إننا نعيش في عصر العلم، عصر الآلة، عصر الإنتاج الضخم، ولكن على غرار جميع العصور المنصرمة لا يخلو هذا العصر من نقاد معاصرين. وها هم هنا يدفعوننا إلى الاعتقاد بأن … العامل قد أصبح عبدًا للآلة، وأن الإنتاج الضخم قد أغرقنا في المادية، وحوَّل الحرفي الماهر إلى مجرد شخص مهمته إحكام ربط مسمار البراغي، وسلب الجمال من العالم … إذا صح كل ما سبق، فهو قطعًا نتيجة مؤسفة لسلسلة ممتدة من الانتصارات الفكرية التي منحت الإنسان — على مر المائة والخمسين عامًا الأخيرة — قدرًا كبيرًا من السيادة على بيئته.

مصنع صلب على نهر أليجيني بولاية بنسلفانيا.
مصنع صلب على نهر أليجيني بولاية بنسلفانيا.

إذن، ما هي العلاقة الحقيقية بين العامل والآلة؟ وما هي علاقة الآلة ذاتها بالمجتمع ككل؟ … على مدار سنوات، روَّج العمال اليدويون فكرة خاطئة تزعم وجود قدر معين من العمل المطلوب أداؤه في العالم، وبما أن هذا القدر بدا لهم بالكاد كافيًا ليحتفظوا جميعًا بوظائفهم، بدا واضحًا أن أيَّ جهاز يُمكِّن رجلًا واحدًا من أداء عمل اثنين، فلا بد وأنه سيحرم الثاني من وظيفته.

مما لا شك فيه أن الآلة الكاتبة قد حلت محل عدد من الناسخين، لكنها كذلك قدمت فرص عمل لعدد أكبر بكثير من كُتَّاب الآلة الكاتبة … ووفرت وظائف لآلاف العمال في المصانع التي تصنع الآلات الكاتبة وملحقاتها … ولا شك أيضًا أن إدخال الأدوات التي تعمل بضغط الهواء مثل ماكينة البرشمة، والمثقاب، وأزميل الحجر قد أدى إلى حرمان بعض الأفراد من العمل لفترة من الزمن، لكن تلك الأدوات يسَّرت كذلك الأعمال المعدنية والحجرية، ووضع الأساسات، وتصنيع الهياكل المعدنية …

ينبغي إذن على هذا العدد الكبير من الأشخاص المحترمين الذين يترقبون في رعب وضع العالم في نمط واحد في نهاية المطاف عبر الإنتاج الضخم؛ إدراك أن مجال تطبيق هذا النوع من الإنتاج محدود قطعًا، وأن التوسع فيه يخضع للمراجعة بناءً على عدة عوامل، من أهمها متطلبات الإبداع الفني، والرغبة في التعبير الفردي في الملابس والوسط المحيط، إضافة إلى عمليات الشراء الناتجة عما يصفه عالم الاقتصاد فيبلين ﺑ «المنافسة المادية» أو ما يعني بالعامية الأمريكية «التنافس مع الجيران».

وعلى أية حال، سيستمرُّ الإنتاج الضخم، ولا يمكن ببساطة تنحية تهمة تنافره مع الجمال جانبًا … لكن حتى في عصر الآلة لا يزال هناك أمل للفنون الإبداعية، فالآلات توفر لنا الكثير من الوقت؛ إذ أصبحنا نبذل في إنتاج ضروريات الحياة ونقلها وتوزيعها جزءًا ضئيلًا من الوقت والجهد الذي كان يبذله أسلافنا، بل إن كم الوقت المستهلك عادةً في أنشطة الحياة تقلَّص. لقد خلقت لنا الماكينات وقت فراغ نحتاج الآن إلى مدارس لتعلمنا كيفية استغلاله.

هذا المقال مقتطف من مقال «البحث والعمل: الحياة العصرية من وجهة نظر كيميائي» الذي نُشر في عدد ديسمبر عام ١٩٢٩ من مجلة «تكنولوجي ريفيو» بقلم آرثر دي ليتل، مؤسس شركة الاستشارات الإدارية التي تحمل اسمه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.