تفصلنا أشهر قليلة عن الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، مع ذلك يبدو أن أحد جوانب ذاك الصراع العالمي لا يثير إلا القليل من الاهتمام. إذا كانت تلك الحرب صراعًا عالميًّا من أجل الحرية، فلماذا تحرَّر الكثير من الدول الأوروبية، على غرار بولندا وتشيكوسلوفاكيا، من القبضة الإمبريالية ولم تتحرر أيٌّ من الدول غير البيضاء الأخرى؟ لا شك أن المملكة العربية السعودية نشأت كدولة مستقلة، لكن اتفاقية سايكس بيكو في مايو عام ١٩١٦ أدت إلى أن يفضي ربيع الحرب العالمية الأولى العربي إلى ضم بريطانيا وفرنسا لمزيد من الدول إلى إمبراطوريتهما بدلًا من تحريرها. للوصول إلى تفسير لهذا الأمر، علينا أن نتفحص الطريقة التي تعاملت بها بريطانيا مع دُرَّة تاجها؛ ألا وهي الهند.

فِرَق الدراجات الهندية بمعركة السوم.
فِرَق الدراجات الهندية بمعركة السوم.

رأى قادة الحرب أن الهنود يقدمون دعمًا كبيرًا لقوات الحلفاء، لكنهم انتظروا شيئًا في المقابل أيضًا. قدمت الهند المال، وأرسلت ما يزيد على ١٫١ مليون شخص، من بينهم ١٣٨ ألف شخص أرسلتهم إلى أوروبا، وما يزيد على ٨٠٠ ألف شخص أرسلتهم إلى الشرق الأوسط؛ حيث لعبوا دورًا حاسمًا في تفكيك الإمبراطورية العثمانية، كما ساعدوا في احتلال العراق (كانت الرُّوبيَّة العُملة المُتداوَلة في البلاد في وقت من الأوقات)، وأسهموا إسهامًا جوهريًّا في انتصار ألِنبي في فلسطين، وحالوا دون سقوط شرق أفريقيا في أيدي الألمان. كذلك زوَّدت الهند الحرب بما يزيد على ١٧٠ ألف رأس من البهائم، و٣٫٧ ملايين طن من الإمدادات والمؤَن. حصل الهنود على ١١ وسامًا من أوسمة صليب فيكتوريا، ولقِيَ ما يزيد على ٦٠ ألف فرد من الجنود حتفهم، فضلًا عن الكثير من البحَّارة والملاحين.

لكن في الوقت نفسه طَالَب هنود آخرون بالحكم الذاتي، على غرار الوضع في أيرلندا. ومثلما حدث في أيرلندا، كانت هناك بضع مجموعات صغيرة إلى حد ما ترغب في اللجوء إلى السلاح، لكن لم تندلع انتفاضةٌ بالهند مماثلة لانتفاضة عيد الفِصْح عام ١٩١٦ بأيرلندا.

عَكَسَ مثل هذا الانقسام، بدقةٍ، النظامَ المُسبِّب للشِّقاق الذي طبَّقه البريطانيون في الهند. قسَّم البريطانيون — الذين لم يَسَعْهُم تصديق أن جميع الهنود بوسعهم خوض الحروب — الهنود إلى أعراق مُحارِبة وأخرى غير مُحارِبة.

اقتصر التجنيد على جماعات بعينها، من الشمال بوجه عام، كالسيخ، فيما اعتُبر أفراد المجتمعات بالشرق والجنوب أنهم لا يصلحون سوى للعمل ﮐ «بابو»؛ وهو اللقب الازدرائي الذي يُطلَق على الموظفين. وتأكَّد هذا الانقسام بالشرط الخاص بحظر وصول الهنود إلى رتبة الضباط. وعلى حد تعبير لورد روبرتس الذي تولى رتبة القائد العام في الهند:

لا يمكن مطلقًا أن يحلَّ الضباط الهنود محل الضباط البريطانيين … فالأعراق الشرقية، على الرغم من تَحَلِّيها بالشجاعة واعتيادها على خوض الحروب، لا تتمتع بالصفات التي تؤهل لصنع قادة محنكين … عَرَفْتُ الكثير من المواطنين الهنود ممن تحلَّوْا بقدر لا يُوصَف من البسالة والتفاني، لكنني لم أعرف قط فردًا واحدًا لم يبحث عن أصغر ضابط بريطاني لمساعدته وقت الشدة، أو عند تعرُّضه لخطر ما.

وفي أغسطس عام ١٩١٨، أعلن إدوين مونتاجيو، وزير الدولة لشئون الهند، بعد أن تغلب على معارضة كبيرة من وزارة الحربية البريطانية، أن تسعة هنود سيحملون رتبة ضابط بتكليف ملكي، وستُخصَّص عشرة أماكن سنويًّا للهنود في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية. ولكن حتى بعد ذلك، وعلى مدى سنوات فيما بعدُ، أثيرت مخاوف كثيرة حول وجود ضباط هنود الأصل؛ قال السير هنري رولينسون، الذي ساهم في وضع خطة الهجوم في معركة السوم: «يشعر الناس بالفزع، يقول الضباط القدامى إنهم لن يرسلوا أبناءهم لتأدية خدمتهم العسكرية تحت قيادة الهنود … سيستغرق الأمر جيلين على الأقل، وربما ثلاثة أجيال؛ كي يظهر ضباط هنود بالمستوى المطلوب والأعداد الكافية.»

مع ذلك أدرك الساسة البريطانيون أن الحرب قد غيَّرت من التوجُّهات. أوضح لورد كرزون — النائب السابق للملك ثم رئيس المجلس الملكي في حكومة لويد جورج الائتلافية — هذا الأمر في مذكرة بعثها إلى وزارة الحرب في الثاني والعشرين من مايو عام ١٩١٧:

في غضون الحرب أُطلِق عنان القوى، ووجدت الأفكار مُتَنَفَّسًا لها، وتشكلت التطلُّعات التي كانت إمَّا خامدة من قبلُ، وإما طرأ عليها تطور هائل إلى حد بعيد في غضون وقت وجيز. نحن نُقدِّم بالفعل تنازلات إلى الهند … نظرًا لكثرة الحديث عن الحرية والديمقراطية والقومية والحكم الذاتي، التي أضحت الشعارات الشائعة لقوات الحلفاء، ولأنه من المتوقع منا ترجمة الأفكار التي وَعَظْنَا بها الآخرين — بحماسة شديدة — إلى واقع في إدارتنا المحلية. كذلك زوَّدت الثورة الروسية هذه الموجة بدفعة هائلة …

في صيف عام ١٩١٧، أوضحت وزارة الحرب خططها بعيدة المدى؛ ففي هذه المرحلة، بصرف النظر عن حقيقة أن الولايات المتحدة كانت قد دخلت دائرة الصراع، لم تكن الحرب قد حُسمت مطلقًا بعدُ؛ فقد دلَّ انهيار روسيا على أن ألمانيا لم تَعُدْ بحاجة إلى القتال على جبهتين، وكذلك ظهر عصيان عسكري بين صفوف الجيش الفرنسي، وأُنهِكَت القوات البريطانية، وكانت الغواصات الألمانية لا تزال تشكِّل تهديدًا.

قبل اندلاع الحرب، كانت أستراليا ونيوزيلندا وكندا وجنوب أفريقيا تتمتع بالحكم الذاتي. أعَدَّ مونتاجيو، بعد مباحثات مع المسئولين البريطانيين في الهند، وثيقةً تتحدث عن حصول الهنود في نهاية المطاف على «الحكم الذاتي». ولَّدت هذه الكلمات نفسها مخاوف داخل وزارة الحرب. ذكر آرثر بلفور — رئيس الوزراء السابق عن حزب المحافظين، وقد تولَّى حينذاك وزارة الخارجية — في مذكرته إلى وزارة الحرب في السابع من أغسطس عام ١٩١٧:

إن مصطلح «الحكم الذاتي»، كما يطبَّق على أي جزء من أجزاء الإمبراطورية البريطانية، يَحمِل دلالة محددة ومألوفة على نحو تام؛ وهي تشكيل حكومة برلمانية على أساس ديمقراطي. وهذه ليست، فحسب، الدلالة المتعارف عليها بين أبناء العِرْق البريطاني، بل الدلالة التي ستلتصق بهذا المصطلح على نطاق واسع في الهند. من ثم، إذا قطعنا وعدًا على أنفسنا بأن تَصُبَّ الأمور في صالح الحكم الذاتي، فنحن نَعِدُ بالفعل أن نؤسس في الهند، ذات يوم، حكومة على غرار الحكومات التي تشكلت في كندا وأسترالاسيا والكيب.

لكن، مثلما لم يستطع العسكريون البريطانيون تصديق حقيقة أن الهنود بإمكانهم تولي رتب الضباط على الإطلاق، لم يستطع الساسة البريطانيون تصور أن الهنود بمقدورهم إدارة شئونهم الخاصة مطلقًا، ناهيك عن النظام البرلماني. جاء رد بلفور على هؤلاء الذين زعموا أن التعليم الغربي ربما يحل المعضلة كالتالي:

كذلك لن تقدم الثقافة الغربية حلًّا كافيًا: لأن التعليم لا يمكن أن يغيِّر من الجوهر الذي يبنى عليه بصورة جذرية، بل السمة الغالبة لهذا الجوهر وتنوعه هي مقياس التقدم السياسي في نفس الإطار المتخصص والمحدود إلى حد ما، والذي تبيَّن أنه يأتي بنتائج جيدة في أوروبا وأمريكا.

شعر كرزون بريبة شديدة من أن الحكم الذاتي ربما يعني حكومة تتكون من «الطبقات المتعلِّمة». تألفت هذه الطبقات من الهنود الذين خرجوا من مؤسسات الحكم البريطاني للهند. مع ذلك كان كرزون يبغضهم كثيرًا، ولا سيَّما المحامين الذين تلقوا تعليمهم في الغرب. حَبَّذَ كرزون مصطلح «الحكومة المسئولة»، وعلى الرغم من أنه لم يضع تعريفًا دقيقًا له؛ فقد اعتبره تحسينًا للإصلاحات المحدودة التي قدمها البريطانيون بالفعل.

عُقد الاجتماع الهام لوزارة الحرب في الرابع عشر من أغسطس عام ١٩١٧. زعم كرزون أنه باستخدام عبارة «الحكم الذاتي» سيتوقع الهنود أن يكونوا أسياد قرارهم في غضون جيل، في حين أن الوزارة رأت على الأرجح أن الأمر قد يستغرق خمسمائة عام. لم يكن لويد جورج معجبًا كثيرًا بكرزون، لكن عندما يتعلق الأمر بالهند كان مستعدًّا لأخذ كلامه على محمل الصدق بصفته خبيرًا، وبالفعل رجحت وجهة نظره.

بعد ستة أيام، أي في العشرين من أغسطس عام ١٩١٧، التزم إعلان مونتاجيو في مجلس العموم بالفعل ﺑ «البناء التدريجي لمؤسسات الحكم الذاتي»، لكن ذلك بُغية بلوغ هدف «التطبيق التدريجي للحكومة المسئولة في الهند كجزء لا يتجزأ من الإمبراطورية البريطانية». لم يعتقد أي من أعضاء وزارة الحرب أن هذا يعني أن الهند ستصير يومًا دولة تتمتع بالحكم الذاتي، شأنها شأن الدول البيضاء المستقلة. لا شك أن كرزون نبذ مثل هذه الأفكار في مذكرته في الثاني من يوليو باعتبارها «أكثر الأحلام جموحًا»، وواصل حديثه محذرًا من أن سَحْب «وصاية» النفوذ البريطاني «سيكون الإجراء الأكثر رجعية، إلى جانب كونه من أكثر الجرائم التي تستحق الإدانة.» غير أن حديث الحرية والديمقراطية والحكم الذاتي الوطني وقت الحرب قاد الكثير من الهنود إلى الاعتقاد بعكس ذلك؛ ما ترتب عليه أحيانًا عواقب وخيمة.

تطلَّب الأمر نُشوب حرب أخرى، وأن يُدمِّر اليابانيون خرافة سيادة العِرق الأبيض في آسيا؛ حتى تُحقِّق الهند استقلالها. ومن قبيل المفارقة أن نَعِمَت الهند بالحرية بعد ثلاثين عامًا بالضبط من تاريخ اجتماع وزارة الحرب عام ١٩١٧، وقبل ٤٦٥ عامًا من التاريخ الذي ارتأى فيه القادة البريطانيون في زمن الحرب، الذين اجتمعوا حول طاولة وزارة الحرب، إمكانية منح الهند استقلالها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.