مع كونها منطقة حرب، يخيم عليها صمتٌ لا يتسق معها، فأرض المعركة عبارة عن غرفة مظلمة، باردة، رائحتها عطنة قليلًا، لا يضيئها سوى وميض شاشات الصمامات الثنائية الباعثة للضوء لوحدات التحكم، وضوء خافت صادر من شاشات تعرض لقطات جوية لأراضٍ صحراوية ممتدة. ويجلس إلى كل وحدةِ تحكُّم جنديان بالقوات الجوية الأمريكية يرتديان بذلة الطيارين، يتحدثان بصوت خفيض في سماعات الرأس التي يرتدونها، ويوجِّهان طائرة يجري التحكم فيها عن بُعْدٍ باستخدام أجهزة تحكُّمٍ شبيهة بتلك المستَخدَمة في الطائرات المقاتلة. وخارج القاعدة، تحرس طائراتُ بريديتور أو ريبر غير المأهولة — المشهورة باسم الطائرات دون طيار — سماء نيو مكسيكو الصافية. وحتى تلك اللحظة، فإن الطائرة التي يقودها هؤلاء المتدربون على تشغيل الطائرات بدون طيار والقرى التي يراقبونها من قاعدة هولومان الجوية في جنوب نيو مكسيكو مجرد نماذج محاكاة. وسرعان ما سيوجِّهون طائرات بدون طيار حقيقية تحلِّق في سماء قاعدة هولومان والقواعد العسكرية المجاورة لها.

وبعد أربعة أشهر، سيتخرَّج أكثر من ٥٠٠ طيارٍ ومشغِّلٍ لأجهزة الاستشعار ويُوزَّعون على قواعد، كثير منها في مواقع غير معلَن عنها. وحينها ستصير الأصوات الصادرة من سماعاتهم حقيقيةً: صيحات محمومة من جنود على الأرض يتفادون انفجارات مسموعة وقادة عسكريون يُصدِرون أوامر بالقتال. ومن على ارتفاع ٦١٠٠ متر في الجو، سيجمعون معلومات عن القنابل المرتجلة التي يزرعها مقاتلو الأعداء، ويشاهدون إطلاق النار على رفاقهم، ويطلقون قذائف هيلفاير على أفرادٍ أعلنهم قادة الطيارين وسياسيوهم إرهابيين. وفي نهاية اليوم، يخرجون إلى باحة انتظار السيارات، ويقودون سياراتهم عائدين إلى منازلهم لمساعدة أبنائهم في أداء فروضهم المنزلية.

يُصوَّر هؤلاء الطيارون على أنهم محاربون من المكاتب، يخشون الإصابة بمتلازمة النفق الرسغي أكثر مما يخشون الأعيرة النارية. ولكن هل تشغيل الطائرات بدون طيار وظيفة عسكرية سهلة مثلما تبدو عليه؟

فإلى جانب الضغط المتولد عن إزهاق الأرواح والتعرض لويلات الحرب، لا بد لمشغلي الطائرات بدون طيار أن يتابعوا وابلًا منهمرًا من المعلومات الرقمية والمسموعة. وفيما بين المناوشات المفعمة بالنشاط والحركة، تمتد ساعات أو أيام طوال من الملل، وهو ما يمكن أن يسبب توترًا من نوع آخَر. فعلماء النفس الآن يتساءلون عما إذا كان فَصْلُ الطيارين عن طائراتهم — «العمليات المنفصلة» حسب لغة العسكريين — يرهق العقل البشري على نحوٍ غير مسبوق.

لا شك في أن الطائرات بدون طيار والجنود المتحكمين فيها سيصيرون ذوي أهمية محورية بالنسبة إلى كثير من العمليات العسكرية (انظر الشكل)، وأن السياسيين والمؤسسة العسكرية على حدٍّ سواء متحمسون لفكرة المراقبة والقصف الجوي الدقيق التي تخفض المخاطر التي تتعرض لها قوَّاتهم إلى حدٍّ كبير جدًّا. ففي العام الماضي — وللمرة الأولى — درَّبت القوات الجوية الأمريكية طياري طائرات بدون طيار أكثر مما درَّبت طياري طائرات عادية من أجل العمليات التي تجري في العراق وأفغانستان في المقام الأول. بعض هؤلاء الطيارين يلتحق بمدرسة الطائرات بدون طيار بعد مرحلة التدريب مباشرةً؛ وآخرون يكونون طيارين متمرسين. وتشغِّل وكالة المخابرات المركزية طائرات بدون طيار في اليمن وباكستان أيضًا، ولكنها لن تفصح عن عدد مشغِّلي تلك الطائرات العاملين لديها أو مَن يدرِّبهم. وفي عام ٢٠١٢ — رغم خفض الميزانية — خصَّص الرئيس باراك أوباما ٥ مليارات من الدولارات من ميزانية الدفاع لبرنامج الطائرات بدون طيار المثير للجدل الذي شهد تصعيدًا في ظل إدارته.

يكره الطيارون مسمَّى الطائرة بدون طيار. ويقول تشاد — المدرِّب حاليًّا بقاعدة هولومان وطيار سابق للطائرات بدون طيار، الذي غطَّى، كغيره من الطيارين، الشارة التي تحمل اسمه بشريط لاصق أسود لدواعٍ أمنية: «إنه يعطي انطباعًا بأنها روبوتات تلقي الأسلحة عشوائيًّا.» فالقرارات المتعلقة باستخدام الأسلحة تمر بتسلسل قيادي طويل؛ فقد يشترك في المهمة الواحدة مئات الجنود عن بُعْدٍ، ويردف تشاد: «وأسوأ ما اقترفناه يومًا كان تسميتها مركبات غير مأهولة.»

الطيارون الأرضيون: يتزايد عدد طياري الطائرات بدون طيار العاملين في القوات الجوية الأمريكية بمعدل سريع، وهم يمثلون حاليًّا ٨٪ من الطيارين العاملين كافة.
الطيارون الأرضيون: يتزايد عدد طياري الطائرات بدون طيار العاملين في القوات الجوية الأمريكية بمعدل سريع، وهم يمثلون حاليًّا ٨٪ من الطيارين العاملين كافة.

ليست كألعاب الفيديو

وهم يكرهون أيضًا افتراض الناس أن توجيه الطائرات بدون طيار يُشبِه ألعاب الفيديو. فوسائل الإعلام زاخرة بمثل تلك المقارنات، ولكنها مسألة غير ذات بالٍ — على حدِّ قول أحد المدرِّبين وطياري الطائرات بدون طيار يُدعى جاي. ويضيف: «عندما تشتبك في القتال وتسمع الأصوات المذعورة، ستعرف أنه أمر واقع. فستسمع صوت إطلاق النار وتشعر به يخترقك حتى النخاع. وستشعر حتمًا بإفراز هرمون الأدرينالين في دمك.» ويصف طيارون آخرون الشعور الأقرب للحلم منه إلى الحقيقة الذي يولِّده ظنهم أنهم في أفغانستان، ثم خروجهم من القاعدة إلى نيفادا، على سبيل المثال.

وقد أدى ذلك إلى تساؤل علماء النفس عما إذا كان هؤلاء الجنود يمكن أن يكونوا عُرضةً للمشكلات ذاتها المتعلقة بالاضطرابات النفسية اللاحقة للإصابة التي ابتُلي بها مئات الآلاف من الجنود العائدين من العراق وأفغانستان. وتقول إليزابيث ستانلي من جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة: «إنهم يرون من خلال الكاميرات بوضوح بالغ، وتستجيب أجسادهم وعقولهم كأنهم على الأرض.» وتضيف أنه بإمكان صور المشاهد العنيفة أن تستثير وحدها «استجابة الكر والفر» ذاتها التي تستثيرها الحروب الحقيقية.

يتوافر لدى طياري الطائرات بدون طيار مجال رؤية غير مسبوق لمجازر الحرب؛ إذ يطوفون بتلك المشاهد لساعات. فيقول مايك ويفر — الطيار المتمرس المسئول عن برنامج التدريب على التحكم في الطائرات بدون طيار في قاعدة هولومان: «إنك في مقاتلات إف ١٥ ترى ما يحدث مباشرةً، ولكنك لا تمكث حتى ترى تبعاته.» وعندما تلقي قذيفة موجهة من طائرة «قد لا ترى الهدف أبدًا».

في حالة الطائرات بدون طيار، يكون الهدف شخصًا في كثير من الأحيان. وكانت مسألة مدى قانونية قتل الأفراد بقذائف تحملها طائرات يجري تشغيلها عن بُعْدٍ ومدى اتساقه مع الأخلاقيات هي أكثر جوانب برنامج الطائرات بدون طيار الأمريكي إثارةً للجدل. فالجيش ووكالة المخابرات المركزية لا يفصحان عن عدد الأهداف — بل والمارَّة — الذين قتلتهم طائراتهما بدون طيار؛ ويُعتقد أن إجمالي عددهم يبلغ الآلاف. ولكن فيما يتعلق بمَن يكون هدفَ الطائرات، يقول ويفر: «إن القرار يرجع للسياسيين.» أما بالنسبة إلى الجنود، فالأسبقية للأوامر، كما في أي مهمة أخرى.

يكمن الفرق في أنه عوضًا عن قتل العدو دفاعًا عن النفس، قد يتتبع مشغِّلو الطائرات أهدافهم أيامًا في أمانٍ تام. ويرى ويفر أن ذلك العزل للمقاتلين هو التطور الطبيعي لأساليب الحروب، سيرًا على خُطَى التطور من القتال بالأيدي إلى القتال بالبنادق.

لكن من المفارقات أن رؤية مشغِّلي الطائرات بدون طيار المشاهِدَ على شاشاتهم العريضة تقرِّبهم من أهدافهم. فيراهم مشغِّلو الطائرات أشخاصًا أحياء، وسط أعمالهم القتالية. فيقول ويفر: «إذا كنت تراقب هدفًا رفيع المستوى، وكان بصدد زرع قنبلة مرتجلة، قد ينتابني إزاءه شعور مختلف عن شخص جالس إلى منضدة يتناول طعامه. لكن الوقت لا يتسِّع للمشاعر.»

فما هي الآثار النفسية التي ستصيب مقاتلي العمليات المنفصلة في المستقبل؟ يقول واين شابيل — أخصائي علم النفس العسكري بقاعدة رايت باترسون الجوية العسكرية في أوهايو — إن المجال ما زال بكرًا بحيث يصعب أن نعرف إجابة ذلك السؤال. وقد أنهى هو وزميله كينت ماكدونالد مؤخرًا الدراسة السريرية الأولى عن طياري الطائرات بدون طيار. ورغم التباين الكبير بين الأفراد، فقد توصَّلوا إلى أن ما يقرب من نصف طياري الطائرات بدون طيار أفادوا بمعاناتهم من ضغوط وإنهاك شديدين. ويُعزَى ذلك في المقام الأول إلى ساعات العمل الطويلة المثقلة بالأعباء، وفرط المثيرات والمعلومات التي تتطلب اهتمامهم.

غير أن نسبة المصابين منهم باضطرابات نفسية لاحقة للإصابة تراوحت بين ٣ و٥ في المائة فقط، مقارنةً بنسبة تصل إلى ٢٠ في المائة بين الجنود الذين أُرسِلوا إلى أفغانستان والعراق. ويقول شابيل: «إنه الاستثناء وليس القاعدة.» ولكنَّ ذلك لا يعني عدم وجود آثار. فهو يشك في أن ما قد تُسفِر عنه الدراسات في المستقبل يكون صورة جديدة من الاضطرابات النفسية اللاحقة للإصابة تشبه «الصدمة غير المباشرة»؛ وهو مصطلح صِيغَ لوصف الأعراض التي يعاني منها العاملون في مجال الصحة النفسية الذين يصغون إلى قصص عن ويلات الحرب ممن عايشوها. فيقول شابيل: «بينما يصغي مختصَّو العلاج النفسي لهذه القصص، لا بد لعقلهم من تكوين صورة وفيلم حتى يستوعبوا ما تعرَّض له ذلك الشخص.» ويمكن أن يسبب ذلك استرجاع ذكريات الماضي وحالات الأرق نفسها الشائعة لدى المصابين بالاضطرابات النفسية اللاحقة للإصابة.

حسن التواصل

تأخذ المؤسسة العسكرية تلك الأمور المقلقة على محمل الجد، على حد قول تشاد. فيقول إنه في قاعدة كريتش الجوية العسكرية بنيفادا — مركز عمليات الطائرات بدون طيار — ثمة سياسة جديدة تقتضي أن يتصل طيارو الطائرات بدون طيار بأخصائي علم النفس العسكري كلما استخدموا سلاحًا.

وتدرك تلك القاعدة الجوية الأمريكية ضرورة توظيف طيارين للعمليات المتحكَّم فيها عن بُعْدٍ يتحَلَّون بالاتزان وحسن التواصل. فيقول شابيل: «في كثير من الأحيان يميل الناس تلقائيًّا إلى تخيُّل أن الطيارين هم الأطفال الذين نشئوا على ألعاب الفيديو، وأنهم الأطفال الذين كانوا منعزلين اجتماعيًّا، أما ما نراه فهو أن الأمر يتطلَّب شخصًا يتحلى بالذكاء المعرفي، ومُعافى وقادرًا على التواصل مع الناس.» ويقول المدربون بقاعدة هولومان إنه باستثناء بعض العوامل — مثل القدرة على تحمُّل قوى الجاذبية — تتطابق المعايير المطلوبة للعمل في قيادة الطائرات بدون طيار مع معايير طياري الطائرات النفاثة.

ولا شك في أن الطائرات بدون طيار ليست مجرد أسلحة؛ ففي خضم تلك النقاشات السياسية كلها، من السهل أن ننسى أن المؤسسة العسكرية الأمريكية استخدمت طائرات بريديتور للمراقبة منذ تسعينيات القرن العشرين. أما فكرة تركيب قذائف هيلفاير أسفل جناحي تلك الطائرات الصغيرة فابتكار حديث جدًّا. ويتمثل أقوى عتادها في الكرة الزجاجية المتدلية أسفل طرف الطائرة المدبَّب.

فهذه الكرة تحوي كاميرات قوية متعددة يمكنها قراءة لوحة أرقام سيارة من على بعد أميال، أو تصوير المَشاهد عبر الدخان والعمل في الظلام باستخدام الأشعة تحت الحمراء. ويقول ضابط مقدِّم يُدعَى جون: «تسعة وتسعون في المائة من عملنا قائم على التطلع إلى الأشياء.» فالواقع أن الطائرات بدون طيار تتمتع بقدرة ممتازة على جمع المعلومات المصورة، إلى درجة أن ما تلتقطه من صورٍ تراكَمَ في الشبكات العسكرية وخلَّف قدرًا هائلًا من البيانات المتراكمة التي لم تخضع للتحليل.

وقد ثبت أن كمَّ المعلومات المتدفقة بسرعة الذي يستقبله مشغِّلو الطائرات بدون طيار يمثِّل مشكلة خطيرة؛ فوفقًا لصحيفة ذا نيويورك تايمز عام ٢٠١١، كان من الممكن تفادي مناوشة حدثت مؤخرًا في أفغانستان وسقط ضحيتها ٢٣ مدنيًّا لو أن مشغِّل الطائرة اطَّلع على المعلومات ذات الصلة عن الحشد المتجمع. والنتيجة التي خلص إليها المحققون العسكريون هي أن المشكلة تكمن في أن المشغلين كانوا مثقلين بالأعباء وفقدوا السيطرة.

ويقول جيمس سالما من جامعة سنترال فلوريدا في أورلاندو: «إن المسألة ليست مسألة تدريب؛ فالجهاز المعرفي البشري له حدود ببساطة.» فأثناء المهمة، يرزح الفريق الثنائي المكوَّن من الطيار ومشغِّل أجهزة الاستشعار تحت ضغط شديد بينما يقومان بمراقبة الأهداف، وتحليل الصور، وإرسال الرسائل النصية ومحادثة الأشخاص الموجودين بأرض المعركة عبر جهاز اللاسلكي، والتوفيق بين الأوامر، وتوجيه الطائرة، هذا كله في الوقت الذي يكونان مسئولَيْن فيه عن حياة الجنود والمدنيين الآخرين.

وتتفاوت القدرة على التوفيق بين مهام متزامنة كثيرة من شخص لآخَر. فتقول إليزابيث ستانلي: «اللافت للنظر أنه يمكن أن تُستنزَف هذه القدرة عندما نكون متعبين أو عندما نتعرض لضغوط. فهي شبيهة بمصرف ائتمان.» فعندما يفوق مزيجُ المهام ومسببات الضغوط طاقةَ الشخص، يخفق في المهام كافَّة.

ويقول بيتر هانكوك — الذي يعمل أيضًا بجامعة سنترال فلوريدا: «لا يأتي الانهيار تدريجيًّا، وإنما يفقدون السيطرة فجأة.» وقد حظت تلك الظاهرة بدراسة متعمقة لدى مراقبي الحركة الجوية، الذين قد يرصدون ١٠ طائرات أو أكثر على شاشتهم في الآن ذاته. فعندما يتجاوز عدد الطائرات الظاهرة على الشاشة حدًّا معينًا، حتى المحترفون الذين تلقوا تدريبًا رفيع المستوى يصيرون مثقلين بالأعباء، وينهار النموذج الذي كوَّنه عقلهم عن المجال الجوي بأكمله.

ويعي المدربون في قاعدة هولومان تلك الظاهرة جيدًا. فيقول جاي إنهم أحيانًا يُثقلون كاهل الطلاب بالمهام خلال فترة التدريب بغية إثارة المشكلة.

إلا أن ما لا يمكنهم تدريب الطلاب عليه — على حد قول مدرِّبٍ يُدعَى كريس — هو مدى سرعة تطور الأحداث. ويضيف أن ذلك التحول من المراقبة المملة إلى الحرب الشاملة هو أكثر ما يصدم الطلاب عندما ينتقلون من مرحلة التدريب إلى توجيه الطائرات بدون طيار في أرض المعركة. ويقول راجا باراسورامان من جامعة جورج تاون في فيرفاكس بفيرجينيا — مستشهدًا بعبارةٍ كثيرًا ما تُستَخدَم في وصف الحروب الحديثة: «إنها ساعات الملل التقليدية التي تتخللها لحظات من الهلع.»

وحسب قول هانكوك، فإن آثار تلك التقلبات المتكررة على النفس البشرية في المدى البعيد ليست معروفة تمامًا. ويردف قائلًا: «ولكن بصفة عامة، لا يروق للطبيعة أن تنحرف عن مسارها بدرجات كبيرة من ذلك القبيل.» فعلى حد قوله، قد يسبب الملل ضغوطًا تعادل الضغوط التي تسببها أعباء العمل المفرطة. واستطرد قائلًا: «إننا نطلق على الإقلال المفرط في واجبات العمل «عذابًا».»

وبصفة يومية، لا يحدث غالبًا إلا أحداث قليلة في صحاري الشرق الأوسط وقراه التي تحلِّق فوقها الطائرات المتحكَّم فيها عن بُعْدٍ. ويقول طيارو قاعدة هولومان إنهم يحاولون شغل أنفسهم بتحليل الصور، ولكن مع غياب المثير يمكن أن يصير حفاظ الجنود على يقظتهم أمرًا بالغ الصعوبة، وهو من شأنه أن يؤثر سلبًا على أدائهم إذا طرأ أمرٌ مفاجئٌ.

ويأمل سالما أن يساعد جنوده على تخطي الرتابة. وهو يعمل على تطوير لعبة الفيديو الأكثر مللًا في العالم؛ إذ تتضمن برنامجًا تدريبيًّا قائمًا على الواقع الافتراضي، حيث يجلس اللاعبون في قرية ريفية لا يقومون بشيء سوى مراقبتها. ولا يستطيع الشخص العادي أن يظل منتبهًا أكثر من ١٠ إلى ١٥ دقيقة فقط. ويقول سالما: «يمكنك ملاحظة استنزافهم للطاقة مع مرور الوقت.»

ونتيجة لتلهُّف المشاركين إلى الحركة، يكونون في البداية متيقظين لأي تهديد محتمل — فكل عبوة قد تكون قنبلة مرتجلة، وكل شاحنة يمكن أن يقودها مقاتلون. ولكن مع استمرار عدم حدوث أي شيء، تنخفض درجة يقظتهم ويتضاءل احتمال اعتبارهم أي أمر تهديدًا. وعلى حد تعبير سالما: «في نهاية المطاف تصير أكثر عُرضةً لإغفال الأحداث. ولا تتوافر لدينا معلومات مؤكَّدة عن مدى دوام ذلك الأثر.» وهو يأمل أن يسهم ذلك البرنامج في توعية الجنود على الأقل بمدى السرعة التي تفقد بها عقولهم انتباهها.

علاج استنفاد الحواس

ما برحت المؤسسة العسكرية تبحث في كثير من تلك الأساليب لمساعدة الجنود على تخطي العمليات المنفصلة، سواء تضمَّن ذلك تحسين البيانات أم تحسين الإنسان. فعلى سبيل المثال: رغم اعتماد الطيارين في معظم عملهم على المدخلات البصرية، يمكن إضافة مدخلات لمسية أو سمعية لتنويع طريقة تلقيهم للمعلومات. وعن ذلك يقول هانكوك: «إذا استنفدتَ قدرة إحدى حواسك، يمكنك التحول إلى أخرى.»

وقد ابتكر معمله حزامًا للجنود يتكون من حلقة من محولات الطاقة الاهتزازية، ويمكن للنبضات التي تُصدِرها أن توجِّه مرتديها إلى التحول في اتجاه معين، أو زيادة سرعته، أو أن تنبهه إلى تهديد. ويقول أيضًا إن المؤسسة العسكرية الأمريكية تُجرِي اختبارات على ذلك الحزام لاستخدامه في الظروف القاسية، ولكن يمكن كذلك لمشغِّلي الطائرات بدون طيار أن يستخدموه.

إلا أن بعض الباحثين يشككون في تلك الحلول؛ إذ تقول ستانلي: «المنظومة الأمنية بأكملها تهدف إلى تعظيم الاستفادة من التكنولوجيا لا الإنسان؛ فهي تخلق حلقة مفرغة.» وترى ستانلي أن الأفضل كثيرًا من تلك الحلول هو تدريب الجنود على الوعي بشتَّى أنواع الضغوط التي تنطوي عليها الحروب الحديثة، من خلال تمارين الانتباه المصمَّمة لتوعيتهم بضروب الضغوط التي سيتعرَّضون لها قبل نشرهم في مواقعهم. وقد أثبتت الدراسات المبدئية المجراة على تلك الأساليب تحقُّق بعض النجاح في زيادة قدرة الجنود على التوفيق بين مهام متعددة في الوقت ذاته.

في الوقت الحالي، يموِّل البنتاجون باراسورامان لدراسة عدد المركبات التي يمكن للشخص أن يتحكم فيها في الآن ذاته. وكانت الإجابة — على حدِّ قوله — هي مركبة واحدة، ما لم يتوافر للطيارين نُظُمٌ آلية تساعدهم. إن التشغيل الآلي يلوح في الأفق؛ فعما قريب، يُتوقع أن تصير الطائرات المتحكَّم فيها عن بُعْدٍ قادرةً على توجيه ذاتها والتحكم في كاميراتها ذاتيًّا. أما البشر، فيُفتَرَض أن يحتفظوا بإصدار القرارات مثل إلقاء القنابل. والسؤال المهم الآن — حسب رأي باراسورامان — هو كيفية تهيئة ذلك التشغيل الآلي بحيث ينتج أفضل ما في التعاون بين البشر والطيارات بدون طيار.

لم يستخدم الجنود بقاعدة هولومان نُظُمَ الجيل التالي تلك بَعْدُ، ولكنهم — رغم التحديات التي ينطوي عليها عملهم — متحمسون للعمل باستخدام أحدث التكنولوجيا. فيسأل كريس وهو يقف على مدرج الطائرات أمام طائرة بريديتور: «مَن لا يود أن يكون في الطليعة؟» والحماس للتكنولوجيا يمثِّل جانبًا للمسألة، ولكن كريس يؤكد أن رفاقه على الأرض في أرض المعركة هم مَن يشغلون باله دائمًا. ويقول: «إنهم يشكرونك على جهاز اللاسلكي، قائلين: «أشكرك على ما قدَّمته من دعم يا صديقي.» وحينها تشعر بالسعادة.»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    مهيمن صلاح ·١٩ يناير ٢٠١٤، ١٠:٥ ص

    اروع شي شفتة اريد ان اسجل