من ميادين فينيسيا إلى أرصفة مدينة نيويورك، تتكرر العبارة ذاتها على اللافتات في شتى أنحاء العالم: «لا تطعم الحمام!» يعلق أونور جونتوركون — الذي درس الحمام لما يزيد عن ثلاثة عقود — على ذلك قائلًا: «نحن نعتبرها طيورًا مزعجة، ليس إلا، لا سيما عندما تحتشد حول ماكدونالدز وتنقر البطاطس المقلية.»

لم يكن الحال دومًا هكذا، فمنذ زمن ليس ببعيد، كنا نحنط عينات الحمام من نوع «كولومبا ليفيا» أو ما يعرف بالحمام البري للعرض في المتاحف الحربية تكريمًا لرحلاتها الشجاعة لنقل الرسائل عبر أراضي العدو. وقد شرع تشارلز داروين في تربية الحمام كي يساعده على دعم نظريته حول الانتخاب الطبيعي، وانبهر بسماته الجذابة. فقبل تلقي زيارة من صديقه عالم الجيولوجيا تشارلز لايل كتب داروين: «سأريك حمامي، إن ذلك في رأيي أعظم متعة يمكن تقديمها لأي إنسان.»

ربما حان وقت استرجاع تلك الأمجاد، فبالإضافة إلى خبرة الحمام الملاحية المعروفة، اتضح مؤخَّرًا أنه قادر على أداء الكثير من المهارات العقلية المثيرة للإعجاب في مجالات متنوعة، مثل: الذاكرة، والرياضيات، وتقدير الفن. بل قد يستطيع الحمام البري التفوق على بعض الرئيسيات في الذكاء.

آفة حضرية أم عبقرية أُسيء فهمها؟
آفة حضرية أم عبقرية أُسيء فهمها؟

يدين الحمام لنا على الأرجح ببعض من ذكائه؛ حيث استأنسه البشر لأول مرة منذ ٥٠٠٠ عام، بتربيته كمصدر للطعام إلى جانب استخدامه لإرسال الرسائل. والحمام الذي نراه يتجول اليوم في الشوارع هو من نسل تلك الطيور المستأنَسَة، لكن الحمام كان على الأرجح يتسكع حول البشر، ويعشش في مساكنهم القديمة، وينقر من فيض الحبوب في حقولهم، حتى قبل أن يبدءوا في تربيته.

إن الحيوانات التي ربطتْ أنفسها بالحضارات البشرية — مثل الكلاب والجرذان — تشترك عادةً في سمات معينة؛ إذ تتمتع بجرأة تزيد على أقرانها في البرِّيَّة، وقد تحولت كذلك إلى حيوانات ليست لها بيئة محددة؛ فبدلًا من أن تحيا في موطن بيئي محدد مثل غابة لأشجار الصنوبر أو قمة جبل، تتبعت البشر في المناطق الحضرية حول العالم. ولكي تستطيع القيام بذلك، كان لا بد أن تكتسب آلياتها العقلية بعض المرونة. يقول جونتوركون، الأستاذ بجامعة رور في مدينة بوخوم بألمانيا: «الحيوانات التي تستطيع التأقلم على الحياة مع البشر تعكس درجة كبيرة من السلوكيات المعقدة من الناحية الإدراكية.»

تلك القدرات بعينها هي ما تجعل الحمام مادة بحثية رائعة، ومما يساعد على ذلك أيضًا توفره على نطاق واسع، ورخص ثمنه، وسهولة رعايته. يضيف جونتوركون: «والأهم هو سلوكه الذي يشبه سلوك الموظف المدني؛ فإذا كلَّفته بمهمة نظير حفنة من الحبوب فسيظل يعمل طوال ساعات.»

كان عالم السلوكيات الأمريكي الشهير بي إف سكينر من أوائل العلماء الذين لاحظوا تلك السمات؛ إذ أصبح مهتمًّا بهذه الطيور أثناء تدريبها على توجيه القنابل في مشروع سري خلال الحرب العالمية الثانية، ورغم أن المشروع لم يؤتِ ثماره قط، فإن سكينر سار قُدُمًا في إنشاء مختبر لدراسة الحمام في جامعة هارفرد. وكما ساهم حمام داروين في تشكيل نظريته عن التطور، اعتمد سكينر على طيوره أثناء وضع نظريته عن الإشراط الإجرائي، والتي تذهب إلى أن السلوك يتشكل عبر التحفيز الإيجابي الناتج عن المكافآت والتحفيز السلبي الناتج عن العقاب.

ورغم أهمية تلك التجارب؛ فإنها لم تسفر في أغلب الأحيان إلا عن سلوكيات انعكاسية تافهة، وفقًا للبروفيسور مايك كولومبو الذي يدرس الإدراك الحيواني في جامعة أوتاجو بنيوزيلندا؛ إذ يقول: «على الأرجح تتحمل تلك التجارب مسئولية جزئية عن اعتقادنا بأن الحمام ليس حيوانًا شديد الذكاء.»

كان كولومبو في يوم من الأيام يتفق مع وجهة النظر هذه؛ إذ بدأ حياته المهنية في الولايات المتحدة بالعمل مع القرود، لكنه عندما انتقل إلى نيوزيلندا، لم يُتح له مختبر لدراسة الرئيسيات؛ ومِن ثَمَّ نقل أبحاثه على مضض إلى دراسة الحمام. يعلق كولومبو على ذلك قائلًا: «سأكون كاذبًا إذا أنكرت فكرتي المبهمة عن الحمام حينئذٍ.» لكن هذا الرأي لم يَدُم طويلًا؛ إذ «تغير موقفي كليًّا؛ إنها كائنات رائعة عندما تدرسها.» وبعد مرور ما يزيد عن ٢٠ عامًا لم يزال كولومبو يمجِّد فضائل الحمام.

من بين تلك الفضائل ذاكرة الحمام الاستثنائية؛ إذ يستطيع تعلم التعرف على أكثر من ١٠٠ صورة وتذكرها لأكثر من سنتين بعدها، هذا فضلًا عن امتلاكه للمقدرة العقلية للتعامل مع الأرقام؛ فمنذ بضعة أعوام عرض كولومبو وزملاؤه على الحمام صورًا تتضمن كميات مختلفة من الأشياء، ودرَّب الباحثون الحمام على نقر الصورة التي تعرض شيئًا واحدًا أولًا، ثم الصورة التي تحوي شيئين، وأخيرًا الصورة التي تعرض ثلاثة أشياء.

بعد ذلك، عرضوا على الحمام صورتين جديدتين، تعرض كلٌّ منها عددًا من الأشياء يتراوح ما بين أربعة وتسعة. ودون أي تدريب إضافي أدركت الطيور أن عليها نقر الكميات الأقل أولًا ثم نقر الكميات الأكبر. في الواقع كان أداؤها على نفس القدر من الكفاءة التي أبداها قرود المكاك الريسوسي في مهمة مماثلة. ويضيف كولومبو أنه على الرغم من أن هذا الأمر لا يعتبر «عدًّا» للأرقام كما نفعل نحن، فإنَّ ذلك يشير بالفعل إلى أن الحمام والرئيسيات يتمتعان بنفس مستوى البراعة في فهم القواعد الرقمية المجردة.

تتعدد الأمثلة الدالة على تفكير الحمام على نحو مجرد، ويعكس ذلك تطورًا مهمًّا يتخطى مرحلة التعلم الشرطي الذي درسه سكينر؛ فعلى سبيل المثال تستوعب تلك الطيور «الاستنتاج الانتقالي»، وهو عبارة عن معضلة منطقية أمعن أرسطو التفكير فيها قديمًا. فإذا كنت تعرف أن ماري أطول من جون وجون أطول من آن، يصبح في وسعك استنتاج أن ماري هي حتمًا أطول من آن. ويستطيع الحمام تطبيق نفس طريقة الاستنتاج تلك على خمسة أفراد.

بل يستطيع الحمام — كذلك — التعرف على أساليب الرسم المختلفة؛ ففي جامعة كيو بطوكيو، اليابان، درَّب البروفيسور شيجيرو واتانابي الحمام على التمييز بين لوحات مونيه وبيكاسو، وبعد ذلك أصبحت الطيور قادرةً على تعميم معرفتها؛ إذ طبَّقت فهمها لمونيه وبيكاسو على فنانين انطباعيين وتكعيبيين آخرين، على التوالي. لكن الأمر المثير للاهتمام هو طريقة عمل نظامها البصري التي تختلف اختلافًا جوهريًّا — على ما يبدو — عن طريقتنا؛ مما يصعِّب علينا تخيُّل كيفية رؤيتها لتلك الأعمال الفنية. (راجع الرسم التوضيحي بعنوان: «منظور عين الطائر».)

من منظور عين الطائر: يرى الحمام العالَم بطريقة مختلفة للغاية عنَّا.
من منظور عين الطائر: يرى الحمام العالَم بطريقة مختلفة للغاية عنَّا.

وبعيدًا عن الفن، يراقب الحمام سلوكياتنا كذلك، وهو أمر قد لا يفاجئنا نظرًا لكوننا نعيش على مقربة كبيرة بعضنا من بعض، لم يتضح ذلك في المختبر بل في حديقة بإحدى المدن؛ حيث كان شخصان — من نفس السن ولهما نفس القامة، ولون البشرة ذاتها، لكنَّ كلًّا منهما كان يرتدي معطفًا بلون مختلف يغطي معظم جسده — يطعمان الحمام، وتعامل أحدهما مع الطيور بطريقة عادية، بينما كان الشخص الآخر يطاردها.

لم يكد يمر وقت طويل حتى تعلَّم الحمام تجنُّب الشخص العدواني، وظل يتجنبه حتى بعدما تبادل الشخصان المعاطف؛ مما يشير إلى تمييزه للأشخاص عبر وجوههم، أو عبر سمات أخرى.

يدل هذا النوع من التعلم المجرد على مستوًى معين من الذكاء، لكن عقول البشر تسع ما هو أكثر بكثير من القدرة على ملاحظة الأنماط؛ فنحن نستطيع التخطيط للمستقبل على سبيل المثال؛ مما يضفي على سلوكنا مزيدًا من المرونة. وتشير بعض الحكايات والنوادر إلى كون الحمام قادرًا كذلك على التخطيط مسبقًا، فلتنظر إلى الحمام «المسافر» الذي يستقل مترو أنفاق مدينة لندن يوميًّا وينتظر لبضع محطات ثم يغادر القطار.

وعلى الرغم من عجزنا المطلق عن معرفة ما يدور يقينًا في عقول تلك الطيور؛ فإن لدى كولومبو بعض الأدلة التي تُثبِت قدرة الحمام الفعلية على التفكير في المستقبل. ففي عام ٢٠١٠، درَّب زوجين من الحمام على نقر ثلاثة أشكال بترتيب معين: أولًا دائرة حمراء، ثم شكل أخضر يشبه البرسيم، وأخيرًا نقطة زرقاء، وبعد ذلك عرض الأشكال الثلاثة على الحمام، لكن مع بعض التغيير. فبعدما نقر الحمام الدائرة الحمراء وجد أن البرسيم والنقطة الزرقاء تبدل مكاناهما فجأةً؛ فإذا كان الحمام قد خطط تسلسل النقر بأكمله منذ البداية؛ فمن المتوقع أن يستغرق فترة أطول لنقر الأشكال الصحيحة؛ نظرًا لأنه سيعدِّل خطته، وهو ما وجده كولومبو بالضبط.

وفي اختبار ثانٍ، غطت مربعات بيضاء غير شفافة البرسيم والنقطة بعدما نقر الحمام الدائرة مباشرةً، ورغم ذلك نقرت الطيور الأماكن الصحيحة حتى دون رؤية الأشكال؛ مما يشير أيضًا إلى إعدادها خطة ترتيب للنقر منذ البداية.

قد لا يبدو تخطيط خطوة أو اثنتين قُدُمًا أمرًا مبهرًا لهذه الدرجة، لكن الدراسة تشير إلى أن الحمام لا يستخدم فحسب مجموعة من ردود الفعل التلقائية، بل يبدو أنه يُمعِن التفكير في الأمور في مكان ما داخل دماغه.

وفي سياق مشابه، تركز الاهتمام مؤخرًا على التساؤل حول ما إذا كانت تلك الطيور فلاسفة مكسوة بالريش تتمتع بسمة متطورة للغاية تُدعَى: «الإدراك فوق المعرفي». تُعرف تلك السمة كذلك بأنها «التفكير في التفكير»، ويتيح لنا هذا الوعي بما لدينا من معرفةٍ تحديدَ ما إذا كنا متأكدين من إجابة اختبار ما، أو أننا نحتاج إلى البحث عن كلمة في القاموس، ويعتبر هذا الإدراك في أغلب الأحيان ذروة القدرات العقلية بالنسبة لمَن يدرسون الوعي الحيواني. ورغم أن بعض الرئيسيات والدلافين تصل إلى هذا المستوى، فإن معظم الحيوانات تفشل في الوصول إليه.

شهد العام الماضي ظهور بعض الأدلة المثيرة؛ إذ دُرب الحمام على تعلم مجموعة من القوائم تتكون من ثلاثة أشكال، ونَقْر رموز على شاشة بترتيب معين، في بعض الحالات كان يُسمَح للحمام بالنقر على أيقونة «تلميح» للحصول على مساعدة، زادت احتمالية طلبه للمساعدة أثناء تعلمه لقائمة جديدة لأول مرة مقارنةً بمراحل التدريب اللاحقة؛ مما يشير إلى تقييم الطيور لما لديها من معلومات، وسعيها للحصول على المزيد وفقًا لحاجتها. وأظهرت دراسة مشابهة أن الحمام سعى للحصول على المزيد من التلميحات أثناء تأدية المهام الأكثر صعوبة؛ مما يدل مجددًا على إدراكه لما يعرفه وما لا يعرفه.

رغم ذلك اكتشفت دراسات أخرى — من ضمنها مجموعة من الاختبارات أجرتها عالمة النفس سارة شيتلوورث الأستاذ بجامعة تورونتو بكندا — أدلةً متضاربةً حول قدرة الحمام على التفكير في التفكير؛ ولهذا السبب ما زال باحثون، من بينهم كولومبو وواتانابي، غير مقتنعين؛ إذ يرى كولومبو أن الأدلة على وجود هذه المهارة المتطورة مشكوك بها إلى حدٍّ ما حتى لدى الرئيسيات غير البشرية.

وعلاوة على ذلك، ثمة بعض الأدلة المثيرة للاهتمام بالقدر ذاته — رغم كونها غير قاطعة — على تمتُّع الحمام بنوع آخر من الوعي بالذات؛ ألا وهو التعرف على الذات. بغية اسكتشاف هذه السمة، طالما استخدم علماء النفس «اختبار المرآة»؛ حيث يلطخ الباحث خلسةً الحيوان ببقعة طلاء، ثم يضعه أمام مرآة، فإذا حاول الحيوان حكَّ الطلاء من جسده فإن ذلك يوحي بتمتُّعه بمستوًى من الوعي الذاتي يكفي لفهم فكرة الانعكاس.

اجتازت القرود والدلافين، وحتى غربان العقعق اختبار المرآة. لكن تطبيق الاختبار على الحمام كان أكثر تعقيدًا. قد لا تندهش إذا عرفت أن الحمام لا ينزعج كثيرًا من وجود بقعة على ريشه نظرًا لمظهره غير النظيف. ومِن ثَمَّ اضطر الباحثون إلى تدريبه أولًا على نقر بقع طلاء مرسومة على جسده، ثم حددوا الأجزاء التي لا يمكن رؤيتها إلا عبر المرآة، وبالفعل استخدم الحمام انعكاسه لتحديد البقعة؛ ومن ثم نقرها.

لكن جونتوركون يرى أن ذلك التدريب الإضافي يجعل من الصعب التوصل إلى استنتاجات أكيدة، مضيفًا: «لم تُدرَّب قرود الشمبانزي، ولا الأورانجوتان، ولا الأفيال، ولا غربان العقعق على هذا النحو قط، بل قاموا بذلك عفويًّا. لا أزعم أن الحمام عندما ينظر إلى المرآة لا يدرك على الإطلاق أن ما يراه هو انعكاسه، لكن الطريقة التي نختبره بها لا تثبت العكس.»

ربما يقدم مختبر واتانابي الدليل الحاسم؛ فقد برهن على أن بمقدور الحمام التعرف على نفسه في مقطع فيديو؛ إذ درَّب الطيور على نقر لوحة مفاتيح عند مشاهدة نفسها في مقاطع فيديو تُبَثُّ مباشرةً، وتجنُّب النقر عندما ترى نفسها في أفلام مسجلة من قبل، ثم جعلها تشاهد مزيدًا من مقاطع الفيديو المباشرة ولكن مع تأخر زمني، ووجد أن الحمام استمر في النقر حتى مع وجود تأخر زمني قدره ثانيتان. بعبارة أخرى: أدركت الطيور — على ما يبدو — أن مقاطع الفيديو تعرض آخر سلوك مارستْه على الرغم من التأخر الزمني.

يقول واتانابي إن التعرف على النفس في مقطع فيديو ظاهرةٌ نادرةٌ بين الحيوانات غير البشرية؛ فالقرود والأفيال والدلافين هي الحيوانات الوحيدة التي يُعرف عنها امتلاكها لهذه المهارة، بل وإضافة إلى ذلك يعتقد واتانابي أنه عثر على دليل يُثبت استطاعة الحمام التعرف على ذاته تلقائيًّا أمام المرآة، لكن تلك الدراسة ما زالت في طور المراجعة السابقة للنشر؛ ومن ثَمَّ لا يستطيع مناقشة التفاصيل بعد.

وسواء أكان الحمام قادرًا على التفكير في ذاته أم لا؛ فمن الواضح أنه أذكى بكثير مما كان يتوقع معظمنا، لكن هل يعني ذلك أن علينا رفعه إلى مرتبة القرود والأفيال؟

يزعم جونتوركون أن تلك خطوة مبالغ فيها، فالكثير من الحيوانات ستتمكن على الأرجح من أداء ألاعيب عقلية مشابهة إذا اختبرناها على نحو منهجي، ويضيف: «لا تستهن أبدًا بقدرة الحيوانات الإدراكية.»

بالنسبة إلى كولومبو؛ فإننا لا نستنتج من ذلك أن الحمام طائر في ذكاء أينشتاين، بل نستنتج أن الرئيسيات ليست حيوانات متفردة في النهاية. ومع تزايد أعداد الحيوانات التي أثبتت قدرتها على أداء حِيَل عقلية تُباري قدرات البشر؛ فإن ذلك كله يشير إلى سؤال واحد: هل البشر كائنات فريدة من نوعها؟ ربما يجيب الحمام — الذي يعتبره البشر آفة ويشمئزون منه — على هذا السؤال بالنفي.

مسارات متوازية

يختلف دماغ الحمام عن دماغ البشر اختلافًا جذريًّا، وهي حقيقة لا تدهشنا؛ نظرًا لأن كلًّا منهما تطور في اتجاه مختلف على مدار ٣٠٠ مليون سنة. ومع أن بعض وظائف الدماغ الأساسية قد حُددت قبل انفصال مسارات التطور إلا أن كثيرًا من الأنظمة الأخرى قد تطوَّر خلال آلاف الأعوام التالية.

رغم ذلك، ربما لا تختلف أدمغة البشر عن أدمغة الطيور بالقدر الذي تبدو عليه (انظر الرسم التوضيحي)؛ ففي أدمغة الرئيسيات، تختص القشرة الجبهية الأمامية بقدرتنا على تخطيط سلوك ما لتحقيق هدف، وهي مهارة تعرف باسم: التحكم التنفيذي، وللقيام بذلك تقوم القشرة الجبهية الأمامية بغربلة المعلومات المتدفقة إلى داخل أدمغتنا لتحديد المعلومات المهمة وتلك التي يمكن نسيانها، على حد وصف مايك كولومبو، عالم الأعصاب والباحث في مجال إدراك الحيوانات في جامعة أوتاجو بنيوزيلاندا.

على الرغم من اختلاف المظهر الخارجي، يبدو أن دماغ الطيور يعمل على نحو مماثل لدماغنا، مع وجود تماثل واضح في الوظائف التي تؤديها المناطق المختلفة.
على الرغم من اختلاف المظهر الخارجي، يبدو أن دماغ الطيور يعمل على نحو مماثل لدماغنا، مع وجود تماثل واضح في الوظائف التي تؤديها المناطق المختلفة.

اكتشف كولومبو أن الطيور كذلك تمتلك بعض سمات التحكم التنفيذي؛ إذ يحتوي دماغ الحمام على منطقة تُدعَى «نيدوباليوم كاودولاتيرالي» تتولى ترشيح المعلومات لتحديد ما يجب تذكره وما يمكن نسيانه.

لكن الأمر لا يقتصر على وجود تشابه بين وظائف أدمغة الطيور ووظائف أدمغتنا، بل هي تؤديها كذلك بنفس الطريقة، وهذا ما يصفه كولومبو قائلًا: «إذا ما نزلنا عند المستوى العصبي، يبدو أن ما تقوم به الخلايا لدى كلٍّ منا متماثل.» رغم أن المناطق المختصة بتلك الوظيفة لدى البشر والطيور يُعتقد أنها تطورت على نحو منفصل.

بعبارة أخرى: ربما يسلك التطور السبل نفسها لحل المشكلات الإدراكية المتماثلة، كما يقول جونتوركون، عالم النفس بجامعة رور في مدينة بوخوم بألمانيا. وهو يقول إنه عندما يتعلق الأمر بالدماغ والسلوك «ربما كررت الطبيعة نفس الابتكار مرتين، ولكن بشكل جديد.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.