«لقد صار الاعتقاد بأن التاريخ بدأ مع بزوغ فجر الحضارة الإغريقية شديدَ الرسوخ لدرجة أن تغييرَهُ لم يَعُدْ بالأمر اليسير.» هكذا كتب عالِم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد في عام ١٩١٦. كان برستد هو مَن صاغ عبارة «الهلال الخصيب» لوصف ذلك القوس العظيم من الأرض، الذي يمتد من مصر بالقرب من شواطئ شرق البحر المتوسط مرورًا بفلسطين وسوريا ووصولًا إلى بلاد الرافدين بالأسفل، «بين النهرين» دجلة والفرات.

تصوير على جدار الكنيس.
تصوير على جدار الكنيس.

بعد مرور ما يربو قليلًا على عَقْد من الزمان — عام ١٩٣٠ تحديدًا — وقف برستد في الصحراء السورية يتطلَّع بلهفةٍ بالغةٍ إلى لوحات جدارية اكتُشِفَت في قلعة متهدِّمة تقع على لسانٍ صخريٍّ يُطِلُّ على نهر الفرات. كانت اللوحات تُظهِر أشخاصًا يتعبدون لآلهتهم في المعابد. وقد انبهر برستد بأسلوب رسم الشخوص وبالأوضاع التي اتخذوها وسياق المشاهد الدينية التي ظهروا فيها؛ فكتب يقول إن تلك هي اللوحات الجدارية في «ما يُعرف بالمعابد الوثنية السورية» التي قدمتْ لنا نماذجَ للرسوم الجدارية في الكنائس المسيحية الأولى. وكان هذا هو الدليل الذي من شأنه أن يُقنِع العالَم بقوة الروابط الثقافية القديمة بين الشرق والغرب.

وفي نوفمبر ١٩٣٢، حين سقط الطين عن جدران كنيس في مدينة دورا أوروبوس السلوقية المفقودة — إذ تبيَّن أن «القلعة» لم تكن سوى كنيس — كاشفًا عن مشاهد من حياة الملوك والأنبياء والقادة المذكورين في العهد القديم وإنجازاتهم وأعمالهم، بلغ انبهار برستد وزملائه من علماء الآثار آفاقًا جديدة. كانت تلك الرسوم نماذجَ أوليةً للرسوم المسيحية في سراديب روما. وقُبَيل هذا الكشف، كان قد اكتُشِف بالقرب من هذا الموقع بيتٌ يضمُّ جُرْن معمودية ضخمًا، وهو أقدم «كنيسة» مسيحية اكتُشِفتْ حتى الآن. كانت جدران بيت المعمودية مُغطَّاةً برسومٍ لشخوص من العهد القديم والعهد الجديد. كانت الرسوم ينقصها الإتقان والحِرفيَّة مقارنةً بالأعمال الفنية الدالة على الثقة المصوَّرة على جدران مجلس النواب اليهودي. يتضمن أحد المشاهد أقدم تصوير معروف للسيد المسيح. وقد تُوِّجَت هذه الكشوف بالكشف عن معبد للديانة الميثرانية في الشارع نفسه (فالمباني الثلاثة مشيدة على طول الجدران الغربية للمدينة). كانت الديانة الميثرانية هي الديانة الأكثر شيوعًا في الإمبراطورية الرومانية قبل أن يعتنق قسطنطين الديانة المسيحية. ومعبد دورا هذا يقع شرق المعابد الميثرانية الأخرى المُكتشَفَة. كان النقشان قليلَا البروز اللذان يصوِّران مشهدَ طقوس قتْل الميثرانيين الثَّوْرَ لا يزالان سليمين في مكانهما داخل المحراب المقدس. وقد نجا البناء من موجة تدمير المعابد الميثرانية في عهد الإمبراطورية الرومانية المسيحية إبَّان القرن الرابع.

وربما كان لهذه الاكتشافات الثرية في دورا أوروبوس علاقة بمزيج البشر الذي عاش بها؛ فقد قُدِّر تعداد المدينة بما يتراوح بين ٦ آلاف و٨ آلاف نسمة. وقد تأسَّست دورا على يد السلوقيين المقدونيين نحو عام ٣١٢ قبل الميلاد، في مكان يُحتَمَل أنه كان موقعًا لحصنٍ آشوري. وبعد ذلك، احتلَّها الفرثيون والرومان، اللذان يكاد يكون من المؤكد أن جنودهما كانوا من الساميِّين المحليين. ولم تبقَ المدينة بعدَ ذلك سوى ما يزيد قليلًا على نصف القرن قبل أن يحاصرها الساسانيون الفارسيون ويدمروها عام ٢٥٦ ميلاديًّا.

ويبدو أن سكان المدينة كانوا يجيدون لغاتٍ عدَّةً ويتحلَّوْن بالبلاغة والذوق الفني الراقي والتَّقْوى؛ فقد غطَّوْا جدران منازلهم ومعابدهم العديدة باللوحات والرسوم والصلوات والكتابات. وقد علَّق المؤرخ ميخائيل رُستوفتزِف، الذي شارك في عمليات التنقيب، قائلًا: «فيما يتعلق بالرسومات، فإن مدينة دورا هي الأكثر ثراءً من بين مدن العالَم القديم التي جرت فيها عمليات تنقيب، بما في ذلك مدينة بومبي.»

إلا أن بومبي ظلت مشهورةً في جميع أرجاء العالَم، في حين أن مدينة دورا أوروبوس غير معروفة تقريبًا؛ إذ لا يوجد متحف كبير دائم يعرض الأعمال الفنية والاكتشافات الأثرية لمدينة دورا في أي مكان من العالَم عدا دمشق.

ثمة أسباب عدة وراء ذلك؛ فمدينة دورا تقع في مكان مُقفِر من صحراء سوريا الشرقية، بالقرب من الحدود مع العراق، فلم يسافر لرؤيتها إلا أشجع السياح، والأزمة الحالية في سوريا من شأنها أن تمنع أيَّة سياحة في المستقبل المنظور. وعلى أية حال، فقد نُقل كل ما تبقَّى بعد الغزو الساساني خلال عمليات التنقيب؛ فنُقلتْ معظم الآثار المكتشَفة إلى جامعة ييل. وللأسف، تعرَّضت الرسوم الموجودة داخل بيت المعمودية المسيحي لتلفٍ بالغٍ أثناء محاولات حفظها، وإن كان ثَمَّة صُوَر فوتوغرافية ممتازة للرسوم الأصلية وللرسوم نفسها بعد إعادة تركيبها. فقد فُكِّكَت جدران الكنيس المغطاة بالرسوم ونُقلت في شاحنات عبر الصحراء إلى حيث أُعيد تركيبها لتشكِّل جزءًا من المتحف الوطني السوري الجديد. وحسبما أشارت ماري بيرد، فقد أعطت الرسوم الجدارية المائية المكتشَفَة في بومبي «لمحة أولى» عن تقليد مندثر للرسم يعود إلى الفنانين الإغريقيين في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وقد جاء ذلك بمنزلة تأكيد لما كان يُعتقَد في صحته بالفعل. وعلى النقيض من ذلك، تَنَافَى اكتشاف الكنيس في دورا أوروبوس مع الأفكار المسبَّقة عن جذور الفن المسيحي. وقد ذكر يوسف جوتمان المتخصص في تاريخ الفن أن هذا الكشف قد نجح في تحدِّي النظريات الأكاديمية النمطية الراسخة؛ فالكنيس المكتَشَف في دورا كان أول أثر فني يهودي مهمٍّ يُكتَشَف، وقد احتوى على أقدم سلسلة متصلة ذات قيمة من صور الكِتَاب المقدس، ولم تكن مثل تلك الزخرفة المعقدة بصور الأشخاص والحيوانات قد ظهرت في الفن المسيحي حتى القرن الخامس، فكان على طلاب التاريخ القديم والدِّين والفن أن يضعوا في حسبانهم احتمال ترتُّب «تبعات ثورية عظيمة الأهمية».

كان ثَمَّة «مشكلات» أخرى؛ فقد أعاد المعبد الميثراني إلى الأذهان شبح العقيدة التي عكف آباء الكنيسة على تدميرها، ولم يكن هذا هيِّنًا على اليهود كذلك. كانت مدينة دورا أوروبوس — الواقعة على حدود بلاد الرافدين حيث كان الأَسْر البابلي لليهود — بمنزلة تأكيد على أن مجتمعًا واحدًا على الأقل خالَف ناموس موسى. في الوقت ذاته، أشار وُريك بول إلى أن البناء الذي «تأكد قطعًا أنه أول كنيسة في العالم» لم يُعثَر عليه في فلسطين أو حتى في المراكز الحضرية من دمشق وأنطاكية، «وإنَّما في بلدة دورا أوروبوس الحدودية الصحراوية القروية نوعًا ما على ضفاف نهر الفرات.»

ثَمَّة كتاب سوري نُشر في تسعينيات القرن العشرين عن دورا أوروبوس وَرَدَ فيه وصفٌ للمدينة بأنها «بوتقة تنصهر فيها ثقافات مثل الآشورية والإغريقية والرومانية والفارسية والتَّدْمُرية؛ مما جعلها متحفًا حيًّا لشتَّى ضروب الثقافات والأديان وأنماط الفن.» وقد فسدت فرحة أعضاء فريق التنقيب الأصلي باكتشافاتهم المذهلة إثر الإحباط الذي شعروا به لما لاقَوْه من لا مبالاةٍ تامة. وكان أفراد ذلك الفريق سيصدمهم مدى قلة ما نعرفه عن هذه المدينة غير العادية حتى الآن، التي عاش سكانها معًا في مثل هذا الانسجام الظاهر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.