مع بدايات القرن الحادي والعشرين، يمكننا رصد آلية متناقضة في عالم السياسة الدولية؛ فمن ناحيةٍ نحن نعيش في عالم يزداد ترابطًا وتتلاشى حدوده يومًا بعد يوم، تفككت فيه تدريجيًّا الحدود القومية أمام حركة البضائع ورأس المال. ومن ناحيةٍ أخرى، بذلت الحكومات حول العالم ما في وسعها لتعزيز حدودها بالحواجز الطبيعية، والتقنيات الحديثة، والعاملين من أجل تقييد حركة الأفراد غير المرغوب فيهم.

تُوجَّه تلك الجهود في الغالب نحو منع الهجرة «غير الشرعية». واليوم، يتحدث السياسيون في عدد من أغنى دول العالم عن «الدفاع» عن حدودهم أو «حمايتها» من «الغزو» المزعوم للعمال واللاجئين المهاجرين، ممن يمثلون في نظرهم تهديدًا لأنماط حياتهم أو وظائفهم أو هويتهم الثقافية. بعد أن كان تحصين الحدود أمرًا ثانويًّا أثناء الحرب الباردة، أصبح مرة أخرى دلالة رمزية على الهوية القومية، ووسيلة لا غنى عنها لتدعيم الفروق بين الهجرة «الشرعية» و«غير الشرعية».

لطالما اعتبرت الدول وحكامها أن القدرة على تحديد من يدخل أراضيها أو يبقى بها اختبارًا محوريًّا لسيادتها، غير أن تحوُّل الحدود إلى مكان يُمنح أو يُمنع عنده حق دخول الدولة بناءً على ما يقدَّم من وثائق لم يتحقق إلا منذ عهدٍ قريب نسبيًّا. فالحدود بين الدول ومراكز القوى المتنافسة في أوروبا في العصور الوسطى كانت رمزية إلى حدٍّ كبير، أو تكونت من حدود مبهمة وتخوم فاصلة بين الدول و«أراضٍ متنازع عليها» ذات وضع غير محدد أو محل نزاع. أما فيما يتعلق بآثارها الفعلية، فقد تكونت «الحدود» الحقيقية من الأسوار المحصنة التي تحيط بالبلدات والمدن، حيث تستطيع السلطات إبعاد الأفراد غير المرغوب فيهم أو غير المؤتلفين بدءًا من المتشردين، والشحاذين، والفقراء المتجولين إلى النساء اللاتي بلا وليِّ أمر، أو المجذومين، أو الغجر، أو اليهود.

ومع اندماج المدن الدول، والبلدات، والدوقيات، والإمارات داخل كيانات أكبر، ومع الخلاص التدريجي من الحواجز الجمركية والتعريفة المحلية، زاد سعي الدول إلى امتلاك نفس سلطات الإقصاء. في عام ١٦٠٤ نشر الجغرافي الهولندي ماتياس كوادت أطلسًا يصف الحدود بين الدول الأوروبية لأول مرة. لكن مع بدايات الحقبة الحديثة في أوروبا، كان المهاجرون لا يزالون يخضعون للرقابة على الأرجح على مستوى المقاطعة أو الأبرشية وليس عند الحدود ذاتها.

في عام ١٥٦١ أمر مجلس الشورى البريطاني في عهد الملكة إليزابيث الأولى السلطات المحلية في أنحاء لندن ﺑ «البحث عن الأجانب والدخلاء في المدينة ومعرفة إجمالي عددهم بغرض التعرف على مثيري القلاقل والمنشقِّين المحتملين عن الدين». وفي مطلع القرن السابع عشر تأسَّف السكرتير الملكي الإسباني فيرناندِث دي ناباريت على حقيقة أن «كل حثالة أوروبا قد أتوا إلى إسبانيا؛ فلا يوجد رجل أصم أو أبكم أو أعرج أو أعمى في فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا أو بلاد الفلاندرز لم يأتِ إلى قشتالة».

كانت مثل تلك الشكاوى برهانًا على انفتاح حدود الدول بعضها على بعض. وحتى أواخر القرن الثامن عشر، كان المسافرون في الأغلب يخضعون للرقابة على مستوى المقاطعة أو الأبرشية. بدأ اليعاقبة أثناء حروب الثورة الفرنسية إصدار بطاقة اعتماد تُمنح للمسافرين الأجانب عند الوصول إلى الحدود الفرنسية، إلا أن «جوازات السفر» البدائية تلك كانت تصدر اعتمادًا على الانتماءات الأيديولوجية لحاملها عوضًا عن جنسيته؛ ومن ثَمَّ توقف استخدامها بعد الحروب النابليونية.

وعلى مدار السواد الأعظم من القرن التاسع عشر، ظلت السيطرة على الحدود غير منتظمة وفي كثير من الأحيان لا وجود لها، في ظل هجرة الملايين من أوروبا إلى العالم الجديد أو داخل أوروبا نفسها دون أي جوازات سفر أو وثائق. في عام ١٩٤٢ تذكر الكاتب النمساوي شتيفان تسفايج دهشة الشباب عندما أخبرهم أنه سافر حول العالم دون جواز سفر قبل الحرب العالمية الأولى.

بدأ الوضع يتغير عقب الأزمة الاقتصادية العالمية عام ١٨٧٣، عندما شرعت الحكومات لأول مرة في وضع ضوابط للهجرة بناءً على الجنسية والانتماء العرقي. في عام ١٨٨٢ أصدرت حكومة الولايات المتحدة «قانون إبعاد الصينيين» الأول استجابةً لضغوط «الخطر الأصفر» العنصرية التي مارسها السياسيون في كاليفورنيا. وفي عام ١٨٨٥ أمر بسمارك بِطرْد ٤٠ ألف عامل بولندي من ألمانيا بزعْم منْع هيمنة الثقافة البولندية على بروسيا. وعام ١٨٩٧ فرضت مستعمرة «ناتال» البريطانية في جنوب أفريقيا اختبارًا للغة الإنجليزية على المهاجرين يمنع دخول أي شخص يعجز عن ملء نموذج طلب مكتوب باللغة الإنجليزية، وهو اختبار أُعد خصوصًا لاستبعاد العمالة الهندية غير الماهرة. أيضًا طبقت أستراليا النظام المعمول به في مستعمرة «ناتال» لإبعاد العمال الصينيين المهاجرين.

حتى في عصر «سياسية عدم التدخل» أصدر البرلمان الإنجليزي «قانون الأجانب» عام ١٩٠٥ استجابةً لحملة ضد «الأجانب المعدمين»، وهي فئة كان يُقصد بها عمومًا اليهود الوافدون من روسيا القيصرية. وترجع أصول تلك القيود إلى المعتقدات الخاصة بتحسين النسل التي كانت سائدة في تلك الفترة، والتي صورت الهجرة من الأجناس «الأدنى منزلة» أو «المنحطة» على أنها خطر على نقاء العرق الوطني. كان المهاجرون يعتمدون اعتمادًا متزايدًا على إثبات هويتهم عند الموانئ وغيرها من منافذ الدخول. تأكد نشوء عالم تقسمه الحدود بناءً على أوراق الهوية أثناء الحرب العالمية الأولى عندما شددت الدول المتحاربة الرقابة على حدودها لدواعٍ أمنية، وهي إجراءات استمرت بعد الحرب وشُدِّدت فيما بعد مع الأزمات الاقتصادية والسياسية في ثلاثينيات القرن العشرين.

مع حلول عام ١٩٣٩ أصبح ذلك العالم المفتوح بعضه على بعض الذي حكى عنه تسفايج ذكرى بعيدة، وأصبحت الحدود القومية وسائل محورية لمنع المهاجرين غير المرغوب فيهم. وفي عالم اليوم المقسم بالكامل إلى دول قومية تحدها الحدود، لا يعد المهاجرون لأسباب اقتصادية أو اللاجئون ممن يحاولون عبور الحدود دون الحصول على الوثائق المطلوبة دخلاء مجرمين فحسب، بل إنهم يخاطرون بأن يصبحوا بلا جنسية في وقت تعتمد فيه الحقوق المدنية والقانونية على حيازة جواز سفر قومي.

وقد يواجه المستبعَدون نتيجةً لذلك الوضع تبعات أليمة؛ فكثير من اللاجئين اليهود فقدوا الشرعية لأن دول العالم حددت نسبًا صارمة من المهاجرين اليهود الذين كثيرًا ما بذل النازيون جهدًا هائلًا لإثبات هويتهم في جوازات سفرهم. لجأ بعضهم إلى التحايل لعبور الحدود، بينما ظل آخرون محاصَرين عاجزين عن الفرار إلى بر الأمان.

وفي رد فعل على هذه الإخفاقات وعلى حالات النزوح الكثيف للسكان بعد الحرب والحدود «المغلقة» للحكومات الشيوعية التي منعت مواطنيها من مغادرة البلاد، تبنت الحكومات «اتفاقية جنيف» فيما يتعلق بوضع اللاجئين بعد الحرب العالمية الثانية، التي ألزمت الدول الموقعة عليها بحماية اللاجئين. وفي عام ١٩٤٨ نصت المادة رقم ١٣ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة على أن «لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده.»

واليوم، تحاول العديد من المجتمعات الديمقراطية الغربية التي انتصرت في الحرب الباردة نيل السلطات الإقصائية التي كان تتمتع بها المدن الدويلات في العصور الوسطى بهدف منع «الفقراء المتجولين» من كافة أنحاء العالم من عبور حدودها، ولتحديد من له الحق في عبور حدودها ومن يبقى داخلها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.