تلوح بوادر مرض اللفحة المتأخرة الذي يصيب البطاطس في أيرلندا على نحوٍ مفاجِئ، وإنْ كان يمكن التنبُّؤ به، ما إن يصبح جوُّ الصيف رطبًا، فيحمل الهواءُ عبر الحقول الخضراء أبواغ مسببات الأمراض النباتية الشبيهة بالفطريات، حيث تستقرُّ على الأوراق الرطبة لنباتات البطاطس. هذا العام بدأ سقوط الأمطار في بدايات أغسطس، وفي غضون بضعة أسابيع، كان مرض اللفحة المتأخرة قد هاجَمَ رقعةَ أرضٍ صغيرة مزروعة بالبطاطس في ركن الشبكة المنظَّمة من المحاصيل المزروعة بغرض التجارب في مقر تاجاسك: هيئة الزراعة والتنمية الغذائية الأيرلندية في كارلو.

مرَّ الآن أكثر من شهر على بداية إصابة نباتات البطاطس، ولن يُحصَد المحصول قبل بضعة أسابيع. ثمة منزل ريفي كبير — يضم عمليات تاجاسك — يشرف على التجارب الميدانية، ويتردَّد عليه موظفون بيروقراطيون متأنِّقون من أيرلندا والاتحاد الأوروبي. شُيِّد الجزء الأكبر من ذاك المبنى المترامي الأطراف في العقد الأول من القرن التاسع عشر، في ظل أسوأ مجاعة تعرَّضَتْ لها البلاد، عندما دمَّر مرض اللفحة محصول أيرلندا من البطاطس. تلك المجاعات صارت شيئًا من الماضي، ولكن ذاك المرض الذي يصيب النباتات لا يزال وبالًا عالي الكلفة على مُزارِعِي الدولة، ويضطرهم إلى رشِّ محاصيلهم بمبيدات الفطريات مرارًا وتكرارًا. وفي إطار مشروع يتمُّ على نطاق الاتحاد الأوروبي يُعرَف باسم أَميجا، ويُعنى بدراسة تأثير النباتات المعدَّلة وراثيًّا، يعمل إوين مولينز على اختبار سلالة من البطاطس يجرى تعديلها بحيث تقاوم مرض اللفحة المتأخرة.

الجو لطيف، وعلى الرغم من انقضاء فصل الصيف، لا يزال دافئًا رطبًا. قال مولينز: «ذاك هو الطقس المثالي للإصابة بمرض اللفحة المتأخرة.» ثم مال على النباتات المزروعة بالطريقة التقليدية، وجذب الفروع والأوراق الذابلة إلى الوراء بقوة ليُظهِر أنَّ الدرنات الظاهر نصفها من الأرض تشوبها بقع سوداء، ثم التقَطَ ورقة خضراء من أحد النباتات المعدَّلة وراثيًّا، التي أُدخِل عليها جين مقاوم لمرض اللفحة المتأخرة من سلالة برية من البطاطس تنمو في أمريكا الجنوبية. صدَّتْ دفاعاتُ نبتة البطاطسِ الأبواغَ، نازعةً منها ضررها، فقال مولينز ببساطة إن النبتة: «أبلت بلاءً حسنًا.»

هذا هو العام الثاني ضمن برنامج تجارب ميدانية مُدَّتُه المقرَّرة ثلاثة أعوام، ولكن حتى إن جاءت نتائج العام المقبل مشجِّعة بالقدر ذاته، فإنه لا نية لدى تاجاسك لإتاحة تلك النبتة التي طوَّرها باحثون في جامعة فاخنيجن بهولندا للمزارعين. فتلك المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا ما زالت موضع جدل في أوروبا، ونوعان منها فحسب أُقِرَّت زراعتهما داخل الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أنَّ مولينز وزملاءه متلهِّفون لمعرفة تأثير مرض اللفحة المتأخرة على البطاطس المعدَّلة وراثيًّا، وما إذا كانت تلك النباتات ستؤثِّر على ميكروبات التربة، فلا أمل في نشر النباتات المحوَّرة جينيًّا في أيرلندا، على الأقل في الوقت الحالي.

مصدر البيانات: وزارة الزراعة الأمريكية والأمم المتحدة ومجلة نيتشر.
مصدر البيانات: وزارة الزراعة الأمريكية والأمم المتحدة ومجلة نيتشر.

على الرغم من ذلك، تقدِّم حقول كارلو صورةً مغريةً لما يمكن أن تقدِّمه المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا لحماية موارد الغذاء العالمية. ستكون البطاطس المقاومة للَّفحة أحد أوائل الأطعمة الرئيسية المعدَّلة وراثيًّا التي تحتوي على آليات دفاعية ضد أمراض النباتات التي تدمِّر نحو ١٥ في المائة من المحاصيل الزراعية حول العالم سنويًّا. وعلى الرغم من الاستخدام الكثيف لمبيدات الفطريات، فإنَّ مرض اللفحة المتأخرة وغيره من أمراض النباتات يدمِّر ما يُقَدَّر بخُمْس إنتاج العالم من محصول البطاطس، الذي تتزايد زراعته في الصين والهند. وقد انتشر الصدأ الأسود (صدأ الساق) — وهو داء فطري يصيب القمح — في معظم أنحاء أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وصار الآن يهدِّد المساحات الشاسعة المخصَّصة لزراعة القمح في وسط آسيا وجنوبها، التي تنتج نحو ٢٠ في المائة من محصول القمح العالمي. والموز — الذي يمثِّل مصدرَ غذاءٍ رئيسيًّا في بلدان مثل أوغندا — كثيرًا ما يقضي عليه مرض الذبول. في تلك الحالات كلها، تمتلك الهندسة الوراثية إمكانية ابتكار أصناف أفضل قدرةً بكثير على المقاومة.

ويمكن أيضًا أن تقود البطاطس المعدَّلة وراثيًّا إلى التوصُّل إلى سلالة جديدة من أغذية التكنولوجيا الحيوية تُباع للمستهلكين مباشَرةً. فعلى الرغم من أنَّ الذرة وفول الصويا والقطن المحوَّرة وراثيًّا — لمقاومة الحشرات ومبيدات الأعشاب بالأساس — تُزرَع على نطاق واسع منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وعدد محدود من غيرها من البلدان الزراعية الكبرى أيضًا — منها البرازيل وكندا — فإن الذرة وفول الصويا يدخلان بالأساس في صناعة الأعلاف الحيوانية والوقود الحيوي وزيوت الطهي، وليس ثمة أنواع من الأرز أو القمح أو البطاطس المعدَّلة وراثيًّا تُزرَع على نطاق واسع؛ لأن معارضة تلك الأطعمة لم تشجِّع على الاستثمار في تطويرها، ولأنَّ شركات الحبوب لم تجد سُبُلًا لتحقيق أرباح من تلك المحاصيل تضاهي الأرباح المتحقِّقة عن الذرة وفول الصويا المعدَّلَيْن وراثيًّا.

ومع ذلك، نظرًا لأنه من المتوقَّع أن يصل عدد سكان العالم إلى أكثر من تسعة مليارات نسَمة بحلول عام ٢٠٥٠، فقد يصبح العالم في حاجة مُلِحَّة لتلك الأنواع عمَّا قريب. وعلى الرغم من أنَّ الإنتاجية الزراعية تحسَّنَتْ بصورة جذرية على مدار السنوات الخمسين المنصرمة، فإنَّ خبراء الاقتصاد يخشون من أن يكون ذلك التحسُّن قد بدأ يتضاءل في وقت يُتوقَّع أن يرتفع فيه الطلب على الغذاء — مدفوعًا بتزايد عدد السكان وتنامي شهية الشعوب الأكثر ثراءً — ما بين ٧٠ و١٠٠ في المائة بحلول منتصف القرن. وعلى وجه الخصوص، فإن الزيادات السريعة في محاصيل الأرز والقمح التي ساهمت في إطعام العالم لعقود من الزمان بدأت تلوح عليها بوادر التباطؤ، ولا بد أن يزيد إنتاج الحبوب أكثر من الضِّعْف بحلول عام ٢٠٥٠ حتى يواكب الزيادة المتوقَّعَة في عدد السكان. إذا استمرَّ ذلك الاتجاه، فقد لا يكون الإنتاج كافيًا لإشباع الطلب ما لم نبدأ في استغلال المزيد من الأراضي والأسمدة والمياه.

من المُرجَّح أنَّ يؤدي تغيُّر المناخ إلى تفاقُم المشكلة كثيرًا؛ إذ يرفع درجات الحرارة كما يزيد الرطوبة في مناطق متعددة؛ مما يؤدي إلى تفشِّي الأمراض والحشرات في مناطق جديدة. وإنَّ الجفاف والعواصف المدمِّرة والأيام الشديدة الحرارة خلَّفت عواقب وخيمة بالفعل على غلة المحاصيل، ويُتوَقَّع أن تزيد تلك الأحداث زيادة حادة مع زيادة حرارة المناخ. بالنسبة إلى المزارعين، يمكن التعبير عن آثار تغيُّر المناخ ببساطة كالآتي: التنبؤ بحالة الطقس صار أصعبَ بكثير، وصار الطقس المتطرِّف أكثر شيوعًا بكثير.

على سبيل المثال، يقول ماثيو رينولدز عالم فسيولوجيا القمح بالمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح في الباتان إن مرتفعات المكسيك الوسطى شهدت ظروفها الأكثر جفافًا على الإطلاق عام ٢٠١١، والأكثر رطوبةً على الإطلاق عام ٢٠١٢. ويقول إن ذلك التباين «مقلق وبالغ الضرر على الزراعة.» وأضاف: «إنه من الصعوبة بمكان أن تُستَحدَث سلالات تتكيَّف مع ذلك الطقس؛ فإذا كان المناخ مستقرًّا نسبيًّا، سيمكن إنتاج سلالات محاصيل ذات خصائص جينية تتبع نمطًا معيَّنًا من الحرارة والمطر، وما إن يصير المناخ متقلِّبًا، يصير تحديد الخصائص التي ينبغي استهدافها أصعب بكثير.»

تتمثَّل إحدى مزايا استخدام الهندسة الوراثية لمساعدة المحاصيل على التكيُّف مع تلك التغيُّرات المفاجئة في أنَّ السلالات الجديدة يمكن إنتاجها بسرعة؛ فإنتاج سلالة من البطاطس عن طريق العمليات التقليدية لإنتاج سلالات جديدة — على سبيل المثال — يتطلَّب ١٥ عامًا على الأقل، أما إنتاج سلالة معدَّلة وراثيًّا فيتطلَّب أقل من ستة شهور. والتعديل الوراثي يتيح كذلك لمنتجي سلالات النباتات إدخال تغييرات أكثر دقةً، والأخذ من مجموعة أكبر بكثير من الجينات المجمَّعة من الأقارب البرية لهذه النباتات أو من أنواع مختلفة من الكائنات. وعلماء النباتات حريصون على ذكر أنه ليس ثمة جين سحري يمكن إدخاله على محصول لجعله مقاومًا للجفاف أو لزيادة غلته، حتى مقاومة مرض بعينه تتطلَّب عادةً إجراءَ تغييرات جينية متعددة. ولكن كثيرًا من العلماء يقولون إنَّ الهندسة الوراثية تقنية ضرورية ومتنوعة القدرات.

يقول جوناثان جونز العالم في مختبر سينسبري في المملكة المتحدة وأحد أبرز خبراء أمراض النباتات في العالم: «إنه إجراء فائق المنطقية.» ويضيف قائلًا إن الضغوطات المقبلة على الإنتاج الزراعي «حقيقية وستؤثِّر على ملايين الناس في البلدان الفقيرة.» ويضيف أنَّه من «الحماقة أنْ نُعرِض عن استخدام الهندسة الوراثية كأداة.»

ذلك الرأي واسع الانتشار في أوساط الجهات المسئولة عن إنتاج سلالات الغد الجديدة من المحاصيل. يقول إدواردو بلوموالد — عالم النبات في جامعة كاليفورنيا بدافيس — إنَّ المستوى الحالي من الإنتاج الزراعي يوفِّر غذاءً كافيًا لإطعام العالم، ولكن «ماذا سيكون الحال عندما يصل تعدادُ السكان إلى تسعة مليارات؟ بالطبع سيصبح هذا مستحيلًا.»

وعود زائفة

يرجع تاريخ إعطاء وعود للناس بأن المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا سوف تسهم في توفير الغذاء لسكَّان العالم، على الأقل إلى الوقت الذي طُرِحت فيه أول بذور محوَّرة جينيًّا في الأسواق في منتصف تسعينيات القرن العشرين، فقد قامت الشركات التي ساعدت على تحويل المحاصيل المعدَّلة جينيًّا إلى تجارة بمليارات الدولارات — منها الشركات الكيمائية الكبيرة مثل مونسانتو وباير ودو بونت — بالترويج لتلك التكنولوجيا بوصفها جزءًا من ثورة في علوم الحياة، من شأنها أن تُحدِث زيادة هائلة في إنتاج الغذاء. حتى الآن ثبت أنَّ تلك الوعود كانت — لعدة أسباب — وعودًا زائفة.

لا شك أنَّ المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا حقَّقَتْ نجاحًا تجاريًّا باهرًا في بعض البلدان. الفكرة بسيطة لكنها مثيرة للاهتمام؛ فبإدخال جين خارجي — مستمَد من أحد أنواع البكتيريا مثلًا — في نبات الذرة، يمكنك أن تُكسِب النبات سمةً ما كان سيمتلكها لولا ذلك. تقدِّر الاستطلاعات أنَّه يوجد أكثر من ١٧٠ مليون هكتار من تلك المحاصيل المحوَّرة جينيًّا مزروعًا في مختلف أنحاء العالم. في الولايات المتحدة الأمريكية، أغلبية نباتات الذرة وفول الصويا والقطن المزروعة عُدِّلَت إما بجين مأخوذ من بكتيريا في التربة تُدعَى العَصَوِيَّةَ التُّورِنْجِيَّة (باسيلس ثورينجينسيس) لصدِّ الحشرات، أو بجين بكتيري آخَر كي تتحمَّل مبيدات الأعشاب. وعلى الصعيد العالمي، ٨١ في المائة من محاصيل فول الصويا و٣٥ في المائة من محاصيل الذرة المزروعة عبارة عن سلالات ناشئة عن التكنولوجيا الحيوية. في الهند، أُجيزَ القطن المعدَّل بجين البكتيريا العَصَوِيَّةِ التُّورِنْجِيَّة منذ ما يربو على عقد من الزمان، وهو يشكِّل حاليًّا ٩٦ في المائة من القطن المزروع في الهند.

إلا أنه لم يتضح ما إذا كانت تلك الطفرة في المحاصيل المحوَّرة جينيًّا رفعت إنتاج الغذاء أم خفضت الأسعار بالنسبة إلى المستهلكين. لنأخذ الذرة مثالًا؛ في الولايات المتحدة الأمريكية، ٧٦ في المائة من المحصول معدَّل وراثيًّا لكي يقاوم الحشرات، و٨٥ في المائة يمكنه تحمُّل الرشِّ بمبيد الأعشاب. يقال إنَّ محصول الذرة ذاك كان نعمة بالنسبة إلى المزارعين؛ إذ خفَّضَ استهلاكَ مبيد الآفات وزادَ الإنتاجيةَ، إلا أنَّه لا يُستخدَم سوى القليل من إنتاج الولايات المتحدة من الذرة في غذاء البشر مباشرةً؛ فنحو ٤ في المائة تدخل في صناعة شراب الذرة الغني بالفركتوز، و١٫٨ في المائة تدخل في صناعة الحبوب الغذائية وغيرها من الأطعمة. والذرة وفول الصويا المعدَّلان وراثيًّا مُربِحان للغاية إلى حدِّ أنَّ المزارعين الأمريكيين بدءوا يستعيضون بهما عن القمح؛ فنحو ٥٦ مليون فدَّان زُرِعت قمحًا في عام ٢٠١٢، نزولًا عن ٦٢ مليون فدان في عام ٢٠٠٠. ومع انخفاض العرض، ارتفع سعر البوشل (مكيال للحبوب) من القمح إلى قرابة ٨ دولارات في عام ٢٠١٢، عوضًا عن دولارين ونصف في عام ٢٠٠٠.

إلى الآن، تتضمن القائمة القصيرة من المحاصيل المحوَّرة جينيًّا التي تدخل في الطعام مباشَرةً سلالةَ بابايا المقاوِمة للفيروسات في هاواي، وذرة حلوة معدَّلة بجين البكتيريا العَصَوِيَّةِ التُّورِنْجِيَّة طرحتها شركة مونسانتو في الأسواق الأمريكية في الآونة الأخيرة، وبضع سلالات من اليقطين المقاوم لفيروسات النباتات. إلا أنَّ تلك القائمة قد تكون في سبيلها لأن تزداد طولًا؛ فوكالة الزراعة الإندونيسية تتوقع أن تقرَّ عمَّا قريب سلالة بطاطس مقاومة لمرض اللفحة المتأخرة، وتأمل شركة جيه آر سيمبلوت — وهي مُورِّد زراعي ومقرُّها بويسي بولاية أيداهو — في أن تطرح سلالة خاصة بها في الأسواق بحلول عام ٢٠١٧. وشركة مونسانتو التي تخلَّت عن محاولة تطوير قمح معدَّل وراثيًّا في عام ٢٠٠٤، اشترَتْ شركةً لبذور القمح عام ٢٠٠٩، وهي الآن بصدد المحاولة من جديد. ويعمل باحثون في جامعة كورنيل مع جهات معاونة في الهند وبنجلاديش والفلبين — حيث يمثِّل الباذنجان سلعةً رئيسية — على توفير سلالة باذنجان مقاومة للحشرات للمزارعين.

تلك السلالات المعدلة حيويًّا لبعض أهم المحاصيل الغذائية في العالم يمكن أن تساهم في تحقيق الآمال الأولية المتعلقة بالكائنات المعدَّلة وراثيًّا، ولكنه يكاد يكون من المؤكد أيضًا أنها ستزيد حدة النقاش الدائر حول تلك التكنولوجيا؛ فالمعارضون يخشون أن يؤدِّي إدخال جينات خارجية في المحاصيل إلى جعل الطعام خطرًا أو مسبِّبًا للحساسية، وإنْ كانت خبرةُ أكثر من ١٥ عامًا في التعامل مع المحاصيل المحوَّرة جينيًّا لم تتكشَّف عنها مخاطر صحية، وكذلك الحال بالنسبة لسلسلة الدراسات العلمية التي أُجرِيَت في هذا الصدد. أما الأمر الأكثر مصداقيةً، فهو إشارة الناقدين إلى أنَّ تلك التكنولوجيا مجرد حيلة دبَّرتها الشركات التجارية العملاقة — لا سيما مونسانتو — بغية زيادة مبيعاتها من مبيدات الأعشاب، والهيمنة على سلسلة التوريدات الزراعية، واضطرار المزارعين إلى الاعتماد على البذور المحوَّرة جينيًّا المرتفعة الأسعار. إلا أن أكثر الانتقادات إقناعًا قد يتمثَّل ببساطة في أنَّ المحاصيل المحوَّرة جينيًّا الموجودة بالفعل لم تحقِّق الكثير فيما يتعلق بضمان مستقبل إمدادات الغذاء العالمية في مواجهة تغيُّر المناخ وعدد السكان المتنامي.

تقرُّ مارجريت سميث أستاذة استيلاد النباتات والخصائص الوراثية للنبات في جامعة كورنيل، بأنَّ الجيل الأول من المحاصيل المقاوِمة للحشرات والمتحمِّلة لمبيدات الأعشاب يُظهِر القليلَ جدًّا من الخصائص الجديدة — مثل تحمُّل الجفاف ومقاومة الأمراض — بما لا يُعَدُّ كافيًا لمساعدة النباتات على التكيُّف مع التغيرات في أنماط المناخ والأمراض. لكنها تقول إنه على الرغم من ذلك ليس ثمة سبب وجيه لاستبعاد تلك التكنولوجيا في الوقت الذي يتسابق فيه علماء النبات لزيادة إنتاجية المحاصيل. وتقول سميث إن العلماء «يواجهون تحدِّيًا عسيرًا في مجال استيلاد النباتات، وسنحتاج إلى جيل ثانٍ من المحاصيل المحوَّرة جينيًّا؛ فمن الخطأ أن نستبعد تلك الوسيلة لأنَّ المنتجات الأولى لم تعالِج المشكلاتِ الرئيسيةَ.»

تطوير محاصيل أكثر قدرةً على تحمُّل تغيُّرات المناخ لن يكون أمرًا هيِّنًا؛ فسوف يتطلَّب من علماء النبات تصميم خصائص معقَّدَة تتضمن جينات متعددة. وفي المعتاد تتطلب المقاوَمةُ الطويلة الأجل للأمراض سلسلةً من التغييرات الجينية ومعرفةً تفصيلية بالكيفية التي تهاجِم بها مسبِّباتُ الأمراض النباتات. والخصائص من قبيل تحمُّل الجفاف والحرارة أمرها أصعب؛ إذ إنها قد تقتضي إدخال تغييرات جوهرية في فسيولوجيا النباتات.

هل الهندسة الوراثية ترقى للقيام بتلك المهمة؟ لا أحد يعلم، إلا أنَّ الاكتشافات الجينومية الأخيرة مشجِّعة؛ فقد حدَّدَ العلماء تسلسُلَ جينومات محاصيل عدة مثل الأرز والبطاطس والموز والقمح. في الوقت نفسه تستتبع التطورات الحادثة في علم الأحياء الجزيئي إمكانيةَ حذفِ الجينات وتعديلها وإدخالها بدقة أكبر بكثير. وعلى وجه الخصوص، فإن أداتَيْ هندسة الجينوم الجديدتين المعروفتين باسم تالِنز (النَّسْخ الاصطناعي لشبيه منشط إنزيمات النيوكلياز المستجيبة) وكريسبر (التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعُد) تسمحان لعلماء الوراثة بتعديل الحمض النووي للنبات، وتغيير الكروموسومات في المواضع التي يريدونها تحديدًا.

تعديلات دقيقة

تفوح من الورشة الملاصقة لصفوف الصوبات الزجاجية القائمة على أطراف حرم جامعة كورنيل في إيثيكا بنيويورك، رائحةٌ عطنة ورطبة منبعثة من أقفاص البطاطس، وهذه الورشة تبعد عن مختبرات الأحياء الجزيئية التابعة للجامعة بمسافة تقل عن ميل، لكن ما تراه هو سيور خشبية متحركة ومصافٍ سلكية وخراطيم مياه. يعمل والتر دو يونج على تصنيف البطاطس وترتيبها حسب الحجم بعد حصادها، ضمن جهود امتدت سنوات عدة لاستحداث سلالة أفضل من البطاطس لمزارعِي المنطقة. وتُعبَّأ البطاطس في الصناديق؛ بعضها صغير مستدير والبعض الآخَر كبير وغريب الشكل، وعندما سُئِل عن المواصفات التي تهمُّ المستهلك، أجاب وقد علت وجهه ابتسامة ماكرة: «الشكل، ثم الشكل، ثم الشكل.»

أما عن موقفه من الجهود المبذولة لإنتاج بطاطس محوَّرة جينيًّا، فلا يمكن الإجابة عنه بالسهولة ذاتها، والمسألة لا تتعلق بكون دو يونج معارضًا للهندسة الوراثية، فبصفته مختصًّا بإنتاج سلالات جديدة من البطاطس، فإن لديه معرفة واسعة بالأساليب التقليدية لإدخال خصائص جديدة، لكنه حاصل أيضًا على درجة الدكتوراه في علم أمراض النباتات، وقد أجرى قدرًا لا بأس به من الأبحاث في مجال الأحياء الجزيئية، ما يجعله على دراية بالآفاق التي يفتحها علم الوراثة المتطور. في شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية، ثمة نوع من البطاطس تحدَّدت أقصى استفادة منه عند مساحة نصف قطرها ٥٠٠ ميل، مع الأخذ في الاعتبار مدة موسم الزراعة وطبيعة الطقس في المنطقة. تغيُّر المناخ معناه أنَّ مناطق الزراعة تلك لا تنفكُّ تتبدَّل، مما يجعل عملية استيلاد المحاصيل أشبه بحلِّ أحجية (بازل) قِطعُها في حركة دائبة. يمكن للسرعة التي توفِّرها عملية التعديل الوراثي أن تساعد في هذا الصدد، ولكن دو يونج قال متهكِّمًا: «لا أتوقَّع أن أستخدم تقنية [التحوير الجيني]. لا يمكنني تحمُّل تكلفتها.»

ويقول: «إنه موقف عجيب.» فالعلماء في المؤسسات البحثية العامة والأكاديمية أنجزوا جزءًا كبيرًا من العمل المعني بالتعرُّف على الجينات وفهم تأثيرها على خصائص النباتات، إلا أنه قال إنَّ العمليات التجريبية والتنظيمية الطويلة الأمد للمحاصيل المعدَّلة وراثيًّا والخطر المتمثل في رفض المستهلكين لها كان معناه أنَّه لا يمكن أن يتحمل التكلفة والمخاطرة التي ينطوي عليها تطويرها سوى «عدد محدود من الشركات الكبرى».

ولكن دو يونج تملَّكَتْه الحماسة فجأةً عندما سألناه عن أحدث أدوات هندسة الجينوم، فرفع يديه في الهواء وقال: «هذا ما كنت أنتظره طيلة عملي في هذا المجال؛ فمنذ أنْ صرتُ عالمًا مختصًّا بالبطاطس، رغبت في شيئين: تحديد تسلسل جينوم البطاطس، والقدرة على تعديل الجينوم متى شئنا.» وفي الجهة المقابلة من الحَرَم الجامعي، يدير دو يونج أيضًا مختبرًا للأحياء الجزيئية، حدَّد فيه تسلسُلَ الحمض النووي المسئول عن الصبغة الحمراء في درنات البطاطس. وعمَّا قريب قد نستطيع تغييرَ ذلك التسلسل تحديدًا داخل خلية بطاطس يمكن بعدها أن تنمو حتى تصير نباتًا كاملًا، وقال: «لو كان لديَّ درنة بطاطس بيضاء أريدها أن تصير حمراء، ما عليَّ سوى أنْ أغيِّر واحدًا أو اثنين من النيوكليوتيدات حتى أحصل على اللون الذي أريده.» فَسَّر دو يونج حديثه قائلًا إنَّ استيلاد النباتات «ليس هو فن تغيير الجينات؛ ففي الأساس البطاطس كلها تحمل نفس الجينات، ووجه الاختلاف فيما بينها هو أن لكلٍّ منها صورة معينة من الجينات أو ما يُطلَق عليه الألائل. والألائل يختلف أحدها عن الآخر في بعض النيوكليوتيدات. فإذا كان بإمكاني أن أعدِّل بضعة نيوكليوتيدات، فلماذا الاستيلاد من أجل [خاصية] معينة؟ لطالما كان ذلك هو الهدف الأسمى لعلم جينات النباتات.»

إحدى مشكلات أساليب الهندسة الوراثية التقليدية هي أنها تضيف الجينات على نحوٍ لا يمكن التنبؤ به. الجين المرغوب فيه يدخل الخلية المستهدَفة في طبق بتري، إما باستخدام بكتيريا نباتية أو «مسدس جينات» يُطلِق فعليًّا جُسيمًا دقيقًا مغطًّى بالحمض النووي، وما إنْ تصبح الجزيئات داخل الخلية، يتم إدخال الجين الجديد في الكروموسوم عشوائيًّا (الخلية المتحوِّلة تُستزرَع في مزرعة أنسجة لكي تصير نبتة صغيرة، ثم نباتًا كاملًا في النهاية). ويستحيل التحكُّم في مكان إضافة الجينات؛ فأحيانًا يئول بها الأمر في بقعة يمكن فيها التعبير عنها بنجاح، وأحيانًا لا يحدث ذلك. فماذا إن كان بإمكانك أن تستهدف بقعًا محدَّدة في كروموسوم النبات، وتضيف جينات جديدة في المكان الذي تريده بالضبط، أو أن «تحذف» جينات موجودة، أو تعدِّل الجينات بتبديل بضعة نيوكليوتيدات بعينها؟ الأدوات الجديدة تتيح للعلماء فعل ذلك تحديدًا.

تبدأ زراعة البطاطس المعدَّلة وراثيًّا في تاجاسك بنبتة صغيرة معدَّلة وراثيًّا تنمو في مزرعة أنسجة (١)، ثم تُنقَل إلى صوبة زجاجية (٢)، وفي النهاية إلى حقل التجارب (٣). الدرنات المحصودة تبدو سليمةً وخاليةً من مرض اللفحة المتأخرة (٤) (بتصريح من تاجاسك).
تبدأ زراعة البطاطس المعدَّلة وراثيًّا في تاجاسك بنبتة صغيرة معدَّلة وراثيًّا تنمو في مزرعة أنسجة (١)، ثم تُنقَل إلى صوبة زجاجية (٢)، وفي النهاية إلى حقل التجارب (٣). الدرنات المحصودة تبدو سليمةً وخاليةً من مرض اللفحة المتأخرة (٤) (بتصريح من تاجاسك).

تالنز — إحدى أهم أدوات هندسة الجينوم الواعدة — مستوحاة من آلية يستخدمها نوع من البكتيريا يصيب النباتات. تعرَّف علماء أمراض النباتات على البروتينات التي تمكِّن البكتيريا من تحديد الحمض النووي للنبات المستهدَف، وتوصَّلوا إلى سُبُلٍ لتعديل تلك البروتينات حتى تتعرَّف على أيِّ تسلسل حمض نووي يريدونه، ثم مزجوا تلك البروتينات بإنزيمات نيوكلياز تقطع الحمض النووي، مبتكرين بذلك أداة «تعديل» دقيقة. تُستخدَم البكتيريا النباتية أو مسدس الجينات لإدخال الأداة في خلية النبات، وما إن تصير داخلها، حتى تركِّز البروتينات على تسلسل حمض نووي بعينه، وتوصل البروتينات إنزيمات النيوكلياز إلى بقعة محددة من الكروموسوم، حيث تشقُّ الحمض النووي للنبات، ويتيح إصلاح الكروموسوم المكسور إدخال جينات جديدة أو إجراء أنواع أخرى من التعديلات. أما عن كريسبر — الصورة الأحدث من تلك التقنية — فتستخدم الحمض النووي الريبي للتركيز على الجينات المستهدفة؛ فبواسطة هاتين الأداتين، يمكن لعلماء الأحياء الجزيئية أن يعدِّلوا بضعة نيوكليوتيدات أو أن يُدخِلوا جينًا أو يحذفوه في الموضع الذي يريدونه في الكروموسوم، مما يجعل التنبؤ بالتغيير أيسر وأكثر فاعلية بكثير.

إحدى التبعات المترتبة على استخدام الأدوات الجديدة هو أنَّ النباتات يمكن أن تُعَدَّل وراثيًّا دون إضافة جينات خارجية. وعلى الرغم من أنَّ الوقت مبكر جدًّا على معرفة ما إذا كان ذلك سيغيِّر مسارَ النقاش العام الدائر بشأن الكائنات المعدَّلة وراثيًّا، فقد أشارت الهيئات التنظيمية — في الولايات المتحدة على الأقل — إلى أنَّ المحاصيل التي تُعدَّل دون إدخال جينات خارجية لن يلزم إخضاعها لفحص دقيق كالمحاصيل المحوَّرة جينيًّا. من شأن ذلك أن يقلِّل كثيرًا الفاقدَ في الوقت والنفقات الذي يسبق إتاحةَ أنواع جديدة من الأغذية المعدَّلة وراثيًّا في الأسواق. ويجوز أن يضع نقَّادُ التكنولوجيا الحيوية حدًّا فاصلًا على النحو ذاته؛ فيقبلون بالمحاصيل المعدَّلة وراثيًّا طالما أنها ليست محوَّرة جينيًّا.

يقول دان فويتاس — مدير مركز هندسة الجينوم بجامعة مينيسوتا وأحد مبتكري تالنز — إنَّ أحد دوافعه الرئيسية هو الحاجة إلى إطعام مليارَيْ شخص إضافي بحلول منتصف القرن، وفي إطار إحدى أقوى محاولاته طموحًا — في المعهد الدولي لأبحاث الأرز في لوس بانيوس في الفلبين — يتعاون فويتاس مع شبكة عالمية من الباحثين لإعادة صياغة الخصائص الفسيولوجية للأرز. تتم في الأرز والقمح — كغيرهما من الحبوب — عملية يُطلِق عليها علماءُ النبات تمثيلًا ضوئيًّا ثلاثي الكربون، عوضًا عن عملية التمثيل الضوئي رباعي الكربون الأكثر تعقيدًا التي تتم في الذرة وقصب السكر. تلك الصورة المعقَّدة من عملية التمثيل الضوئي أكثر كفاءةً بكثير في استهلاك الماء وثاني أكسيد الكربون. وإذا نجح المشروع سيكون من الممكن زيادة إنتاجية الأرز وكذلك القمح في المناطق التي تزداد حرارةً وجفافًا إثر تغيُّر المناخ.

مصدر البيانات: وزارة الزراعة الأمريكية والأمم المتحدة والمعهد الدولي لأبحاث الأرز.
مصدر البيانات: وزارة الزراعة الأمريكية والأمم المتحدة والمعهد الدولي لأبحاث الأرز.

إن إعادة صياغة العمليات الجوهرية في النبات ليست بالمهمة الهيِّنة، لكنَّ فويتاس يقول إنَّ تالنز قد تكون أداة قيِّمة في تحديد المسارات الجينية التي يمكن تعديلها، وكذلك في إجراء التغييرات الجينية الضرورية العديدة.

يقول فويتاس إن «العبء الذي يُلقى على كاهل علماء الأحياء النباتية» يتمثل في الضغط عليهم من أجل المساعدة في إطعام عدد السكان المتنامي في الوقت الذي يحيل فيه تغير المناخ قدرًا أكبر من الأراضي إلى أراضٍ حَدِّيَّة الإنتاج فيما يتعلق بالزراعة … لكنه متفائل؛ فقد أشار إلى أنه خلال الجزء الأكبر من السنوات الخمسين الأخيرة، حدثت زيادات متكررة في إنتاجية المحاصيل، تُعزَى أولًا إلى استخدام بذور هجينة، ثم إلى سلالات النباتات الجديدة التي طُرِحت أثناء ما يُعرَف بالثورة الخضراء، و«حتى الجيل الأول من النباتات المعدَّلة وراثيًّا.» وقال إن طرح الأدوات الجديدة لهندسة الجينوم «سيمثِّل نقطة انقلاب أخرى [في منحنى الإنتاج].»

إذا كان مصيبًا، فسيكون توقيتُ طرحها مثاليًّا.

موجة حارة

بالنسبة إلى المهندسين الزراعيين ومختصِّي استيلاد النباتات والمزارعين، تُعَدُّ الغلَّةُ — أي مقدار ما ينتجه المحصول في الهكتار — هي كل ما يعنيهم. وإنَّ الزيادات الملحوظة في غلة المحاصيل منذ منتصف القرن العشرين هي السبب الرئيسي في كفاية ما لدينا من غذاء لإطعام سبعة مليارات نسمة في عام ٢٠١١، مقارنةً بثلاثة مليارات في عام ١٩٦٠، بزيادة طفيفة فقط في كمية الأراضي المزروعة. ربما يكون الحدث الأشهر هو الثورة الخضراء التي أطلقها نورمان بورلوج ابن ولاية أيوا الذي تخصَّصَ في أمراض النبات وعلم الوراثة النباتية، وهي الثورة التي زادت غلةَ القمحِ والذرة والأرز بدرجة كبيرة في مناطق متعددة من العالم. فقد حقَّقَتْ ذلك — جزئيًّا — بطرح أنواع أكثر إنتاجيةً من المحاصيل، بدءًا بالمكسيك ثم باكستان والهند وبلدان أخرى. ولكن طيلة القرن الماضي على الأقل، انخفضت وتيرةُ الزيادة في غلة القمح والأرز على ما يبدو. غلة القمح — على سبيل المثال — تزيد بمعدل يقارب ١ في المائة سنويًّا، فلا بد لها أن تزيد بمعدل يقارب ٢ في المائة سنويًّا حتى تواكب الطلب على الغذاء على المدى الطويل. ويحذِّر خبراء الزراعة من أن الغلة يجب أن تزيد في المحاصيل الأخرى أيضًا إذا كان لنا أن نُطعِم السكان المتزايدين بوتيرة سريعة، إلا أنَّ ارتفاع درجات الحرارة وغيره من آثار تغيُّر المناخ سيزيد من صعوبة تحقيق ذلك الهدف.

ديفيد لوبيل — الأستاذ بقسم علم نظام الأرض البيئي في جامعة ستانفورد — له مظهر هادئ يتنافى مع خطابه المتشائم حول التأثير الذي يخلِّفه الاحترار العالمي بالفعل على المحاصيل. وقد دار نقاش موسَّع بشأن آثار تغيُّر المناخ على الزراعة، ولكنَّ لوبيل وزملاءه أزالوا الغموض مؤخَّرًا عن التوقعات بتفحُّص السجلات التاريخية للطقس والإنتاج الزراعي، وتوصَّلوا إلى أنَّه في الفترة ما بين عامي ١٩٨٠ و٢٠٠٨، خفضت التغيرات المناخية غلة القمح والذرة، فظلت الغلة في ارتفاع خلال تلك الفقرة، ولكن إجمالي الإنتاج كان أقل بنسبة تتراوح بين ٢ و٣ في المائة مما هو مفترض بسبب الاحترار العالمي، وكان ذلك يسري على معظم مناطق زراعة الذرة والقمح.

ذلك الاكتشاف مذهل؛ لأنَّه يشير إلى أنَّ الاحترار العالمي خلَّفَ بالفعل أثرًا واضحًا على إنتاج الغذاء، وسيُحدِث فارقًا أكبر من ذلك مع تفاقُم التغيرات المناخية. وقال لوبيل: «أي شيء يؤثِّر سلبًا في معدل نمو الغلة يثير القلق.» وفي حين أنَّ إجمالي غلة القمح والذرة لا يزال في تزايد، فقد قال: «إنَّ تغيُّر المناخ يصير مبعَثَ قلقٍ قبل ظهور الاتجاهات السلبية للغلَّة بكثير.»

والأكثر إثارةً للقلق أنَّ لوبيل ومعاونه وُلفرام شلينكر — خبير اقتصادي في جامعة كولومبيا — وجَدَا أدلة على أنه في العديد من المحاصيل المهمة، يرتبط التأثير السلبي للاحترار العالمي بعدد الأيام الحارة أكثر من ارتباطه بارتفاع متوسط درجات الحرارة طوال الموسم. إذا كان ذلك صحيحًا، فربما كانت الأبحاث السابقة قاصرةً للغاية في تقدير آثار التغيُّرات المناخية بنظرها إلى متوسط درجات الحرارة فحسب.

تُظهِر حسابات شلينكر زيادةً مطَّردة في غلَّة الذرة وفول الصويا مع ارتفاع درجة الحرارة من ١٠ درجات مئوية وصولًا إلى ٢٨ درجة مئوية، ولكن عند بلوغ درجة الحرارة نحو ٢٩ درجة مئوية بالنسبة إلى الذرة و٣٠ درجة مئوية بالنسبة لفول الصويا، تتأثَّر المحاصيل «تأثرًا قويًّا» وتنخفض غلَّتها بشدة. وفي جهد تالٍ من جهود لوبيل، أثبت أنَّ الأيام الحارة ضررها على القمح في شمال الهند أشد بكثير مما كان يُظَنُّ سابقًا.

وقال شلينكر إنَّ النقطة المثيرة للدهشة والقلق في البحث هي أنَّ المحاصيل والمزارعين لا يبدو عليهم أنهم تكيَّفوا مع زيادة تواتر الأيام الحارة. وقال: «كان أكثر ما أثار دهشتي وما ينبغي أن تتوجَّه به خُطانا في المستقبل، هو أنَّ عملية الاستيلاد الزراعي شهدت تطويرًا هائلًا — ارتفع متوسط الغلة أكثر من ثلاثة أمثال معدَّله في خمسينيات القرن العشرين — ولكنك إذا نظرت إلى الحساسية للحرارة المفرطة، فستجد أنها على نفس الدرجة من السوء التي كانت عليها في خمسينيات القرن ذاته. فلا بد أن تتوافر لدينا محاصيل أقدَر على التعامل مع المناخ الحار.» وقال إنه أثناء الموجة الحارة التي ضربَتِ الجانبَ الأكبر من الولايات المتحدة الأمريكية في عام ٢٠١٢، انخفضت غلة الذرة بنسبة ٢٠ في المائة، و«عام ٢٠١٢ ليس عامًا خارجًا عن المألوف مقارنةً بما تتنبَّأ النماذج المناخية بأن يكون عليه الوضع الطبيعي الجديد عمَّا قريب.»

ربما كان توقُّف النباتات عن العمل عندما تزيد درجة الحرارة عن ٣٠ درجة مئوية متأصِّلًا في جيناتها ببساطة. والحقيقة أنَّ شلينكر قال إنه ليس مقتنعًا بإمكانية تكييف المحاصيل بواسطة الهندسة الوراثية مع زيادة تواتر الأيام الحارة، وإنْ كان يأمل أن يكون على خطأ. وبالمِثل يرغب لوبيل في أنْ يتمكَّنَ عمله من التوصُّل إلى تعريف أفضل لأوجه التغيُّر المناخي الضارة بالمحاصيل، ومن ثَمَّ يساعد على استهداف التغييرات الجينية المطلوبة. ولكنه — على غرار شلينكر — ليس متأكِّدًا مما إذا كان علم الوراثة قادرًا على تقديم إجابة شافية.

في وادي سنترال فالي بكاليفورنيا — أحد أكثر المناطق الزراعية إنتاجيةً في العالم — أقرَّ بلوموالد من جامعة كاليفورنيا في دافيس بأنَّ العلماء «لم يستولِدوا قطُّ نباتاتٍ مقاوِمةً لأنواع الإجهاد المختلفة التي يتعرَّض لها النبات»؛ مثل إجهاد الجفاف وإجهاد الحرِّ، لكنه يسعى لتغيير ذلك الوضع؛ فبإدخال توليفة من الجينات لتحمُّل الحرارة والجفاف والتربة العالية الملوحة في الأرز وغيره من النباتات، ينتج بلوموالد محاصيل تتمتع ببعض المزايا على الأقل في ظروف الطقس المتطرِّفة، لا سيما خلال الفترات المهمة في دورات نموها.

مصدر البيانات: وزارة الزراعة الأمريكية والأمم المتحدة والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح.
مصدر البيانات: وزارة الزراعة الأمريكية والأمم المتحدة والمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح.

يكمن التحدِّي في تجنُّب انخفاض حجم الغلة في ظل الظروف المواتية للنمو؛ ولذا تعرَّفَ بلوموالد على بروتين ينشِّط الجينات التي غُرِست في النبات في ظل الظروف غير المواتية فقط. وقال: «لا يوجد علاج للجفاف. إذا لم تتوافر المياه، يموت النبات، فأنا لست بساحر، كل ما نريده هو تأخير استجابة الإجهاد قدر الإمكان بغية الحفاظ على الغلة لحين عودة المياه.»

القوت اليومي

ثمة حقلٌ شمالي لندن على أراضي مركز الأبحاث روثامستيد ريسيرش — الذي يصف نفسه بأنه أطول محطات الأبحاث الزراعية عُمْرًا في العالم (تأسَّس عام ١٨٤٣) — يمثِّل أحد بؤر الصراع المستمر في أوروبا بشأن الأطعمة المعدَّلة وراثيًّا. نشأ الجدل في هذا الصدد بشأن حقل قمح أبعاده ٨٠ × ٨٠، جزءٌ منه معدَّل وراثيًّا حتى ينتج هرمونًا يطرد المَنَّ، وهي آفة حشرية منتشرة. وفي عام ٢٠١٢ تسلَّق أحد المحتجِّين سورًا منخفضًا ونثر بذور قمح عادي بين النباتات المعدَّلة وراثيًّا في محاولة لإفساد التجربة، فشفط علماء المركز البذور بالماكينات، ووظَّفوا عدة حرَّاس أمن إضافيين، وشيَّدوا سورًا ثانيًا، ارتفاعه ثلاثة أمتار ويعلوه نتوء مقوَّس للحيلولة دون تسلُّقه. وفيما بعد سار بضع مئات من المحتجِّين متشابكي الأذرع إلى أطراف الحقل المسوَّر قبل أن توقفهم الشرطة.

الضجة التي ثارت في روثامستيد ليست أكثر من إشارة واحدة إلى أنَّ الجدل الكبير القادم بشأن الكائنات المعدَّلة وراثيًّا يمكن أن يكون القمح المحوَّر وراثيًّا طرفًا فيه. فعلى أي حال، القمح هو أكثر المحاصيل زراعةً في العالم، ويوفِّر ٢١ في المائة من السعرات الحرارية المستهلكة على الصعيد العالمي. وإنَّ العبث بنوع من الحبوب يمثِّل القوت اليومي لملايين لا حصرَ لها حول العالم، من شأنه أن يثير حفيظةَ كثيرٍ من معارضي الأطعمة المعدَّلة وراثيًّا. إضافةً إلى ذلك، فإن القمح من الحبوب السِّلَعِيَّة التي تُباع في الأسواق العالمية؛ ومن ثَمَّ فإقرار القمح المعدَّل وراثيًّا في أحد البلدان الكبيرة المصدِّرة، من المرجَّح أن يكون له تبعات على أسواق الغذاء في كل مكان.

إضافةً إلى ذلك يرمز القمح إلى الصعاب التي تواجهها الزراعة في محاولتها مواكبةَ النمو السكاني وتغيُّر المناخ. الأمر لا يقتصر على انخفاض وتيرة زيادة الغلة، فإضافةً إلى ذلك، فإن القمح شديدُ الحساسية لدرجات الحرارة المرتفعة، وهو يُزرَع في العديد من المناطق المعرَّضة للجفاف الشديد، مثل أستراليا. علاوة على ذلك، فإن القمح معرَّض لأحد أخطر أمراض النباتات في العالم؛ ألا وهو الصدأ الأسود، الذي يهدِّد رقعةَ الأرض الخصبة الممتدة بين باكستان وشمال الهند، والمعروفة بسهل الجانج الهندي. حقَّقَتْ وسائل الاستيلاد التقليدية نجاحًا ملحوظًا في مواجهة تلك المشكلات؛ إذ أنتجت أنواعًا أقدر على تحمُّل الجفاف ومقاومة الأمراض، إلا أنَّ التكنولوجيا الحيوية تقدِّم مزايا لا ينبغي تجاهلها.

قال والتر فالكون، نائب مدير المركز المعني بالأمن الغذائي والبيئة في جامعة ستانفورد: «تغيُّر المناخ لا يغيِّر التحدِّي الذي يواجهه المختصُّون باستيلاد النباتات، لكنه يزيد من ضرورة التعامل مع هذا التحدي بأقصى سرعة ممكنة.» كان فالكون أحدَ الجنود المجهولين للثورة الخضراء؛ إذ عمل في مناطق زراعة القمح في باكستان ووادي ياكي في المكسيك، لكنه قال إنَّ الزيادات الملحوظة في الإنتاجية التي تحقَّقَتْ بين عامَيْ ١٩٧٠ و١٩٩٥ «بلغت منتهاها» إلى حد كبير، وهو قَلِقٌ بشأن مدى إمكانية استمرار الزراعة الكثيفة التكنولوجيا في تلك المناطق. وقال إنَّ وادي ياكي لا يزال عالي الإنتاجية — بلوغُ غلة القمح في الآونة الأخيرة سبعة أطنان في الهكتار «شيء مبهر» — إلا أنَّ الاستخدام الكثيف للأسمدة والمياه يقلل من جدوى الممارسات الحالية. وبالمِثل أعرَبَ فالكون عن قلقه حيال تأثير تغيُّر المناخ على الزراعة في سهل الجانج الهندي، الذي يعيش فيه نحو مليار نسمة.

وعند سؤاله عمَّا إذا كانت تكنولوجيا التحوير الجيني ستحلُّ أيًّا من تلك المشكلات، أجاب قائلًا: «لن أعوِّل على ذلك»، ذاكرًا أسبابًا علمية وكذلك المعارضة للمحاصيل المعدَّلة وراثيًّا. لكنه يتوقَّع أن تؤدي التطورات في تكنولوجيا الهندسة الوراثية إلى إنتاج سلالات من القمح في العقد القادم أقدَر على تحمُّل الآفات وارتفاع درجات الحرارة والجفاف.

من الممكن أن يتحقَّقَ أول وأكبر التطورات في مجال تكيُّف المحاصيل مع الأنماط المتغيِّرة للأمراض، وعلى حد تعبير إوين مولينز في تاجاسك: «إذا كنتَ ترغب في دراسة أمراض النبات، عليك بالمجيء إلى أيرلندا.»

على بُعْد مائة كيلومتر من الحقول الخلَّابة في كارلو، تعمل فيونا دوان — عالمة نبات في كلية دبلن الجامعية — على تطوير سلالات من القمح تتصدَّى للأمراض المحلية، وتعمل أيضًا على فهم الكيفية التي يمكن أن تتطوَّر بها مسبِّبات أمراض النباتات مع تغيُّر المناخ. في محطة التجارب الزراعية بالجامعة، تستخدم داون حجرات للزراعة يمكن تعديل تركيز ثاني أكسيد الكربون بداخلها لمحاكاة المستويات الأعلى المتوقَّعة في عام ٢٠٥٠، وأسفرت التجارب عن مفاجأة غير سارة؛ فعندما يوضع القمح ومسبِّبات الأمراض التي يعاني منها عادةً في حجرة بها مستويات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون، يظل النبات مقاوِمًا للفطر، ولكن عندما يُزرَعان منفصلين لعدة أجيال في ظل ظروف عام ٢٠٥٠، ثم يُوضَعان معًا، تقول دوان إن النباتات «تنهار». وهذا ربما يكون نذير سوء بأنَّ مسببات أمراض النبات يمكن أن تكون أفضل وأسرع بكثير من القمح في التكيُّف مع زيادة ثاني أكسيد الكربون.

وإلى جوار المبنى ثمة بستانُ تفاحٍ به عينات من الأنواع المختلفة من الأشجار التي تزرع في جميع أنحاء أيرلندا، بما في ذلك الأنواع الموروثة التي زُرِعَتْ منذ قرون، نظرت إليها دوان بإعزاز إذ مرَّتْ بها، وقد تغطت الأرضُ بالتفاح المتساقط. في الطرف القصيِّ من البستان كان ثمة صفٌّ من الصوبات، يتضمن صوبة صغيرة تُختبَر فيها النباتات المُعدَّلة وراثيًّا، وداخلها كان ثمة سلالةٌ من القمح المحوَّر جينيًّا واعدةٌ للغاية، أظهرَتْ مقاوَمةً لأنواع داء الصدأ المنتشرة في أيرلندا. قالت دوان — التي أنتجت تلك السلالة بالتعاون مع زملائها — إنَّ الجين الجديد يزيد أيضًا إنتاجية النبات من الحبوب. من الواضح أن النتائج سرَّتْها كثيرًا، ولكنها أضافت بسرعة أنه ليس ثمة خطط لتجريب القمح المعدَّل وراثيًّا في حقول أيرلندا أو أي مكان آخَر في أوروبا، ففي الوقت الحالي على الأقل، تلك السلالة الواعدة من القمح مصيرها البقاء في الصوبة الزجاجية.

رسوم أليكس روبينز

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.