بمرور السنين، تزايدت الأدلة المثيرة للريبة. ففى عام ١٩٩٧، زارت بعثة مكونة من ١٢ عالم آثار بارزًا مونتي فيردي، وهو موقع مستوطنة بشرية في جنوبِيِّ تشيلي بدأ التنقيب فيه في سبعينيات القرن العشرين، ويُزعم أن عمره ١٤٨٠٠ عام. وهذا الزعم — بالطبع — يتناقض ونظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل». كانت لحظة الزيارة تاريخية؛ فقد غيَّر معظم علماء الآثار آراءهم، وبدأت كتابة حقبة ما قبل التاريخ من جديد.

اكتُشف كذلك عديد من المواقع الأخرى التي ترجع إلى ما قبل عصر الكلوفيس، بعضها يقدم أدلة أكثر جدارة بالثقة من بعض. ومع ذلك، فإن مونتي فيردي هو الأكثر قبولًا على نطاق واسع؛ فقد كشف استطلاع رأي حديث شارك فيه ١٣٢ عالم آثار عن أن حوالي ثلثي العلماء يعتقدون أن هذا الموقع يرجع إلى ما قبل عصر الكلوفيس.

مقارنة الحمض النووي

تتعارض دراسات الحمض النووي الحديثة كذلك مع ذلك المعتقد القديم. فبمقارنة جينومات الآسيويين المعاصرين مع جينومات أشخاص من السكان الأمريكيين الأصليين، وتقدير الفترة الزمنية التي يستغرقها تراكم الاختلافات الجينية، قدَّر علماء الوراثة أن البشر قد دخلوا الأمريكتين قبل ١٥ ألف عام على الأقل؛ أي قبل التاريخ المذكور في نظرية الكلوفيس ﺑ١٥٠٠ عام.

ثمة علماء آثار لا يزالون متبنين نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل»، ويعد ستيوارت فيديل — من الشركة الاستشارية لويس برجر جروب — أحد هؤلاء. يشير فيديل إلى أنه إذا كان البشر قد وصلوا حقًّا إلى الأمريكتين قبل التاريخ المذكور في نظرية الكلوفيس، فإننا كنا سنرى أدلة على عمليات الإجهاد أو الانقراض الناتجة عن البشر، لكن هذا لم يحدث، ويصف النظريات والأدلة البديلة بأنها «مفككة ومتضاربة».

لكن الغالبية العظمى من العلماء تتفق الآن على أن البشر استعمروا الأمريكتين قبل مجيء شعب الكلوفيس. يقول مايكل واترز، مدير مركز دراسات الأمريكيين الأوائل بجامعة تكساس إيه آند إم: «لقد تجاوزنا نقطة اللاعودة، فالأدلة المتوافرة الآن قوية جدًّا.»

ومن ثم، إذا ما كانت نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل» خاطئة، فكيف ومتى استُعمرت أمريكا؟ على الرغم من التغير الذي وقع، لا تزال بعض الأشياء كما هي؛ إذ لا يزال معظم الباحثين يعتقدون أن الأمريكيين الأوائل هاجروا من آسيا — وهو استنتاج قائم إلى حد كبير على أبحاث الحمض النووي. على سبيل المثال، قارنت دراسة حديثة بقيادة ديفيد رايش — من كلية طب هارفرد — الحمض النووي المأخوذ من سكان أمريكا الأصليين المنتشرين من مضيق بيرينج وحتى تييرا ديل فويجو بالحمض النووي المأخوذ من سيبيريين أصليين. فماذا كانت النتيجة؟ ينحدر الأمريكيون من السيبيريين الذين وصلوا إلى الأمريكتين على ثلاث موجات على الأقل (نيتشر، المجلد ٤٨٨، صفحة ٣٧٠).

قد لا يبدو هذا الأمر مختلفًا كثيرًا عن نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل». لكن ثمة بحث آخر يروي رواية أخرى. إن الحمض النووي للأمريكيين الأصليين مختلف عن الحمض النووي الخاص بالسيبيريين بما يكفي لترجيح أن الشعبين قد افترقا عن بعضهما قبل حوالي ٣٠ ألف عام.

قد يشير هذا إلى أن دخول أمريكا كان في تاريخ أسبق؛ ويزعم بعض علماء الآثار أنهم قد عثروا على آثار استيطان بشري ترجع إلى ما قبل ٥٠ ألف عام مضى، لكن من يصدقون في صحة ذلك ليسوا كثيرين.

ثمة سيناريو أكثر ترجيحًا يقول: إن المستوطنين لم يأتوا من آسيا مباشرةً، وإنما من جماعة سكانية استقرت في بيرنجيا قبل ٣٠ ألف عام وبقيت بها لمدة ١٥ ألف عام قبل أن تواصل المسير إلى ألاسكا. ربما تكون هذه الجماعة قد انعزلت عن الأسلاف الذين كانوا يقطنون شمال شرق آسيا — بفعل الثلوج على الأرجح — وراكمت ما يساوي ١٥ ألف عام من الاختلافات الوراثية. وهذا السيناريو يسمى ﺑ «التوقف في بيرنجيا».

ومع ذلك، لا يميل الجميع إلى فكرة أن الأمريكيين الأوائل قد جاءوا من سيبيريا. تتمثل إحدى المشكلات التي أثارتها فرضية مونتي فيردي في بُعد المكان عن بيرنجيا؛ إذ إنه يبعد بحوالي ١٢ ألف كيلومتر من نقطة الدخول المفترضة. وحتى إذا ما كان البشر قد استعمروا أمريكا الشمالية قبل ١٥ ألف عام، فمن المبالغة أن نتخيل أنهم وصلوا إلى جنوبِيِّ أمريكا الجنوبية بعد ٢٠٠ عام فقط من هذا التاريخ.

الآن لنتحدث عن البديل الثاني لنظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل»؛ وهو الهجرة الساحلية. رجح بعض الباحثين أنه بدلًا من عبور جسر بيرنجيا الأرضي، ركب الأمريكيون الأوائل القوارب وأبحروا على طول ساحل المحيط الهادي.

من الصعب جدًّا أن نختبر صحة هذا السيناريو. فذوبان الأنهار الجليدية قبل ١٠ آلاف عام تقريبًا غمر الساحل القديم مع أي دليل أثري كان يضمه. ويقول جون إرلاندسون عالم الآثار بجامعة أوريجون، وأحد المؤيدين الرئيسيين للفكرة: «لقد ظلت نظرية الهجرة الساحلية هامشية حتى وقت قريب نسبيًّا.»

ومع ذلك، توجد بعض الأدلة؛ ترجح دراسة الحمض النووي التي أجراها رايش أن الموجة الأولى من المستعمرين تحركت جنوبًا على طول ساحل المحيط الهادي. وكما نعلم، كان الشرق آسيويون القدماء بحارين مَهَرة، حيث وصلوا جزر ريوكيو المنعزلة الواقعة بين اليابان وتايوان منذ ٣٥ ألف عام تقريبًا.

كذلك، ثمة اكتشافات أثرية من شأنها إعطاء مصداقية لهذه الفكرة، فقد نقب إرلاندسون في جزر القناة في كاليفورنيا لعقود وكشف عن أدلة على وجود حضارة متقدمة عمرها ١٢ ألف عام تقريبًا هناك؛ وتتضمن العديد من الرماح الحجرية الحادة والشفرات هلالية الشكل التي تُظهر براعةً غير عادية في صنعها. ومن المتصور أن الرماح كانت تستخدم في طعن الأسماك في حين كانت الأهلَّة على الأغلب تُثبَّت على سهم وتُرمى بها الطيور.

على الرغم من أن هذه الأسلحة أحدث من أية أداة من أدوات الكلوفيس، فإنها كذلك مختلفة تمامًا عنها، لدرجة أن إرلاندسون يرجح أنه لا يوجد رابط بين النوعين. ويقترح — هو وزملاؤه — أن البحارة الشرق آسيويين الذين سافروا عبر «طريق الأعشاب البحرية» الساحلي الممتد من اليابان إلى أمريكا الجنوبية هم من صنعوا هذه الأسلحة.

تأتي مزيد من الأدلة المبدئية التي تدعم نظرية الطريق الساحلي من مصدر غير عادي: البراز الآدمي. فقد عُثر على قطع من البراز البشري المتحجرة — يبلغ عمر أقدمها ١٤٣٠٠ عام — في كهوف بيزلي بأوريجون — وهو أحد المواقع التي يُدَّعى أنها تعود إلى ما قبل عصر الكلوفيس. وقد قضى دينيس جينكينز — من جامعة أوريجون — ستة فصول في التنقيب في هذه الكهوف. وفي عام ٢٠٠٨، أعلن أن قطع البراز المتحجرة كانت تحتوي على حمض نووي بشري.

وقد أعرب عديد من الخبراء عن ريبتهم عندما نشر جينكينز نتائجه في مجلة «ساينس» (المجلد ٣٢٠، صفحة ٧٨٦)، لكن تحليل الحمض النووي مرة أخرى دعم الاستنتاجات ذاتها. يرجح الحمض النووي أن أصول أصحاب هذا البراز من سيبيريا وشرق آسيا.

هذا الأمر في حد ذاته لا يوحي بشيء فيما يتعلق بفرضية الهجرة الساحلية. لكن، في العام الماضي، أعلن جينكينز عن اكتشاف آخر مهم، وهو نوع من رءوس الحراب يُعرف برءوس الحراب الغربية ذات المقابض، والتي وجدت في نفس الطبقة الجيولوجية التي وجدت فيها قطع البراز المتحجرة التي يبلغ عمرها ١٣٢٠٠ عام. كان هذا النوع من الأسلحة معروفًا بالفعل؛ ورءوس الحراب هذه مختلفة بدرجة ملحوظة عن تلك الخاصة بالكلوفيس، وكان يُعتَقَد أنها من الأعمال اليدوية الخاصة بحضارة لاحقة. الآن يبدو أن التكنولوجيا كانت موجودة في ذات الحقبة الزمنية التي وجد فيها الكلوفيس (ساينس، المجلد ٣٣٧، صفحة ٢٢٣).

فمن، إذن، الذي صنع رءوس الحراب؟ إحدى الإجابات المعقولة هي أن من صنعها هم المهاجرون عبر الساحل. فالكهوف قريبة للغاية من الأنهار التي تصب في المحيط الهادي. ويقول جينكينز: «كان باستطاعة البحارين أن يتبعوا تلك الأنهار بسهولة وصولًا إلى داخل الأمريكتين.»

كذلك، ثمة تشابه بين رءوس الحراب الغربية ذات المقابض ونوع من رءوس الحراب يعرف برءوس الحراب مدببة الطرف — والتي صُنعت في اليابان قبل ١٥ ألف عام — وفقًا لإرلاندسون. وقد أضاف أن الشفرات هلالية الشكل التي وُجدت في جزر القنال تشبه رءوس الحراب الغربية ذات المقابض.

الشفرات الصوانية والمكاشط

كذلك يأتي الدعم لفرضية الهجرة الساحلية من ووترز، الذي يقود عمليات التنقيب في فرايدكين، وهو موقع يعود إلى ما قبل عصر الكلوفيس، يقع في وسط تكساس وصفه ووترز نفسه بأنه «سيغير الموقف تمامًا.» منذ أن بدأ التنقيب في عام ٢٠٠٦ في ذلك الموقع، عُثر فيه على أكثر من ١٥ ألف قطعة أثرية — أي ما يفوق كافة القطع الأثرية التي عُثر عليها في مواقع ما قبل عصر الكلوفيس مجتمعة — يعود تاريخها إلى ما يتراوح بين ١٥٥٠٠ إلى ١٣٢٠٠ عام مضى. والغالبية العظمى من هذه القطع الأثرية عبارة عن مخلفات صناعة الأدوات، لكنَّ ثمة سواطير ومكاشط وفئوسًا يدوية ونصالًا وشفراتٍ صوانية.

في رأي ووترز، قد تكون هذه القطع الأثرية بوادرَ للتكنولوجيا الخاصة بحضارة الكلوفيس. فالنصال والشفرات الصوانية والمكاشط من أنواع الأدوات التي كانوا يستخدمونها. ويقول ووترز: «إن بين يديك التكنولوجيا التي كان من الممكن أن تصبح خاصة بالكلوفيس.»

إذا كان التأريخ صحيحًا؛ فإنه يعطي مزيدًا من المصداقية لرواية الهجرة الساحلية. يرى ووترز أنه ليس مؤكدًا ما إذا كان الممر الخالي من الثلوج مفتوحًا قبل ١٥ ألف عام، ملمحًا إلى أن الأشخاص الذين صنعوا الأدوات ربما لم يدخلوا الأمريكتين عبر بيرنجيا. ويقول ووترز: «ثمة عدد لا يحصى من الطرق التي ربما يكون البشر قد دخلوا الأمريكتين عبرها»، لكنه يفضل فرضية الطريق الساحلي.

على الرغم من أن ووترز نشر بحثه في مجلة «ساينس» (المجلد ٣٢١، صفحة ١٥٩٩)، ظل قليل من علماء الآثار غير مقتنعين بأن الموقع قديم جدًّا إلى ذلك الحد. بوجه عام، اختبار الكربون المشع هو أدق الطرق لتحديد تاريخ القطع الأثرية، لكنه لا يمكن استخدامه سوى على المواد العضوية، والتي لا تتوافر في فرايدكين. لذلك، استخدم ووترز تكنولوجيا تُعرف باسم «التألق المُحفِّز بصريًّا».

يُعد دينيس ستانفورد — الخبير الشهير في موضوع الأمريكيين الأوائل في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في واشنطن العاصمة — أحد المشككين في الفرضية السابقة. علاوة على أنه يعتقد أن القطع الأثرية «التي ترجع إلى ما قبل الكلوفيس» التي وُجدت في الموقع يمكن في الواقع أن تكون خاصة بحضارة الكلوفيس.

ثمة سبب آخر لدى ستانفورد ليرتاب في رواية ووترز؛ إذ إنه يعتقد أنه قد حدد أسلاف الكلوفيس. ستانفورد وبروس برادلي — من جامعة إكسيتر بالمملكة المتحدة — من المؤيدين الرئيسيين للبديل الأكثر تطرفًا بين كافة البدائل الأخرى؛ وهو أن الأمريكيين الأوائل لم يأتوا من آسيا وإنما من أوروبا.

وهما يزعمان على وجه التحديد أن الكلوفيس منحدرون من السوليتريين الذين عاشوا في العصر الحجري القديم (الباليوثي)، وازدهروا في شبه جزيرة أيبيريا في الفترة التاريخية ما بين ٢٤ ألفًا إلى ١٧٥٠٠ سنة مضت تقريبًا.

في أحدث كتاب لهما — «عبر جليد الأطلنطي» — يقدم ستانفورد وبرادلي سيناريو يوضح أن هذه المجموعات وصلت إلى الأمريكتين قبل أكثر من ٢٠ ألف عام، مبحرين بالقوارب على طول حافة الجليد البحري الذي كان يمتد عبر المحيط الأطلنطي من الساحل الشمالي الإسباني إلى ساحل الأمريكتين.

هذه فرضية جريئة — بعضهم يقول: إنها منافية للعقل — بالرغم من أنها ليست مبتكرة. فعلى مدار القرن الماضي، اقترح علماء آثار آخرون أن الأوروبيين ربما يكونون قد سبقوا كولومبس بآلاف الأعوام، مستشهدين بوجود تشابه بين الأدوات التي استخدمها الكلوفيس والسوليتريين. وقد تبنى كل من ستانفورد وبرادلي هذه الفرضية منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين.

وقد تحول ستانفورد إلى أوروبا بعد أن قضى حوالي ٣٠ عامًا في البحث بلا جدوى عن قطع أثرية تشبه تلك الخاصة بالكلوفيس في سيبيريا. وفي عام ١٩٩٦، ذهب ستانفورد إلى سوليتري في فرنسا — مصدر كلمة «سوليتريين» — لحضور معرض يقارن بين القطع الأثرية للكلوفيس والسوليتريين. وأخيرًا ضم جهوده إلى جهود برادلي، الذي كان مقتنعًا بوجود علاقة بين الكلوفيس والسوليتريين.

ويرى كلاهما أن السوليتريين كانوا بحارة وصيادي فقمات يرتحلون بحرًا على طول حافة الغطاء الجليدي بحثًا عن فريسة. وفي وقت ما قبل ما يتراوح بين ٢٣ ألفًا و١٩ ألف عام قادهم ترحالهم إلى الأمريكتين.

يعتقد ستانفورد كذلك أنه كانت ثمة هجرات من آسيا، وخاصة على طول الساحل الغربي للأمريكتين، لكنه يؤكد على أن السوليتريين كانوا أسلاف الكلوفيس.

ويدعم فرضيتهما الاكتشافُ الحديثُ لموقعين على طول خليج تشيزبيك في ميريلاند، وهما مايلز بوينت وأويستر كوف، ويضمان قطعًا أثرية سوليترية الطراز. ويرجع تاريخ كلا الموقعين إلى أكثر من ٢٠ ألف عام. كما يذكر العالمان أنه قد عُثر على قطع أثرية تتميز بالطراز السوليتري في موقعين آخرين يُزعَم أنهما يعودان إلى ما قبل عصر الكلوفيس في شرقي الولايات المتحدة، في مأوى ميدوكروفت الصخري في بنسلفانيا وتل كاكتس في فيرجينيا.

يقول ستانفورد: إن كتاب «عبر جليد الأطلنطي» قد جعل بعض المتشككين أكثر استعدادًا لقبول أفكاره. ففي مقال افتتاحي في «ذا جورنال أوف فيلد أركيولوجي» (المجلد ٣٧، صفحة ٨٣)، كتب المحرران كرتيس رانلز ونورمان هاموند — من جامعة بوسطن — يقولان: إن ستانفورد وبرادلي «لديهما حجة معقولة.»

المياه المفتوحة

لكنَّ ثمة آخرين يرفضون تلك الفرضية. حتى إن لورانس ستراوس — المتخصص في الحضارة السوليترية في جامعة نيومكسيكو بألباكركي — الذي عارض هذه الفرضية لسنوات يقول: «هذه الفرضية لا تتعدى كونها تخمينًا جامحًا. وكل ما يمكنني قوله هو أنه لا يوجد دليل على أن السوليتريين كانوا يبحرون عبر الأطلنطي أو يصطادون الفقمات.»

علاوة على ذلك، في دراسة أجراها كل من كيران ويستلي عام ٢٠٠٨ — الذي يعمل حاليًّا بجامعة أولستر بكولراين في المملكة المتحدة — وجاستن ديكس — من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة — خلصا إلى أن الغطاء الجليدي لم يكن يمتد عبر المحيط لكثير من أوقات السنة. ومن ثَمَّ — على عكس سيناريو ستانفورد وبرادلي — كان لزامًا على السوليتريين أن يبحروا عبر مساحات من المياه المفتوحة (جورنال أوف نورث أتلانتيك، المجلد ١، صفحة ٨٥).

كذلك يشير عالم الوراثة ريبان مالهي — من جامعة إلينوي بإربانا شامبين — إلى أنه لا توجد أدلة من الحمض النووي؛ ويضيف قائلًا: «سيُدَق المسمار الأخير في نعش هذه الفرضية على الأرجح حين نصبح قادرين على تحديد تسلسل الحمض النووي لأشخاص قدماء كانت لهم صلة بشكل أو بآخر بالمواقع التي عاش فيها الكلوفيس.» وبالمصادفة، هذا ما يفعله باحثون في مركز دراسات الأمريكيين الأوائل على هيكل عظمي لرضيع من أنزيك — وهو موقع خاص بالكلوفيس يرجع تاريخه إلى ١٢٧٠٠ عام ويقع في مونتانا. هذه هي البقايا الآدمية الوحيدة الموثوق في أنها من الكلوفيس. وستُعلَن النتائج في وقت لاحق من هذا العام.

أيًّا كان ما سنتوصل إليه من ذاك التحليل، فالأرجح أن النظرية القديمة لن تبقى. يقول إرلاندسون: «لم تعد نظرية «الكلوفيس هم الأمريكيون الأوائل» صالحة، وعلينا أن نستخدم خيالنا للتوصل إلى نظرية جديدة.» أما ماهية هذه النظرية بالضبط فلا تزال قيد النظر، لكنه يعتقد أنها ستتشكل من مزيج يجمع بين الهجرات الساحلية والبرية. الاحتمال الأرجح أن ثمة بشرًا عبروا بيرنجيا إلى داخل الأمريكتين سيرًا على الأقدام — لكنهم قد لا يكونون الوحيدين الذين فعلوا ذلك، وعلى الأرجح لم يكونوا الأوائل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.