تلقت المؤسسة العسكرية البريطانية قبل ثلاثة عشر عامًا من اندلاع الحرب العالمية الأولى تحذيرًا واضحًا بأن شن عمليات هجومية في إطار صراع أوروبي كبير لن يكون ناجحًا، وأن مثل هذه الحرب لن تنتهي إلا عندما يُستنزَف أحد الجانبين تمامًا.

صدر هذا التوقُّع في عام ١٩٠١ في المؤسسة الملكية للخدمات المتحدة (المعهد الملكي للخدمات المتحدة حاليًّا) وهي أحد بيوت الخبرة العسكرية وملتقى نقاشات في وايت هول أنشأه في عام ١٨٣١ دوق ويلينجتون. وقد جاء التحذير في محاضرة ألقتها شخصية غير متوقعة وهي يان بلوخ، أو جان دي بلوخ كما عُرِفَ فيما بعدُ. لم يكن بلوخ رجلًا عسكريًّا، بل كان مصرفيًّا وخبيرًا ماليًّا وُلِدَ في بولندا عام ١٨٣٦ وارتقى إلى منصب سيادي في الإمبراطورية الروسية، التي كانت بولندا جزءًا منها في هذا الوقت. وكان شخصية مهمة في منظومة السكك الحديدية الروسية وأصبح مهتمًّا بالشئون الدولية. وقد دعا إلى أن يحل التحكيم محل الحرب كوسيلة لحل النزاعات، كما أنه نظم مؤتمرًا للسلام في لاهاي عام ١٨٩٩ لخدمة هذا الهدف.

لقد قدم أطروحته لأول مرة في كتاب مكوَّنٍ من ستة مجلدات نُشِرَ في باريس عام ١٨٩٨ حمل عنوان «حرب المستقبل وما لها من علاقات فنية واقتصادية وسياسية»، حيث أشار في هذا الكتاب إلى أن قوة الدفاع في الحروب الحديثة تجعل من المستحيل الفوز بالحروب — لا سيما الصراعات في أوروبا — دون تكبُّد كمٍّ هائل من الضحايا.

استنتج بلوخ في النهاية أن الحكومات لن تستطيع — أو بالأحرى لا تستطيع — الدخول في حرب لأنها ومجتمعاتها ستُدمَّر إن فعلت ذلك. لقد كان محقًّا في فكرته الأولى، لكنه كان بالطبع مخطئًا في الثانية. وقد قام بتحرير العمل في مجلد واحد، نُشر بالإنجليزية عام ١٨٩٩ تحت العنوان الجذاب: «هل الحرب مستحيلة الآن؟»

انتشرت أفكار بلوخ على نطاق واسع في بريطانيا من خلال الصحفي المتخصص في شئون الحملات الصحفية دبليو تي ستيد، الذي كان يشترك مع هذا الخبير المالي في حماسه لوجود تحكيم دولي. ومن أجل المساعدة في شرح فكر بلوخ للجماهير، أجرى ستيد لقاءً طويلًا معه، طُبع كمقدمة للنسخة الإنجليزية من كتابه. أوضح بلوخ أولًا أنه لا يتحدث عن الحروب الاستعمارية، التي يطلق عليها «نزاعات حدودية … حملات عديمة الفائدة ضد شعوب شبه بربرية». فهو يتحدث عن الحرب في أوروبا؛ إذ يقول: «بعبارة أخرى، الحرب التي جرى الحديث عنها كثيرًا وتأجَّلت باستمرار بين فرنسا وألمانيا بسبب المقاطعتين [مقاطعتي الألزاس واللورين] المفقودتين.»

كانت حجته أنه في الحروب الحديثة لا يستطيع الجنود الوصول إلى العدو لأن مئات الياردات الأخيرة قد أصبحت مميتةً لدرجة تعيق التقدم؛ ففي البداية كان المدى المتزايد للبندقية عديمة الدخان: ٣ آلاف أو ٤ آلاف متر، أو من ميلين إلى ثلاثة أميال. ثم أصبح بالبندقية مخزن ذخيرة، ويقول بلوخ: «أدَّت إمكانية إطلاق نصف دستة من الرصاصات دون الحاجة إلى التوقف من أجل إعادة حشو البندقية إلى تغيير مجريات الحرب الحديثة.» ففي هذه المرحلة لم يكن مدركًا مدى الدمار الذي سيصل إليه المدفع الرشاش. ثالثًا: ظهرت المدفعية التي كانت قوتها هائلة بالفعل لدرجة أن قذيفة واحدة تستطيع «أن تدمر فعليًّا كل صور الحياة في نطاق ٢٠٠ متر من نقطة الانفجار».

تجاهل بلوخ السونكي، وقارن تمسك الفُرَقَاءِ الأوائل بها بولع الأدميرالات القُدامى بالأشرعة، لكنه توقَّع تطور حرب الخنادق:

سيتحصن الجميع في الحرب القادمة بالخنادق؛ فهي ستكون حربًا ضخمة ستُحفر فيها الخنادق. فالمجرفة ستصبح لا غنى للجندي عنها مثل بندقيته. فأول شيء سيتحتم على كل جندي القيام به — إن كان يخاف على حياته — هو عمل حفرة في الأرض. ستصبح الحرب — بدلًا من كونها سجالًا عن قرب يُخضع فيه المتقاتلون تفوقهم المادي والمعنوي للاختبار — حالة من الجمود، لا يستطيع أي من الجيشين فيها الوصول للآخر، فيهدد كل منهما الآخر، لكنهما لا يقدران على شن هجوم نهائي حاسم … وأنا أؤكد أن هذه الحرب ستصير مستحيلة تمامًا.

عُرضت آراء بلوخ على جمهور من العسكريين البريطانيين في المؤسسة الملكية للخدمات المتحدة في يوم الاثنين ٢٤ يونيو عام ١٩٠١؛ فكان بحثه — الذي قرأه أحدهم بالإنجليزية — طويلًا للغاية لدرجة أنه تحتم عقد جلستين إضافيتين من أجل تلقي الأسئلة وردوده عليها وعقد نقاش ختامي.

كان ذلك الصيف وقتًا مناسبًا للمؤسسة الملكية للخدمات المتحدة لتتأمل موقف الحرب الحديثة؛ فلقد انتهى عصرٌ بوفاة الملكة فيكتوريا في شهر يناير من ذلك العام، كما كانت التكنولوجيا العسكرية تتطور بخطًى سريعة. وفي خلفية هذه الأحداث كانت ألمانيا تخطط فعليًّا لكيفية خوض حرب ضد فرنسا وروسيا. وكانت عزلة بريطانيا الكبرى تقترب من نهايتها، وسيعقب ذلك عمَّا قريب إبرام معاهدة مع اليابان واتفاق عسكري سري مع فرنسا سيحددان الجانب الذي ستنحاز إليه بريطانيا في الحرب المستقبلية بين فرنسا وألمانيا. وكانت تجربة حرب البوير الثانية — أو حرب جنوب أفريقيا — في وقت قريب حيث بدأت في عام ١٨٩٩.

يمكن استخلاص بعض الدروس من هذه الحرب، فرغم أنها لم تنتهِ حتى العام التالي، فإنها قد أصبحت بالفعل في مرحلتها الأخيرة حيث تحول البوير إلى قوات حرب عصابات تحت وطأة الأعداد البريطانية الغفيرة. وكان من بين جمهور بلوخ المحاربين القدامى في حرب البوير.

قارن بلوخ بين حصار باردبيرج (فبراير ١٨٩٩)، حيث استسلم البوير عقب صد هجوم مباشر للمشاة، وبين المعركة التي وقعت على تل سبيون كوب (يناير ١٩٠٠)، حيث هُزم البريطانيون عند محاولتهم تحرير مدينة ليديسميث. (أخذت على الفور العديد من أندية كرة القدم البريطانية كلمة «ذا كوب» وأشارت بها إلى الصفوف المرتفعة لمدرجات المشاهدين.) قال بلوخ: «حصَّن البويريون باردبيرج، بينما وجد البريطانيون — نتيجة للطبيعة الصخرية للأرض والظروف الأخرى — أنه من المستحيل تشييد التحصينات في منطقة سبيون كوب.»

كانت النتيجة أن البويريين خسروا ١٧٩ رجلًا فحسب في باردبيرج، بينما لقي ١٥٠٠ بريطاني حتفهم في سبيون كوب. أما في حصار البويريين لمدينة ليديسميث فقد انقلبت الأوضاع:

لم تحدث أسلحة البويريين — عندما وُجهت صوب التحصينات البريطانية — سوى خسائر ضئيلة على نحو سخيف؛ فلم تتعدَّ خسائر القصف الذي استمر مدة أربعة أشهر لمدينة ليديسميث ٢٥٠ قتيلًا وجريحًا.

أشار بلوخ — مثل البريطانيين — إلى المهارة التي شيَّد بها البويريون خنادقهم:

لقد أقاموا حواجز على مسافات متقاربة للوقاية من التعرُّض لنيران العدو، ومن أجل الحد من تأثير القذائف المتفجرة. ولقد شُيدت ملاجئ الحماية من القنابل على شكل زجاجة بفوهة ضيقة، حتى لا تستطيع القذيفة الدخول إليها إلا مصادفةً. كما شُيدت خنادق أخرى في خط متعرج، حتى إذا انفجرت قذيفة في مثل هذا الخندق، فإنها تصيب رجلين أو ثلاثة فحسب في الجزء التي تسقط فيه. إضافة إلى ذلك، حفروا كهوفًا في الأجزاء الأمامية من الخنادق كانت محمية بالكامل من القنابل. كانت هذه الخنادق غير مرئية، فأُخفيت باستخدام أغصان مقطوعة وأشياء أخرى، بحيث كانت نسبة إصابة قذيفة ساقطة لها لا تزيد عن واحد في الألف. وحتى إن سقطت قذيفة، فقد كانت طريقة التشييد تجعل تأثيرها محصورًا في منطقة سقوطها فحسب.

توقَّع بلوخ اندثار سلاح الفرسان؛ فهم في أوروبا لن يستطيعوا الالتفاف حول خط من الخنادق مثلما فعل السير جون فرينش من قبلُ في جنوب أفريقيا من أجل تحرير كيمبرلي في فبراير من عام ١٩٠٠:

إن التحصينات المتواصلة على كل الحدود الأوروبية تجعل من المستحيل تقريبًا حتى محاولة القيام بمثل هذه الهجمات الجانبية التي يبرع هؤلاء الفرسان في القيام بها.

حثَّ بلوخ جمهوره على الاعتقاد في أن دروس جنوب أفريقيا يمكن تطبيقها على حرب تندلع في أوروبا:

من الواضح أن الدرس الأساسي المستفاد من الحرب في ترانسفال هو أنه من غير المعقول افتراض أن نتائج حرب هجومية يمكن اعتبارها واعدة ضد أيَّةِ قوة عظمى أو — حتى الأكثر من ذلك — ضد تحالُفٍ من القوى، أيًّا كانت الاتحادات التي تكوِّنها أية دولة أو تحالف من الدول.

وأضاف:

في المناقشات التي أجريتها مع الجنود دائمًا ما كنت ألاقي اعتراضًا على فكرة استخدام الألمان مثل هذه الأعداد من الرجال، وأن الدروس المأخوذة من الحرب في ترانسفال لا أهمية لها؛ فإن العديد من الرجال — على حدِّ قولهم — سيُفقدون، لكن خطوط الدفاع ستنهار على أية حال. فمن الضروري ملاحظة أن العسكريين الثقات الذين ذكرتهم بالفعل أعلنوا أنه كلما زادت أعداد الجنود، زاد حجم الهزيمة.

توقَّع بلوخ بدقة احتمال نشوب مثل هذه الحرب، فتساءل: «ماذا سيحدث في الحرب التي ستقع بعد ١٠ أو ١٥ عامًا من الآن؟ وماذا ستكون عواقبها؟»

وخلال طرح الأسئلة بدا واضحًا أن بلوخ لم يقنع الجميع برؤيته. فظل العقيد سي إم إتش داونينج من سلاح المدفعية الملكي واثقًا في فرعه من الجيش:

أعتقد أن سلاح المدفعية عند الهجوم سيلعب الدور نفسه الذي يلعبه دومًا، وهو دعم هجوم المشاة، والطريقة الوحيدة للقيام بهذا الأمر هي كبح نيران المدافعين، وليس بالضرورة إلحاق خسائر فعلية بهم.

اتهم سي إي ويبر — اللواء السابق في سلاح المهندسين الملكي — بلوخ بمعارضة الحرب، وهاجم ما اتَّصف به بلوخ — على حد تعبيره — مما «يُعرف بانعدام الشوفينية وافتقار الروح العسكرية، والإنسانية ضعيفة الإرادة … «السلام بأي ثمن» السلام الذي يريد منَّا صديقنا التقاعد على إثره».

اعترض العقيد إف جيه جريفز على أن بلوخ قام «ببساطة بإهانتنا نحن سلاح الفرسان»، وأكد على أن الحرب ليست «مجرد قذائف تُطلق فحسب … فأنا أقول إن الحرب في جنوب أفريقيا لا يوجد بها … ما يثبت حجة بلوخ. وأنا أؤمن أن سلاح الفرسان … أمامه مستقبل باهر.»

تكررت هذه الثقة في عام ١٩٠٦ في اجتماع آخر في المؤسسة الملكية للخدمات المتحدة، يتحدث عن مستقبل سلاح الفرسان رأسه الفريق السير جون فرينش، بطل كيمبرلي. وأعلن العميد إدوارد بيثيون، العضو السابق في فرقة حاملي الرماح الملكية، الذي قاد مشاته الراكبين في حرب البوير: «نحن في حاجة إلى المزيد والمزيد من الفرسان.» يمكن رؤية وجهة نظره في الأسلحة الحديثة في تعليقه على اختياره للسلاح لفرسانه: «إنَّ لدي ولعًا بالرمح.»

كان الرجال العسكريون عند الاستماع لبلوخ متشككين — بالطبع — في زعمه أن الحرب أصبحت الآن «مستحيلة»؛ فقد كانوا على معرفة تامة بالحكومات، وعلى أية حال كان من الواضح أنهم بدءوا يقنعون أنفسهم بأن وضع تكتيكات جديدة بإمكانه التغلب على المشكلات الجديدة؛ مما يجعل الحرب ممكنة جدًّا. أشار الأدميرال السير إي آر فريمانتل إلى أن سقوط عدد ضخم من الضحايا لم يوقف الحرب من قبلُ. وقد أنذر بدخول قوة هائلة مثل القنبلة النووية معترك الحرب، حيث قال: «حتى نستطيع إنتاج قوة تشبه فريل في رواية بولوير ليتون «العرق القادم» تستطيع تدمير جيوش عن بكرة أبيها، أنا أشك أن الحروب ستتوقف في العالم كله بسبب أي تقدم حديث في أدوات الحرب.» كان فريل يمثل قوة تدميرية هائلة ظهرت في رواية إدوارد بولوير ليتون عام ١٨٧١.

وفي تلخيص رئيس الاجتماع اللواء السير جي إف موريس، رفض فكر بلوخ، مشيرًا إلى أن المدفعية يمكنها الاستمرار في تأدية دورها:

إذا كانت النتيجة هي حبس الرجال داخل جحر مثل الفئران؛ فالأمر سيكون كما لو أنك قتلتهم في الحال. لا يجب أن نتسرع في إقرار استنتاجات المحاضر بشأن عدم قدرة سلاحي المدفعية والفرسان على تأدية عملهما على الوجه الأمثل.

لم يتجاهل الجيش البريطاني بلوخ؛ فقد تمَّ الاعتراف لعقود بالأخطار التي تواجه القوات في «آخر ٥٠٠ ياردة»، على الأقل منذ معركة جيتيسبيرج عام ١٨٦٣. لم يكن رد فعل الجيش هو صرف النظر عن قوة الدفاع؛ فقد شعروا أن الحل يكمن في زيادة قوة الهجوم، وسلاح المدفعية — كما يُقال — هو السبيل للقيام بذلك.

وهنا كانت توجد ثغرة في تحليل بلوخ؛ فهو لم يتوقع ظهور القصف غير المباشر من المدفعية الثقيلة، الذي كان سمة من سمات الحرب العالمية الأولى؛ ونتيجة لذلك، جنح الجنود في سلاح المدفعية إلى تجاهل تحذيراته. وفي عام ١٩٠٦، نشرت مجلة «جورنال أوف رويال أرتيليري» مقالًا بقلم النقيب إي ناش استعرض الحرب الروسية اليابانية التي اندلعت مؤخرًا:

إن أكثر ما يثير الدهشة نجاح هجمات اليابانيين على الجبهة؛ فعقب حرب جنوب أفريقيا ظهر كثيرون يقولون إن الهجمات على الجبهة أصبحت مستحيلة … بمعنى … أن الهجوم نادرًا ما سينجح. وفي هذه الحرب الأخيرة، كان الهجوم دائمًا ما ينجح.

ومع ذلك استنتج كريس بيلامي في سرده لفكر بلوخ في مجلة «جورنال أوف رويال يونايتد سيرفيسيز إنستيتيوت» في عام ١٩٩٢، أن الجيش لم يحل قط المشكلة التي أطلق عليها بلوخ اسم «أهوال الهجوم على الجبهة». استشهد بيلامي بالتنظيمات الميدانية السابقة للمعركة مشيرًا إلى أن شن هجوم على جبهة عدو في موقف متأهب «يزيد من احتمالات فشله» ومن ثَمَّ «يجب اتخاذ قرار بشأن جناحي الجيش»؛ فقد أشار إلى أن بلوخ قد توقع أن جناحي الجيش لن يصبح لهما فائدة في حرب أوروبية في المستقبل لأنه لن يوجد جناحان للجيش من الأساس؛ فإن الجبهة الأمامية بأكملها ستكون محصنة في الخنادق ولن يوجد سبيل للالتفاف حولها. أما في الواقع فقد شُنَّت الهجمات على الجبهة لعدم وجود بديل لها؛ فكان الأمل معقودًا على تدمير المدفعية للمدافعين أو على الأقل دفعهم إلى الاحتماء. وسريعًا ما اتضح فشل هذه الطريقة.

لم يودع الجيش البريطاني ثقته في سلاح المدفعية وحده، فقد اعترف بأنه من أجل الهجوم الأخير على أرض معرَّضة لإطلاق النيران، يجب توفير تدريب أفضل للجنود. وعادةً ما يُنسى أن شعار «كن مستعدًّا» الذي وضعه بادن باول للحركة الكشفية التي أسسها عقب عودته من حرب البوير يعني، على حد قوله: «كن مستعدًّا للموت من أجل بلدك، حتى عندما يحين الوقت تدافع عن وطنك بإيمان دون الاكتراث بما إذا كنت ستُقتَل أم ستبقى حيًّا.»

وفي الوقت المناسب ستوضع استجابة الفرقاء الأوائل لقوة الدفاع قيد الاختبار؛ فقد اتضح أن جهل بلوخ بإطلاق النيران غير المباشر لم يشكل اختلافًا كبيرًا لتنبؤاته.

كانت الحرب بين روسيا واليابان تمثل للوهلة الأولى إخفاقًا لنظرية بلوخ عن الحرب، بسبب نجاح خطة اليابانيين الهجومية. إلا أن الاستنتاج الأساسي الذي استنبطه أحد كبار المراقبين البريطانيين للجانب الياباني من هذه الحرب لم يكن أن الحرب يجب تجنبها بسبب الكم الهائل من الضحايا التي أصبحت تقتضيه حاليًّا، بل كان إنه يمكن الانتصار فيها. لقد كان هذا المراقب هو الفريق السير إيان هاملتون — المشارك فيما بعدُ في معركة جاليبولي — وهو صاحب كتاب «ذكريات ضابط أركان خلال الحرب الروسية اليابانية» الذي نُشر في ١٩٠٥، استنادًا إلى خبراته في مراقبة استراتيجية اليابان العسكرية.

كان هاملتون منبهرًا للغاية بالمدفعية وكتب عن تلقيه لبرقية من صديق له يقول فيها عن معركة يالو في ١٩٠٤: «لقد فعلتْها المدافع الكبيرة، أطيب التهاني.» وفي أثناء مأدبة عشاء في مركز القيادة الياباني للفريق أول كاداما، أيَّد هاملتون «استخدام شيء أكثر قوة في الحرب من المدافع الميدانية العادية». ضمت جماعة الضغط المؤيدة للمدفعية هاملتون في صفها، ولم تقلل الحرب الروسية اليابانية من شأن فلسفتها. إلا أن الكاتب العسكري البريطاني البارز في هذا الوقت، باسيل ليدل هارت، استخدم الحرب نفسها دليلًا على كون بلوخ محقًّا:

تقريبًا كل تطور أخرج الحرب العالمية عن السيطرة أنذرت به الحرب الروسية اليابانية، مثل: القوة التعجيزية للأسلحة الآلية، واليأس من نجاح الهجمات على الجبهة، والتطور اللاحق للخنادق والأسلاك الشائكة، ولمواجهة هذا كله: القنابل اليدوية والأسلحة الثقيلة. وفي ضوء الحرب الروسية اليابانية، لا يحتاج الأمر إلى عرَّاف للتنبؤ بأنه مع وجود جيوش كبيرة في مساحة صغيرة، فإن الخطوط الأمامية المحصَّنة بالخنادق ستمتد سريعًا على طول الحدود بأكملها ويتبعها حالة من الجمود. تنبَّأ بهذا قبل عشرين عامًا مصرفيٌّ بولندي مهتم بالحرب يُدعى بلوخ، والأمر الوحيد المثير للدهشة هو أن عددًا قليلًا للغاية قد صدقه.

كذلك وجَّه الخبير الاستراتيجي البريطاني البارز جيه إف سي فولر مديحه إلى بلوخ:

إن وصفه للمعركة الحديثة دقيق؛ فهو تمامًا كما حدث بعد ١٧ عامًا. كما أن تنبؤه بالحرب لم يكن أقل دقة. فكما توقع بلوخ، كان الحكم النهائي هو المجاعة.

وقد أشار مؤخرًا المؤرخ العسكري كوريلي بارنيت إلى:

اتفق تقريبًا جميع المفكرين قبل الحرب على أن الحرب ستكون قصيرة، وتتحدد نتيجتها في معارك المواجهة الكبرى. وحده مصرفي بولندي يُدعى جان دي بلوخ … تنبأ بنشوب حرب استنزاف طويلة تخوضها جيوش محبوسة داخل منظومات من الخنادق.

لم يكن بلوخ المتنبئ الوحيد، فقد كتب نقيب فرنسي يدعى إيميل مايور — كان معاصرًا للمشيرين جوفر وفوش، حيث كان الثاني مؤيدًا شديدًا للهجوم — دليلًا عن المدفعية في ١٨٩٠ قال فيه: «إن المدفعية ستصبح الذراع الطولى، محور المناورة … هل يعني هذا الآن أن الأفضلية من الآن فصاعدًا ستذهب إلى الدفاع؟» هذا وقد كان من المؤيدين الآخرين للدفاع العقيد الفرنسي أوجست جروارد.

يجب أن يكون لدى فرنسا مبدأ أن تترك للعدو مبادرة القيام بالتحركات الأولى، ثم عندما نكتشفهم، نرد بضربة مضادة قوية على نقطة مختارة بعناية.

كان هذا عكس ما قام به الفرنسيون في عام ١٩١٤ بموجب خطتهم السابعة عشرة، فقد صاروا منشغلين بروح الهجوم. توصل الفرنسيون إلى استنتاج من الحرب التي خسروها أمام البروسيين في ١٨٧٠ إلى أنهم كانوا يعوِّلون كثيرًا على الدفاع وأن توجيه هجوم مباشر في صراع مستقبلي سيُفقد الألمان توازنهم. وحدث الهجوم كما كان متوقعًا وسط خسائر مروعة وأدى إلى الانسحاب. وبالطبع تلاشى هجوم الألمان في المقابل في إقليم المارن الفرنسي في سبتمبر من عام ١٩١٥. أشار ليندل هارت، مستخدمًا عبارة كان بلوخ نفسه سيوافق عليها: «لقد كانت تقريبًا حقيقة رياضية، بالبيانات التاريخية، أن زحف الألمان المتعقبين على فرنسا … سينتهي بالفشل.»

أدرك بلوخ أن أفكاره تتعرَّض للرفض بازدراء:

دعونا لا نقبل دون تفكير وجهة نظر من يتظاهرون بأن الهجوم لم يفقد أيًّا من قيمته. يشعر المرء بقرب وقوع مفاجأة مروِّعة تخبئها الأقدار، ويعلم — للأسف — أن الحل سيكون على حساب دماء كثير من الضحايا من البشر.

كُفي بلوخ ألم رؤية إثبات صحة نظرياته، وإثبات خطأ توقُّعه بأن الحرب حاليًّا مستحيلة، فقد توفي إثر قصور قلبي في العام التالي لحديثه في لندن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    HUSSAIN HILAL ·٩ يونيو ٢٠١٤، ١١:٦ ص

    مجهود رائع الف تحية ،،،اتمني اصدار كتاب عن الحر بالعالمية الاولي خصوصاً سوف نعيش ذكراها المئوية بعد ايام،،الف شكر من اعماق القلب