في غرفة فندق متواضعة، في ضواحي مدينة بوردو، ارتدت السيدة العجوز تنورة بيضاء أنيقة وبلوزة ووضعت أحمر شفاه؛ فذلك اليوم كان يحمل طابعًا مميزًا لمارت جوتييه البالغة من العمر ٨٨ عامًا؛ إذ وُجِّهَت إليها الدعوة لإلقاء كلمة في مؤتمر علمي مرموق، وبعد ذلك سوف تحصل على وسام؛ تقديرًا لإسهامها في أحد الاكتشافات الطبية الأكثر أهمية في القرن العشرين.

مارت جوتييه في عام ٢٠١٤.
مارت جوتييه في عام ٢٠١٤.

كان هذا المؤتمر بمنزلة فرصة لها للدفاع عن حقها، ولكن هذا لم يحدث قط.

في وقت سابق من ذلك اليوم، وصل إلى مؤتمر الاتحاد الفرنسي لعلم الوراثة البشرية ممثلان قانونيان يحملان حكمًا قضائيًّا يقضي بالسماح لهما بتسجيل خطاب مارت جوتييه، وألقيا نظرة على شرائح العرض التوضيحي الخاصة بها، وحددا أجزاء قالا إنها قد تكون تشهيرية.

وخوفًا من الإجراءات القضائية، قرر المنظمون أن يطلبوا من جوتييه عدم الحضور. وأُرسل اثنان من المنظِّمين إلى الفندق لتسليمِها الوسام في إطارٍ غير رسمي. ولا تزال جوتييه تحتفظ بالوسام في صندوقه الأحمر. وأُلغي خطابها.

إن النزاعات حول صاحب الفضل في أي اكتشاف علمي نزاعات شائعةٌ، ولكن القليل منها يتفاقم على هذا النحو المُثير. كان الممثلان القانونيان قد حضرا نيابة عن أقارب وأنصار الراحل جيروم لوجون، عالم الوراثة وطبيب الأطفال وأحد المناهضين للإجهاض وصديق البابا يوحنا بولس الثاني والمرشح الحالي للحصول على لقب قديس.

لا يتمتع لوجون بشهرة واسعة على مستوى الدول الناطقة بالإنجليزية، ولكنه يمثل أسطورة علمية في فرنسا. في عام ١٩٥٩، كان لوجون قائد فريق الدراسة لورقة بحثية موجزة تكشف عن أن سبب متلازمة داون هو وجود كروموسوم زائد، الأمر الذي مثَّل أولَ اكتشافٍ لشذوذ كروموسومي لدى البشر، وانطوى على تطوُّر هائل في فهمنا للأمراض الوراثية.

كان اسم مارت جوتييه أيضًا من بين أسماء فريق الدراسة بتلك الورقة البحثية، ولكن على مدى عُقُود كان دَوْرها في الاكتشاف ثانويًّا. والآن — بعد أكثر من ٥٠ عامًا — ادَّعَت أمرًا مثيرًا للدهشة؛ ألا وهو أنها صاحبة الاكتشاف الخطير، وليس لوجون.

رفض أنصار لوجون ادعاءها مشيرين إلى أنها لا تملك الأدلة الكافية لتدعيم زعمها. مع ذلك، التفَّ آخرون حول قضيتها، وقارنوها بروزاليند فرانكلين؛ عالمة الفيزياء الحيوية البريطانية التي يعتقد الكثيرون أنها كانت تستحق أن تحظى بتقديرٍ أكبرَ على أبحاثها الخاصة ببنية الحمض النووي.

روح التحدي

وبعد أيام قليلة من هذه الأحداث في بوردو، زرتُ جوتييه في شقتها في باريس بالقُرب من مدينة مولان روج. كانت متحفزة للغاية، وربما عزز هذا التحفز باقات الزهور التي أرسلها المهنئون واكتظ بها الرواق. قالت: «طلب مني المنظمون عدم إلقاء الكلمة في المؤتمر؛ لتجنُّب المشكلات القانونية، ولكن كان ينبغي أن أرفض وألقي كلمتي على أية حال.»

ربما تفسر روح التحدي التي تحلَّت بها كيف أن امرأة ذات أصول اجتماعية متواضعة لا تتمتع بعلاقات واسعة؛ كانت قادرة على النجاح في مجال الطب ذي الطبيعة الهرمية، والذي هيمن عليه الرجالُ في خمسينيات القرن العشرين في فرنسا. كانت جوتييه الطفل الخامس بين سبعة أطفال وُلدوا لعائلة من المزارعين، والتحقت بمدرسة داخلية كاثوليكية في مدينة ليل، وفي عام ١٩٤٢ سارت على خُطى أختها الكبرى بوليت التي كانت تدرس الطب في باريس.

قُتلت بوليت على يد القوات الألمانية المنسحبة من فرنسا عام ١٩٤٤، ولكنها قبل وفاتها كانت قد قَدَّمت لمارت بعض النصح؛ تقول جوتييه: «قالت لي بوليت إنه ما دام أبونا ليس طبيبًا، وما دمنا نساءً؛ فعلينا أن نبذل ضعف الجهد الذي يبذله الرجال لتحقيق النجاح. وهذا هو ما فعلتُه.»

تخرجتْ جوتييه في كلية الطب عام ١٩٥٠، وحصلت على فترة تدريب طبي رفيعة المستوى؛ فكانت إحدى امرأتين بين٨٠ مرشحًا فازوا بالتدريب. وفي عام ١٩٥٥، ذهبت إلى جامعة هارفرد لتعلُّم أساليب جديدة لعلاج الحمى الروماتيزمية وأمراض القلب المرتبطة بها عند الأطفال، وأثناء تواجدها هناك مُنحت وظيفةً بدوامٍ جزئي كمساعدة فنية في مختبر لزراعة الخلايا، حيث تعلمتْ كيفية زراعة الخلايا البشرية داخل صحن.

عدد الكروموسومات

عندما عادت إلى فرنسا، كانت قد وُعدت بالحصول على وظيفة، ولكن حصل عليها زميلٌ آخرُ؛ لذلك قبلتْ، على مضض، بالعمل في التدريس براتب زهيد تحت إشراف ريمون تيوربن؛ رئيس وحدة طب ​​الأطفال الذائع الصيت بمستشفى تروسو في باريس، وفي تلك المرحلة بدأ اهتمامُها بالكروموسومات البشرية.

كان تيوربن مهتمًّا، منذ فترة طويلة، بمتلازمة داون. وفي عام ١٩٣٧، وضع فرَضِيَّة تفيد بأن سبب الإصابة بمتلازمة داون هو حدوثُ شذوذٍ كروموسومي، ولكن لم تكن تقنيات تحليل الكروموسومات في تلك الفترة كافية.

غير أنه في خريف عام ١٩٥٦ تغير الموقف. عاد تيوربن من مؤتمر في علم الوراثة بأنباء شائقة؛ إذ طور علماء في السويد تقنية محكمة لفحص الكروموسومات البشرية تحت المجهر؛ ونتيجة لذلك عُرف أن عددها ٤٦ كروموسومًا، وليس ٤٨ كما كان يُعتقد سابقًا.

رأى تيوربن أن هذا الأمر إنما يحمل في طياته إمكانية إحصاء عدد الكروموسومات لدى شخص يعاني من متلازمة داون. تذكرت جوتييه: «قال البروفيسور تيوربن لنا: «إنه لَأمرٌ مخزٍ أنه لا أحد في فرنسا يعرف كيفية زراعة خلايا.» فأجبته على الفور: «إذا كان هذا ما تريده، فأنا أستطيع فعله. فقط أريد مختبرًا للعمل به».»

سمح لها بالعمل في مختبر يحتوي على ثلاجة وجهاز للطرد المركزي ومجهر، وكان لديها اثنان من المساعدين الفنيين، ولكن كان العمل بدون أجر حتى إنها حصلت على قرض لدفع ثمن الأدوات الزجاجية، كما اضطرت أيضًا إلى استيراد أدوات لم تكن متوفرة في فرنسا. «ذهبت إلى الريف بسيارتي من طراز «رينو ٤ سي في»، وعدتُ ومعي ديك صغير وُضِع في حديقة منزل إحدى الممرضات. استخدمتُ البلازما المأخوذة من الديك الصغير لتثبيت عينات الأنسجة. وفي سبيل توفير المصل اللازم للتغذية، أخذت عينات من دمي.»

وعلى مدار عشرة أشهر، علَّمت جوتييه نفسها زراعة الخلايا البشرية الطبيعية وحساب عدد الكروموسومات. وعن ذلك تقول: «تحققت من أن الخلايا تحتوي على ٤٦ كروموسومًا.»

بعد ذلك واتتها الفرصة للتوصل إلى الاكتشاف العظيم. «وصلتْني أخيرًا عينةٌ من طفل مُصاب بمتلازمة داون، وعندما أحصيت ٤٧ كروموسومًا، كنت وحدي ولكني صحت «وجدتها!».» في ذلك الوقت — في مايو عام ١٩٥٨ — تعترف جوتييه أنها لم تستطع أن تتأكد تمامًا من طبيعة ما اكتشفتْه. لم يكن لديها مجهرٌ تصويريٌّ لالتقاط صور الكروموسومات ولإثبات وجود كروموسوم إضافي، ولكن لعب الحظ لعبته، فقد بدأت في تلقِّي زيارات من جيروم لوجون المعروف، مدير عيادة متلازمة داون في المستشفى. تدرب لوجون على يد تيوربن وكان يدرس في هذا الوقت الأساس الوراثي للمتلازمة.

تقول جوتييه: «عرض لوجون أخذ صور الكروموسومات في مكان آخر فقلتُ: «حسنًا، خذ الشرائح وَأْتني بالصور.» فأخذ الشرائح ولم أره مرة أخرى.» وتضيف أنها عندما سألتْه عنها قال إنها في مكتب تيوربن.

أُجريَت مزرعةٌ على عينة أخرى من صبيٍّ مُصاب بمتلازمة داون في يونيو، ووُجد بالخلايا أيضًا ٤٧ كروموسومًا.

بعد ذلك بدأت الأمور تتخذ منحنًى سيئًا. في أغسطس عام ١٩٥٨، قدم لوجون النتائج في المؤتمر الدولي لعلم الوراثة في مونتريال بكندا؛ وهي خطوةٌ تقول جوتييه إنها لم تُبلَّغ بها. وبعد الحصول على نتائجَ أخرى من حالة ثالثة في ديسمبر، أعطى تيوربن موافقتَه على نشرها في دورية الأكاديمية الفرنسية للعلوم (دورية كونت روندي، المجلد ٢٤٨، صفحة ٦٠٢).

تقول جوتييه إنها استُبعدت من العملية، ورأت البحث قبل يومين من نشره فحسب. «ذهبتُ إلى مستشفى تروسو صباح أحد أيام السبت ورأيت لوجون، وكان معه البحث في يده، وقال لي إنه من المقرر أن ينشر يوم الاثنين. ألقيت نظرة عليه، ورأيت ترتيب فريق الدراسة: «لوجون ثم جوتييه ثم تيوربن». أُصبت بالصدمة؛ فقد بذلت قصارى جهدي كل ذلك الوقت، ولكن اسم لوجون هو المكتوب أولًا!» وما زاد الطين بلة هو أن اسمها كان مكتوبًا على نحو خطأ «ماري جوتييه».

كان لوجون أيضًا قائد فريق الدراسة ببحث ثانٍ نُشِرَ في مارس عام ١٩٥٩. وبعد فترة وجيزة، تركت جوتييه الفريق لاستئناف عملها في علاج أمراض القلب لدى الأطفال.

في الوقت نفسه، بدأ لوجون في تَلَقِّي كل الجوائز التي كانت تُمنح في تلك الفترة تقريبًا، عدا جائزة نوبل. في عام ١٩٦٢، قدم الرئيس كينيدي له جائزة كينيدي الأولى «لاكتشافه سبب الإصابة بمتلازمة داون». وبعد عامين أنشئ له خصيصًا منصب الأستاذية في قسم علم الوراثة الأساسية في كلية طب باريس. وفي عام ١٩٦٩، حصل على جائزة آلان وليام، وهي أرفعُ تكريم في علم الوراثة البشرية.

على الرغم من نجاحه، انزعج لوجون مما انطوتْ عليه أبحاثُهُ من عواقب؛ فبصفته عضوًا في منظمة أوبوس داي الكاثوليكية المتمسكة بالتقاليد ومعارضًا صريحًا للإجهاض؛ عبَّر عن مقته حقيقةَ أنه قد مهد الطريق لإجراء اختبارات قبل الولادة وإجهاض الحمل، ورأى أن هذا الموقف كلفه جائزة نوبل، لكنه أكسبه صداقة البابا يوحنا بولس الثاني.

بعد وفاة لوجون جراء إصابته بسرطان الرئة في عام ١٩٩٤، أُنشئت مؤسسة جيروم لوجون لاستكمال مسيرته البحثية.

بعد انتهائي من مقابلة جوتييه، سافرتُ إلى الجانب الآخر من باريس للقاء المدير التنفيذي لمؤسسة جيروم لوجون، وهو تييري دو لا فيلجِيجو، وهو رجل مَرِحٌ ضخم البنية، لم يكن لديه أدنى شك حول صحة ادعاء لوجون؛ حيث يقول: «حصل لوجون على عينات مزارع الخلايا التي أجرتْها مارت جوتييه، وكان قادرًا على فصل الكروموسومات، وتكبير الكروموسومات المختلفة وملاحظة الكروموسوم السابع والأربعين. شارك لوجون في كل مرحلة من مراحل الكشف، ولا سيما في تقديم أول توثيق مفصل لعينة تحتوي على ٤٧ كروموسومًا.»

قدَّم دو لا فيلجِيجو رسالة بعث بها تيوربن إلى لوجون يوم ٢٨ أكتوبر ١٩٥٨ كدليلٍ على صحة كلامه. تنص الرسالة على: «جاءني زائران، هما كورديرو فيرير(طبيب أطفال من لشبونة)، وجيه مور من أوسلو، وأُعجبا بعينات الكروموسومات «الخاصة بك» بشدة. لم تتوصل السيدة جوتييه والسيدة ماسيه (مساعدة فنية) إلى أكثر من ٤٦ كروموسومًا.»

التقيت أيضًا مديرة قسم البحث في المؤسسة فاليري لوجو، وعندما سألتُها عما إذا كان لوجون مُحِقًّا في وضع اسمه أولًا على البحث، قالت إن هذه كانت الطريقة المتبعة حينها، «لا ينبغي لنا محاولة إعادة كتابة التاريخ؛ بل يجب علينا احترامُ القرار الذي اتخذ في ذلك الوقت.»

ويدافع دو لا فيلجِيجو أيضًا عن هذا القرار فيقول: «ثمة توجُّه تصحيحيٌّ في الوقت الحالي يَستنكر تحيُّز الرجال ضد المرأة في ذلك الوقت وجعلها ضحية. وهذا الخروجُ التصحيحيُّ عن المسار المألوف سيؤدي بنا إلى إعادة تفسير التاريخ.»

ويستطرد دو لا فيلجِيجو قائلًا: «إن جميع الوثائق الصادرة عنا والتي تتناول الاكتشاف تذكُر لوجون وجوتييه وتيوربن، وإذا تصادف عدم وجود اسمَي جوتييه وتيوربن؛ فهذا خطأ من المؤسسة وليس مقصودًا.»

تحققت من ذلك الأمر. توجد صفحتان في الموقع الإلكتروني للمؤسسة يوجد فيهما اعترافٌ بدور جوتييه وتيوربن، ولكن في معظم الحالات يُشار إلى لوجون على أنه المكتشف، دون ذِكْر أي شخص آخر.

دليل دامغ

ترفض جوتييه قصة المؤسسة؛ ففيما يتعلق بخطاب تيوربن، فإنها تُشير إلى خطاب أرسله لوجون لها بعد بضعة أيام، يذكر أن تيوربن أخطأ في معرفة صاحب العمل الذي كان ينظر إليه. كانت الرسالة بتاريخ ٥ نوفمبر عام ١٩٥٨ وجاء فيها: «أخبرني الرئيس تيوربن في رسالة وصلت إليَّ مؤخرًا أن عينات الكروموسومات «الخاصة بك» أدهشت عالِم الوراثة النرويجي مور.»

يبدو أن الكثير من الجدل لا يتعلق إلى حد بعيد بمَنْ فعل ماذا، بل يتعلق بالأهمية النسبية للأدوار المختلفة. يبدو أن أنصار لوجون يتقبلون أن جوتييه عدَّلت التقنية المتبعة وأجرت مزرعة الخلايا، وما إن ظنَّت أنها لاحظت وجود ٤٧ كروموسومًا حتى أخرج لوجون صورًا مكبرة للكروموسومات؛ مما كشف عن أن الشذوذ يتمثل في وجود نسخة إضافية مما نسميه الآن الكروموسوم ٢١. ويقول أنصاره إن هذا كان مفتاح الاكتشاف.

في ظل غياب الدليل الدامغ، سألت بعض الأشخاص ممن هم في موقع محايِد يُخَوِّل لهم إصدار حكم.

بيتر هاربر — أستاذ علم الوراثة الطبي المتقاعد في جامعة كارديف بالمملكة المتحدة — أجرى مقابلات مع العديد من رُوَّاد علم الوراثة الخلوية من أجل كتابه «أول سنوات الكروموسومات البشرية» الذي صدر عام ٢٠٠٦. يقول بيتر: «ربما عليك بذل قدر لا بأس به من الجهد من أجل الحصول على صور جيدة للكروموسومات؛ لذلك لن أقول إن مساهمة لوجون كانت تافهة، ولكن إذا كانت توجد لحظة واحدة للاكتشاف، فإنها قد حدثت قبل ذلك؛ بالنظر في المجهر.» تقول باتريشيا جاكوبس، إحدى مؤيدات جوتييه أيضًا، وهي أستاذة علم الوراثة البشرية في جامعة ساوث هامبتون بالمملكة المتحدة، وكانت إحدى المنافسات للوفد الفرنسي في أواخر خمسينيات القرن العشرين: «عُوملت مارت جوتييه على نحو غاية في السوء. فعَدُّ الكروموسومات سهل إذا كان لديك عينات جيدة، عليك فقط أن تنظر في المجهر. استولى جيروم لوجون على عملها ونَشَرَه واضعًا اسمه في المقدمة.»

يرى هاربر أن ثمة شعورًا بأن هذا حدثٌ مَرَّ علينا من قبل، فيقول موضحًا: «اللافت للنظر هو أن شخصًا بارعًا للغاية ومدرَّبًا تدريبًا عاليًا ويمتلك خبرة بحثية كبيرة يُنظر إليه بعد ذلك على أنه مساعدٌ فنيٌّ. أقابل هذا مرارًا وتكرارًا، والمقارنة بين جوتييه وروزاليند فرانكلين صائبة للغاية؛ لأنه في كلتا الحالتين كان لديهما دلائلُ غاية في الأهمية ولكن أُبعدتا عنهما، إما سهوًا وإما غير ذلك.»

لماذا الآن؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا انتظرت جوتييه طويلًا قبل أن تُفصح عن روايتها للأحداث؟ تقول جوتييه إنها كانت تعتزم الاحتفاظ بالأمر سرًّا حتى وفاتها، ولكن استفزتْها حَمْلةُ مَنْح لوجون لقب قديس — التي بدأت في عام ٢٠٠٧ — وتجددت مع الذكرى الخمسين للاكتشاف في عام ٢٠٠٩؛ ونتيجة لذلك ظهرت ادعاءاتٌ أكثر إثارة من أي وقت مضى حول فضائل لوجون، وفي الوقت نفسه تجاهلت إسهامات الآخرين.

تقول جوتييه: «بدأت أدرك أنه إذا لم أُصحح الأمر؛ فلن تُسجَّل جهودي في التاريخ. فمؤسسة لوجون تشير باستمرار — وما زالت تشير باستمرار — إلى أنه صاحب الاكتشاف. وبدأ هذا الأمر يزعجني؛ لأنني سأموت قريبًا، وإذا ما استمر ذلك فسأصبح في طي النسيان.» وفي عام ٢٠٠٩، نشرت روايتها عن الأحداث في دورية مِديسين ساينس الفرنسية (المجلد ٢٥، صفحة ٣١١)، ونُشرت ترجمة إنجليزية لها في دورية هيومان جينتيكس (المجلد ١٢٦، صفحة ٣١٧).

كانت هذه المقالة ما لفت انتباه مؤسسة لوجون؛ مما أدى في النهاية إلى كارثة مؤتمر بوردو. ويدعي دو لا فيلجِيجو أن رواية جوتييه للأحداث التي نشرت عام ٢٠٠٩ تحتوي على عبارات تشهيرية، وأُرسل الممثلان القانونيان إلى المؤتمر للتحقُّق مما إذا كانت ستردد الكلام نفسه، ولجمع الأدلة من أجل رفع قضية محتملة للدفاع عن سمعة لوجون. ويسمح القانون الفرنسي لأقارب المتوفين برفع دعاوى تشهير ضد هؤلاء الذين يقولون عباراتٍ غير صحيحة تضر سمعتهم.

إذا كانت المؤسسة تأمل في قمع التشكيك في دور لوجون، فإن الأسلوب الذي اتبعتْه أتى بنتائجَ عكسيةٍ؛ فقد ساعد الجدل الذي نجم عن الأمر في نشر رواية جوتييه لما هو أبعدُ من الدوائر الأكاديمية والفرنسية بصورة رئيسية، والتي كانت معروفة في نطاقها في السابق.

أما جوتييه، فبعد أسبوعين من زيارتي لها لا تزال ترغب في أن ترى ما تعتقد أنه تصحيحٌ لما وقع عليها من ظلم، ولكنها في الوقت نفسه تسأم الدخول في صراعات؛ فكما تقول: «أشعر بالفخر بما حققته، ولكن الأمر لم يكن بهذه الصعوبة؛ فالاكتشافاتُ العلمية غالبًا ما تتضمن التواجُدَ في المكان المناسب في الوقت المناسب وتوفُّر شيء من الحظ، ولكنْ في النهاية الحياة بها الكثير من الأشياء الأخرى بخلاف النزاع حول الكروموسومات. كل هذه الصراعات تثير الضجر، ولدي أشياء أخرى أقومُ بها.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (3)

  • default avatar
    علي العمري ·٥ سبتمبر ٢٠١٦، ٦:٣٥ ص

    ليتكم تضعون رابط المقال بلغته الأصلية إن وجد، هذا أمر ضروري في تقديري ولن يحملكم عبئا إضافيا.

  • default avatar
    arbi noureddine ·١١ فبراير ٢٠١٥، ٢١:٤٢ م

    عندما تمتلك الإرادة يصبح كل شيء سهل أمامك ...

  • default avatar
    arbi noureddine ·١١ فبراير ٢٠١٥، ٢١:٤٢ م

    عندما تمتلك الإرادة يصبح كل شيء سهل أمامك ...

    • photo avatar
      Mohammed Chedala ·١٠ أبريل ٢٠١٦، ٢٠:٢٠ م

      حتى هذا اليوم هناك من يبحث و يعمل و يكد و يجد و هناك من يقتنص و يصطاد و...